النص المفهرس
صفحات 421-440
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم - فى الحديث المتفق عليه ، الذى رواه ابن عباس - يقول: إذا قام من الليل ((اللهم لك الحمد ، أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ، أنت الحق ، وقولك الحق ، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، و محمد حق ، اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت، وإليك حا كمت )) . وإذا ظهر أن فى الوجود ما هو باطل فى الحقيقة ؛ ومنه ما هو حق من مخلوقات الله، ليس هو الله: ظهر تمويههم بقولهم: إن الباطل هو السوى، وهو العدم؛ وأما الموجود فهو هو. وأيضاً فنفس الحديث حجة عليهم. فإن قوله: (( ألا كل شىء ما خلا الله باطل)، لفظ عام يدخل فيه كل موجودسوى الله؛ فإن لفظ: (( الشىء)) يعم كل الموجود بالاتفاق ، ويدخل فيه ماله وجود ذهنى ، أو لفظى أو رسمى كتابى وإن لم يكن له وجود حقيقى من المعدومات والممتنعات؛ فهذا نص فى أن كثيراً من الموجودات باطل ، ولا يجوز أن يراد به : كل معدوم ما خلا اللّه فهو باطل لثلاثة أوجه :- أحدها : أنه قد استثنى اللّه تعالى، وهو الحق المبين ، من لفظ إثبات، ومثل هذا الاستثناء يدل على التناول ، بخلاف الاستثناء من غير موجب ، ٤٢١ كقوله: (مَالَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَاعَ الظَّنّ ) فإن ذلك لا يدل على التناول، فلو كان التقدير : كل معدوم ما خلا اللّه باطل ، للزم أن يكون الحق تعالى معدوماً وهذا أبطل الباطل . الثانى: أن ((كل شىء)) نص فى الوجود ، لا يجوز قصرها على المعدومات بالاتفاق . الثالث: أن المعدوم لا يدخل فى لفظ ((كل شىء)) عند أهل السنة وعامة العقلاء ، فضلا عن كونه يختص به . الرابع : أنه لو كان المعنى : كل معدوم فهو باطل ، لكان هذا من باب تحصيل الحاصل، بل لفظ ((العدم)) أدل على النفى من لفظ الباطل. فكيف بين الجلى بالخفى؟. الخامس: أنه لو أراد هذا لقال: ((كل ما سوى اللّه باطل)) فإن هذه العبارة أقرب إلى احتمال مراد هؤلاء الملاحدة من هذا اللفظ ، وإن كانت تلك العبارة لا تدل أيضاً على مرادهم. وإذا لم يكن معنى الحديث ما ادعوه ، فقد عرف أن كل ما سوى الله فهو باطل بوجهى الباطل اللذين تقدم تفسيرهما . أحدهما - وهو المقصود النافع. والباطل ما لا منفعة فى قصده ، وكل شىء ما خلا الله - إذا كان له القصد والعمل - كان ذلك باطلا، والأمر به ٤٢٢ باطل وهذا يشبه حال المشركين ، الذين كانوا يعبدون غير الله أو يعبدون الله بغير أمر اللّه ولا شرعه. فإن قيل : فالباطل هو نفس القصد والعمل لا نفس العين المقصودة . قلت : بل نفس العين المقصودة باطل بالاعتبار الذى قصدت له ، كما جاء فى الحديث: (( أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك الكريم)). وذلك : أنه إذا كان الباطل فى الأصل هو العدم ، والعدم هو المنفى، فالشىء ينفى لانتفاء وجوده فى الجملة، كقوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَّا أَحَدٌ) و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) وقوله: (مَا أَتَّخَذَ الَهُمِنْ وَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) وقوله (لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ) وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم: ((لا نى بعدى)). وقد ينفى لانتفاء فأئدته ومقصوده وخاصته التى هو بها هو، كما ذكرناه ؛ فإن ما لا فائدة فيه فهو باطل ، والباطل معدوم ، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان: ((ليسوا بشىء)) ومنه قوله تعالى: (يَأَهْلَ الْكِنَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَبِّكُمْ ). وقد ينفى الشىء لانتفاء كماله وتمامه ، إما مطلقاً، وإما بالنسبة إلى غيره، كقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين بهذا الطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان ، وإنما المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه ، ولا ٤٢٣ يتفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس إلحافاً)). ونحو ذلك قوله فى المفلس والرقوب ، ونظائر كل من هذه الأقسام الثلاثة كثيرة. فالشىء المقصود لأمر هو باطل منتف إذا انتفت فأبدته ومقصوده ، فكل ما سوى الله لا يجوز أن يكون معبوداً ولا مستعاناً، فقد انتفى مما سوى الله هذا المعنى المقصود، فهو باطل ، وكل ما سوى الله لا يجوز أن يكون صمداً مقصوداً ولا معبوداً ، ولا فائدة فى قصده، ولا منفعة فى عبادته واستعانته : فهو باطل . وهذا واضح، وهذا عموم محفوظ لا يستثنى منه شىء. وبيان ذلك : أن كل ما سوى اللّه فإما أن يقصد لنفسه ، وإما أن يقصد لغيره . فالمقصود لغيره : مثل ما يقصد الخبز للأكل ، والثوب للبس، والسلاح للدفع ، ونحو ذلك ، وهو ما خلقه اللّه لنفع بنى آدم من الأعيان؛ فإن هذه إنما تقصد لغيرها لا لذاتها ، وكذلك المال الذى يقصد به جلب منفعة أو دفع مضرة إنما يقصد لغيره، لا لنفسه، وكل ما قصد لغيره فإنما المقصود فى الحقيقة ذلك الغير . وهذا مراد له بحيث إن حصل ذلك الغير المقصود لنفسه وإلا كان هذا مما لا فائدة فيه ولا منفعة ، فيكون من باب الباطل الذى ينفى ، ويقال فيه : ليس بشىء ؛ وهو باطل ، ويلحق بالمعدوم. ٤٢٤ فثبت أنه إن لم يحصل فى كل قصد مقصود لنفسه وإلا كان باطلا ، والمقصود لنفسه إن لم يكن هو اللّه كان باطلا ؛ فإن المقصود لنفسه هو المعبود؛ ومن عبد غير اللّه كان باطلا ، وعبادته باطلة ؛ لأنه لا منفعة فيه ولا فى عبادته، بل ذلك ضرر محض. قال الله تعالى: (يَدْعُو ◌ْلَمَن ضَرُّهُ أَقْرَّبُ مِن نَّفْعِهِ ) وهذا عام فى كل معبود ، وهذا حقيقة الدين . فإن الله إنما خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له ، وسخر لهم ما فى السموات وما فى الأرض ليستعينوا به على عبادته ؛ فمن لم يستعن بهذه الأشياء على عبادته فعمله كاه وقصده باطل ، ولا منفعة فيه ، بل فيه الضرر . فثبت أن كل قصد ومقصود سوى اللّه باطل ، سواء كان مقصوداً لنفسه أو لغيره سوى الله، وإنما الحق أن يقصد الله ، أو يقصد ما يستعان به على قصد الله. وهذا تحقيق قوله: ((ألا كل شىء ما خلا الله باطل ، بأحد وجهى الحق والباطل، وهو كونه مقصوداً ومطلوباً، وهو أظهر وجهيه. الثانى : أن كل ما خلا اللّه فهو معدوم بنفسه ، ليس له من نفسه وجود ، ولا حركة ولا عمل ، ولا نفع لغيره منه ، إذ ذلك جميعه خلق الله وإبداعه وبرؤه وتصويره، فكل الأشياء إذا تخلى عنها الله فهى باطل ، يكفى فى عدمها وبطلانها نفس تخليه عنها ، وأن لا يقيمها هو بخلقه ورزقه ؛ وإذا كانت باطلة فى أنفسها - والحق إنما هو الله وبالله ومن الله - صدق قول القائل: ((ألا كل شىء ما خلا اللّه باطل)» باعتبارين :- ٤٢٥ أحدهما : أن صنعه على هذا التقدير ليس مستغنياً عنه ، ولا قائماً بسواه ، ولا خارجا عنه ؛ فأدخل فى اسمه على سبيل التبع ، لا لأنه جزء من المسمى ، وكثيراً ما يدخل فى الاسم الجامع والأسماء العامة أشياء على سبيل التبع ، لا لأنها جزء من المسمى ، كما لو قال: بعتك هذا الفرس ، دخل فيه فعله . ولو قال القائل : دخل زيد إلى دارى ، كانت ثيابه داخلة فى حكم اسمه ، وكذلك إذا قيل : حملت زيداً، وركب زيد على الدابة ، وإذا قيل: بنو هاشم : دخل فيهم مواليهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مولى القوم منهم)) وقد يدخل فيهم الحليف وابن الأخت ؛ وهذا مشهور فى كلام العرب وأهل المغازى . الاعتبار الثانى: أن القائل إذا قال: جاء القوم ما خلا زيدا، فإن ((خلا)) هنا فعل ناقص من أخوات ((كان)) وزيداً منصوب به ؛ وفيه ضمير مرفوع ، وذلك الضمير عائد على ((ما)) أخت الذى، وهى الموصولة؛ وهذه الجملة صلة ((ما)) وكان تقدير الكلام: قام القوم الذين هم خلا زيدا، لكن ((ما)، يحتمل الواحد والاثنين والجميع ، والضمير يعود إلى لفظها أكثر من معناها . فقوله: رأيت ما رأيته من الرجال: أحسن من قولك: ما رأيتهم من الرجال . وباب: (وَمِنْهُم ◌َّنْ يَسْتَمِعُ إِلَيَّكَ) أكثر وأفصح من قوله: ((من يستمعون، ولهذا قوى، فصار: ما خلا زيدا، يقوم مقام الذى خلا ، والذين خلوا ، واللاتى خلون ، ونحو ذلك. تقول : قامت النسوة ما خلا هندا . ولفظ ((ما)) إما أن يكون له موضع من الإعراب، وهو الوصف لما ٤٢٦ قبله، أو النصب على الحال، أولا موضع له؛ وإذا كان التقدير : كل شىء فى حال خلوه عن اللّه باطل ، أو كل شىء خلا الله فهو باطل ، أو كل الأشياء حال كونها خلت الله، أو التى خلت الله باطل؛ فلوها الله قد يتضمن معنى خلوها منه. ومعلوم أنها متى خلته ، أى خلت منه : كانت باطلا ، وإنما قيامها بأن لا تتخلى منه ، بل تتقوم به . وهذا ... فى الأصل دون غيره من أدوات الاستثناء. وأصل هذا المعنى مقصود من هذا ... (١) فى قول النبى صلى الله عليه وسلم. وهذا التوحيد وتفسيره المذكور فى قوله: ((ألا كل شىء ما خلا اللّه باطل)» هو نحو مما ذكر فى قوله تعالى: (كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) بعد قوله: (فَلَاتَكُونَنَ ظَهِيْرًا لِّلْكَفِرِينَ * وَلَا يَصُدُّتَكَ عَنْ ءَايَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أَنْزِلَتْ إِلَيْكٌَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكٌَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَاتَدْعُ مَعَ اللَّهِإِلَهَا ءَاخَرُلَا إِلَهَ إِلََّّ هُوَّكُلُ شَىْءٍ هَالِكُّ إِلَّ وَجْهَةٌّ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فإن ذكره ذلك بعد نهيه عن الإشراك، وأن يدعو معه إلهاً آخر، وقوله: ((لَا إِلَهَ إِلََّهُوَ » يقتضى أظهر الوجهين ، وهو أن كل شىء هالك إلا ما كان لوجهه من الأعيان والأعمال وغيرهما . روى عن أبى العالية قال: ((إلا ما أريد به وجهه)) وعن جعفر الصادق « إلا دينه » ومعناهما واحد . (١) بياض بالأصل ٤٢٧ وقد روى عن عبادة بن الصامت قال (( يجاء بالدنيا يوم القيامة فيقال: ميزوا ما كان لله منها . قال : فماز ما كان لله منها ، ثم يؤمر بسائرها فيلقى فى النار)). وقد روى عن على ما يعم. ففى تفسير الثعلبى عن صالح بن محمد عن سلمان ابن عمرو عن سالم الأفطس عن الحسن وسعيد بن جبير عن على بن أبى طالب ((أن رجلا سأله، فلم يعطه شيئاً. فقال: أسألك بوجه اللّه فقال له على: كذبت ليس بوجه اللّه سألتنى، إنما وجه اللّه الحق، ألا ترى إلى قوله: (كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) يعنى الحق - ولكن سألتنى بوجهك الخلق)، وعن مجاهد (( إلا هو)) وعن الضحاك ((كل شىء هالك إلا اللّه والجنة والنار، والعرش)) وعن ابن كيسان (( إلا ملكه)). وذلك أن لفظ ((الوجه)) يشبه أن يكون فى الأصل مثل الجهة، كالوعد والعدة ، والوزن والزنة ، والوصل والصلة ، والوسم والسمة ، لكن فعلة حذفت فاؤها وهى أخص من الفعل ، كالأكل والإكلة . فيكون مصدراً بمعنى التوجه