النص المفهرس
صفحات 301-320
قال بعض العلماء : أنت عند الطاعة قدرى ، وعند المعصية جبرى ، أيّ مذهب يوافق هواك تمذهبت به. ولا يوجد أحد يحتج بالقدر فى ترك الواجب وفعل المحرم : إلا وهو متناقض ، لا يجعله حجة فى مخالفة هواه ، بل يعادى من آذاه وإن كان محقاً ، ويحب من وافقه على غرضه وإن كان عدواً لله، فيكون حبه وبغضه، وموالاته ومعاداته: بحسب هواه وغرضه وذوق نفسه ووجده لا بحسب أمر الله ونهيه، و محبته وبغضه ، وولايته وعداوته . إذ لا يمكنه أن يجعل القدر حجة لكل أحد. فإن هذا مستلزم للفساد ، الذى لا صلاح معه ، والشر الذى لا خير فيه؛ إذلو جاز أن يحتج كل أحد بالقدر لما عوقب معتد ، ولا اقتص من ظالم باغ ، ولا أخذ لمظلوم حقه من ظالمه ، ولفعل كل أحدما يشتهيه، من غير معارض يعارضه فيه، وهذا فيه من الفساد : ما لا يعلمه إلا رب العباد . فمن المعلوم بالضرورة : أن الأفعال تنقسم إلى ما ينفع العباد ، وإلى ما يضرهم ، واللّه قد بعث رسوله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤمنين بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ، فمن لم يتبع شرع الله ودينه : تبع ضده من الأهواء والبدع ، وكان احتجاجه بالقدر من الجدل بالباطل ، ليدحض به الحق ، لا من باب الاعتماد عليه ، ولزمه أن يجعل كل من جرت عليه المقادير ، من أهل المعاذير . ٣٠١ وإن قال : أنا أعذر بالقدر من شهده ، وعلم أن الله خالق فعله ومحركه، لا من غاب عن هذا الشهود ، أو كان من أهل الجحود. قيل له: فيقال لك وشهود هذا، وجحود هذا من القدر ؟ فالقدر متناول لشهود هذا ، وجحود هذا ؟ فإن كان هذا موجباً للفرق مع شمول القدر لها: فقد جعلت بعض الناس محموداً ؛ وبعضهم مذموماً مع شمول القدر لها ؟ وهذا رجوع إلى الفرق واعتصام بالأمر والنهى ، وحينئذ فقد نقضت أصلك، وتناقضت فيه ، وهذا لازم لکل من دخل معك فیه . ثم مع فساد هذا الأصل وتناقضه : فهو قول باطل وبدعة مضلة . فمن جعل الإيمان بالقدر وشهوده عذرا فى ترك الواجبات ، وفعل المحظورات؟ بل الإيمان بالقدر حسنة من الحسنات ، وهذه لا تنهض بدفع جميع السيئات ، فلو أشرك مشرك بالله ، وكذب رسوله ناظراً إلى أن ذلك مقدر عليه : لم يكن ذلك غافراً لتكذيبه ، ولا ما نعا من تعذيبه ، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، سواء كان المشرك مقرا بالقدر وناظراً إليه ، أومكذباً به أو غافلا عنه، فقد قال إبليس: (بِمَّ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) فأصر واحتج بالقدر ، فكان ذلك زيادة فى كفره ، وسببا لمزيد عذابه . وأما آدم عليه السلام فأنه قال: ( رَبَّنَاظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن ◌َّمْ تَغْفِرْلَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ) قال تعالى: (فَلَقَّءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٣٠٢ فمن استغفر وتاب كان آدميا سعيدا، ومن أصر واحتج النَّوَابُ الرَّحِيمُ) بالقدر كان إبليسيا شقيا ؛ وقد قال تعالى لإبليس (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِّعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ). وهذا الموضع ضل فيه كثير من