النص المفهرس
صفحات 381-400
فصل فيما عليه أهل العلم والإيمان من الأولين والآخرين ، بما يشبه الاتحاد والحلول الباطل وهو حق - وإن سمى حلولا أو اتحاداً - وهو ما عليه أهل الإسلام وأهل السنة والجماعة ، وأهل المعرفة واليقين من جميع الطوائف بدلالة الكتاب والسنة . أما الحلول : فلا ريب أن من علم شيئاً فلا بد أن يبقى فى قلبه منه أثر ونعت، وليس حاله بعد العلم به كماله قبل العلم به ، حتى يكون العلم نسبة محضة بمنزلة العلو والسفول : فإن المستعلى إذا نزل زال علوه ، والسافل إذا اعتلى زال سفوله، والعلم لا يزول ؛ بل يبقى أثره بكل حال؛ فإذا كان مع العلم به يحبه أو يرجوه أو يخافه : كان لهذه الأحوال أثر ونعت آخر وراء العلم والشعور ، وإن كانا قد يتلازمان . فإذا ذكره بلسانه: كانت هذه الآثار أعظم . وإذا خضع له بسائر جوارحه: كان ذلك أعظم وأعظم . وهذه المعانى هى فى الأصل مشتركة فى كل مدرِك ومدرَك ، ومحب ومحبوب ، وذاكر ومذكور، وسواء كان على وجه العبادة ، كعبادة الله ٣٨١ وحده لا شريك له ، أو عبادة الأنداد من الذين اتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كب اللّه، أو على غير وجه العبادة ، كمحب الإخوان والولدان ، والنسوان والأوطان ، وغير ذلك من الأكوان . فالمؤمن الذى آمن بالله بقلبه وجوارحه إيمانه يجمع بين علم قلبه وحال قلبه: تصديق القلب وخضوع القلب، ويجمع قول لسانه وعمل جوارحه ، وإنكان أصل الإيمان هو ما فى القلب أو ما فى القلب واللسان ؛ فلا بد أن يكون فى قلبه التصديق بالله والإسلام له ، هذا قول قلبه، وهذا عمل قلبه ، وهو الإقرار بالله. والعلم قبل العمل ، والإدراك قبل الحركة ، والتصديق قبل الإسلام ، والمعرفة قبل المحبة ، وإن كانا يتلازمان ؛ لكن على القلب موجب لعمله ، ما لم يوجد معارض راجح ، وعمله يستلزم تصديقه ، إذ لا تكون حركة إرادية ولا محبة إلا عن شعور ، لكن قد تكون الحركة والمحبة فيها فساد إذا لم يكن الشعور والإدراك صحيحاً . قال عمر بن عبد العزيز: ((من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فأما العمل الصالح بالباطن والظاهر : فلا يكون إلا عن علم ، ولهذا أمر الله ورسوله بعبادة الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له ونحو ذلك، فإن هذه الأسماء تنتظم العلم والعمل جميعاً: على القلب وحاله ، وإن دخل فى ذلك قول اللسان وعمل الجوارح أيضاً ، فإن وجود الفروع الصحيحة مستلزم لوجود الأصول ؛ وهذا ظاهر ، ليس الغرض هنا بسطه ، وإنما الغرض ٣٨٢ (فصل) ، وهو أن المؤمن لا بد أن يقوم بقلبه من معرفة الله والمحبة له: ما يوجب أن يكون للمعروف المحبوب فى قلبه من الآثار ما يشبه الحلول من بعض الوجوه ، لا أنه حلول ذات المعروف المحبوب ، لكن هو الإيمان به ومعرفة أسمائه وصفاته . قال الله تعالى: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوَةٍ ) الآية قال أبى ابن كعب: ((مثل نوره فى قلب المؤمن)) فهذه هى الأنوار التى تحصل فى قلوب المؤمنين . وقد قيل فى قوله تعالى: ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِ لِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ إنه الكفر بذلك ؛ فإن من كفر بالإقرار الذى هو التصديق بالله وملائكته و کتبه ورسله والإسلام له : المتضمن للاعتقاد والانقياد الإيجاب الواجبات ، وتحريم المحرمات ، وإباحة المباحات: فهو كافر ؛ إذ المقصود لنا من إنزال الكتب وإرسال الرسل هو حصول الإيمان لنا ، فمن كفر بهذا فهو كافر بذاك ، وهذا قد يسمى المثل والمثال ؛ لأنه قد