النص المفهرس

صفحات 461-480

فأما الشرعة والمنهاج الإسلاميان فهو لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم:
(خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) وبها أنزلت السور المدنية ؛ إذ فى المدينة النبوية
شرعت الشرائع ، وسنت السنن ، ونزلت الأحكام والفرائض والحدود.
فهذا التوحيد : هو الذى جاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب ، وإليه
تشير مشايخ الطريقة وعلماء الدين ؛ لكن بعض ذوى الأحوال قد يحصل له
فى حال الفناء القاصر سكر وغيبة عن السوى ، والسكر وجد بلا تمييز.
فقد يقول فى تلك الحال: سبحانى ، أو ما فى الجبة إلا اللّه، أو نحو ذلك
من الكلمات التى تؤثر عن أبى يزيد البسطامى أو غيره من الأصحاء ، وكلمات
السكران تطوى ولا تروى ولا تؤدى ؛ إذا لم يكن سكره بسبب محظور من
عبادة أو وجه منهى عنه .
فأما إذا كان السبب محظوراً لم يكن السكران معذوراً ، لا فرق فى ذاك
بين السكر الجسمانى والروحانى ؛ فسكر الأجسام بالطعام والشراب ، وسكر
النفوس بالصور ، وسكر الأرواح بالأصوات.
وفى مثل هذا الحال : غلط من غلط بدعوى الاتحاد والحلول العينى ، فى
مثل دعوى النصارى فى المسيح ، ودعوى الغالية فى على وأهل البيت ، ودعوى
قوم من الجمال الغالية فى مثل الحلاج أو الحاكم بمصر أو غيرهما ، وربما اشتبه
عليهم الاتحاد النوعى الحكمى بالاتحاد العينى الذاتى .
٤٦١

فالأول كما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه
وسلم قال: (( يقول الله: عبدى! مرضت فلم تعدنى فيقول كيف أعودك وأنت
رب العالمين ؟ فيقول أما علمت أنه مرض عبدى فلان ؛ فلو عدته لوجدتنى
عنده . عبدى ! جعت فلم تطعمنى ، فيقول ربى : كيف أطعمك وأنت
رب العالمين ؟ فيقول : أما علمت أن عبدى فلاناً جاع ؛ فلو أطعمته لوجدت
ذلك عندی » .
ففسر ما تكلم به فى هذا الحديث أنه جوع عبده ومحبوبه لقوله: ((لوجدت
ذلك عندى)) ولم يقل لوجدتنى قد أكلته، ولقوله: «لوجدتنى عنده)) ولم يقل
لوجدتنى إياه ، وذلك لأن المحب يتفق هو ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما
يرضاه الآخر ، ويأمر بما يأمر به ، ويبغض ما يبغضه ، ويكره ما يكرهه،
وینھی عما نهى عنه .
وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم ، ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق
فى هؤلاء محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم.
ولهذا قال تعالى فيه: (إِنَّالَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) وقال: (وَاَللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) وقال (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ).
وقد جاء فى الإنجيل الذى بأيدى النصارى كلمات مجملة إن صح أن المسيح
قالها فهذا معناها كقوله ((أنا وأبى واحد. من رآنى فقد رأى أبى)، ونحو ذلك،
٤٦٢

وبها ضلت النصارى ، حيث اتبعوا المتشابه ، كما ذكر الله عنهم فى القرآن ،
لما قدم وفد نجران على النبى صلى اللّه تعالى عليه وسلم وناظروه فى المسيح.
وقد جاء فى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى عن أبى هريرة قال :
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ((من عادى لي ولياً فقد بارزنى بالمحاربة
وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدى يتقرب إلى
بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذی يسمع به ، وبصره الذي يبصر
به ، ويده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشى بها ، فى يسمع ، وبى يبصر،
وبى يبطش، وبى يمشى)) فأخبر فى هذا الحديث أن الحق سبحانه إذا تقرب إليه
العبد بالنوافل المستحبة التى يحبها الله بعد الفرائض أحبه الحق على هذا الوجه .
وقد غلط من زعم أن هذا قرب النوافل ، وأن قرب الفرائض أن
يكون هو إياه ، فإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة ، فهذا القرب
يجمع الفرائض والنوافل ؛ فهذه المعانى وما يشبها هى أصول مذهب أهل
الطريقة الإسلامية ، أتباع الأنبياء والمرسلين .
وقد بلغنى أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام فى مذهب الاتحادية ،
وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتاباً اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه
إشارة لطيفة إلى حال هؤلاء ، ولم يكن القصد به والله واحداً بعينه ، وإنما
الشيخ هو مجمع المؤمنين ، فعلينا أن نعينه فى الدين والدنيا بما هو اللائق به ، وأما
هؤلاء الاتحادية فقد أرسل إلى الداعى من طلب كشف حقيقة أمرهم.
٤٦٣