الخائضين فى الحقائق ، فإنهم يسلكون أنواعا من الحقائق التى يحدونها ويذوقونها ، ويحتجون بالقدر فيما خالفوا فيه الأمر، فيضاهئون المشركين الذين كانوا يبتدعون دينا لم يشرعه الله، ويحتجون بالقدر على مخالفة أمر الله . ( والصنف الثالث ) من الضالين فى القدر: من خاصم الرب فى جمعه بين القضاء والقدر ، والأمر والنهى - كما يذكرون ذلك على لسان إبليس - وهؤلاء خصماء اللّه وأعداؤه. وأما أهل الإيمان : فيؤمنون بالقضاء والقدر، والأمر والنهى، ويفعلون المأمور، ويتركون المحظور، ويصبرون على المقدور، كما قال تعالى: (إِنَّهُ. مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) فالتقوى تتناول فعل المأمور، وترك المحظور ، والصبر يتضمن الصبر على المقدور. وهؤلاء إذا أصابتهم مصيبة فى الأرض أو فى أنفسهم علموا أن ذلك فى كتاب ، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم ، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ، فسلموا الأمر لله وصبروا على ما ابتلاهم به . وأما إذا جاء أمر الله فإنهم يسارعون فى الخيرات، ويسابقون إلى ٣٠٣ الطاعات ، ويدعون ربهم رغبا ورهبا ، ويحتذبون محارمه ويحفظون حدوده ، ويستغفرون اللّه ويتوبون إليه ، من تقصيرهم فيما أمر وتعديهم لحدوده ؛ علما منهم بأن التوبة فرض على العباد دائما ، واقتداء بنبيهم ، حيث يقول فى الحديث الصحيح: ((أيها الناس توبوا إلى ربكم ، فوالذى نفسى بيده إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم مائة مرة)» وفى رواية «أكثر من سبعين مرة)، وآخر سورة نزلت عليه: (إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ * وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَجًا * فَسَيِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرَةُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا). وإذا عرف هذان الأصلان : فعليهما ينبنى جواب ما فى هذا السؤال من الكلمات ، ويعرف ما دخل فى هذه الأمور من الضلالات . فقول القائل: إن الله لطف ذاته فسماها حقا ، وكشفها فسماها خلقا - هو من أقوال أهل الوحدة والحلول والاتحاد ، وهو باطل ؛ فإن اللطيف إن كان هو الكثيف: فالحق هو الخلق ولا تلطيف ولا تكثيف ، وإن كان اللطيف غير الكثيف : فقد ثبت الفرق بين الحق والخلق ، وهذا هو الحق وحينئذ فالحق لا يكون خلقا ، فلا يتصور أن ذات الحق تكون خلقا بوجه من الوجوه ، كما أن ذات المخلوق لا تكون ذات الخالق بوجه من الوجوه. وكذلك قول الآخر: ((ظهر فيها حقيقة، واحتجب عنها مجازاً)) فإنه إن كان الظاهر غير المظاهر ، فقد ثبت الفرق بين الرب والعبد ، وإن لم يكن أحدهما غير الآخر فلا يتصور ظهور ولا احتجاب. ٣٠٤ ثم قوله: «فمن كان من أهل الحق شهدها مظاهر ومجالى ، ومن كان من أهل الفرقشهدها ستوراً وحجبا)) كلام ينقض بعضه بعضا ، فإنه إن كان الوجود واحداً لم يكن أحد الشاهدين غير الآخر ، ولم يكن الشاهد غير المشهود. ولهذا قال بعض شيوخ هؤلاء : من قال إن فى الكون سوى الله فقد كذب. فقال له آخر : فمن الذى كذب؟ فأخمه . وهذا لأنه إذا لم يكن موجود سوى الواجب بنفسه : كان هو الذى يكذب ويظلم ، ويأكل ويشرب ، وهذا يصرح به أئمة هؤلاء ، كما يقول صاحب الفصوص وغيره : إنه موصوف بجميع صفات الذم ، وأنه هو الذى يمرض ويضرب وتصيبه الآفات ، ويوصف بالمعايب والنقائص، كما أنه هو الذى يوصف بنعوت المدح والذم. قال: فالعلى بنفسه هو الذى يكون له جميع الصفات الثبوتية والسلبية ، سواء كانت محمودة عقلا وشرعا وعرفا ، أو مذمومة عقلا وشرعا وعرفا ، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة . وقال: ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات ، وقد أخبر بذلك عن نفسه ، وبصفات النقص وبصفات الذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الخالق وكلها حق له ، كما أن صفات المخلوق حق للخالق . وقول القائل : * لقد حق لى عشق الوجود وأهله . يقتضى أنه يعشق إبليس وفرعون وهامان وكل كافر ، ويعشق الكلاب ٣٠٥ والخنازير ، والبول والعذرة ، وكل خبيث ، مع أنه باطل عقلا وشرعا ، فهو كاذب فى ذلك متناقض فيه ، فإنه لو آذاهموذ وآلمه ألماً شديداً لأبغضه وعاداه بل اعتدى فى أذاه ، فعشق الرجل لكل موجود محال عقلا ، محرم شرعا . وما ذكر عن بعضهم من قوله ((عين ما ترى ذات لا ترى ، وذات لا ترى عين ما ترى » هو من كلام ابن سبعين ، وهو من أكابر أهل الشرك والإلحاد ، والسحر والاتحاد ، وكان من أفاضلهم وأذكيائهم وأخبرهم بالفلسفة وتصوف المتفلسفة . وقول ابن عربى ((ظاهره خلقه، وباطنه حقه)) هو قول أهل الحلول ، وهو متناقض فى ذلك ، فإنه يقول بالوحدة ، فلا يكون هناك موجودان ؛ أحدهما باطن والآخر ظاهر ، والتفريق بين الوجود والعين : تفريق لا حقيقة له ، بل هو من أقوال أهل الكذب والمين . وقول ابن سبعين «رب مالك، وعبدهالك، وأنتم ذلك ؛ الله فقط ، والكثرة وهم)) هو موافق لأصله الفاسد فى أن وجود المخلوق وجود الخالق ؛ ولهذا قال: وأنتم ذلك . فإنه جعل العبد هالكا أى لا وجود له ، فلم يبق إلا وجود الرب ، فقال: وأنتم ذلك، وكذلك قال: اللّه فقط، والكثرة وهم؛ فإنه على قوله لا موجود إلا الله. ولهذا كان يقول هو وأصحابه فى ذكرهم : ليس إلا اللّه بدل قول المسلمين لا إله إلا الله. ٣٠٦ وكان الشيخ قطب الدين بن القسطلانى يسميهم (الليسية)) ويقول: احذروا هؤلاء الليسية ، ولهذا قال: (والكثرة وهم) وهذا تناقض، فإن قوله ((وم)) يقتضى متوهما ؛ فإن كان المتوهم هو الوهم فيكون الله هو الوهم؛ وإن كان المتوهم هو غير الوهم فقد تعدد الوجود ، وكذلك إن كان المتوهم هو اللّه: فقد وصف الله بالوهم الباطل ، وهذا مع إنه كفر فهو يناقض قوله: الوجود واحد ، وإن كان المتوهم غيره ، فقد أثبت غير الله، وهذا يناقض أصله، ثم متى أثبت غيراً لزمت الكثرة ، فلا تكون الكثرة وهما ، بل تكون حقا. والبيتان المذكوران عن ابن عربى مع تناقضهما : مبنيان على هذا الأصل ؛ فإن قوله : * يا صورة أنس سرها معنائى. خطاب على لسان الحق ، يقول لصورة الإنسان، يا صورة أنس سرها معنائى؛ أى هى الصورة وأنا معناها ، وهذا يقتضى أن المعنى غير الصورة، وهو يقتضى التعدد والتفريق بين المعنى والصورة ، فإن كان وجود المعنى هو وجود الصورة - كما يصرح به - فلا تعدد ؛ وإن كان وجود هذا غير وجود هذا: فهو متناقض فى قوله . وقوله : * ما خلقك للأمر ترى