النص المفهرس

صفحات 361-380

ولقد ضربت لهم مرة مثلا بقوم أخذوا طائفة من الحجاج ليحجوا بهم
فذهبوا بهم إلى قبرص لينصروهم، فقال لى بعض من كان قد انكشف له ضلالهم
من أتباعهم ، لو كانوا يذهبون بنا إلى قبرص لكانوا يجعلوننا نصارى ، وهؤلاء
كانوا يجعلوننا شراً من النصارى والأمر كما قاله هذا القائل.
وقد رأيت وسمعت عمن ظن هؤلاء من أولياء الله، وأن كلامهم كلام
العارفين المحققين من هو من أهل الخير والدين ما لا أحصيهم، فمنهم من دخل فى
إلحادهم وفهمه وصار منهم؛ ومنهم من كان يؤمن بما لا يعلم ، ويعظم ما لايفهم،
ويصدق بالمجهولات .
وهؤلاء هم أصلح الطوائف الضالين ، وهم بمنزلة من يعظم أعداء الله
ورسوله، ولا يعلم أنهم أعداء الله ورسوله، ويوالى المشركين وأهل الكتاب،
ظانا أنهم من أهل الإيمان وأولى الألباب ، وقد دخل بسبب هؤلاء الجمال
المعظمين لهم من الشر على المسلمين ، ما لا يحصيه إلا رب العالمين .
وهذا الجواب: لم يتسع لأكثر من هذا الخطاب، والله أعلم بالصواب.
٣٦١

ومثل :-
(١)
ما تقول السادة العلماء ، أئمة الدين ، وهداة المسلمين ، رضى الله عنهم
أجمعين فى الكلام الذى تضمنه كتاب ((فصوص الحكم)، وما شاكله من الكلام
الظاهر فى اعتقاد قائله: أن الرب والعبد شىء واحد ، ليس بينهما فرق، وأن
ماثمَّ غير ، كمن قال فى شعره :
أنا وهو واحد ما معنا شىء
ومثل : أنامن أهوى ، ومن أهوى أنا .
ومثل : إذا كنت ليلى وليلى أنا .
وكقول من قال : لو عرف الناس الحق ما رأوا عابداً ولا معبوداً.
وحقيقة هذه الأقوال لم تكن فى كتاب الله عز وجل ، ولا فى السنة ،
ولا فى كلام الخلفاء الراشدين ، والسلف الصالحين.
ويدعى القائل لذلك : أنه يحب الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول :
قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُاللَّهُ ) والله سبحانه وتعالى ذكر خير
)
(١) يسمي الرد الأقوم على ما في فصوص الحكم .
٣٦٢

خلقه بالعبودية فى غير موضع ، فقال تعالى عن خاتم رسله صلى الله عليه
وسلم: ( فَأَوْحَإِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى ) وكذلك قال فى حق عيسى عليه السلام:
(إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ) وقال تعالى: (لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ
عَبْدَاللَّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْمُقْرَّبُونَ) - الآية.
فالنصارى كفار بقولهم مثلَ هذا القول فى عيسى بمفرده ، فكيف بمن
يعتقد هذا الاعتقاد : تارة فى نفسه ، وتارة فى الصور الحسنة : من النسوان
والمردان؟ !
ويقولون: إن هذا الاعتقاد له سر خفى ، وباطن حق ، وإنه من الحقائق
التى لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق .
فهل فى هذه الأقوال سر خفى يجب على من يؤمن بالله واليوم الآخر وكتبه
ورسله أن يجتهد على التمسك بها والوصول إلى حقائقها - كما زعم هؤلاء-
أم باطنها كظاهرها؟ وهذا الاعتقاد المذكور هو حقيقة الإيمان بالله ورسوله،
وبما جاء به، أم هو الكفر بعينه؟.
وهل يجب على المسلم أن يتبع فى ذلك قول علماء المسلمين ، ورثة الأنبياء
والمرسلين ، أم يقف مع قول هؤلاء الضالين المضلين ؟ وإن ترك ما أجمع عليه
أئمة المسلمين، ووافق هؤلاء المذكورين ، فماذا يكون من أمر الله له يوم الدين؟.
أفتونا مأجورين ، أثا بكم الله الكريم.
٣٦٣