وقد كتبت فى ذلك كتاباً ربما يرسل إلى الشيخ ، وقد كتب سيدنا الشيخ
عماد الدين فى ذلك رسائل ، والله تعالى يعلم - وكفى به عليما - لولا أنى أرى
دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق اللّه تعالى، السالكين إليه من أعظم الواجبات
- وهو شبيه بدفع التتار عن المؤمنين - لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة
إلى أن تكشف أسرار الطريق ، وتهتك أستارها ؛ ولكن الشيخ - أحسن الله
تعالى إليه - يعلم أن مقصود الدعوة النبوية، بل المقصود بخلق الخلق، وإنزال
الكتب ، وإرسال الرسل : أن يكون الدين كله لله، هو دعوة الخلائق إلى
خالقهم بما قال تعالى: ( إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ
بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًاً ). وقال سبحانه: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوْاْإِلَى اللَّهِ عَلَى
بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِى)، وقال تعالى: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
صِرَّطِ اللَّهِالَّذِى لَهُ, مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ).
وهؤلاء مؤهوا على السالكين : التوحيد - الذى أنزل الله تعالى به
الكتب ، وبعث به الرسل - بالاتحاد الذى سموه توحيداً ، وحقيقته تعطيل
الصانع وجحود الخالق .
وإنما كنت قديماً من يحسن الظن بابن عربى ويعظمه: لما رأيت فى
كتبه من الفوائد مثل كلامه فى كثير من ((الفتوحات))، والكنة والمحكم المربوط
والدرة الفاخرة ، ومطالع النجوم ، ونحو ذلك . ولم نكن بعد اطلعنا على
٤٦٤

حقيقة مقصوده، ولم نطالع الفصوص ونحوه ، وكنا نجتمع مع إخواننا فى الله
نطلب الحق ونتبعه ، ونكشف حقيقة الطريق ، فلما تبين الأمر عرفنا نحن
ما يجب علينا .
فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون ، وسألوا عن حقيقة الطريقة
الإسلامية ، والدين الإسلامى وحقيقة حال هؤلاء : وجب البيان.
وكذلك كتب إلينا من أطراف الشام : رجال سالكون أهل صدق
وطلب ، أن أذكر النكت الجامعة لحقيقية مقصودهم.
والشيخ - أيده الله تعالى بنور قلبه، وذكاء نفسه وحقق قصده من نصحه
للإسلام وأهله ، ولإخوانه السالكين - يفعل فى ذلك ما يرجو به رضوان الله
سبحانه ومغفرته فى الدنيا والآخرة .
وهؤلاء الذين تكلموا فى هذا الأمر : لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت
دولة التتار ، وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين ، وذلك أن القسمة
رباعية ، فإن كل واحد من الاتحاد والحلول: إما معين فى شخص وإما مطلق.
أما الاتحاد والحلول المعين : كقول النصارى والغالية فى الأئمة من الرافضة
وفى المشايخ من جهال الفقراء والصوفية ، فإنهم يقولون به فى معين ؛ إما بالاتحاد
كاتحاد الماء واللبن ، وهو قول اليعقوبية وهم السودان ومن الحبشة والقبط ؛
وإما بالحلول وهو قول النسطورية ، وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو
قول الملكانية .
٤٦٥

