النص المفهرس

صفحات 281-300

يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )
وهذا إخبارعن فرعون وقومه ؛ أنه حاق بهم سوء العذاب فى البرزخ،
وأنهم فى القيامة يدخلون أشد العذاب ، وهذه الآية إحدى ما استدل به العلماء
على عذاب البرزخ .
وإنما دخلت الشبهة على هؤلاء الجمال: لما سمعوا آل فرعون ، فظنوا
أن فرعون خارج منهم ؛ وهذا تحريف الكلم عن مواضعه ، بل فرعون
داخل فى آل فرعون بلا نزاع بين أهل العلم بالقرآن ، واللغة ، يتبين
ذلك بوجوه :-
(أحدها ) أن لفظ آل فلان فى الكتاب والسنة يدخل فيها ذلك
الشخص ، مثل قوله فى الملائكة الذين ضافوا إبراهيم: ( إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى
قَوْمٍ تُجْرِمِينَ * إِلَّءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلََّ آَمْرَأَتَهُ ) ثم قال :
( فَلَمَّاجَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ) يعنى لوطاً: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ)
وكذلك قوله: ( إِنَّأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّءَالَ لُوطٍ ◌ََّيْنَهُمْ يِسَخَرٍ ) ثم قال بعد
ذلك: ( وَلَقَدْجَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُواْبَايَقِنَكِهَا فَأَ خَذْنَهُمْ أَخْذَ عَزِيزِمُّقْنَدِرٍ ).
ومعلوم أن لوطاً داخل فى آل لوط فى هذه المواضع ، وكذلك فرعون :
داخل فى آل فرعون المكذبين المأخوذين ، ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم
((قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم،
: ٢٨١

وكذلك قوله: ((كما باركت على آل إبراهيم)، فإبراهيم داخل فى ذلك، وكذلك
قوله للحسن: ((إن الصدقة لا تحل آل محمد)).
وفى الصحيح عن عبد الله بن أبى أو فى قال: كان القوم إذا أنوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم بصدقة يصلى عليهم، فأتى أبى بصدقة فقال: ((اللهم صل على
آل أبى أوفى )) وأبو أو فى هو صاحب الصدقة.
ونظير هذا الاسم أهل البيت ، فإن الرجل يدخل فى أهل بيته ، كقول
الملائكة: (رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَكَانُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
(((سلمان منا أهل البيت)) وقوله تعالى: (إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ
أَهْلَ الْبَيْتِ ) وذلك لأن آل الرجل من يؤول إليه ، ونفسه ممن يؤول إليه ،
وأهل بيته هم من يأهله ، وهو ممن يأهل أهل بيته.
فقد تبين أن الآية التى ظنوا أنها حجة لهم : هى حجة عليهم ، فى تعذيب
فرعون مع سائر آل فرعون فى البرزخ ، وفى يوم القيامة ، ويبين ذلك :
أن الخطاب فى القصة كلها إخبار عن فرعون وقومه. قال تعالى: ( وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَتِنَا وَسُلْطَنِ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ
كَذَابٌ ) إلى قوله: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيَكُمْ إِلَّسَبِيلَ الرَّشَادِ)
إلى قوله: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَنْهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلّى أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ * أَسَْبَ
السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى) إلى قوله: (وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اٌلْعَذَابِ * النَّارُ
٢٨٢

يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) إلى قوله (قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوَأْإِنَّا كُلُ فِيهَا
إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ).
فأخبر عقب قوله: (أَدْخِلُوْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُ لْعَذَابِ) عن محاجتهم فى النار،
وقول الضعفاء للذين استكبروا ، وقول المستكبرين للضعفاء : ( إِنَّاكُلٌ
فِيهَا) ومعلوم أن فرعون هو رأس المستكبرين، وهو الذى استخف قومه
فأطاعوه ، ولم يستكبر أحد استكبار فرعون، فهو أحق بهذا النعت والحكم
من جميع قومه .
(الموضع الثانى) - وهو حجة عليهم لا لهم - قوله تعالى: (فَانَبَّعُوّأْ
أَغْرَفِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ
اُلْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) إلى قوله: (بِئْسَ الْرِفْدُ الْمَرْفُودُ ) فأخبر أنه يقدم قومه
ولم يقل يسوقهم ، وأنه أوردهم النار. ومعلوم أن المتقدم إذا أورد المتأخرين
النار : كان هو أول من يردها ، وإلا لم يكن قادماً؛ بل كان سائقاً ؛ يوضح
ذلك أنه قال: (وَأُتْبِعُواْ فِى هَذِهِ، لَعَنَةً وَيَوْمَالْقِيَمَةِ ) فعلم أنه وهم يردون النار ،
وأنهم جميعاً ملعونون فى الدنيا والآخرة .
وما أخلق المحاج عن فرعون أن يكون بهذه المثابة ، فإن المرء مع
من أحب ( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) وأيضاً فقد قال الله تعالى:
( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ) يقول : هلا
آمن قوم فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس .
٢٨٣

وقال تعالى : ( أَفَلَمْ يَسِيرُ واْ فِى الْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارَا فِى الْأَرْضِ) إلى قوله: (سُنَّتَ اللَّهِ
الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ ) فأخبر عن الأمم المكذبين
للرسل ، أنهم آمنوا عند رؤية البأس، وأنه لم يك ينفعهم إيمانهم حينئذ، وأن
هذه سنة الله الخالية فى عباده .
وهذا مطابق لما ذكره الله فى قوله لفرعون: (ءَالْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ
قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) فإن هذا الخطاب هو استفهام إنكار
أى الآن تؤمن وقد عصيت قبل؟ فأنكر أن يكون هذا الإيمان نافعاً أو مقبولا
فمن قال : إنه نافع مقبول فقد خالف نص القرآن ، وخالف سنة اللّه التى قد
خلت فى عباده .
يبين ذلك أنه لو كان إيمانه حينئذ مقبولا : لدفع عنه العذاب كما دفع عن
قوم يونس، فإنهم لما قبل إيمانهم متعوا إلى حين ، فإن الإغراق هو عذاب على
كفره فإذا لم يكن كافراً لم يستحق عذابا .
وقوله بعد هذا: ( فَأَلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ ) يوجب
أن يعتبر من خلفه ، ولو كان إنما مات مؤمناً لم يكن المؤمن مما يعتبر بإهلاكه
وإغراقه . وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره ابن مسعود
بقتل أبى جهل قال: ((هذا فرعون هذه الأمة)) فضرب النبى صلى الله عليه
وسلم المثل فى رأس الكفار المكذبين له برأس الكفار المكذبين لموسى.
٢٨٤

فهذا يبين أنه هو الغاية فى الكفر ، فكيف يكون قدمات مؤمناً ؟ ومعلوم
أن من مات مؤمناً: لا يجوز أن يوسم بالكفر ولا يوصف؛ لأن الإسلام
يهدم ما كان قبله، وفى مسند أحمد وإسحاق وصحيح أبى حاتم ، عن عوف
ابن مالك، عن عبد الله بن عمرو، عن النبى صلى الله عليه وسلم فى تارك الصلاة:
((يأتى مع قارون، وفرعون، وهامان، وأنى بن خلف)).
٢٨٥

سئل الشيخ الإمام الربانى شيخ الإسلام ، بحر العلوم إمام الأئمة ناصر ،
السنة ، علامة الورى ، وارث الأنبياء.
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية
عن كلمات وجدت بخط من يوثق به ، ذكرها عنه جماعة من الناس ،
فيهم من انتسب إلى الدین(١) .
فمن ذلك : قال بعض السلف: إن الله لطف ذاته فسماها حقا ، وكشفها
فسماها خلقاً .
وقال الشيخ نجم الدين بن إسرائيل : إن اللّه ظهر فى الأشياء حقيقة ،
واحتجب بها مجازاً ، فمن كان من أهل الحق والجمع : شهدها مظاهر ومجالى ،
ومن كان من أهل المجاز والفرق : شهدها ستوراً وحجباً قال : وقال فى
قصيدة له :-
وقد علقت کفایجمعا بموجدى
لقد حق لی رفض الوجود وأهله
(١) تسمى: الحجج العقلية والنقلية، فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية
والصوفية .
٢٨٦