يقال: إن العلم مثال المعلوم فى العالم، وكذلك الحب يكون فيه تمثيل المحبوب فى المحب . ثم من الناس من يدعى أن كل علم وكل حب ففيه هذا المثال ، كما يقوله قوم من المتفلسفة ، ومنهم من ينكر حصول شىء من هذا المثال فى شىء من العلم والحب. والتحقيق: أنه قد يحصل تمثل وتخيل لبعض العالمين والمحبين ، حتى ٣٨٣ يتخيل صورة المحبوب، وقد لا يحصل تخيل حسى ، وليس هذا المثل من جنس الحقيقة أصلا ؛ وإنما لما كان العلم مطابقا للمعلوم وموافقا له ، غير مخالف له ، كان بين المطابق والمطابق ، والموافق والموافق نوع تناسب وتشابه ، ونوع ما من أنواع التمثيل ، فإن المثل يضرب للشىء لمشاركته إياه من بعض الوجوه ، وهنا قطعا اشتراك ما واشتباه ما . وقد قيل فى قوله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) وقوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ اُلْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) أنه هذا، وفى حديث مأثور: (( ما وسعنى أرضى ولا سمائى ، ووسعنى قلب عبدى المؤمن النقى التقى الوادع اللين)) ويقال : القلب بيت الرب ، وهذا هو نصيب العباد من ربهم ، وحظهم من الإيمان به ، كما جاء عن بعض السلف أنه قال : إذا أحب أحدكم أن يعلم كيف منزلته عند الله؟ فلينظر كيف منزلة الله من قلبه ؟ فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه . وروى مرفوعا من حديث أيوب بن عبد اللّه بن خالد بن صفوان ، عن جابر بن عبد اللّه، رواه أبو يعلى الموصلى، وابن أبى الدنيا فى كتاب الذكر ، ولهذا قال أبناء يعقوب: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِنْزَهِعمَ وَ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ ) ، فإن ألوهية الله متفاوتة فى قلوبهم على درجات عظيمة تزيد وتنقص ، ويتفاوتون فيها تفاوتا لا ينضبط طرفاه ، حتى قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فى حق شخصين: (( هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا)) فصار واحد ٣٨٤ من الآدميين خيراً من ملء الأرض من بنى جنسه ؛ وهذا تباين عظيم لا يحصل مثله فى سائر الحيوان . وإلى هذا المعنى أشار من قال: ((ما سبقكم أبو بكر بفضل صلاة ولا صيام، ولكن بشىء وقر فى قلبه)). وهو اليقين والإيمان. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((وزنت بالأمة فرجحت ، ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح ، ثم وزن عمر بالأمة فرجع ، ثم رفع الميزان)) وقال صلى الله عليه وسلم، فيما رواه عنه الصديق ((أيها الناس: سلوا اللّه اليقين والعافية، فلم يعط أحد بعد اليقين خيراً من العافية )) رواه الترمذى والنسائى فى اليوم والليلة وابن ماجه ، وقال رقبة بن مصقلة للشعبى . (( رزقك اللّه اليقين الذى لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعتمد فى الدين إلا عليه )). وفى كتاب الزهد للإمام أحمد عن .... قال قال موسى: «يارب أين أجدك؟ قال : يا موسى ، عند المنكسرة قلوبهم من أجلى، أقترب إليها كل يوم شبراً ؛ ولولا ذلك لاحترقت قلوبهم)) . وقد يتوسع فى العبارة عن هذا المعنى ، حتى يقال : ما فى قلى إلا الله ، ما عندى إلا الله، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح عن الله عز وجل: ((أما علمت أن عبدی فلاناً مرض؟ فلو عدته لوجدتنى عنده )» ويقال: ساكن فى القلب يعمره لست أنساه فأذكره ويقال : ٣٨٥ مشالك فى عينى ، وذكراك فى فى ومشواك فى قلبى ، فأين تغيب ؟ وهذا القدر يقوى قوة عظيمة ، حتى يعبر عنه بالتجلى والكشف ونحو ذلك باتفاق العقلاء ، ويحصل معه القرب منه، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) وقال الله تعالى فى الحديث القدسى ((من تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً)). لكن هل فى تقرب العبد إلى اللّه حركة إلى الله أو إلى بعض الأماكن؟ اتفقوا على أنه قد تحصل حركة بدن العبد إلى بعض الأمكنة المشرفة ، التى يظهر فيها الإيمان بالله من معرفته وذكره وعبادته ، كالحج إلى بيته ، والقصد إلى مساجده، ومنه قول إبراهيم: (إِنِ ذَاهِبُّ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينِ). وأما حرکة روحه إلى مثل السموات وغيرها من الا مكنة: فأقر به جمهور أهل الإسلام ، وأنكره الصابئة الفلاسفة المشاءون ومن وافقهم ، وحركة روحه أو بدنه إلى اللّه أقرَّ بها أهل الفطرة، وأهل السنة والجماعة، وأنكرها كثير من أهل الكلام. وأما القرب من اللّه إلى عبده: هل هو تابع لتقرب العبدو تقریبه الذى هو علمه أو عمله، أو هناك قرب آخر من الرب؟. هذا فیه كلام ليس هذا موضعه. ٣٨٦ ومن لم يثبت إلا الأول : فهم فى قرب الرب على قولين : - أحدهما : أنه تجليه وظهوره له. والثانى: أنه مع ذلك دنو العبد منه، واقترابه الذى هو بعمله وحركته : وللقرب معنى آخر: وهو التقارب بمعنى المناسبة ، كما يقال: هذا يقارب هذا . وليس هذا موضعه . فصل وأما ما يشبه الاتحاد : فإن الذاتين المتميزتين لا تتحد عين إحداهما بعين الأخرى، ولا عين صفتها بعين صفتها ، إلا إذا استحالتا بعد الاتحاد إلى ذات ثالثة ، كاتحاد الماء واللبن ، فإنهما بعد الاتحاد شىء ثالث ، وليس ماء محضاً ولا لبناً محضاً . وأما اتحادهما وبقاؤهما بعد الاتحاد على ما كانا عليه فمحال ، ومن هنا يعلم أن الله لا يمكن أن يتحد بخلقه، فإن استحالته محال؛ وإنما تتحد الأسباب والأحكام فى العين ، وتتحد الأسماء والصفات فى النوع - مثل المتحابين المتخالين الذين صار أحدهما يحب عين ما يحبه الآخر ، ويبغض ما يبغضه ، ويتنعم بما يتنعم به ويتألم بما يتألم به ؛ وهذا فيه مراتب ودرجات لا تنضبط ؛ فأسماؤهما وصفاتهما صارتا من نوع واحد. ٣٨٧ وعين الأحكام والأسباب المتعلقة بهما ، التى هى - مثلا - المحبوب والمكروه هو واحد بالعين ، كالرسول الذى يحبه كل المؤمنين ؛ فهم متحدون فى محبته ، بمعنى أن محبوبهم واحد ، ومحبة هذا من نوع محبته هذا ؛ لا أنها عينها . فهذا فى اتحاد الناس بعضهم ببعض ، وهى الأخوة والخلة الإيمانية ، التى قال فيها النبى صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ، أخرجاه فى الصحيحين ، جعل المؤمن مع المؤمن بمنزلة العضو مع العضو اللذين تجمعهما نفس واحدة . ولهذا سمى الله الأخ المؤمن نفساً لأخيه فى غير موضع من الكتاب والسنة قال تعالى: ( فَلَا تُزَّكُواْ أَنفُسَكُمْ) وقال: (لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) وقال: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ) وقال: (فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) وقال: (فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ). فالعبد المؤمن إذا أناب إلى ربه ، وعبده ووافقه حتى صار يحب ما يحب ربه ، ويكره ما يكره ربه ، ويأمر بما يأمر به ربه ، وينهى عما ينهى عنه ربه ، ويرضى بما يرضى ربه ، ويغضب لما يغضب له ربه ، ويعطى من أعطاه ربه ، ويمنع من منع ربه ، فهو العبد الذى قال فيه النبى صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود من حديث القاسم عن أبى أمامة: ((من أحب لله، وأبغض ٣٨٨ لله، وأعطى