(وأما الحلول المطلق) وهو أن اللّه تعالى بذاته حال فى كل شىء فهذا تحكيه
أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية ، وكانوا يكفرونهم بذلك.
وأما ماجاء به هؤلاء من الاتحاد العام : فما علمت أحداً سبقهم إليه إلا
من أنكر وجود الصانع ، مثل فرعون والقرامطة - وذلك أن حقيقة أمرهم
أنهم يرون أن عين وجود الحق هو عين وجود الخلق ، وأن وجود ذات الله
خالق السموات والأرض ، هى نفس وجود المخلوقات ؛ فلا يتصور
عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره، ولا أنه رب العالمين ، ولا أنه غنى ،
وما سواه فقير .
لكن تفرقوا على ثلاثة طرق ، وأكثر من ينظر فى كلامهم لا يفهم حقيقة
أمرهم؛ لأنه أمر مبهم.
(الأول) أن يقولوا : إن الذوات بأسرها كانت ثابتة فى العدم ذاتها
أبدية أزلية، حتى ذوات الحيوان ، والنبات والمعادن ، والحركات والسكنات
وأن وجود الحق فاض على تلك الذوات ، فوجودها وجود الحق ، وذواتها
ليست ذوات الحق ، ويفرقون بين الوجود والثبوت ، فما كنت به فى ثبوتك
ظهرت به فى وجودك.
ويقولون : إن اللّه سبحانه لم يعط أحداً شيئاً، ولا أغنى أحداً، ولا
أسعده ولا أشقاه ، وإنما وجوده فاض على الذوات ، فلا تحمد إلا نفسك ،
ولا تذم إلا نفسك.
٤٦٦

ويقولون: إن هذا هو سر القدر ، وأن اللّه تعالى إنما على الأشياء من جهة
رؤيته لها ثابتة فى العدم خارجاً عن نفسه المقدسة .
ويقولون: إن اللّه تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم، وإنهم قد يعلمون
الأشياء من حيث عليها الله سبحانه، فيكون علمهم وعلم اللّه تعالى من معدن
واحد ، وأنهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه ؛ لأنهم
يأخذون من المعدن الذی أخذ منه الملك الذی یوحى به الرسل .
ويقولون: إنهم لم يعبدوا غير اللّه، ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى
وإن عباد الأصنام ما عبدوا إلا اللّه سبحانه، وأن قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ
أَلَّا تَعْبُدُ وَأْإِلَّا إِيَّاهُ ) معنى حكم؛ لا معنى أمر، فما عبد غير اللّه فى كل معبود،
فإن الله تعالى ما قضى بشىء إلا وقع.
ويقولون: إن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية ،
فيدعى إلى الغاية، وأن قوم نوح قالوا: (لَنَذَرُنَّ ◌َالِهَتَكُمْ وَلَا نَذَرُنَّ وَذَّا وَلَا سُوَاعًا)
لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم ؛ لأن للحق فى كل
معبود وجهاً يعرفه من عرفه، وينكره من أنكره ، وأن التفريق والكثرة
كالأعضاء فى الصورة المحسوسة ، وكالقوى المعنوية فى الصورة الروحانية ، وأن
العارف منهم يعرف من عبَد وفى أى صورة ظهر حتى عبد ».
فإن الجاهل يقول : هذا حجر وشجر ، والعارف يقول : هذا مجلى إلهى
ينبغى تعظيمه فلا يقتصر ، فإن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا ، وإن
٤٦٧

عباد الأصنام ما أخطأوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر ،
والعارف یعبد كل شىء.
والله يعبد أيضا كل شىء لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام ، وهو
غذاؤها بالوجود ، وهو فقير إليها وهى فقيرة إليه ، وهو خليل كل شىء بهذا
المعنى، ويجعلون أسماء الله الحسنى هى مجرد نسبة، وإضافة بين الوجود والثبوت
وليست أموراً عدمية .
ويقولون: ((من أسمائه الحسنى : العلى عن ماذا وما ثم إلا هو ؟ وعلى
ماذا وما ثم غيره ؟ فالمسمى محدثات وهى العلية لذاتها وليست إلا هو ، وما
نكح سوى نفسه ، وما ذيح سوى نفسه ، والمتكلم هو عين المستمع)).
وإن موسى إنما عتب على هارون حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيقه وعدم
اتساعه، وإن موسى كان أوسع فى العلم؛ فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله ، وأن
أعلى ما عبد الهوى ، وأن كل من اتخذ إلهه هواه فما عبد إلا الله، وفرعون كان
عندهم من أعظم العارفين ، وقد صدقه السحرة فى قوله : ( أَنَارَتِّكُمُ الْأَعْلَى )
وفى قوله: (مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى).
وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين ، وأقول إن حقيقة
أمرهم هو حقيقة قول فرعون ، المنكر لوجود الخالق الصانع ؛ حتى حدثنى
بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون، ويقولون نحن على قول فرعون .
٤٦٨
i

وهذه المعانى كلها هى قول صاحب الفصوص والله تعالى أعلم بمامات
الرجل عليه ، والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ،
الأحياء منهم والأموات (رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَرِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ
وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْرَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ).
والمقصود : أن حقيقة ما تضمنه كتاب الفصوص ، المضاف إلى النبى
صلى الله تعالى عليه وسلم أنه جاء به: وهو ما إذا فهمه المسلم (علما بالاضطرار أن جميع
الأنبياء والمرسلين ، وجميع الأولياء والصالحين ، بل جميع عوام أهل
الملل ؛ من اليهود والنصارى والصابئين: يبرءون إلى اللّه تعالى من بعض هذا
القول فکیف منه کله؟ .
ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود
الصانع الخالق البارئ المصور - الذى خلق السموات والأرض وجعل
الظلمات والنور - ربهم ورب آبائهم الأولين - رب المشرق والمغرب.
ولا يقول أحد منهم إنه عين المخلوقات ، ولا نفس المصنوعات ، كما يقوله
هؤلاء ، حتى إنهم يقولون لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله؛
وهذا مركب من أصلين :-
(أحدهما) أن المعدوم شىء ثابت فى العدم - كما يقوله كثير من المعتزلة
والرافضة - وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع .
وكثير من متكلمة أهل الإثبات - كالقاضى أبى بكر - كفر من يقول بهذا .
٤٦٩

وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين على اللّه بالأشياء قبل كونها -
وإنها مثبتة عنده فى أم الكتاب فى اللوح المحفوظ - وبين ثبوتها فى الخارج عن
علم الله تعالى، فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى
كتب فى اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها ، فيفرقون بين الوجود
العلمى وبين الوجود العينى الخارجى.
ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة:
( اقْرَأْ بِاسْمِرَبِكَ الَّذِىِ خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرَأْوَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِى عَلََّبِالْقَلِ *
عَلَُّ لْإِنسَنَ مَالَيَعَمَ ) فذكر المراتب الأربع: وهى الوجود العينى الذى خلقه ،
والوجود الرسمى المطابق للفظى الدال على العلمى ، وبين أن الله تعالى علمه .
ولهذا ذكر التعليم بالقلم ، فإنه مستلزم للمراقب الثلاثة .
وهذا القول - أعنى قول من يقول: إن المعدوم شىء ثابت فى نفسه، خارج
عن علم اللّه تعالى - وإن كان باطلا ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع فى الإسلام
من نحو أربعمائة سنة ، وابن عربى وافق أصحابه ، وهو أحد أصلى مذهبه
الذى فى الفصوص .
( والأصل الثانى) أن وجود المحدثات المخلوقات : هو عين وجود
الخالق ، ليس غيره ولا سواه : وهذا هو الذى ابتدعه وانفرد به عن جميع
من تقدمه من المشايخ والعلماء ، وهو قول بقية الاتحادية ، لكن ابن عربى
أقربهم إلى الإسلام ، وأحسن كلاما فى مواضع كثيرة ، فإنه يفرق بين الظاهر
٤٧٠

والمظاهر، فيقر الأمر والنهى والشرائع على ما هى عليه، ويأمر بالسلوك
بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات ، ولهذا كثير من العباد
يأخذون من كلامه سلوكهم ، فينتفعون بذلك وإن كانوا لا يفقهون حقائقه ،
ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبين قوله .
( وأما ) صاحبه الصدر الرومى فإنه كان متفلسفا ، فهو أبعد عن الشريعة
والإسلام ، ولهذا كان الفاجر التلمسانى الملقب بالعفيف يقول : كان شيخى
القديم متروحنا متفلسفا ، والآخر فيلسوفا متروحنا - يعنى الصدر الرومى -
فإنه كان قد أخذ عنه، ولم يدرك ابن عربى فى كتاب مفتاح غيب الجمع والوجود،
وغيره يقول إن اللّه تعالى هو الوجود المطلق والمعين ، كما يفرق بين الحيوان
المطلق والحيوان المعين ، والجسم المطلق والجسم المعين ؛ والمطلق لا يوجد
إلا فى الخارج مطلقا ، لا يوجد المطلق إلا فى الأعيان الخارجة.
حقيقة قوله : إنه ليس لله سبحانه وجود أصلا ، ولا حقيقة ولا ثبوت
إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات ؛ ولهذا يقول هو وشيخه: إن الله تعالى
لا يرى أصلا ، وأنه ليس له فى الحقيقة اسم ولا صفة ، ويصرحون
بأن ذات الكلب والخنزير ، والبول والعذرة : عين وجوده - تعالى الله
عما يقولون .
( وأما) الفاجر التلمسانى : فهو أخبث القوم وأعمقهم فى الكفر ؛ فإنه
لا يفرق بين الوجود والثبوت كما يفرق ابن عربى، ولا يفرق بين المطلق والمعين
٤٧١