ثم بعد مدة غير البيت بقوله : -
* لقد حق لى عشق الوجود وأهله *
فسألته عن ذلك فقال: مقام البداية أن يرى الأكوان حجبا فيرفضها ، ثم
يراها مظاهر ومجالى فيحق له العشق لها ، كما قال بعضهم : -
أقبل أرضاً سار فيها جمالها فكيف بدار دار فيها جمالها
قال : وقال ابن عربی عقیب إنشاد بتی أبى نواس : -
وتشاكلا قتشابه الأمر
رق الزجاج وراقت اخر
وكأنما قدح ولا خمر
فكأنما خمر ولا قدح
لبس صورة العالم ؛ فظاهره خلقه ، وباطنه حقه .
وقال بعض السلف : عين ما ترى ذات لا ترى ، وذات لا ترى عين
ما ترى ، الله فقط والكثرة وهم.
قال الشيخ قطب الدين بن سبعين: رب مالك، وعبد هالك، وأنتم ذلك.
اللّه فقط والكثرة وهم.
وقال الشيخ محى الدين بن عربى : -
يا صورة أُنس سرها معنائى ما خلقك للأمر ترى لولائى
لتشهدنا فى أكمل الأشياء
شئناك فأنشأناك خلقا بشرا
٢٨٧

وفيه: طلب بعض أولاد المشايخ من والده الحج، فقال له الشيخ: يا بنى
طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين .
قال : وقيل عن رابعة العدوية: إنها حجت فقالت : هذا الصنم المعبود فى
الأرض ، والله ماولجه اللّه ولا خلا منه.
وفيه للحلاج : -
سر سنا لاهوته الثاقب
سبحان من أظهر ناسوته
فى صورة الآكل والشارب
ثم بدا مستتراً ظاهرا
قال وله :
وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
عقد الخلائق فى الإله عقائدا
وله أيضاً :
فارفع بحقك إنْسِيْ من البين
بینی وبینك إنىّ تزاحمنى
قال : وقال الشيخ شهاب الدين السهروردى الحلى المقتول: وبهذه الإنية
التى طلب الحلاج رفعها تصرفت الأغيار فى دمه ، ولذلك قال السلف: الحلاج
نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الإنيةُ بالمعنى فرفعت له صورة .
وفيه لمحی الدين ابن عربى : -
وفى حلفت وإن المقسم الله
والله ما هى إلا حيرة ظهرت
وقال فيه: المنقول عن عيسى عليه السلام أنه قال: ((إن الله - تبارك
٢٨٨

وتعالى - اشتاق بأن يرى ذاته المقدسة ، نخلق من نوره آدم عليه السلام، وجعله
كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها، وإنى أنا ذلك النور، وآدم المرآة . قال ابن
الفارض فى قصيدته السلوك :
بغير مراء فى المرآة الصقيلة
وشاهدإذا استجلیت نفسكمنتری
إليك بها عند انعكاس الأشعة ؟
أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر
قال: وقال ابن إسرائيل، الأمر أمران : أمر بواسطة ، وأمر بغير
واسطة ، فالأمر الذى بالوسائط رده من شاء الله وقبله من شاء اللّه، والأمر
الذى بغير واسطة لا يمكن رده، وهو قوله تعالى: ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِّشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ
أَنْ تَّقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ).
فقال له فقير: إن اللّه قال الآدم بلا واسطة: لا تقرب الشجرة - فقرب
وأكل. فقال: صدقت ، وذلك أن آدم إنسان كامل ؛ ولذلك قال شيخنا على
الحريرى : آدم صفى اللّه تعالى، كان توحيده ظاهراً وباطناً، فكان قوله لآدم
((لا تقرب الشجرة)) ظاهراً، وكان أمره ((كل)) باطناً ، فأكل فكذلك قوله
تعالى. وإبليس كان توحيده ظاهراً، فأمر بالسجود لآدم، فرآه غيرا فلم يسجد،
فغير اللّه عليه وقال: ( أَخْرُجْ مِنْهَا).
وقال شخص لسيدى يا سيدى حسن، إذا كان الله يقول لنبيه: (لَيْسَ لَكَ
مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ ) أيش نكون نحن؟ فقال سيدى له: ليس الأمر كما تقول
أو تظن، فقوله له: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ) عين الإثبات للنبى صلى الله
٢٨٩

عليه وسلم كقوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) (إِنَّالَّذِينَ
.(
يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَايُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
وفيه لأوحد الدین الكرمانى : -
ما بينكم وبيننا من بين
ما غبت عن القلب ولا عنعینی
وقال غيره : -
لا تحسب بالصلاة والصوم تنال قربا ودنواً من جمال وجلال
باللّه وإلا كل دعواك محال
فارق ظلم الطبع وكن متحداً
وغيره للحلاج : -
وغاب عن المذكور فى سطوة الذكر
إذا بلغ الصب الکال من الهوى
بأن صلاة العارفين من الكفر
يشاهد حقاً حین یشهدهاهوی
وللشيخ نجم الدين بن إسرائيل .
من ألف أشتاتى ومن فرقنى
الكون يناديك ألا تسمعنى
مافى سوی وجود من أوجدنی
أنظر لترانى منظراً معتبرا
وله أيضاً : -
أن ليس لموجود سوى الحق وجود
ذرات وجودالکونللحقشهود
منه وإلى علاه يبدو ويعود
والكون وإن تکثرت عدته
٢٩٠

وله أيضاً :-
برئت إليك من قولى وفعلى ومن ذاتى براءة مستقيل
لأنى مثل ظل مستحيل
وما أنا فى طراز الكون شىء
وللعفيف التلمسانى :-
سواى أخو وجد يحن لقلبه ؟
احن إليه وهو قلی وھل یری
وما بعده إلا الإفراط قربه
ويحجب طرفیعنه إذ هو ناظری
وقال بعض السلف : التوحيد لا لسان له ، والألسنة كلها لسانه .
ومن ذلك أيضاً : التوحيد لا يعرفه إلا الواحد، ولا قصح العبارة عن
الواحد، وذلك أنه لا یعبر عنه إلا بغيره ومن أثبت غیرا فلا توحید له.
قال: وسمعت الشيخ محمد بن بشر النواوى يقول: ورد سيدنا الشيخ على
الحريرى إلى جامع نوى ، قال الشيخ محمد : جئت إليه ، فقبلت الأرض بين
يديه ، وجلست ، فقال : يا بنى وقفت مع المحبة مدة فوجدتها غير المقصود ؛
لأن المحبة لا تكون إلا من غير لغير ، وغير ما ثم ، ثم وقفت مع التوحيد مدة
فوجدته كذلك؛ لأن التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب ، ولو أنصف الناس
ما رأوا عبداً ولا معبودا .
وفيه: سمعت من الشيخ نجم الدين بن إسرائيل مما أسر إلى أنه سمع من
٢٩١

شيخنا، الشيخ على الحريرى ، فى العام الذى توفى فيه ، قال يا نجم ، رأيت لهاتى
الفوقانية فوق السموات ، وحنكى تحت الأرضين ، ونطق لسانى بلفظة لو سمعت
منى ما وصل إلى الأرض من دمى قطرة .
فلما كان بعد ذلك بمدة قال شخص فى حضرة سيدى الشيخ حسن بن على
الحريرى: ياسيدى حسن ، ما خلق الله أقل عقلا من ادعى أنه إله مثل فرعون
ونمروذ وأمثالهما ، فقال: إن هذه المقالة لا يقولها إلا أجهل خلق الله أو أعرف
خلق الله ، فقلت له: صدقت؛ وذلك أنه قد سمعت جدك يقول: رأيت كذا
وكذا ؛ فذكر ما ذكره الشيخ نجم الدين عن الشيخ.
وفيه قال بعض السلف : من كان عين الحجاب على نفسه فلا حجاب
ولا محجوب .
فالمطلوب من السادة العلماء :-
أن يبينوا هذه الأقوال، وهل هى حق أو باطل؟ وما يعرف به معناها ؟
وما يبين أنها حق أو باطل ؟ وهل الواجب إنكارها ، أو إقرارها ، أو التسليم
لمن قالها؟ وهل لها وجه سائغ؟ وما الحكم فيمن اعتقد معناها ، إما مع المعرفة
بحقيقتها؟ وإما مع التسليم المجمل لمن قالها .
٢٩٢

