النص المفهرس

صفحات 221-240

ورسالته - ينقطعان والولاية لا تنقطع أبداً . فالمرسلون من كونهم أولياء
لا يرون ماذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف بالأولياء الذين ليسوا
أنبياء ولا رسلا؟ وذلك أنه لم يمكنهم أن يجعلوا بعد النبى صلى الله عليه وسلم
نبياً ورسولا ، فإن هذا كفر ظاهر ، فزعموا أنه إنما تنقطع نبوة التشريع
ورسالته ، يعنى وأما نبوة التحقيق ورسالة التحقيق - وهى الولاية عندهم -
فلم تنقطع ، وهذه الولاية عندهم هى أفضل من النبوة والرسالة ، ولهذا قال
ابن عربى فى بعض كلامه :-
مقام النبوة فى برزخ فويق الرسول ودون الولى
وقال فى الفصوص فى: ( كلمة عزيرية) فإذا سمعت أحداً من أهل الله تعالى
يقول أو ينقل إليك عنه ، أنه قال : الولاية أعلى من النبوة : فليس يريد ذلك
القائل إلا ما ذكرناه.
أو یقول : إن الولی فوق النی والرسول؛ فإنه يعنى بذلك فی شخص واحد
وهو أن الرسول عليه السلام من حيث هو ولى : أتم منه من حيث هو نى
ورسول، لا أن الولى التابع له أعلى منه ، فإن التابع لا يدرك المتبوع أبداً فيما
هو تابع له فيه ، إذ لو أدركه لم يكن تابعاً له)) .
وإذا حوققوا على ذلك قالوا : إن ولاية النبى فوق نبوته ، وإن نبوته
فوق رسالته ، لأنه يأخذ بولايته عن اللّه ، ثم يجعلون مثل ولايته ثابتة لهم،
ويجعلون ولاية خاتم الأولياء أعظم من ولايته، وأن ولاية الرسول تابعة
لولاية خاتم الأولياء الذى ادعوه» .
٢٢١

وفى هذا الكلام أنواع قد بيناها فى غير هذا الموضع :
( منها ) أن دعوى المدعى وجود خاتم الأولياء على ما ادعوه باطل
لا أصل له .
ولم يذكر هذا أحد من المعروفين قبل هؤلاء ، إلا أبو عبد الله محمد بن
على الترمذى الحكيم ، فى كتاب (ختم الولاية ) وقد ذكر فى هذا الكتاب
ما هو خطأ وغلط ، مخالف للكتاب والسنة والإجماع .
وهو - رحمه الله تعالى وإن كان فيه فضل ومعرفة، وله من الكلام
الحسن المقبول والحقائق النافعة أشياء محمودة - ففى كلامه من الخطأ: ما يجب
رده، ومن أشنعها ما ذكره فى كتاب ( ختم الولاية ) مثل دعواه فيه أنه يكون
فى المتأخرين من درجته عند الله أعظم من درجة أبى بكر ، وعمر ، وغيرهما .
ثم إنه تناقض فى موضع آخر ؛ لما حكى عن بعض الناس أن الولى يكون
منفرداً عن الناس ، فأبطل ذلك واحتج بأبى بكر وعمر وقال : يلزم هذا أن يكون
أفضل من أبى بكر وعمر ، وأبطل ذلك.
( ومنها) أنه ذكر فى كتابه ما يشعر أن ترك الأعمال الظاهرة - ولو أنها
التطوعات المشروعة - أفضل فى حق الكامل ذى الأعمال القلبية ، وهذا أيضا
خطأ عند أئمة الطريق ، فإن أكمل الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخير
الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وما زال محافظا على ما يمكنه من الأوراد
والتطوعات البدنية إلى مماته .
٢٢٢

(ومنها) ما ادعاه من خاتم الأولياء، الذى يكون فى آخر الزمان ، وتفضيله
وتقديمه على من تقدم من الأولياء، وأنه يكون معهم كخاتم الأنبياء مع الأنبياء .
وهذا ضلال واضح؛ فإن أفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان
وعلى، وأمثالهم من السابقين الأولين ، من المهاجرين والأنصار ، كما ثبت
ذلك بالنصوص المشهورة .
وخير القرون قرنه صلى الله عليه وسلم، كما فى الحديث الصحيح: (خير
القرون قرنى الذين بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، وفى
الترمذى وغيره أنه قال فى أبى بكر وعمر : ((هذان سيدا كهول أهل الجنة،
من الأولين والآخرين ، إلا النبيين والمرسلين )) قال الترمذى حديث حسن.
وفى صحيح البخارى عن على رضى الله عنه أنه قال له ابنه : يا أبت من خير الناس
بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( يا بنى أبو بكر)) قال : ثم من؟
قال: ((ثم عمر)) وروى بضع وثمانون نفسا عنه أنه قال: ((خير هذه الأمة بعد
فيها أبو بكر ثم عمر،.
وهذا باب واسع، وقد قال تعالى: (فَأُؤْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ
النَّبِيِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ) وهذه الأربعة هى مراتب العباد:
أفضلهم الأنبياء ، ثم الصديقون ، ثم الشهداء، ثم الصالحون .
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يفضل أحد منا نفسه على يونس بن
متى - مع قوله ( وَتَكُنْ كَصَاحِبٍ اَلْمُتِ) وقوله (وَهُوَ مُلِيمٌ ) - تنیها
على أن غيره أولى أن لا يفضل أحد نفسه عليه ، ففى صحيح البخارى عن ابن
٢٢٣

مسعود عن النی صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقولن أحدكم إنی خیر من يونس
ابن متى)، وفى صحيح البخارى أيضا عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((ما ينبغى لعبد أن يكون خيرا من يونس بن متى)) وفى لفظ: ((أن يقول:
أنا خير من يونس بن متى)) وفى البخارى أيضا عن أبى هريرة عن النبى صلى الله
عليه وسلم قال: ((من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب ) وفى الصحيحين
عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال ۔ یعنی رسول الله- ((لا ينبغى
لعبد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى)) وفى الصحيحين عن ابن عباس
عن النبي صلى الله عليه وسلم - وفى لفظ: فيما يرويه عن ربه ((لا ينبغى لعبد
أن يقول أنا خير من يونس بن متى )، وهذا فيه نهى عام .
وأما ما يرويه بعض الناس أنه قال: ((لا تفضلونى على يونس بن متى))
ويفسره باستواء حال صاحب المعراج، وحال صاحب الحوت : فنقل باطل وتفسير
باطل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((اثبت أحدفما عليك إلا فى، أو صديق
أو شهيد)) وأبو بكر أفضل الصديقين.
ولفظ خاتم الأولياء : لا يوجد فى كلام أحد من سلف الأمة ، ولا أئمتها
ولا له ذكر فى كتاب الله ولا سنة رسوله، وموجب هذا اللفظ أنه آخر مؤمن
تقى، فإن الله يقول: (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ) الآية
فکل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا )) .
وهم على درجتين : السابقون المقربون ، وأصحاب اليمين المقتصدون ، كما
قسمهم الله تعالى فى سورة فاطر، وسورة الواقعة، والإنسان، والمطففين .
٢٢٤

وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزنى بالمحاربة، وما تقرب
إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى
أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذی يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده
التی یبطش بها ، ورجله التی بمشی بها ، وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن
قبض نفس عبدى المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)) .
فالمتقربون إلى اللّه بالفرائض : هم الأبرار المقتصدون أصحاب اليمين،
والمتقربون إليه بالنوافل التى يحبها بعد الفرائض: هم السابقون المقربون، وإنما
تكون النوافل بعد الفرائض . وقد قال أبو بكر الصديق فى وصيته لعمر
ابن الخطاب : اعلم أن للهِ عليك حقاً بالليل لا يقبله بالنهار، وحقاً بالنهار لا يقبله
بالليل ، وأنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة .
والاتحادية يزعمون أن قرب النوافل : يوجب أن يكون عين الحق عين
أعضائه ، وأن قرب الفرائض: يوجب أن يكون الحق عين وجوده كله ، وهذا
فاسد من وجوه كثيرة ، بل كفر صريح ، كما بيناه فى غير هذا الموضع.
وإذا كان خاتم الأولياء آخر مؤمن تقى فى الدنيا فليس ذلك الرجل أفضل
الأولياء، ولا أكملهم، بل أفضلهم وأ كملهم سابقوهم ، الذين هم أخص بأفضل
الرسل من غيرهم ، فإنه كلما كان الولى أعظم اختصاصاً بالرسول ، وأخذا عنه
وموافقة له: كان أفضل ، إذ الولى لا يكون ولياً لله إلا بمتابعة الرسول باطناً
وظاهراً ؛ فعلى قدر المتابعة للرسول : يكون قدر الولاية لله .
٢٢٥