فأجاب شيخ الإسلام (تقى الدين)
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام
ابن تيمية رحمه الله :-
3
الحمد لله رب العالمين.
ما تضمنه كتاب ((فصوص الحكم )، وما شا كله من الكلام : فإنه كفر باطناً
وظاهراً ؛ وباطنه أقبح من ظاهره . وهذا يسمى مذهب أهل الوحدة ، وأهل
الحلول، وأهل الاتحاد. وهم يسمون أنفسهم المحققين .
وهؤلاء نوعان:
نوع يقول بذلك مطلقاً ، كما هو مذهب صاحب الفصوص ابن عربى
وأمثاله: مثل ابن سبعين ، وابن الفارض . والقونوى والششترى والتلمسانى
وأمثالهم ممن يقول: إن الوجود واحد، ويقولون : إن وجود المخلوق هو
وجود الخالق، لا يثبتون موجودين خلق أحدهما الآخر ، بل يقولون : الخالق
هو المخلوق ، والمخلوق هو الخالق .
٣٦٤

ويقولون: إن وجود الأصنام هو وجود اللّه، وإن عبَّاد الأصنام ماعبدوا
شيئاً إلا الله .
ويقولون : إن الحق يوصف بجميع ما يوصف به المخلوق من صفات
النقص والذم.
ويقولون: إن عبّاد العجل ما عبدوا إلا الله، وإن موسى أنكر على
هارون لكون هارون أنكر عليهم عبادة العجل ، وإن موسى كان بزعمهم من
العارفين الذين يرون الحق فى كل شىء ، بل يرونه عين كل شىء ، وأن فرعون
كان صادقاً فى قوله: ( أَنَارَتُّكُمُ الْأَعْلَى ) بل هو عين الحق، ونحو ذلك مما يقوله
صاحب الفصوص .
ويقول أعظم محققيهم: إن القرآن كله شرك ، لأنه فرق بين الرب والعبد؛
ولیس التوحید إلا فى كلامنا .
فقيل له: فإذا كان الوجود واحداً ، فلم كانت الزوجة حلالا والأم حراماً؟
فقال: الكل عندنا واحد ، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا : حرام. فقلنا :
حرام عليكم.
وكذلك ما فى شعر ابن الفارض فى قصيدته التى سماها نظم السلوك ،
كقوله :-
وأشهد فيها أنها لى صلت
لها صلواتى بالمقام أقيمها
حقيقته بالجمع فى كل سجدة
كلانا مصل واحد ساجد إلى
٣٦٥

وما كان لى صلى سواى ، ولم تكن
صلاتى لغيرى فى أدا كل سبجدة
وقوله :
ولا فرق، بل ذاتى لذاتى أحبت
وما زلت إياها ، وإیای لم تزل
وقوله :
إلىَّ رسولا ، كنت منی مرسلا وذاتى بآياتى علىّ استدلت
فأقوال هؤلاء ونحوها : باطنها أعظم كفراً وإلحاداً من ظاهرها ، فإنه
قد يظن أن ظاهرها من جنس كلام الشيوخ العارفين ، أهل التحقيق والتوحيد،
وأما باطنها فإنه أعظم كفراً وكذباً وجهلا من كلام اليهود والنصارى
وعباد الأصنام .
ولهذا فإن كل من كان منهم أعرف بباطن المذهب وحقيقته - كان أعظم
كفراً وفسقاً ، كالتلسانى ؛ فإنه كان من أعرف هؤلاء بهذا المذهب ،
وأخبرهم بحقيقته ، فأخرجه ذلك إلى الفعل فكان يعظم اليهود والنصارى
والمشركين ، ويستحل المحرمات ويصنف للنصيرية كتباً على مذهبهم ، يقرم
فيها على عقيدتهم الشركية .
وكذلك ابن سبعين كان من أئمة هؤلاء ، وكان له من الكفر والسحر -
٣٦٦