والمتكلمون بها ، هل أرادوا معنى صحيحا يوافق العقل والنقل؟ وهل
يمكن تأويل ما يشكل منها وحمله على ذلك المعنى؟ وهل الواجب بيان معناها ،
وكشف مغزاها ، إذا كان هناك ناس يؤمنون بها ، ولا يعرفون حقيقتها ؟
أم ينبغى السكوت عن ذلك وترك الناس يعظمونها ، ويؤمنون بها، مع عدم العلم
بمعناها؟ بينوا ذلك مأجورين.
٢٩٣

فأجاب رضي الله عنه :-
الحمد للهرب العالمين.
هذه الأقوال المذكورة: تشتمل على أصلين باطلين ، مخالفين لدين المسلمين،
واليهود ، والنصارى مع مخالفتهما للمنقول والمعقول .
أحدهما: الحلول والاتحاد، ومايقارب ذلك، كالقولبوحدةالوجود ،كالذین
يقولون : إن الوجود واحد ، فالوجود الواجب للخالق : هو الوجود الممكن
للمخلوق ، كما يقول ذلك أهل الوحدة ، كابن عربى ، وصاحبه القونوى ،
وابن سبعين ، وابن الفارض صاحب القصيدة التائية - نظم السلوك - وعامر
البصرى السيواسى ، الذى له قصيدة تناظر قصيدة ابن الفارض . والتلمسانى
الذى شرح ( مواقف النفرى) ، وله شرح الأسماء الحسنى ، على طريقة
هؤلاء ، وسعيد الفرغانى ، الذى شرح قصيدة ابن الفارض ، والششترى
صاحب الأزجال ، الذى هو تلميذ ابن سبعين ، وعبد الله البليانى ، وابن
أبى المنصور المتصوف المصرى ، صاحب ( فك الأزرار عن أعناق
الأسرار) وأمثالهم.
ثم من هؤلاء من یفرق بینالوجود والثبوت-كما يقوله ابن عربى - ويزعم
٢٩٤

أن الأعيان ثابتة فى العدم، غنية عن الله فى أنفسها، ووجود الحق هو وجودها ،
والخالق مفتقر إلى الأعيان ، فى ظهور وجوده بها ، وهى مفتقرة إليه فى
حصول وجودها ، الذى هو نفس وجوده . وقوله مركب من قول من قال
المعدوم شىء وقول من يقول : وجود الخالق هو وجود المخلوق ويقول :
فالوجود المخلوق هو الوجود الخالق ، والوجود الخالق هو الوجود المخلوق ،
كما هو مبسوط فى موضع آخر .
ومنهم من يفرق بين الإطلاق والتعيين ، كما يقول القونوى ونحوه ،
فيقولون : إن الواجب هو الوجود المطلق لا بشرط ، وهذا لا يوجد مطلقا
إلا فى الأذهان لا فى الأعيان ، فما هو كلى فى الأذهان لا يكون فى الأعيان إِلا
معينا ، وإن قيل : إن المطلق جزء من المعين لزم أن يكون وجود الخالق جزءاً
من وجود المخلوق ، والجزء لا يبدع الجميع ويخلقه ، فلا يكون
الخالق موجوداً .
ومنهم من قال : إن البارئ هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق ، كما يقول
ابن سينا وأتباعه ، فقوله أشد فساداً . فان المطلق بشرط الإطلاق لا يكون
إلا فى الأذهان لا فى الأعيان ؛ فقول هؤلاء بموافقة من هؤلاء - الذين يلزمهم
التعطيل - شر من قول الذين يشبهون أهل الحلول والاتحاد .
وآخرون يجعلون الوجود الواجب . والوجود الممكن : بمنزلة المادة
٢٩٥