کما یفرق الرومى ، ولكن عنده ماثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه . وإن
العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوبا ، فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم
غير يبين له الأمر .
ولهذا: كان يستحل جميع المحرمات ؛ حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول
البنت والأم والأجنبية شىء واحد ، ليس فى ذلك حرام علينا ، وإنما هؤلاء
المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم .
وكان يقول القرآن كله شرك ليس فيه توحيد وإنما التوحيد فى كلامنا .
وكان يقول: أنا ما أمسك شريعة واحدة ، وإذا أحسن القول يقول:
القرآن يوصل إلى الجنة ، وكلامنا يوصل إلى اللّه تعالى؛ وشرح الأسماء
الحسنى على هذا الأصل الذى له .
وله ديوان شعر قد صنع فيه أشياء ، وشعره فى صناعة الشعر جيد ؛
ولكنه كما قيل: ( لحم خنزير فى طبق صينى) وصنف للنصيرية عقيدة ؛ وحقيقة
أمرهم أن الحق بمنزلة البحر وأجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه:
( وأما ) ابن سبعين : فإنه فى البدو والإحاطة يقول أيضا بوحدة الوجود،
وأنه ما ثم غير ، وكذلك ابن الفارض فى آخر نظم السلوك ، لكن لم يصرح
هل يقول بمثل قول التلسانى ، أو قول الرومى ، أو قول ابن عربى ؟ وهو
إلى كلام التلمسانى أقرب ، لكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذى
٤٧٢

ما كفره أحد قط مثل التلمسانى ، وآخر يقال له البليانى من مشايخ شيراز .
ومن شعره :-
وفى كل شى له آية
تدل على أنه عينه
وأيضا :
وما أنت غير الكون بل أنت عينه ويفهم هذا السر من هو ذائقه
وأيضا :
وتلتذ إن مرت على جسدى يدى لأنى فى التحقيق لست سواكم
وأيضا :
وإلام ظلك لا ينى متنقلا
ما بال عيسك لا يقر قرارها
إلا إليك إذا بلغت المنزلا
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن
وأيضا :
ما فيه من حمد ولاذم
ما الأمر إلا نسق واحد
والطبع والشارع فى الحكم
وإنما العادة قد خصصت
وأيضا :
والوجد أصدق نهاء وأمار
یا عادلی أنت تنہانی وتأمرنی
فإن أطعك وأعص الوجد عدت عى عن العيان إلى أوهام أخبار
٤٧٣

فعين ما أنت تدعونى إليه إذا حققته تره المنهى يا جارى
وأيضا :
وما البحر إلا الموج لاشىء غيره وإن فرقته كثرة المتعدد
إلى أمثال هذه الأشعار، وفى النثر ما لا يحصى ، ويوهمون الجمال أنهم
مشايخ الإسلام وأئمة الهدى الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق فى الأمة ،
مثل سعيد بن المسيب ، والحسن البصرى، وعمربن عبد العزيز، ومالك بن
أنس ، والأوزاعى، وإبراهيم بن أدهم، وسفيان الثورى ، والفضيل بن عياض،
ومعروف الكرخى ، والشافعى ، وأبى سليمان ، وأحمد بن حنبل ، وبشر
الحافى ، وعبد الله بن المبارك، وشقيق البلخى، ومن لا يحصى كثرة .
إلى مثل المتأخرين: مثل الجنيد بن محمد القواريرى، وسهل بن عبد الله
التسترى، وعمر بن عثمان المكى، ومن بعدهم - إلى أبى طالب المكى إلى مثل
الشيخ عبد القادر الكيلانى ، والشيخ عدى ، والشيخ أبى البيان ،
والشيخ أبى مدين ، والشيخ عقيل ، والشيخ أبى الوفاء ، والشيخ رسلان ،
والشيخ عبد الرحيم ، والشيخ عبد الله اليونينى، والشيخ القرشى، وأمثال
هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجاز والشام والعراق ، ومصر والمغرب وخراسان،
من الأولين والآخرين.
كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ومن هو أرجح منهم ، وإن الله
٤٧٤