اللّه، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان، وصار هذا العبد دينه كله اللّه ، وأتى بما خلق له من العبادة. فقد اتحدت أحكام هذه الصفات التى له وأسبابها بأحكام صفات الرب وأسبابها . وهم فى ذلك على درجات ؛ فإن كان نبياً كان له من الموافقة لله ما ليس لغيره ، والمرسلون فوق ذلك ، وأولو العزم أعظم ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم له الوسيلة العظمى فى كل مقام. فهذه الموافقة هى الاتحاد السائغ ، سواءكان واجباً أو مستحباً ، وفى مثل هذا جاءت نصوص الكتاب والسنة. قال الله تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ ◌ِذَّمَا يُبَابِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وقال: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) وقال تعالى: (مَّن يُطِيعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وقال تعالى: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ ) وقال تعالى: (قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ). ومن هذا الباب قول المسيح - إن ثبت هذا اللفظ عنه - «أنا وأبى واحد ، من رآنى فقد رأى أبى، ونحو ذلك ؛ فإنه مثل قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) وقوله: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) ونحو ذلك من اللفظ الذى فيه تشابه . ٣٨٩ فصل وجاء فى ((أولياء الله)) الذين هم المتقون نوع من هذا: فروى البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: من عادى لى ولياً فقد بارزنى بالمحاربة ، وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذی يسمع به ، وبصره الذی یبصر به ، ويده التى يبطش بها ، ورجله التى مشی بها ، ولئن سألنى لأعطينه ، ولئن استعاذنى لأعيذنه ، وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» . فأول ما فى الحديث قوله : ((من عادى لى ولياً فقد بارزنى بالمحاربة » نجعل معاداة عبده الولى معاداة له ؛ فعين عدوه عين عدو عبده ، وعين معاداة وليه عين معاداته ، ليسا هما شيئين متميزين ، ولكن ليس الله هو عين عبده ، ولا جهة عداوة عبده عين جهة عداوة نفسه ، وإنما اتفقا فى النوع . ثم قال: «فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله» وفى رواية فی غیر الصحيح: ((في يسمع ، وبى يبصر، وبى يبطش ، وبى يمشى)، فقوله : ٣٩٠ بی يسمع وبی يبصر ' وبى يبطش، وبى يمشى» بين معنى قوله: «كنت سمعه وبصره ويده ورجله)، لا أنه يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم ، وإنما يبقى هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى وهو بمنزلتها فى ذلك ، فإن العبد بحسب أعضائه وقواه يكون إدراكه وحركته ؛ فإذا كان إدراكه وحركته بالحق ؛ ليس بمعنى خلق الإدراك والحركة ، فإن هذا قدر مشترك فيمن يحبه وفيمن لا يحبه ، وإنما للمحبوب الحق من الحق من هذه الإعانة بقدر ما له من المعية والربوبية والإلهية ؛ فإن كل واحدة من هذه الأمور عامة وخاصة . وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: عبدى ! مرضت فلم تعدنى ، فيقول: رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ فيقول: أما علمت أن عبدى فلاناً مرض ؟ فلو عدته لوجدتنى عنده. عبدى ! جعت فلم تطعمنى. فيقول: رب ! كيف أطعمك، وأنت رب العالمين ؟ فيقول : أما علمت أن عبدى فلاناً جاع ؟ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندى ((ففى هذا الحديث ذكر المعنيين الحقين ، ونفى المعنیین الباطلین ، وفسرهما. فقوله: ((جعت ومرضت)) لفظ اتحاد يثبت الحق . وقوله: ((لوجدتنى عنده ، ووجدت ذلك عندى )» نفى للاتحاد العينى بنفى الباطل ، وإثبات لتمييز الرب عن العبد . ٣٩١ وقوله: ((لوجدتنى عنده)) لفظ ظرف؛ وبكل يثبت المعنى الحق من الحلول الحق ؛ الذى هو بالإيمان لا بالذات . ويفسر قوله: ((مرضت فلم تعدنى ، فلو كان الرب عين المريض والجائع لكان إذا عاده وإذا أطعمه يكون قد وجده إياه ، وقد وجده قد أكله. وفى قوله فى المريض: ((وجدتنى عنده)) وفى الجائع: ((لوجدت ذلك عندى)) فرقان حسن ؛ فإن المريض الذى تستحب عيادته ويجد الله عنده: هو المؤمن بربه ، الموافق لإلهه الذى هو وليه ؛ وأما الطاعم فقد يكون فيه عموم لكل جائع يستحب إطعامه، فإن الله يقول: (مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ) فمن تصدق بصدقة واجبة أو مستحبة : فقد أقرض الله سبحانه بما أعطاه لعبده. وقد ثبت فى الصحيح عنالنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يأخذها بيمينه فيريبها كما يربى أحدكم فلوه، أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل العظيم)، وقال: ((إن الصدقة لتقع بيد الحق قبل أن تقع بيد السائل)). لكن الأشبه : أن هذا العبد المذكور فى الجوع هو المذكور فى المرض، وهو العبد الولى الذى فيه نوع اتحاد ، وإن كان الله يثيب على طعام الفاسق والذمى . ونظير القرض : النصر فى مثل قوله تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: ٣٩٢ إِبَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ) وقوله: (إِن تَنصُرُواْاللَّهَ يَصُرُّكُمْ) ونحو ذلك، لكن النصر فيه معنى؛ لكن لا يقال فى مثله جعت. فقد ذكر الله فى القرآن القرض والنصر ، وجعله له ، هذا فى الرزق، وهذا فى النصر ، وجاء فى الحديث العيادة ، وهذه الثلاثة هى المذكورة فى قوله تعالى: ( وَالصَّبِرِينَ فِ اْبَأْسَاءِ وَالضَّرَآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) وقوله: (مَّسَتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ) وإنما فى الحديث أمر البأساء والضراء فقط ؛ لأن ذلك ينفرد به الواحد المخاطب بقوله: ((عبدى مرضت وجعت، فلذلك عاتبه. وأما النصر : فيحتاج فى العادة إلى عدد ؛ فلا يعتب فيه على أحد معين غالبا ، أو المقصود بالحديث التنبيه ، وفى القرآن النصر والرزق ، وليس فيه العيادة ؛ لأن النصر والقرض فيه عموم لا يختص بشخص دون شخص . وأما العيادة : فإنما تكون لمن يجد الحق عنده. ٣٩٣ فصل فهذان المعنيان صحيحان ثابتان، بل هما حقيقة الدين واليقين والإيمان . أما الأول - وهو كون الله فى قلبه بالمعرفة والمحبة -: فهذا فرض على كل أحد ولا بد لكل مؤمن منه ؛ فإن أدى واجبه فهو مقتصد ؛ وإن ترك بعض واجبه فهوظالم لنفسه ،وإن ترکه کله فهو كافر بر به. وأما الثانى - وهو موافقة ربه فيما يحبه ويكرهه ، ويرضاه ويسخطه - فهذا على الإطلاق إنما هو للسابقين المقربين : الذين تقربوا إلى اللّه بالنوافل - التى يحبها ولم يفرضها - بعد الفرائض التى يحبها ويفرضها ويعذب تاركها . ولهذا كان هؤلاء لما أتوا بمحبوب الحق من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، المنتظمة للمعارف والأحوال والأعمال: أحبهم اللّه تعالى. فقال: ((( ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه )، فعلوا محبوبه فأحبهم ؛ فإن الجزاء من جنس العمل ، مناسب له مناسبة المعلول لعلته . ولا يتوهم أن المراد بذلك: أن يأتى العبد بعين كل حركة يحبها الله؛ فإن هذا ممتنع . وإنما المقصود أن يأتى بما