والقصد ، كما قال الشاعر : رب العباد إليه الوجه والعمل استغفر الله ذنباً لست محصیه ثم إنه يسمى به المفعول ، وهو المقصود المتوجه إليه ، كما فى اسم الخلق، ودرهم ضرب الأمير ونظائره ، ويسمى به الفاعل المتوجه ، كوجه الحيوان ، يقال: أردت هذا الوجه، أى هذه الجهة والناحية. ومنه قوله: (وَلَّهِالْمَشْرِقُ ٤٢٨ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَّمَّ وَجْهُ اللّهِ ) أى قبلة الله ووجهة الله ، هكذا قال جمهور السلف ، وإن عدها بعضهم فى الصفات ، وقد يدل على الصفة بوجه فيه نظر ، وذلك أن معنى قوله: ( فَآَيْنَمَاتُولُوا) أی تتولوا ، أى تتوجهوا و تستقبلوا يتعدى إلى مفعول واحد، بمعنى يتولاها. ونظير: ولى وتولى : قدم وتقدم، وبين وتبين ، كما قال: (لَا نُقَدِّمُواْبَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) وقال: (بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) وهو الوجه الذى لله، والذى أمر الله أن نستقبل. فإن قوله: (وَلِلَِّالْمُشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) يدل على أن وجه اللّه هناك من المشرق والمغرب الذى هو الله ، كما فى آية القبلة: ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِبْلَئِمُ الَّتِ كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ) فلما سألوا عن سبب التولى عن القبلة أخبر أن له المشرق والمغرب . وأما لفظ ((وجهة)) مثل قوله: ( وَلِكُلِّ رِجْهَةٌ هُوَمُوَّلِيهَا ) فقد يظن أيضاً أنه مصدر كالوجه ، كالوعدة مع الوعد ، وأنها تركت صحيحة فلم تحذف فاؤها ، وليس كذلك . لأنه لو كان مصدراً لحذفت واوه ، وهو الجهة . وكان يقال ولكل جهة أو وجه، وإنما الفعلة هنا بمعنى المفعول، كالقبلة والبدعة ، والذبحة ونحو ذلك. فالقبلة : ما استقبل ، والوجهة : ما توجه إليه، والبدعة : ما ابتدع، والذبحة : ما ذبج ؛ ولهذا صح ولم تحذف فاؤه ؛ لأن الحذف إنما هو من المصدر لا من ٤٢٩ بقية الأسماء ، كالصفات وما يشبها ، مثل أسماء الأمكنة والأزمنة ، والآلات والمفاعيل وغير ذلك . وأما قول بعض الفقهاء: إن الوجه مشتق من المواجهة : فلا دليل عليه ، بل قد عارضه من قال: هو مشتق من الوجاهة ؛ وكلاهما ضعيف . وإنما المواجهة مشتق من الوجه ، كما أن المشافهة مشتق من الشفة ، والمناظرة -بمعنى المقابلة- مشتقة من النظر ، والمعاينة من العين . وأما اشتقاق الوجه الذى هو المتوجه : من الوجه الذى هو التوجه ؛ فهذا أشبه؛ لأن توجهه : هو فعله المختص به الذى لا يفتقر فيه إلى غيره ، بخلاف المواجهة ، فإنها تستدعى اثنين ، والإنسان هو حارث حمام ، وهمه هو توجهه ، وإنما يتوجه بهذا العضو إلى أى شىء أراده وتوجه إليه . ومن هذا الباب قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَخْرُهُ عِندَرَبِّهِ ) وقوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا) وقول الخليل ونبينا والمؤمنين فى الصلاة: (وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنْمِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وقوله تعالى: (قُلْ أَمَرَرَتِى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الَِّنَّ كَمَابَدَأَ كُمْتَعُوُدُونَ ) الآية وقوله: (فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا) وقوله: (فَأَقِرْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ الْقَيِّمِ ) وقوله: ( وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وقول النبى صلى الله عليه وسلم ٤٣٠ للذى عليه دعاء النوم: ((اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك)) وقال