الذى يسمى السيمياء - والموافقة للنصارى ، والقرامطة والرافضة :
ما يناسب أصوله .
فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب ، ووافقهم عليه ، كان أظهر
كفراً وإلحاداً .
وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه ، ويعتقدون
أنه من جنس كلام المشايخ العارفين ، الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير
من الناس ، فهؤلاء تجد فيهم إسلاماً وإيماناً ، ومتابعة للكتاب والسنة
بحسب إيمانهم التقليدى ، وتجد فيهم إقراراً لهؤلاء وإحساناً للظن بهم ،
وتسليما لهم بحسب جهلهم وضلالهم ؛ ولا يتصور أن يثنى على هؤلاء إلا كافر
ملحد ، أو جاهل ضال .
وهؤلاء من جنس الجهمية الذين يقولون : إن الله بذاته حال فى كل
مكان ، ولكن أهل وحدة الوجود : حققوا هذا المذهب أعظم من تحقيق
غيرهم من الجهمية .
وأما ( النوع الثانى) : فهو قول من يقول بالحلول والاتحاد فى معين ،
كالنصارى الذين قالوا بذلك فى المسيح عيسى ، والغالية الذين يقولون بذلك
فى على بن أبى طالب وطائفة من أهل بيته ، والحاكمية الذين يقولون بذلك فى
الحاكم، والخلاجية الذين يقولون بذلك فى الحلاج ، واليونسية الذين يقولون
٣٦٧

بذلك فى يونس ، وأمثال هؤلاء ممن يقول يالهية بعض البشر، وبالحلول
والاتحاد فيه ، ولا يجعل ذلك مطلقاً فى كل شىء.
ومن هؤلاء من يقول بذلك فى بعض النسوان والمردان ، أو بعض الملوك
أو غيرهم ؛ فهؤلاء كفرهم شر من كفر النصارى الذين قالوا : إن الله هو
المسيح بن مريم .
وأما الأولون: فيقولون بالإطلاق. ويقولون: النصارى إنما كفروا
بالتخصيص .
وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى ، وفيها من التناقض من جنس
ما فى أقوال النصارى ؛ ولهذا يقولون بالحلول تارة ، وبالاتحاد أخرى ،
وبالوحدة تارة ، فإنه مذهب متناقض فى نفسه؛ ولهذا يلبسون على من لم يفهمه.
فهذا كله كفر باطناً وظاهراً بإجماع كل مسلم ، ومن شك فى كفر هؤلاء
بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر ، كمن يشك فى كفر اليهود
والنصارى والمشركين .
ولكن هؤلاء يشبهون بشىء آخر ، وهو ما يعرض لبعض العارفين فى
مقام الفناء والجمع والاصطلام والسكر ، فإنه قد يعرض لأحدهم - لقوة
استيلاء الوجد والذ کر عليه - من الحال ما یغیب فيه عن نفسه وغيره، فیغیب
بمعبوده عن عبادته ، وبمعروفه عن معرفته ، وبمذكوره عن ذكره ،
وبموجوده عن وجوده .
٣٦٨

ومثل هذا قد يعرض لبعض المحبين لبعض المخلوقين ، كما يذكرون
أن رجلا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه فى اليم ، فألقى المحب نفسه
خلفه ، فقال له : أنا وقعت ؛ فما الذى أوقعك ؟ فقال : غبت بك عنى .
فظننت أنك أنى .
وينشدون :-
رقَّ الزجاج، وراقت الخمر وتشاكلا ، فتشابه الأمر
وكأنما قدح ولا خمر
فكأنما خمر ولا قدح
وهذه الحال تعرض لكثير من السالكين ، وليست حالا لازمة لكل
سالك، ولا هى أيضاً غاية محمودة، بل ثبوت العقل والفهم والعلم مع التوحيد
باطناً وظاهراً كمال نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكمل من هذا وأتم.
والمعنى الذى يسمونه الفناء ينقسم ثلاثة أقسام : فناء عن عبادة السوى،
وفناء عن شهود السوى ، وفناء عن وجود السوى .
فالأول : أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه ، وبخوفه عن خوف
ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه،
وبمحبته عن محبة ما سواه؛ وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذى أرسل
الله به رسله، وأنزل به كتبه ، وهو تحقیق ((لا إله إلا الله » فإنه فنى من قلبه كل
تأله لغير اللّه ، ولا يبقى فى قلبه تأله لغير الله، وكل من كان أكمل فى هذا
التوحيد كان أفضل عند الله.
٣٦٩