يقدر عليه من الأعمال الباطنة والظاهرة؛ ٣٩٤ والباطنة يمكنه أن يأتى منها بأكثر ما يأتى به من الظاهرة ، كما قال بعض السلف: ((قوة المؤمن فى قلبه ، وضعفه فى جسمه ، وقوة المنافق فى جسمه ، وضعفه فى قلبه)، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب)) وقال؛ إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم ، حبسهم العذر، وقال: ((فهما فى الأجر سواء)» فى حديث القادر على الإنفاق والعاجز عنه ، الذى قال: (( لو أن لى مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما عمل ، فإنهما لما استويا فى عمل القلب وكان أحدهما معذور الجسم استويا فى الجزاء ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم)) . ٣٩٥ فصل وقد يقع بعض من غلب عليه الحال فى نوع من الحلول أو الاتحاد ؛ فإن الاتحاد فيه حق وباطل ، لكن لما ورد عليه ما غيب عقله أو أفناه عما سوى محبوبه ، ولم يكن ذلك بذنب منه : كان معذوراً غير معاقب عليه ما دام غير عاقل ، فإن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق ؛ وإن كان مخطئاً فى ذلك كان داخلا فى قوله : ( رَبَّنَالَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْأَخْطَأْنَ) وقال: ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمبِهِ ). وهذا كما يحكى أن رجلين كان أحدهما يحب الآخر فوقع المحبوب فى اليم، فألقى الآخر نفسه خلفه. فقال: أنا وقعت ، فما الذى أوقعك؟ فقال : غبت بك عنى ، فظننت أنك أنى . فهذه الحال تعترى كثيراً من أهل المحبة والإرادة فى جانب الحق، وفىغير جانبه ؛ وإن کان فيها نقص و خطأ فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه ، وبمذ كوره عن ذكره ، وبمعروفه عن عرفانه ، وبمشهوده عن شهوده ، وبموجوده عن وجوده ، فلا يشعر حينئذ بالتمييز ولا بوجوده ؛ فقد يقول فى هذه الحال: أنا الحق أو سبحانى، أو ما فى الجبة إلا الله ونحوذلك، وهو سكران بوجد المحبة الذى هو لذة وسرور بلا تمييز . ٣٩٦ ہے وذلك السكران: يطوى ولا يروى إذا لم يكن سكره بسبب محظور. فأما إذا كان السبب محظوراً : لم يكن السكران معذوراً . وأما أهل الحلول : فمنهم من يغلب عليه شهود القلب وتجليه ، حتى يتوهم أنه رأی الله بعینی رأسه . ولهذا ذكر ذلك طائفة من العباد الأصحاء ، غلطاً منهم. وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النواس بن سمعان: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم لما ذكر الدجال ، ودعواه الربوبية، قال: واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)) وروى هذا المعنى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه أخرى متعددة حسنة فى حديث الدجال . فإنه لما ادعى الربوبية ذكر النبى صلى الله عليه وسلم فرقانين ظاهرين لكل أحد. أحدهما : أنه أعور ، والله ليس بأعور . الثانى : أن أحدا منا لن يرى ربه حتى يموت ، وهذا إنما ذكره فى الدجال مع كونه كافراً ؛ لأنه يظهر عليه من الخوارق التى تقوى الشبهة فى قلوب العامة. ٣٩٧ فصل فإذا عرف الاتحاد المعين مما يشبه الحلول أو الاتحاد الذى فيه نوع حق تبين أيضاً ما فى المطلق من ذلك . فنقول: لاريب أن الله رب العالمين، رب السموات والأرضين وما بينهما ورب العرش العظيم ، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ، ربكم ورب آبائكم الأولين ، رب الناس ملك الناس إله الناس . وهو خالق كل شىء ، وهو على كل شىء وكيل ، خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى. وهو رب كل شىء ومليكه ، وهو مالك