لولائى * ٣٠٧ كلام مجمل يمكن أن يريد به معنى صحيحاً، أى لولا الخالق لما وجد المكلفون ولا خلق لأمر الله ، لكن قد عرف أنه لا يقول بهذا ، وأن مراده الوحدة والحلول والاتحاد؛ ولهذا قال : - شئناك فأنشأناك خلقاً بشراً كى تشهدنا فى أكمل الأشياء فبين أن العبيد يشهدونه فى أكمل الأشياء وهى الصورة الإنسانية، وهذا يشير إلى الحلول - وهو حلول الحق فى الخلق - لكنه متناقض فى كلامه ؛ فإنه لا يرضى بالحلول ، ولا يثبت موجودين حل أحدهما فى الآخر ، بل عنده وجود الحال هو عين وجود المحل ؛ لكنه يقول بالحلول بين الثبوت والوجود، فوجود الحق حل فى ثبوت الممكنات، وثبوتها حل فى وجوده ؛ وهذا الكلام لا حقيقة له فى نفس الأمر ، فإنه لا فرق بين هذا وهذا؛ لكنه هو مذهبه المتناقض فى نفسه . وأما الرجل الذى طلب من والده الحج، فأمره أن يطوف بنفس الأب فقال : طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين قط : فهذا كفر بإجماع المسلمين ، فإن الطواف بالبيت العتيق مما أمر الله به ورسوله، وأما الطواف بالأنياء والصالحين فيرام بإجماع المسلمين ، ومن اعتقد ذلك ديناً فهو كافر ، سواء طاف ببدنه أو بقبره. وقوله: ((مأفارقه الله طرفة عين قط)): إن أراد به الحلول المطلق العام فهو مع بطلانه متناقض ، فإنه لا فرق حينئذ بين الطائف والمطوف به ، فلم يكن طواف ٣٠٨ هذا بهذا أولى من العكس ؛ بل هذا يستلزم أنه يطاف بالكلاب ، والخنازير ، والكفار، والنجاسات ، والأقذار، وكل خبيث وكل ملعون ؛ لأن الحلول والاتحاد العام يتناول هذا كله . وقد قال مرة شیخهم الشیرازی ، لشيخه التلمسانى، وقد مر بكلب أجرب ميت : هذا أيضاً من ذات الله؟ فقال: وثمَّ خارج عنه؟ ومر التلمسانى ومعه شخص بكلب ، فركضه الآخر برجله ، فقال : لا تركضه فإنه منه، وهذا مع أنه أعظم الكفر والكذب الباطل فى العقل والدين: فإنه متناقض ، فإن الراكض والمركوض واحد ، وكذلك الناهى والمنهى ، فليس شىء من ذلك بأولى بالأمر والنهى من شىء، ولا يعقل مع الوحدة تعدد ، وإذا قيل مظاهر ومجالى : قيل إن كان لها وجود غير وجود الظاهر والمتجلى ، فقد ثبت التعدد وبطلت الوحدة ؛ وإن كان وجود هذا هو وجود هذا : لم يبق بين الظاهر ، والمظهر ، والمتجلى فيه : فرق. وإن أراد بقوله: ما فارقهالله طرفة عينالحلول الخاص- كماتقوله النصارى فى المسيح- لزم أن يكون هذا الحلول ثابتاً له من حين خلق - كما تقوله النصارى فی المسيح - فلا يكون ذلك حاصلا له بمعرفته، وعبادته وتحقيقه وعرفانه . وحينئذ فلا يكون فرق بينه و بین غیرهمن الآدميين ، فلماذا يكون الحلول ثابتاً له دون غيره؟ وهذا شر من قول النصارى ؛ فإن النصارى ادعوا ذلك فى المسيح لكونه خلق من غير أب ، وهؤلاء الشيوخ لم يفضلوا فى نفس التخليق، وإنما فضلوا بالعبادة والمعرفة، والتحقيق والتوحيد. ٣٠٩ وهذا أمر حصل لهم بعد أن لم يكن لهم ، فإذا كان هذا هو سبب الحلول : وجب أن يكون الحلول فيهم حادثًا لا مقارنا لخلقهم ، وحينئذ فقولهم إن الرب ما فارق أبدانهم أو قلوبهم طرفة عين قط ، - كلام باطل كيفما قدر . وأما ما ذكر عن رابعة العدوية من قولها عن البيت : إنه الصنم المعبود فى الأرض - فهو كذب على رابعة ، ولو قال هذا من قاله لكان كافراً يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهو كذب ، فإن البيت لا يعبده المسلمون ؛ ولكن يعبدون رب البيت بالطواف به، والصلاة إليه، وكذلك ما نقل من قولها: والله ما ولجه الله ولا خلا منه ، كلام باطل عليها . وعلى مذهب الحلولية لا فرق بين ذاك البيت وغيره فى هذا المعنى فلأى مزرية يطاف به ويصلى إليه ويحج دون غيره من البيوت ؟ وقول القائل : ماولج اللّه فیه -كلام صحيح. وأما قوله : ما خلا منه فإن أراد أن ذاته حالة فيه أو ما يشبه هذا المعنى ، فهو باطل وهو مناقض لقوله ماولج فيه ، وإن أراد به أن الاتحاد ملازم له لم يتجدد له ولوج ولم يزل غير حال فيه ، فهذا مع أنه كفر وباطل يوجب أن لا يكون للبيت مزية على غيره من البيوت إذ الموجودات كلها عندهم كذلك . ٠٠ ٠ ٣١٠ وأما البيتان المنسوبان إلى الحلاج :- سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب فىصورةالآ کل والشارب حتى بدا فى خلقه ظاهرا فهذه قد بين بها الحلول الخاص - كما تقول النصارى فى المسيح - وكان أبو عبد الله ابن خفيف الشيرازى - قبل أن يطلع على حقيقة أمر الحلاج- يذب عنه، فلما أنشد هذين البيتين قال: لعن الله من قال هذا. وقوله وله :- عقد الخلائق فى الإله عقائدا وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه فهذا البیت یعرف لابن عربى ، فإن كان قد سبقه إليه الحلاج وقد تمثل هو به: فإضافته إلى الحلاج صحيحة ، وهو كلام متناقض باطل . فإن الجمع بين النقيضين فى الاعتقاد فى غاية الفساد . والقضيتان المتناقضتان بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى لا يمكن الجمع بينهما . وهؤلاء يزعمون أنه يثبت عندهم فى الكشف ما يناقض صريح العقل ، وأنهم يقولون بالجمع بين النقيضين وبين الضدين ، وأن من سلك طريقهم يقول بمخالفة المعقول والمنقول ، ولا ريب أن هذا من أفسد ما ذهب إليه أهل السفسطة : ٣١١ ومعلوم أن الأنبياء عليهم السلام: أعظم من الأولياء، والأنبياء جاءوا بما تعجز العقول عن معرفته ، ولم يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه ، فهم يخبرون بمحارات العقول، لا بمحالات العقول ، وهؤلاء الملاحدة يدعون أن محالات العقول صحيحة ، وأن الجمع بين النقيضين صحيح، وأن ما خالف صريح المعقول وصحيح المنقول صحيح . ولا ريب أنهم أصحاب خيال وأوهام ، يتخيلون فى نفوسهم أموراً يتخيلونها ويتوهمونها ، فيظنونها ثابتة فى الخارج ، وإنما هى من خيالاتهم ، والخيال الباطل يتصور فيه ما لا حقيقة له . ولهذا يقولون : أرض الحقيقة هى أرض الخيال، كما يقول ذلك ابن عربى وغيره ؛ ولهذا يحكون حكاية ذكرها سعيد الفرغانى شارح قصيدة ابن الفارض - وكان من شيوخهم . وأما قوله :- فارفع بحقك إني من البين بينى وبينك إلى تزاحمنی فإن هذا الكلام يفسر بمعانى ثلاثة ، يقوله الملحد ، ويقوله الزنديق ، ويقوله الصديق . فالأول : مراده به طلب رفع ثبوت إنيته حتى يقال إن وجوده هو وجود الحق وإنيته هى إنية الحق ، فلا يقال إنه غير الله ولا سواه . ٣١٢ ولهذا قال سلف هؤلاء الملاحدة : إن الحلاج نصف رجل ؛ وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى ، فرفعت