والثانى : أن يفنى عن شهود ما سوى الله، وهذا الذى يسميه كثير من
الصوفية حال الاصطلام والفناء والجمع ، ونحو ذلك.
وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله ، وفيه نقص من جهة عدم
شهوده للأمر على ما هو عليه ؛ فإنه إذا شهد أن الله رب كل شىء ومليكه وخالقه،
وأنه المعبود لا إله إلا هو، الذى أرسل الرسل وأنزل الكتب، وأمر بطاعته
وطاعة رسله ، ونهى عن معصيته ومعصية رسله ، فشهد حقائق أسمائه
وصفاته وأحكامه خلقاً وأمراً: كان أتم معرفة وشهوداً ، وإيماناً وتحقيقاً ، من
أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر، وشهود التفرقة فى الجمع، والكثرة فى
الوحدة ، وهو الشهود الصحيح المطابق . لكن إذا كان قد ورد على
الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا ، كان معذوراً للعجز ، لا محموداً
على النقص والجهل .
والثالث : الفناء عن وجود السوى ؛ وهو قول الملاحدة أهل الوحدة ،
كصاحب الفصوص وأتباعه الذين يقولون : وجود الخالق هو وجود المخلوق،
وما ثم غير ولا سوى فى نفس الأمر .
فهؤلاء قولهم أعظم كفراً من قول اليهود والنصارى وعباد الأصنام.
وأيضاً فإن ولاية الله: هى موافقته بالمحبة لما يحب ، والبغض لما يبغض
والرضا بما يرضى ، والسخط بما يسخط ، والأمر بما يأمر به ، والنهى عما
ينهى عنه، والموالاة لأوليائه، والمعاداة لأعدائه ، كما فى صحيح البخارى
٣٧٠

عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول الله تعالى: من
عادى لى ولياً فقد بارزنى بالمحاربة ، وما تقرب إلىَّ عبدى بمثل أداء ما افترضت
عليه ، ولا يزال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه
الذى يسمع به، وبصره الذي يبصر به ، ويده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشى
بها ؛ فى يسمع ، وبى يبصر ، وبى يبطش، وبى يسعى؛ ولئن سألنى لأعطينه ،
ولئن استعاذنى لأعيذنه؛ وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس
عبدى المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ، ولا بد له منه ، فهذا أصح حديث
روی فی الأولياء .
فالملاحدة والاتحادية يحتجون به على قولهم ، لقوله: «كنت سمعه وبصره
ويده ورجله )) والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة :--
منها قوله: ((من عادى لى ولياً فقد بارزنى بالمحاربة )) فأثبت معادياً محارباً
وولياً غير المعادى ، وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا .
ومنها قوله: ((وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه)) فأثبت
عبداً متقرباً إلى ربه ، ورباً افترض عليه فرائض .
ومنها قوله: ((ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه )
فأثبت متقرّ باً ومتقرَّباً إليه، ومحباً ومحبوباً غيره . وهذا كله ينقض قولهم:
الوجود واحد .
ومنها قوله: « فإذا أحببته كنت سمعه الذی يسمع به ، وبصره الذي يبصر
٣٧١

به » إلى آخره . فإنه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور ، وهو عندهم قبل المحبة
وبعدها واحد ، وهو عندهم هذه الأعضاء : بطنه ، وفرجه ، وشعره ، وكل
شىء، لا تعدد عندهم ، ولا كثرة فى الوجود ؛ ولكن يثبتون مراتب ومجالى
ومظاهر ؛ فإن جعلوها موجودة نقضوا قولهم .
وإن جعلوها ثابتة فى العدم - كما يقوله ابن عربى - أو جعلوها المعينات،
والمطلق هو الحق - كانوا قد بنوا ذلك على قول من يقول : المعدوم شىء،
وقول من جعل الكليات ثابتة فى الخارج زائدة على المعينات .
والأول: قول طائفة من المعتزلة، وهو قول ابن عربى .
والثانى : قول طائفة من الفلاسفة ، وهو قول القونوی صاحب
ابن عربى ، وكلا القولين باطلان عند العقلاء ؛ ولهذا كان التلسانى أحذقمنهما
فلم يثبت شيئاً وراء الوجود .
كما قيل :-
وما البحر إلا الموج ، لاشىء غيره وإن فرقته كثرة المتعدد
لكن هؤلاء الضلال من الفلاسفة والمعتزلة ما قالوا : وجود المخلوق هو
وجود الخالق ، وهؤلاء الملاحدة قالوا : هذا هو هذا ؛ ولهذا صاروا يقولون
بالحلول من وجه، لكون الوجود فى كل الذوات، أو بالعكس ، وبالاتحاد
من وجه لاتحادهما ؛ وحقيقة قولهم هى وحدة الوجود .
٣٧٢