زید بن عمرو بن نفيل : أسلمت وجهى لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا فهذه ثلاثة ألفاظ : أسلم وجهه ، ووجه وجهه ، وأقام وجهه . قال قدماء المفسرين فى قوله تعالى : (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أى أخلص فی دینه وعمله الله، وقال بعضهم: فوض أمره إلى اللّه، وقد قيل: خضع وتواضع لله. وهذا الثالث يليق بالإسلام اللازم ، فإن وجهه هو قصده، وتوجهه الذى هو أصل عمله، وهو عمل قلبه الذى هو ملك بدنه ، فإذا توجه قلبه تبعه أيضاً توجه وجهه ، فاستتبع القصد الذى هو الأصل من القلب ، الذى هو الأصل للعمل ، الذى هو تبع من الوجه وسائر البدن الذى هو تبع ، فيكون قد أسلم عمله الباطن. والظاهر، وأعضاءه الباطنة والظاهرة لله؛ أى سلمه له، وأخلصه لله، كما فى الإسلام اللازم، وهو قوله: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ) وقوله عن بلقيس: ( إِى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) وقوله عن إبراهيم وإسماعيل: (رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ ) أى منقادة مخلصة . وكذلك توجيه الوجه للذى فطر السموات والأرض : توجيه قصده، وإرادته وعبادته ، وذلك يستتبع الوجه وغيره، وإلا فمجرد توجيه العضو من غير عمل القلب لا يفيد شيئاً. ٤٣١ قال الزجاج فى قوله: ( وَجَّهْتُ وَجْهِىَ ) أى جعلت قصدى بعبادتى وتوحيدى لله رب العالمين، وكذلك قوله: (وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ ) فإن الوجوه التى هى المقاصد ، والنيات التى هى عمل القلب ، وهى أصل الدين : تارة تقام وتارة تزاغ ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه ، وإن شاء أن يزيغه أزاغه)) فإقامة الوجه ضد إزاغته وإمالته، وهو الصراط المستقيم. فإذا قوم قصده وسدده ولم ينحرف يميناً ولا شمالا کان قصده لله رب العالمين، كما قال: (لَّاَ شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ) وكذلك قال الربيع بن أنس: ((اجعلوا سجودكم خالصاً لله)) فلا تسجدوا إلا لله. وروى عن الضحاك وابن قتيبة ((إذا حضرت الصلاة وأتم عند مسجد فصلوا فيه، ولا يقولن أحدكم: أصلى فى مسجدى )) كأنه أراد صلوا لله عند كل مسجد ، لاتخصوا مسجداً دون مسجد . وعلى هذين القولين يتوجه ماذ کرناه. وروى عن مجاهد والسدى وابن زيد: ((توجهوا حيث كنتم فى الصلاة إلى الكعبة )). وعلى هذا : فإقامة الوجه استقبال الكعبة وهذا فيه نظر ؛ فإن هذه الآية مكية ، والكعبة إنما فرضت فى المدينة ، إلا أن يراد بإقامة الوجه الاستقبال المأمور به . ٤٣٢ وإنما وقع النزاع هنا لقوله تعالى: (عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ) بخلاف قوله تعالى: ( فَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّيْنِ حَنِيفًا ). فقوله: (كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) أى دينه وإرادته وعبادته ، والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى، وهو قولهم : ما أريد به وجهه، وهو نظير قوله: ﴿ لَوْكَانَ فِيهِمَآءَالِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) فكل معبود دون اللّه باطل ، وكل ما لا يكون لوجهه فهو هالك فاسد باطل ، وسياق الآية يدل عليه وفيه المعنى الآخر . فإن الإلهية تستلزم الربوبية؛ ولهذا قال: ( لَهُ الْحُكْرُوَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). وفى هذا قول آخر ، يقوله كثير من أهل العلم : أن الوجه فى مثل قوله: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) و (أَقِمْ وَجْهَكَ ) و(وَجَّهْتُ وَجْهِىَ): هو الوجه الظاهر ، كما أنه كذلك بالاتفاق فى قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ ) وفى قوله : (فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) وفى قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) وقد جاء الوجه فى صفات الله فى مواضع من الكتاب والسنة ، ليس هذا موضعها . قالوا : لكن الوجه إذا وجه : تبعه سائر الإنسان، وإذا أسلم : فقد أسلم سائر الإنسان ، وإذا أقيم فقد أقيم سائره ؛ لأنه هو المتوجه أولا من الأعضاء الظاهرة للقاصد الطالب ؛ ولهذا يذكر كثيراً على وجه الاستلزام لسائر صاحبه ، ٤٣٣ ويعبر به عنه ، لكن هل هذا من باب الحقيقة العرفية التى تقلب الاسم من الخصوص إلى العموم، أو الحقيقة اللغوية باقية ، وهو من باب الدلالة اللزومية؟ فيه قولان . وكذلك فى سائر الأعضاء ، حتى لو قال لعبده : يدك، أو رجلك حر، أو قال لزوجته : يدك أو رجلك طالق إن أعطيتى ألفاً، ثم قطع العضو قبل الإعطاء. فمن قال: إن اللفظ عبارة عن الجميع أوقع الطلاق والعتق. ومن قال: إن الاسم للعضو فقط ، لم يسر العتق عنده إلى سائر الجملة ؛ لعدم تبعيضه . وقال: إنه لا يقع شىء فى هذه الصورة . وإلى هذا الأصل يعود معنى قول اللّه تعالى: كل شىء هالك إلا وجهه ، كما قد قيل فى قوله: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ ) فإن بقاء وجهه المذوى بالجلال والإ كرام: هو بقاء ذاته . ٤٣٤ فصل وأما اتحاد ذات العبد بذات الرب ، بل اتحاد ذات عبد بذات عبد ، أو حلول حقيقة فى حقيقة ، كلول الماء فى الوعاء : فهذا باطل قطعاً ، بل ذلك باطل فى العبد مع العبد ؛ فإنه لا تتحد ذاته بذاته ، ولا تحل ذات أحدهما فى ذات الآخر . وهذا هو الذى وقعت فيه الاتحادية والحلولية ؛ من النصارى وغيرهم ؛ من غالية هذه الأمة وغيرها ، وهو اتحاد متجدد بين ذاتين كانتا متميزتين ، فصارتا متحدتين ، أو حلول إحداهما فى الأخرى فهذا بين البطلان . وأبطل منه قول من يقول : ما زال واحداً وما ثم تعدد أصلا . وإنما التعدد فى الحجاب ، فلما انكشف الأمر رأيت أنى أنا ، وكل شىء هو الله، سواء قال بالوحدة مطلقاً ، أو بوحدة الوجود المطلق ، دون المعين، أو بوحدة الوجود دون الأعيان الثابتة فى العدم. فهذه وما قبلها مذاهب أهل الكفر والضلال، كما أن الأولى مذهب أهل الإيمان والعلم والهدى. ومن كفر بالحق من ذلك أو آمن بالباطل . ٤٣٥ فهما فى طرفى نقيض . كاليهود والنصارى . وأما المؤمنون : فيؤمنون بحق ذلك دون باطله ، وكتاب الله وسنة رسوله فيهما الهدى والنور ، وفيهما بيان الصراط المستقيم : صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . فأما إثبات الحق من ذلك ، وهو ما يحصل لأنبياء الله وأوليائه ، الذين هم المتقون من السابقين والمقتصدين ، وما قد يحصل من ذلك لكل مؤمن ، مثل محبتهم اللّه تعالى ، ومحبته لهم، ورضوانهم عنه، ورضوانه عنهم: فقد قال الله تعالى: ( فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُبِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِمٍ ) وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِن دُونِ اُللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ ) وقال تعالى: (وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُ إِلَى النَّْلُكَةِ وَأَحْسِنُوْ إِنَّ الَّهَيُحِبُّالْمُحْسِنِينَ) وقال تعالى: ( بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) وقال تعالى: (فَمَا أُسْتَقَدّمُواْلَكُمْ فَاسْتَقِيمُوْلَهُمْ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) وقال: (فَأَتِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ) وقال: (فَأَتُوُهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّالْمُتَطَهِرِينَ) وقال: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَرُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُّ اُلْمُطَّهِرِينَ) وقال: (فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ). وقال: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ- صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُثْيَنٌ مَّرْصُوصُ) وقال: (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وقال: (قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ) ٤٣٦ إلى قوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ) وقال: (وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا) وقال: (وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُمْ بِحْسَنِ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ ) وقال: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِىِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَتَّدَهُمْ بِرُوجِ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ) وقال: (أَوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَرَبِهِمْ جَنَتُ عَدٍّ تَجْرِى مِن ◌َِّهَا آلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب العبد التقى الغنى الخفى)) ((إن الله جميل يحب الجمال)) ((إن الله نظيف يحب النظافة)) ((إن الله وتر يحب الوتر)) ((إن الله يحب معالى الأخلاق ويكره سفسافها)) وقال: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم)). وفى القرآن من ذكر الاصطفاء والاجتباء والتقريب والمناجاة والمناداة والخلة ونحو ذلك: ما هو كثير ، وكذلك فى السنة . وهذا مما اتفق عليه قدماء أهل السنة والجماعة ، وأهل المعرفة والعبادة والعلم والإيمان. وخالف فى حقيقته قوم من الملحدة المنافقين : المضارعين للصابتين ومن وافقهم، والمضارعين لليهود والنصارى ، من الجهمية أو من فيه تجهم ، وإن كان الغالب عليه السنة . ٤٣٧ فتارة ينكرون أن الله يخالل أحدا، أو يحب أحدا، أو يواد أحدا، أو يكلم أحدا، أو يتكلم ، ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ فيفسرون ذلك تارة یاحسانه إلى عباده ، وتارة بإرادته الإحسان إليهم ، وتارة ینکرون أن الله يحب أو يخالل . ويحرفون الكلم عن مواضعه فى محبة العبد له ، بأنه إرادة طاعته ، أو محبته على إحسانه . وأما إنكار الباطل: فقد نزه الله نفسه عن الوالد والولد، وكفر من جعل له ولدا أو والدا أو شريكا، فقال تعالى فى السورة التى تعدل ثلث القرآن - التى هى صفة الرحمن ، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فى فضل سورة من القرآن ما صح فى فضلها ، حتى أفرد الحفاظ مصنفات فى فضلها ، كالدار قطنى ، وأبى نعيم ، وأبى محمد الخلال، وأخرج أصحاب الصحيح فيها أحاديث متعددة - قال فيها: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ * اللَّهُ الصََّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُكُفُوا أَحَدٌ). وعلى هذه السورة اعتماد الأئمة فى التوحيد ، كالإمام أحمد ، والفضيل ابن عياض، وغيرهما من الأئمة قبلهم وبعدهم . فنفى عن نفسه الأصول والفروع والنظراء ، وهى جماع ما ينسب إليه المخلوق من الآدميين والبهائم والملائكة والجن، بل والنبات ونحو ذلك ؛ فإنه ٤٣٨ ما من شىء من المخلوقات إلا ولا بد أن يكون له شىء يناسبه: إما أصل ، وإما فرع، وإما نظير ، أو اثنان من ذلك ، أو ثلاثة . وهذا فى الآدميين والجن والبهائم ظاهر . وأما الملائكة : فإنهم وإن لم يتوالدوا بالتناسل فلهم الأمثال والأشباه ؟ ولهذا قال سبحانه: ( وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ * فَفِرُواْإِلَى اللَّهِ) قال بعض السلف: لعلكم تذكرون ، فتعلمون أن خالق الأزواج واحد. ولهذا كان فى هذه السورة الرد على من كفر من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين . فإن قوله: (( لم يلد)) رد لقول من يقول: إن له بنين وبنات من الملائكة أو البشر ، مثل من يقول: الملائكة بنات اللّه، أو يقول: المسيح ، أو عزير ابن اللّه، كما قال تعالى عنهم: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) وقال تعالى: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَثَّاوَهُمْ شَهِدُونَ * أَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَالَكُمْكَفَ تَّحْكُمُونَ * أَفَلَنَذَّكَّرُونَ * أَمْلَكُرْسُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأَنُواْ بِكِنَبِكُمْإِنَ كُمُ صَدِقِينَ * وَجَعَلُواْبَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبََّ وَلَقَدْ عَلِّمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) وقال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمٌ يُضَهِقُونَ قَوّلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَنَلَهُمُ اللَّه أَنَّى يُؤْفَكُونَ *أَتَّخَذُواْأَحْبَارَهُمْ ٤٣٩ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ) وقد أخبر أن هذا مضاهاة لقول الذين كفروا من قبل . وقد قيل : إنهم قدماؤهم. وقيل : مشركوا العرب ، وفيهما نظر. فإن مشركى العرب الذين قالوا هذا ليسوا قبل اليهود والنصارى وقدمائهم منهم ، فلعله الصابئون المشركون ، الذين كانوا قبل موسى والمسيح بأرض الشام ومصر وغيرها ، الذين يجعلون الملائكة أولادا له ، كما سنبينه . وقال تعالى: ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَّ لَهُمُ الْمُسْنَى) وهو قول من قال من العرب: إن الملائكة بنات اللّه. وقال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّارَزَقْتَهُمْ تَاللَّهِ لَتُتْئَلُنَّ عَمَّا كُتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَِّالْبَتِ سُبْحَنَهُوَلَهُم ◌َايَشْتَهُونَ * وَإِذَابُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَنَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوْءٍ مَا بُشْرَبِهِ: أَيُّمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْيَدُسُّهُ. فِى الْتُرَابِ أَلَسَآءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٍ وَلِلَّهِالْمَثَلُ اَلْأَعْلَى وَهُوَ اٌلْعَزِيزُالْحَكِيمُ) وقال تعالى: (وَجَعَلُواْلَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًاْ إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورٌ مُبِينُ * أَمِ أَتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَاضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلَا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَن يُنَشَّؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِىِ الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوْمَلَِّكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَّا أَشَهِدُ واْ خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَ ◌ُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ). ٤٤٠