سبحانه ليس هو خلقه ولا جزءاً من خلقه ولا صفة لخلقه ، بل هو - سبحانه
وتعالى -- متميز بنفسه المقدسة، بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته، وبذلك جاءت
الكتب الأربعة الإلهيه ؛ من التوراة ، والإنجيل ، والزبور، والقرآن، وعليه
فطر اللّه تعالى عباده، وعلى ذلك دلت العقول .
وكثيراً ما كنت أظن أن ظهور مثل هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار ،
واندراس شريعة الإسلام، وأن هؤلاء مقدمة الدجال الأعور الكذاب ،
الذی یزعم أنه هو الله .
فإن هؤلاء عندهم كل شىء هو الله، ولكن بعض الأشياء أكبر من بعض
وأعظم.
وأما على رأى صاحب الفصوص فإن بعض المظاهر والمستجليات : يكون
أعظم لعظم ذاته الثابتة فى العدم ؛ وأما على رأى الرومى فإن بعض المتعينات
يكون أكبر ، فإن بعض جزئيات الكلى أكبر من بعض ؛ وأما على البقية
فالكل أجزاء منه ، وبعض الجزء أ كبر من بعض .
فالدجال عند هؤلاء : مثل فرعون من كبار العارفين، وأكبر من الرسل
بعد نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى عليهم
السلام ، فموسى قاتل فرعون الذى يدعى الربوبية ، ويسلط الله تعالى مسيح
الهدى - الذى قيل فيه إنه الله تعالى وهو برىء من ذلك- على مسيح الضلالة
الذى قال : إنه الله .
٤٧٥

ولهذا كان بعض الناس يعجب من كون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم
قال: ((إنه أعور)) وكونه قال: ((واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى
يموت)، وابن الخطيب أنكر أن يكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال هذا؛
لأن ظهور دلائل الحدوث والنقص على الدجال ؛ أبين من أن يستدل عليه
بأنه أعور .
فلما رأينا حقيقة قول هؤلاء الاتحادية، وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى
والحلولية : ظهر سبب دلالة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأمته بهذه العلامة،
فإنه بعث رحمة للعالمين ، فإذا كان كثير من الخلق يجوز ظهور الرب فى البشر،
أو يقول إنه هو البشر: كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلا على انتفاء
الإلهية عنه .
وقد خاطبنى قديما شخص من خيار أصحابنا - كان يميل إلى الاتحاد ثم تاب
منه - وذ کر هذا الحدیث فبينت له وجهه .
وجاء إلينا شخص كان يقول. إنه خاتم الأولياء ، فزعم أن الحلاج لما قال :
أنا الحق كان اللّه تعالى هو المتكلم على لسانه كما يتكلم الجنى على لسان المصروع،
وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله تعالى من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان من
هذا الباب ؛ فبينت له فساد هذا ، وإنه لو كان كذلك كان الصحابة بمنزلة موسى
ابن عمران، وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من موسى ؛ لأن موسى سمع الكلام
الإلهى من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق .
٤٧٦

وهذا يقوله قوم من الاتحادية ، لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين
الاتحاد العام المطلق الذى يذهب إليه الفاجر التلمسانى وذووه، وبين الاتحاد
المعين الذى يذهب إليه النصارى والغالية .
وقد كان سلف الأمة، وسادات الأثمة ؛ يرون كفر الجهمية أعظم من
كفر اليهود، كما قال عبد الله بن المبارك والبخارى وغيرهما، وإنما كانوا
يلوحون تلويحاً ، وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته فى مكان .
وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية ، ولكن
السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه ، فإن كثيراً من الناس قد لا يفهم
تغليظهم فى ذم المقالة ، حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى ، فلما اطلع السلف
على سر القول نفروا منه .
وهذا كما قال بعض الناس : متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً ، ومتعبدة
الجهمية يعبدون كل شىء. وذلك لأن متكلمهم ليس فى قلبه تأله ولا تعبد ، فهو
يصف ربه بصفات العدم والموات .
وأما المتعبد ففى قلبه تأله وتعبد ، والقلب لا يقصد إلا موجوداً لا معدوما
فيحتاج أن يعبد المخلوقات ؛ إما الوجود المطلق وإما بعض المظاهر : كالشمس
والقمر، والبشر والأوثان وغير ذلك ، فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك
فى العالم ، وهم لا يوحدون اللّه - سبحانه وتعالى - وإنما يوحدون القدر
المشترك بينه وبين المخلوقات ، فهم بربهم يعدلون.
٤٧٧