وفى الحديث وجوه أخرى تدل على فساد قولهم.
والحديث حق ، كما أخبر به النبي صلى اللّه عليه وسلم، فإن ولى الله
لكمال محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله، وعمله لله وبالله؛ فما يسمعه
مما يحبه الحق أحبه وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه ، وما يراه مما يحبه
الحق أحبه ، وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه ؛ ويبقى فى سمعه وبصره من النور
ما يميز به بين الحق والباطل ؛ كما قال النى صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق
على صحته«اللهم اجعل فى قلبي نورا ، وفى بصري نورا ، وفى سمعی نورا ،
وعنيمینی نورا ، وعن يساری نورا ، وفوقی نورا ، وتحتی نورا ، وأمامی
نورا، وخلفى نورا ، واجعل لى نورا)).
فولى الله فيه من الموافقة لله: ما يتحد به المحبوب والمكروه ، والمأمور
والمنهى ونحو ذلك ، فيبقى محبوب الحق محبوبه ، ومكروه الحق مكروهه،
ومأمور الحق مأموره ، وولى الحق وليه ، وعدو الحق عدوه ؛ بل المخلوق
إذا أحب المخلوق محبة تامة حصل بينهما نحو من هذا ، حتى قد يتألم أحدهما
بتألم الآخر ، ويلتذ بلذته.
ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم: ((مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم
وتعاطفهم: كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالحمى والسهر، ولهذا كان المؤمن يسره ما يسر المؤمنين ، ويسوءه ما يسوء هم،
ومن لم يكن كذلك لم يكن منهم.
٣٧٣

فهذا الاتحاد الذی بین المؤمنین : ليس هو أن ذات أحدهما هى بعينها ذات
الآخر ، ولا حلت فيه ، بل هو توافقهما واتحادهما فى الإيمان بالله ورسوله
وشعب ذلك : مثل محبة الله ورسوله ، ومحبة ما يحبه الله ورسوله.
فإذا كان هذا معقولا بين المؤمنين : فالعبد إذا كان موافقا لربه تعالى فيما
يحبه ويبغضه ، ويأمر به وينهى عنه ، ونحو ذلك مما يحبه الرب من عبده :
کیف تكون ذات أحدهما هى الأخرى أو حالة فيها؟ .
فإذا عرفت هذه الأصول من الحلول والاتحاد المطلق والمعين ، الذى هو
باطل ، ومما هو من أحوال أهل الإيمان ، ومن ولاية اللّه تعالى وموافقته فيما
يحبه ويرضاه وتوابع ذلك : تبين لك جواب مسائل السائل .
وهؤلاء قد يجدون من كلام بعض المشايخ - كلمات مشتبهة مجملة -
فيحملونها على المعانى الفاسدة ، كما فعلت النصارى فيما نقل لهم عن الأنبياء ،
فيدعون المحكم ، ويتبعون المتشابهة .
فقول القائل : إن الرب والعبدشىء واحد ، ليس بينهما فرق : كفر
صريح ، لا سيما إذا دخل فى ذلك كل عبد مخلوق ؛ وأما إذا أراد بذلك عباد
الله المؤمنين وأولياءه المتقين؛ فهؤلاء يحبهم ويحبونه، ويوافقونه فيما يحبه
ويرضاه ويأمر به ؛ فقد رضى الله عنهم ورضوا عنه.
ولما رضوا ما يرضى وسخطوا ما يسخط : كان الحق يرضى لرضاهم
ويغضب لغضبهم ؛ إذ ذلك متلازم من الطرفين .
٣٧٤