والصورة ، التى تقولها المتفلسفة ، أو قريب من ذلك ، كما يقوله ابن
سبعين وأمثاله .
وهؤلاء أقوالهم فيها تناقض وفساد ، وهى لا تخرج عن وحدة الوجود،
والحلول ، أو الاتحاد ، وهم يقولون بالحلول المطلق ، والوحدة المطلقة ،
والاتحاد المطلق ؛ بخلاف من يقول بالمعين ، كالنصارى والغالية ( من الشيعة)
الذين يقولون بالهية على ، أو الحاكم، أو الحلاج ، أو يونس القنينى ،
أو غير هؤلاء من ادعيت فيه الإلهية .
فإن هؤلاء : قد يقولون بالحلول المقيد الخاص ، وأولئك يقولون
بالإطلاق والتعميم .
ولهذا يقولون إن النصارى إنما كان خطؤهم فى التخصيص، وكذلك يقولون
فى المشركين عباد الأصنام ، إنما كان خطؤهم لأنهم اقتصروا على بعض المظاهر
دون بعض ، وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقا ، على وجه
الإطلاق والعموم.
ولا ريب أن فى قول هؤلاء من الكفر والضلال: ما هو أعظم من كفر
اليهود والنصارى .
وهذا المذهب شائع فى كثير من المتأخرين ، وكان طوائف من الجهمية
يقولون به ، وكلام ابن عربى ، فى فصوص الحكم وغيره، وكلام ابن سبعين
٢٩٦

وصاحبه الششترى، وقصيدة ابن الفارض ( نظم السلوك ) وقصيدة عامر
البصرى ، وكلام العفيف التلسانى، وعبد الله البليانى، والصدر القونوى وكثير
من شعر ابن إسرائيل ، وما ينقل من ذلك عن شيخه الحريرى، وكذلك نحو منه
يوجد فى كلام كثير من الناس غير هؤلاء هو مبنى على هذا المذهب - مذهب
الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود - .
وكثير من أهل السلوك ، الذين لا يعتقدون هذا المذهب : يسمعون
شعر ابن الفارض وغيره ، فلا يعرفون أن مقصوده هذا المذهب ، فإن هذا
الباب وقع فيه من الاشتباه والضلال ، ما حير كثيراً من الرجال .
وأصل ضلال هؤلاء: أنهم لم يعرفوا مباينة اللّه لمخلوقاته، وعلوه عليها،
وعلموا أنه موجود، فظنوا أن وجوده لا يخرج عن وجودها ، بمنزلة من رأى
شعاع الشمس فظن أنه الشمس نفسها .
ولما ظهرت الجهمية - المنكرة لمباينة اللّه وعلوه على خلقه - افترق
الناس فى هذا الباب على أربعة أقوال :-
فالسلف والأئمة يقولون : إن الله فوق سمواته ، مستو على عرشه ، بائن
من خلقه ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة ، وإجماع سلف الأمة ، وكما علم
المباينة والعلو بالمعقول الصريح ، الموافق للمنقول الصحيح ، وكما فطر الله على
ذلك خلقه؛ من إقرارهم به ، وقصدهم إياه سبحانه وتعالى .
٢٩٧

( والقول الثانى) قول معطلة الجهمية ونفاتهم، وهم الذين يقولون. لا هو
داخل العالم ، ولا خارجه ، ولا مباين له ، ولا محايث له ؛ فينفون الوصفين
المتقابلين ، اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما، كما يقول ذلك أكثر المعتزلة،
ومن وافقهم من غيرهم.
( والقول الثالث ) قول حلولية الجهمية ، الذين يقولون : إنه بذاته فی کل
مكان ، كما يقول ذلك التجارية - أتباع حسين النجار - وغيرهم من الجهمية،
وهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد : من جنس هؤلاء، فإن الحلول أغلب على
عباد الجهمية ، وصوفيتهم وعامتهم ، والنفى والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم
كما قيل : متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً ، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شىء.
وذلك لأن العبادة تتضمن الطلب والقصد ، والإرادة والمحبة ،
وهذا لا يتعلق بمعدوم، فإن القلب يطلب موجوداً، فإذا لم يطلب ما فوق العالم :
طلب ما هو فيه .
وأما الكلام والعلم والنظر : فيتعلق بموجود ومعدوم ، فإذا كان أهل
الكلام والنظر يصفون الرب بصفات السلب والنفى - التى لا يوصف بها إلا
المعدوم - لم يكن مجرد العلم والكلام ينافى عدم المعبود المذكور ، بخلاف
القصد والإرادة والعبادة، فإنه ينافى عدم المعبود.
ولهذا تجد الواحد من هؤلاء - عند نظره وبحثه - يميل إلى النفي، وعند
عبادته وتصوفه يميل إلى الحلول ؛ وإذا قيل له هذا ينافى ذلك قال : هذا مقتضى
٢٩٨