والأولياء ، وإن كان فيهم محدّثُون كما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله
علیه وسلم أنه قال: «إنه قد كان فى الأمم قبلكم محدثون، فإن یکن فی أمتى أحد
فعمر )) فهذا الحديث يدل على أن أول المحدثين من هذه الأمة عمر ؛ وأبو بكر
أفضل منه، إذ هو الصديق ، فالمحدث - وإن كان يلهم ويحدث من جهة اللّه
تعالى فعليه أن يعرض ذلك على الكتاب والسنة ، فإنه ليس بمعصوم ، كما قال
أبو الحسن الشاذلى : قد ضمنت لنا العصمة فيما جاء به الكتاب والسنة ،
ولم تضمن لنا العصمة فى الكشوف والإلهام.
ولهذا كان عمر بن الخطاب وقافاً عند كتاب اللّه، وكان أبو بكر الصديق
يبين له أشياء تخالف ما يقع له ، كما بين له يوم الحديبية ، ويوم موت النبى
صلى الله عليه وسلم، ويوم قتال مانعى الزكاة وغير ذلك ، وكان عمر بن الخطاب
يشاور الصحابة ؛ فتارة يرجع إليهم وتارة يرجعون إليه ، وربما قال القول :
فترد عليه امرأة من المسلمين قوله ، وتبين له الحق فيرجع إليها ، ويدع قوله،
كما قدر الصداق ، وربما يرى رأياً فيذكر له حديث عن النبى صلى الله
عليه وسلم فيعمل به ويدع رأيه ، وكان يأخذ بعض السنة عمن هو دونه فى
قضايا متعددة ، وکان یقول القول، فيقال له : أصبت فيقول والله ما یدری عمر
أصاب الحق أم أخطأه؟ .
فإذا كان هذا إمام المحدثين ، فكل ذى قلب يحدثه قلبه عن ربه إلى يوم
القيامة هو دون عمر ، فليس فيهم معصوم ، بل الخطأ يجوز عليهم كلهم، وإن
٢٢٦

كان طائفة تدعى أن الولى محفوظ ، وهو نظير ما يثبت للأنبياء من العصمة ،
والحكيم الترمذى قد أشار إلى هذا - فهذا باطل مخالف للسنة والإجماع.
ولهذا اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس : يؤخذ من قوله ويترك
إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإن كانوا متفاضلين فى الهدى، والنور
والإصابة ؛ ولهذا كان الصديق أفضل من المحدث ، لأن الصديق يأخذ من
مشكاة النبوة ، فلا يأخذ إلا شيئاً معصوما محفوظاً .
وأما المحدث فيقع له صواب وخطأ ، والكتاب والسنة تميز صوابه من
خطئه ؛ وبهذا صار جميع الأولياء مفتقرين إلى الكتاب والسنة ، لا بدلهم أن
يزنوا جميع أمورهم بآثار الرسول ، فما وافق آثار الرسول فهو الحق ،
وما خالف ذلك فهو باطل ، وإن كانوا مجتهدين فيه ، والله تعالى يثيبهم على
اجتهادهم ، ويغفر لهم خطأهم .
ومعلوم أن السابقين الأولين أعظم اهتداء واتباعا للآثار النبوية، فهم أعظم
إيماناً وتقوى، وأما آخر الأولياء: فلا يحصل له مثل ما حصل لهم.
والحديث الذى يروى : (( مثل أمتى كمثل الغيث لا يدرى أوله خير
أم آخره؟ » قد تكلم فى إسناده، وبتقدير صحته إنما معناه يكون فى آخر الأمة من
يقارب أولها ، حتى يشتبه على بعض الناس أيهما خير ، كما يشتبه على بعض
الناس طرفا الثوب ، مع القطع بأن الأول خير من الآخر ولهذا قال :
((لا يدرى)) ومعلوم أن هذا السلب ليس عاما لها ، فإنه لا بد أن يكون معلوما
أيهما أفضل .
٢٢٧