ولا يقال فى أفضل هؤلاء: إن الرب والعبد شىء واحد ليس بينهما فرق ؛
لكن يقال لأفضل الخلق كما قال الله تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ
يَدُللَّهِ فَوْقَ أَيْدِ يهِمْ) وقال: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقال: (وَاللَّهُ
وَرَسُولُهُ وَأَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) وقال: (إِنَّالَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللّهُ فِ الدُّنْيَا
وَاُلْأَخِرَةِ ) وأمثال ذلك.
وأما سائر العباد : فإن اللّه خالقهم ومالكهم وربهم ، وخالق قدرتهم
وأفعالهم ، ثم ما كان من أفعالهم موافقا لمحبته ورضاه: كان محبا لأهله مكرما
لهم ، وما كان منها مما يسخطه ويكرهه : كان مبغضا لأهله مهينا لهم.
وأفعال العباد مفعولة مخلوقة لله، ليست صفة له ، ولا فعلا
قائما بذاته .
وقوله تعالى : (وَمَارَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) فمعناه: وما
أوصلت إذ حذفت ، ولكن الله أوصل المرمى؛ فإن النبى صلى الله عليه
وسلم كان قد رمى المشركين بقبضة من تراب، وقال: ((شاهت الوجوه)،
فأوصلها الله إلى وجوه المشركين وعيونهم؛ وكانت قدرة النبى صلى الله عليه
وسلم عاجزة عن إيصالها إليهم ، والرمى له مبدأ ، وهو الحذف ، ومنتهى
وهو الوصول؛ فأثبت الله لنبيه المبدأ بقوله: ((إذ رميت)) ونفى عنه المنتهى،
وأثبته لنفسه بقوله: ( وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) وإلا فلا يجوز أن يكون المثبت عين
المنفى ؛ فإن هذا تناقض .
٣٧٥

واللّه تعالی۔۔ مع أنه هو خالق أفعال العباد - فإنه لا يصف نفسه بصفة من
قامت به تلك الأفعال ؛ فلا يسمى نفسه مصلياً ولا صائماً ، ولا آ كلا ولاشاربا
سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيراً .
وقول القائل: ((ما ثم غير)) إذا أراد به ما يريده أهل الوحدة، أى ما ثم
غيرٌ موجودٌ سوى الله: فهذا كفر صريح. ولو لم يكن ثم غير لم يقل: (أَغَيْرَ
اللَّهِأَ شَّخِذُ وَلِيًّا) ولم يقل ( أَفَغَيْرَ الَّهِ تَأْمُرُوَّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ ) فإنهم كانوا
يأمرونه بعبادة الأوثان، فلو لم يكن غير الله لم يصح قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُوَّنِّيّ
أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ) ولم يقل: (أَفَغَيْرَاللَّهِ أَبْتَغِىِ حَكَمَا وَهُوَالَّذِى أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ
اُلْكِتَبَ مُفَصَّلًا) ولم يقل الخليل (أَفَرَءَيْتُمْقَاكُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَآبَاؤُكُمُ
اُلْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّلِ إِلََّ رَبَّ الْعَلَمِينَ) ولم يقل: (إِنَّنِى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا
الَّذِى فَطَرَنِفَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) فإن ابراهيم لم يعاد ربه، ولم يتبرأ من ربه؛ فإن لم
تكن تلك الآلهة التى كانوا يعبدونها هم وآباؤهم الأقدمون غير الله: لكان إبراهيم
قد تبرأ من اللّه وعادى اللّه، وحاشا إبراهيم من ذلك.
وهؤلاء الملاحدة فى أول أمرهم ينفون الصفات، ويقولون : القرآن هو
اللّه، أو غير اللّه. فإذا قيل لهم: غير اللّه. قالوا: فغير اللّه مخلوق.
وفى آخر أمرهم يقولون: ما ثم موجود غير الله، أو يقولون العالم لا هو الله
ولا هو غيره.
ويقولون :
٣٧٦