عقلى ونظرى ، وذاك مقتضى ذوقى ومعرفتى ، ومعلوم أن الذوق والوجد
إن لم يكن موافقاً للعقل والنظر ، وإلا لزم فسادهما أو فساد أحدهما.
والقول الرابع: قول من يقول إن اللّه بذاته فوق العالم، وهو بذاته فى
كل مكان، وهذا قول طوائف من أهل الكلام والتصوف، كأبى معاذ وأمثاله،
وقد ذكر الأشعرى فى المقالات هذا عن طوائف ، ويوجد فى كلام السالمية
- کای طالب المکی وأتباعہ : کانی الحکم بن بر جان وأمثاله ۔ما يشير إلى نحو من
هذا ، كما يوجد فى كلامهم ما يناقض هذا .
وفى الجملة فالقول بالحلول أو ما يناسبه : وقع فيه كثير من متأخرى
الصوفية؛ ولهذا كان آئمة القوم يحذرون منه : کما فی قول الجنيد -لما سئل عن
التوحيد - فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم. فبين أن التوحيد أن يميز
بين القديم والمحدث.
وقد أنكر ذلك عليه ابن عربى - صاحب الفصوص - وادعى أن الجنيد
وأمثاله ماتوا وما عرفوا التوحيد، لما أثبتوا الفرق بين الرب والعبد، بناء على
دعواه أن التوحيد ليس فيه فرق بين الرب والعبد ، وزعم أنه لا يميز بين
القديم والمحدث ، إلا من ليس بقديم ولا محدث ، وهذا جهل ، فإن المعرفة بأن
هذا ليس ذاك، والتمييز بين هذا وذاك: لا يفتقر إلى أن يكون العارف المميز
بين الشيئين ليس هو أحد الشيئين ؛ بل الإنسان يعلم أنه ليس هو ذلك الإنسان
الآخر ، مع أنه أحدهما ، فكيف لا يعلم أنه غير ربه ؛ وإن كان هو أحدهما؟.
٢٩٩

( الأصل الثانى) الاحتجاج بالقدر على المعاصى ، وعلى ترك المأمور وفعل
المحظور، فإن القدر يجب الإيمان به ، ولا يجوز الاحتجاج به على مخالفة أمر
اللّه ونهيه، ووعده ووعيده.
والناس - الذين ضلوا فى القدر - على ثلاثة أصناف:
قوم آمنوا بالأمر والنهى ، والوعد والوعيد ؛ وكذبوا بالقدر، وزعموا
أن من الحوادث ما لا يخلقه الله، كالمعتزلة ونحوهم.
وقوم آمنوا بالقضاء والقدر ، ووافقوا أهل السنة والجماعة ، على
أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شىء، وربه
ومليكه ؛ لكن عارضوا هذا بالأمر والنهى ، وسموا هذا حقيقة ، وجعلوا
ذلك معارضاً للشريعة.
وفيهم من يقول : إن مشاهدة القدر تنفى الملام والعقاب، وإن العارف
یستوی عنده هذا وهذا .
وهم فى ذلك متناقضون ، مخالفون الشرع والعقل ، والذوق والوجد ؛
فإنهم لا يسوون بين من أحسن إليهم ، وبين من ظلمهم ، ولا يسوون بين
العالم والجاهل ، والقادر والعاجز، ولا بين الطيب والخبيث ، ولا بين العادل
والظالم ؛ بل يفرقون بينهما ، ويفرقون أيضاً بموجب أهوائهم وأغراضهم ،
لا بموجب الأمر والنهى ، ولا يقفون لا مع القدر ، ولا مع الأمر ؛ بل كما
٣٠٠