له صورة: يقولون إنه لما لم ترفع إنيته فى الثبوت فى حقيقة شهوده رفعت صورة فقتل ، وهذا القول مع ما فيه من الكفر والإلحاد: فهو متناقض ينقض بعضه بعضاً فإن قوله: « بينى وبينك إنى تزاحمنى * خطاب لغيره ، وإثبات إنية بينه وبين ربه ؛ وهذا إثبات أمور ثلاثة ولذلك يقول: «فارفع بحقك إني من البين * طلب من غيره أن يرفع إنيته، وهذا إثبات الأمور ثلاثة. وهذا المعنى الباطل ، هو الفناء الفاسد ، وهو الفناء عن وجود السوى ، فإن هذا فيه طلب رفع الإنية - وهو طلب الفناء - والفناء ثلاثة أقسام: فناء عن وجود السوى ، وفناء عن شهود السوى ، وقناء عن عبادة السوى . فالأول : هو فناء أهل الوحدة الملاحدة ، كما فسروا به كلام الحلاج - وهو أن يجعل الوجود وجوداً واحداً -. وأما الثانى :- وهو الفناء عن شهود السوى - فهذا هو الذى يعرض لكثير من السالكين ، كما يحكى عن أبى يزيد وأمثاله وهو مقام الاصطلام، وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده ، وبمعبوده عن عبادته ، وبمشهوده عن شهادته ، وبمذكوره عن ذكره ، فيفنى من لم يكن ، ويبقى من لم يزل؛ وهذا كما يحكى أن ٣١٣ رجلا كان يحب آخر ؛ فألقى المحبوب نفسه فى الماء ، فألقى المحب نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟ فقال: غبت بك عنى ، فظننت أنك أنى. فهذا حال من عجز عن شهود شىء من المخلوقات إذا شهد قلبه وجود الخالق وهو أمر يعرض لطائفة من السالكين . ومن الناس من يجعل هذا من السلوك ، ومنهم من يجعله غاية السلوك، حتى يجعلوا الغاية هو الفناء فى توحيد الربوبية ، فلا يفرقون بين المأمور والمحظور ، والمحبوب والمكروه . وهذا غلط عظيم ، غلطوا فيه بشهود القدر وأحكام الربوبية عن شهود الشرع والأمر والنهى، وعبادة الله وحده وطاعة رسوله، فمن طلب رفع إنيته بهذا الاعتبار: لم يكن محموداً على هذا ولكن قد يكون معذوراً. وأما النوع الثالث : وهو الفناء عن عبادة السوى - فهذا حال النبيين وأتباعهم، وهو أن يفنى بعبادة اللّه عن عبادة ماسواه، وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه ، وطاعته عن طاعة ما سواه ، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه ؛ فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له ، وهو الحنيفية ملة إبراهيم. ويدخل فى هذا: أن يفنى عن اتباع هواه بطاعة الله، فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطى إلا لله، ولا يمنع إلا لله ، فهذا هو الفناء الدینی الشرعی ، الذى بعث الله به رسله وأنزل به كتبه . ٣١٤ ومن قال : * فارفع بحقك إنى من البين « بمعنى أن يرفع هو نفسه فلا يتبع هواه ، ولا يتوكل على نفسه وحوله وقوته ، بل يكون عمله لله لا لهواه، وعمله باللّه وبقوته لا بحوله وقوته، كما قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ) فهذا حق محمود . وهذا كما يحكى عن أبى يزيد أنه قال : رأيت رب العزة فى المنام فقلت : خدائى كيف الطريق إليك؟ قال: اترك نفسك وتعال - أى اترك اتباع هواك والاعتماد على نفسك - فيكون عملك لله واستعانتك بالله، كما قال تعالى: (فَاعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ). والقول المحكى عن ابن عربى : * وبى حلفت وإن المقسم الله * هو أيضاً من إلحادهم وإفكهم : جعل نفسه حالفة بنفسه ، وجعل الحالف هو اللّه، فهو الحالف والمحلوف به، كما يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا بنفسه ، فهو المرسل والمرسل إليه والرسول . وكما قال ابن الفارض فى قصيدته نظم السلوك :- وأشهد فيها أنها لى صلت لها صلواتى بالمقام أقيمها حقيقته بالجمع فى كل سجدة كلانا مصل واحد ساجد إلى ٣١٥ وما كان بى صلى سواى ولم تكن صلاتى لغيرى فى أدا كل ركعة إلى أن قال : - ولا فرق بل ذاتى لذاتى أحبت وما زلت إياها وإياى لم تزل وفی رفعهاعن فرقة الفرقرفعتی وقد رفعت تاء المخاطب بيتنا فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن منادى أجابت من دعانى ولبت إلى رسولا كنت منى مرسلا وذاتى بآياتى على استدلت وأما المنقول عن عيسى بن مريم صلوات الله عليه : فهو كذب عليه ، وهو كلام ملحد كاذب وضعه على المسيح ، وهذا لم ينقله عنه مسلم ولا نصرانى، فإنه لا يوافق قول النصارى ، فإن قوله: إن الله اشتاق أن يرى ذاته المقدسة خلق من نوره آدم، وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسةفيها ، وإنى أنا ذلك النور وآدم المرآة : فهذا الكلام - مع ما فيه من الكفر والإلحاد - متناقض وذلك أن الله سبحانه یری نفسه كما يسمع كلام نفسه، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو عبد مخلوق لله - قال لأصحابه: ((إنی آراکم من وراء ظهری کما أراکم من بین یدی ، فإذا كان المخلوق قديرى ما خلفه - وهو أبلغ من رؤية نفسه - فالخالق تعالی کیف لا یری نفسه؟ وأيضا فإن شوقه إلى رؤية نفسه حتى خلق آدم : يقتضى أنه لم يكن فى الأزل يرى نفسه حتى خلق آدم. ٣١٦ ثم ذلك الشوق إن كان قديما: كان ينبغى أن يفعل ذلك فى الأزل ، وإن كان محدثا فلا بد من سبب يقتضى حدوثه، مع أنه قد يقال : الشوق أيضا صفة نقص، ولهذا لم يثبت ذلك فى حق الله تعالى، وقد روى: ((طال شوق الأبرار إلى لقائى وأنا إلى لقائهم أشوق )، وهو حديث ضعيف. وقوله: خلق من نوره آدم وجعله كالمرآة ، وأنا ذلك النور وآدم هو المرآة - يقتضى أن يكون آدم مخلوقا من المسيح ، وهذا نقيض الواقع ، فإن آدم خلق قبل المسيح ، والمسيح خلق من مريم ، ومريم من ذرية آدم فكيف يكون آدم مخلوقا من ذريته؟ . وإن قيل : المسيح هو نور اللّه فهذا القول - وإن كان من جنس قول النصارى - فهو شر من قول النصارى، فإن النصارى يقولون: إن المسيح هو الناسوت ، واللاهوت الذى هو الكلمة هى جوهر الابن ، وهم يقولون: اتحاد اللاهوت والناسوت متجدد حين خلق بدن المسيح، لا يقولون: إن آدم خلق من المسيح، إذ المسيح عندهم اسم اللاهوت والناسوت جميعا ، وذلك يمتنع أن يخلق منه آدم، وأيضا فهم لا يقولون: إن آدم خلق من لاهوت المسيح. وأيضا فقول القائل : إن آدم خلق من نور الله الذى هو المسيح؛ إن أراد به نوره الذى هو صفة لله: فذاك ليس هو المسيح الذى هو قائم بنفسه ؛ إذ يمتنع أن يكون القائم بنفسه صفة لغيره ، وإن أراد بنوره ما هو نور منفصل عنه : فمعلوم أن المسيح لم يكن شيئا موجوداً منفصلا قبل خلق آدم ، فامتنع على كل تقدير أن يكون آدم مخلوقا من نور الله الذى هو المسيح. ٣١٧ . وأيضا فإذا كان آدم كالمرآة ، وهو ينظر إلى ذاته المقدسة فيها : لزم أن يكون الظاهر فى آدم هو مثال ذاته ، لا أن آدم هو ذاته ، ولا مثال ذاته ، ولا كذاته. وحينئذ فإن كان المراد بذلك أن آدم يعرف الله تعالى: فيرى مثال ذاته العلمى فى آدم . فالرب تعالى يعرف نفسه، فكان المثال العلمى إذا أمكن رؤيته كانت رؤيته للعلم المطابق له القائم بذاته أولى من رؤيته للعلم القائم بآدم ، وإن كان المراد أن آدم نفسه مثال لله: فلا يكون آدم هو المرآة ؛ بل يكون هو كالمثال الذى فى المرآة . وأيضا فتخصيص المسيح بكونه ذلك النور: هو قول النصارى الذين يخصونه بأنه اللّه أو ابن الله، وهؤلاء الاتحادية ضموا إلى قول النصارى قولهم بعموم الاتحاد ، حيث جعلوا فى غير المسيح من جنس ما تقوله النصارى فى المسيح. وأما قول ابن الفارض :- وشاهدْ إذا استجليت ذاتك من ترى بغير مراء فى المرآة الصقيلة أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر إليك بها عند انعكاس الأشعة ؟ فهذا تمثيل فاسد ، وذلك أن الناظر فى المرآة يرى مثال نفسه ، فيرى نفسه بواسطة المرآة لا يرى نفسه بلا واسطة ، فقولهم بوحدة الوجود باطل ، وبتقدير صحته ليس هذا مطابقا له . ٣١٨ فتخصيصهم بعد هذا آدم أو نحو المسيح يناقض قولهم بالعموم ، وإنما يخص المسيح ونحوه من يقول بالاتحاد الخاص، كالنصارى والغالية من الشيعة ، وجهال النساك ونحوهم. وأيضا فلو قدر أن الإنسان يرى نفسه فى المرآة : فالمرآة خارجة عن نفسه ، فيرى نفسه أو مثال نفسه فى غيره ، والكون عندهم ليس فيه غير ولا سوى ، فليس هناك مظهر مغاير للظاهر ، ولا مرآة مغايرة للرائى. وهم يقولون: إن الكون مظاهر الحق ، فإن قالوا : المظاهر غير الظاهر لزم التعدد وبطلت الوحدة ، وإن قالوا : المظاهر هى الظاهر لم يكن قد ظهر شىء فى شىء، ولا تجلى شىء فى شىء، ولا ظهر شىء لشىء ، ولا تجلى شىء لشىء ، وكان قوله : * وشاهد إذا استجليت نفسك من ترى ... كلاما متناقضا ؛ لأن هنا مخاطبا ومخاطبا ومرآة تستجلى فيها الذات ، فهذه ثلاثة أعيان ، فإن كان الوجود واحداً بالعين بطل هذا الكلام ، وكل كلمة يقولونها تنقض أصلهم. ٣١٩ فصل وأما ما ذكره من قول ابن إسرائيل: الأمر أمران: أمر بواسطة وأمر بغير واسطة ، إلى آخره - فمضمونه أن الأمر الذى بواسطة هو الأمر الشرعى الدينى ، والذى بلا واسطة هو الأمر القدرى الكونى ؛ وجعله أحد الأمرين بواسطة والآخر بغير واسطة كلام باطل ، فإن الأمر الدينى يكون بواسطة وبغير واسطة ، فإن الله كلم موسى وأمره بلا واسطة، وكذلك كلم محمداً صلى الله عليه وسلم ، وأمره ليلة المعراج ، وكذلك كلم آدم وأمره بلا واسطة وهى أوامر دينية شرعية . وأما الأمر الكونى: فقول القائل إنه بلا واسطة خطأ ، بل الله تعالى خلق الأشياء بعضها ببعض ، وأمر التكوين ليس هو خطابا يسمعه المكون المخلوق ، فإن هذا ممتنع ؛ ولهذا قيل: إن كان هذا خطابا له بعد وجوده لم يكن قدكون بكن ؛ بل كان قدكون قبل الخطاب ، وإن كان خطابا له قبل وجوده خطاب المعدوم ممتنع. وقد قيل فى جواب هذا : إنه خطاب لمعلوم لحضوره فى العلم ، وإن كان معدوما فى العين . وأما ما ذكره الفقير فهو سؤال وارد بلا ريب . ٣٢٠