الملك ؛ يؤتى الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، بيده الخير وهو على كل شىء قدير ، له ما فى السموات وما فى الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، الرحمن على العرش استوى ، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير ( مَّا مِن دَآبَةٍ إِلَّهُوَءَاخِذٌ بِنَاصِيَنْهَا إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطِ مُسْتَقِيمٍ). قلوب العباد ونواصيهم بيده، وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ، إن شاء أن يقيمه أقامه ، وإن شاء أن يزيغه أزاغه. وهو الذى ٣٩٨ أضحك وأبكى ، وأغنى وأقنى، وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته، وينزل من السماء ماء فيحيى به الأرض بعد موتها ، ويبث فيها من كل دابة . وهو الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَ هُلِلْإِسْلَةِ وَ مَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجَا كَأَنَّمَا يَصَغَدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الْرّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) وهو الله لا إله إلا هو، له الحمد فى الأولى والآخرة ، وله الحكم وإليه ترجعون ، وهو الحى القيوم الذى لا تأخذه سنة ولا نوم ، وهو القائم بالقسط القائم على كل نفس بما كسبت ، الخالق البارئ المصور . وما من دابة فى الأرض إلا على اللّه رزقها . وما شاء الله لا قوة إلا بالله فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ منه إلا إليه . فهذه المعانى وما أشبهها من معانى ربوبيته وملكه ، وخلقه ورزقه ، وهدايته ونصره ، وإحسانه وبره ، وتدبيره وصنعه ، ثم ما يتصل بذلك من أنه بكل شىء عليم ، وعلى كل شىء قدير ، وأنه سميع بصير ، لا يشغله سمع عن سمع ، ولا تغلطه المسائل ، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ، يبصر دبيب النملة السوداء فى الليلة الظلماء على الصخرة الصماء . فهذا كله حق. وهو محض توحيد الربوبية ؛ وهو مع هذا قد أعطى كل شىء خلقه ثم هدى ، وأحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين . ٣٩٩ وهذا صنع الله الذى أتقن كل شىء والخير كله بيديه ، وهو أرحم الراحمين، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، كما أقسم على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((والله، لله أرحم بعباده من هذه الوالدة بولدها)) إلى نحو هذه المعانى التى تقتضى شمول حكمته وإتقانه ، وإحسانه خلق كل شىء ، وسعة رحمته وعظمتها ، وأنها سبقت غضبه ، كل هذا حق . فهذان الأصلان عموم خلقه وربوبيته ، وعموم إحسانه وحكمته : أصلان عظيمان ، وإن كان من الناس من يكفر ببعض الأول ، كالقدرية الذين يخرجون أفعال العباد عن خلقه ، ويضيفونها إلى محض فعل ذى الاختيار ، أو الطبيعة الذين يقطعون إضافة الفعل إلى الله سبحانه، ويضيفونه إما إلى الطبع ، أو إلى جسم فيه طبع ، أو إلى ذلك ، أو إلى نفس أو غير ذلك مما هو من مخلوقاته العاجزة عن إقامة نفسها ، فهى عن إقامة غيرها أعجز . ومن الناس من يححد بعض الثانى ، أو يعرض عنه ، متوهما خلو شىء من مخلوقاته عن إحسان خلقه وإتقانه ، وعن حكمته ، ويظن قصور رحمته. وعجزها ، من القدرية الإبليسية ، أو المجوسية وغيرهم. وإذا كان كذلك: جميع الكائنات آيات له ، شاهدة دالة مظهرة لما هو مستحق له من الأسماء الحسنى ، والصفات العلى ؛ وعن مقتضى أسمائه وصفاته خلق الكائنات . فإن الرحم شجنة من الرحمن ، خلق الرحم وشق لها من اسمه ؛ وهو الرازق ٤٠٠