وكل كلام فى الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
فينكرون على أهل السنة إذا أثبتوا الصفات ، ولم يطلقوا عليها اسم الغير،
وهم لا يطلقون على المخلوقات اسم الغير ، وقد سمعت هذا التناقض من مشايخهم،
فإنهم فى ضلال مبين .
وأما قول الشاعر فى شعره :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ؟
إذا كنت ليلى وليلى أنا .
وقوله :
فهذا إنما أراد به هذا الشاعر الاتحاد الوضعى، كاتحاد أحد المتحابين بالآخر،
الذى يحب أحدهما ما يحب الآخر ، ويبغض ما يبغض، ويقول مثل ما يقول،
ويفعل مثل ما يفعل ؛ وهو تشابه وتماثل ، لا اتحاد العين بالعين ، إذ كان قد
استغرق فى محبو به حتى فتی به عن رؤية نفسه ، کقول الآخر :
غبت بك عنى فظننت أنك أنى
فإما أن يكون غالطاً مستغرقاً بالفناء، أو يكون عنى التماثل والتشابه ،
واتحاد المطلوب والمرهوب، لا الاتحاد الذاتى. فإن أراد الاتحاد الذاتى - مع
عقله لما يقول - فهو كاذب مفتر، مستحق لعقوبة المفترين.
وأما قول القائل: لو رأى الناس الحق لما رأوا عابداً ولا معبوداً: فهذا
من جنس قول الملاحدة الاتحادية ، الذين لا يفرقون بين الرب والعبد ؛
٣٧٧

وقد تقدم بیان قول هؤلاء، وهؤلاء يجمعون بين الضلال والغى ، بین شهوات
الغى فى بطونهم وفروجهم ، وبين مضلات الفتن.
وفى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أخوف ما أخاف
عليكم شهوات الغى فى بطونكم وفروجكم)، حتى يبلغ الأمر بأحدهم إلى أن
يهوى المردان ، ويزعم أن الرب تعالى تجلى فى أحدهم ، ويقولون :
هو الراهب فى الصومعة؛ وهذه مظاهر الجمال ؛ ويقبل أحدهم: الأمرد، ويقول:
أنت الله.
ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتى ابنه ، ويدعى أنه الله رب العالمين ،
أو أنه خلق السموات والأرض، ويقول أحدهم لجليسه : أنت خلقت هذا ،
وأنت هو ، وأمثال ذلك.
فقبح اللّه طائفة يكون إلهها الذى تعبده هو موطوءها الذى تفترشه، وعليهم
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلا.
ومن قال: إن لقول هؤلاء سراً خفياً وباطن حق، وأنه من الحقائق التى
لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق: فهو أحد رجلين - إما أن يكون
من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال ، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل
والضلال . فالزنديق يجب قتله؛ والجاهل يعرف حقيقة الأمر ، فإن أصر على هذا
الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله .
٣٧٨

ولكن لقولهم سر خفى وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق . وهذا
السر هو أشد كفراً وإلحاداً من ظاهره ؛ فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء
قد لا يفهمه كثير من الناس .
ولهذا تجد كثيراً من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة
ابن الفارض، ويتواجد عليها ويعظمها ، ظانا أنها من كلام أهل التوحيد
والمعرفة ، وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها ، وكذلك كلام هؤلاء
يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين ، فلا يفهمون حقيقته ، فإما أن
يتوقفوا عنه أو يعبروا عن مذهبهم بعبارة من لم يفهم حقيقته ؛ وإما أن
ينكروه إنكاراً محملا من غير معرفة بحقيقته ، ونحو ذلك ، وهذا حال
أكثر الخلق معهم .
وأتمتهم إذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه ، وقالوا :
هذا من علماء الرسوم ، وأهل الظاهر ، وأهل القشر ، وقالوا : علنا
هذا لا يعرف إلا بالكشف والمشاهدة ، وهذا يحتاج إلى شروط ،
وقالوا : ليس هذا عشك فادرج عنه ، ونحو ذلك مما فيه تعظيم له وتشويق
إليه ، وتجهيل لمن لم يصل إليه .
وإن رأوه عارفاً بقولهم نسبوه إلى أنه منهم ، وقالوا : هو من
كبار العارفين .
٣٧٩

وإذا أظهر الإنكار علهم والتكفير قالوا: هذا قام بوصف الإنكار
لتكميل المراتب والمجالى.
وهكذا يقولون فى الأنبياء ونهيهم عن عبادة الأصنام.
وهذا كله وأمثاله مما رأيته وسمعته منهم .
فضلالهم عظيم وإفكهم كبير، وتلبيسهم شديد . والله تعالى يظهر
ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله
شهيداً ، والله أعلم.
٣٨٠