ولهذا حدثنى الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند ، وقال : إن
أرض الإسلام لا تسعه ؛ لأن الهند مشركون يعبدون كل شىء حتى
النبات والحيوان.
وهذا حقيقة قول الاتحادية ، وأعرف ناسا لهم اشتغال بالفلسفة والكلام
وقد تألهوا على طريق هؤلاء الاتحادية ؛ فإذا أخذوا يصفون الرب سبحانه
بالكلام قالوا ليس بكذا ليس بكذا ، ووصفوه بأنه ليس هو رب المخلوقات
كما يقوله المسلمون ، لكن يجحدون صفات الخالق التى جاءت بها الرسل
عليهم السلام .
وإذا صار لأحدهم ذوق ووجد : تأله وسلك طريق الاتحادية ، وقال :
إنه هو الموجودات كلها ؛ فإذا قيل له أين ذلك النفى من هذا الإثبات؟ قال : ذلك
وجدى ، وهذا ذوقى. فيقال لهذا الضال : كل ذوق ووجد لا يطابق الاعتقاد
فأحدهما أو كلاهما باطل، وإنما الأذواق والمواجيد نتائج المعارف والاعتقادات
فإن علم القلب وحاله متلازمان ، فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجد
والمحبة والحال .
ولو سلك هؤلاء طريق الأنبياء والمرسلين عليهم السلام - الذين أمروا
بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، ووصفوه بما وصف به نفسه وبما
وصفته به رسله - واتبعوا طريق السابقين الأولين: لسلكوا طريق الهدى ،
ووجدوا برد اليقين وقرة العين، فإن الأمر كما قال بعض الناس: إن الرسل
٤٧٨

جاءوا بإثبات مفصل ونفى مجمل ، والصابئة المعطلة جاءوا بنفى مفصل وإثبات
مجمل ، فالقرآن مملوء من قوله تعالى فى الإثبات : (إِنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ )
(عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) (إِنَّاللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ) (وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا ) وفى
النفى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) (وَلَمْ يَكُن لَُّ كُفُوا أَحَدٌ) (هَلْ تَعْلَمُلَهُ سَمِيًّا) (سُبْحَنَ
رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّايَصِفُونَ * وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ).
وهذا الكتاب مع أنى قد أطلت فيه الكلام على الشيخ - أيد اللّه تعالى
به الإسلام ، ونفع المسلمين ببركة أنفاسه ، وحسن مقاصده ونور قلبه - فإن
ما فيه نكت مختصرة ، فلا يمكن شرح هذه الأشياء فى كتاب ، ولكن
ذكرت للشيخ - أحسن الله تعالى إليه - ما اقتضى الحال أن أذكره - وحامل
الكتاب مستوفز عجلان، وأنا أسأل الله العظيم أن يصلح أمر المسلمين
عامتهم وخاصتهم ، ويهديهم إلى ما يقربهم ، وأن يجعل الشيخ من دعاة الخير ،
الذين قال الله سبحانه فيهم: (وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغُرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
٤٧٩

سئل شيخ الإسلام قدس اللّروهم :-
ما تقول أئمة الإسلام فى الحلاج؟ وفيمن قال: أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج
ماذا يجب عليه؟ ويقول: إنه قتل ظلماً كما قتل بعض الأنبياء؟ ويقول: الحلاج
من أولياء الله فماذا يجب عليه بهذا الكلام ، وهل قتل بسيف الشريعة؟.
فأجاب :
الحمد لله . من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التى قتل الحلاج عليها
فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين ؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد ،
ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد ، كقوله : أنا الله. وقوله: إله
فى السماء وإله فى الأرض.
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الله خالق
كل شىء، وكل ما سواه مخلوق و(إِن كُلُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِى
الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) وقال تعالى: (يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ
عَلَى اللَّهِإِلَّا الْحَقَّ) الآيات وقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) الآيتين.
فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله، واتفق المسلمون على كفرهم بالله
٤٨٠