ثم إن هذا خاتم الأولياء صار مرتبة موهومة لا حقيقة له، وصار يدعيها
لنفسه أو لشيخه طوائف ، وقد ادعاها غير واحد ، ولم يدعها إلا من فى كلامه
من الباطل ما لم تقله اليهود ولا النصارى ، كما ادعاها صاحب الفصوص، وتابعه
صاحب الكلام فى الحروف ، وشيخ من أتباعهم كان بدمشق ، وآخر كان يزعم
أنه المهدى ، الذى يزوج بنته بعيسى بن مريم ، وأنه خاتم الأولياء ، ويدعى
هؤلاء وأمثالهم من الأمور ما لا يصلح إلا لله وحده ، كما قد يدعى المدعى
منهم لنفسه أو لشيخه ما ادعته النصارى فى المسيح .
ثم صاحب الفصوص وأمثاله بنوا الأمر : على أن الولى يأخذ عن الله
بلا واسطة ، والتى يأخذ بواسطة الملك ، فلهذا صار خاتم الأولياء أفضل عندهم
من هذه الجهة ، وهذا باطل وكذب ، فإن الولى لا يأخذ عن اللّه إلا بواسطة
الرسول إليه ، وإذا كان محدثا قد ألقى إليه شىء : وجب عليه أن يزنه بما جاء به
الرسول من الكتاب والسنة .
وتكليم الله لعباده على ثلاثة أوجه :-
من وراء حجاب ، كما كلم موسى .
وبإرسال رسول ، كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء.
وبالإيحاء ، وهذا فيه للولى نصيب ، وأما المرتبتان الأوليان : فإنهما
للأنبياء خاصة ، فالأولياء الذين قامت عليهم الحجة بالرسل لا يأخذون علم
الدين إلا بتوسط رسل الله إليهم، ولو لم يكن إلا عرضه على ما جاء به الرسول
٢٢٨

ولن يصلوا فى أخذهم عن اللّه إلى مرتبة فى أو رسول، فكيف يكونون آخذين
عن اللّه بلا واسطة ، ويكون هذا الأخذ أعلى، وهم لا يصلون إلى مقام تكليم
موسى ، ولا إلى مقام نزول الملائكة عليهم، كما نزلت على الأنبياء؟ وهذا دين
المسلمين ، واليهود، والنصارى .
وأما هؤلاء الجهمية الاتحادية: فبنوا على أصلهم الفاسد : أن الله هو الوجود
المطلق ، الثابت لكل موجود ، وصار ما يقع فى قلوبهم من الخواطر - وإن
كانت من وساوس الشيطان - يزعمون أنهم أخذوا ذلك عن اللّه بلا واسطة ،
وأنهم يكلمون كما كلم موسى بن عمران ، وفيهم من يزعمون أن حالهم أفضل
من حال موسى بن عمران ؛ لأن موسى سمع الخطاب من الشجرة ، وهم -
على زعمهم - يسمعون الخطاب من حى ناطق ، كما يذكر عن صاحب
الفصوص أنه قال :-
سواء علينا نشره ونظامه
وکل کلام فى الوجود كلامه
وأعانهم على ذلك : ما اعتقدوه من مذاهب الجهمية وأتباعهم ، الذين
يزعمون أن تكليم الله لموسى إنما كان من جنس الإلهام ، وأن العبد قد يرى الله
فى الدنيا إذا زال عن عينه المانع ، إذ لا حجاب عندهم للرؤية منفصل عن العبد ،
وإنما الحجاب متصل به ؛ فإذا ارتفع شاهد الحق.
وهم لا يشاهدون إلا ما يتمثلونه ، من الوجود المطلق ، الذى لا حقيقة
له إلا فى أذهانهم، أو من الوجود المخلوق. فيكون الرب المشهود عندهـ ــ الذى
٢٢٩

يخاطبهم فى زعمهم - لا وجود له إلا فى أذهانهم ، أو لا وجود له إلا وجود
المخلوقات ؛ وهذا هو التعطيل للرب تعالى ، ولكتبه ، ولرسله ، والبدع دهليز
الكفر والنفاق ، كما أن التشيع دهليز الرفض ، والرفض دهليز القرمطة
والتعطيل ، فالكلام الذى فيه تجهم هو دهليز التجهم ، والتجهم دهليز الزندقة
والتعطيل .
وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((واعلموا
أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت، ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن
الله یری فى الآخرة، وأنه لا يراه أحد فى الدنيا بعينه .
وفى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه كلام معروف لعائشة وابن عباس
فعائشة أنكرت الرؤية ، وابن عباس ثبت عنه فى صحيح مسلم أنه قال : رأى
محمد ربه بفؤاده مرتين ؛ وكذلك ذكر أحمد عن أبى ذر وغيره أنه أثبت رؤيته
بفؤاده وهذا المنصوص عن ابن عباس وأبي ذر وغيرهما هو المنصوص عن أحمد
وغيره من أئمة السنة ، ولم يثبت عن أحد منهم إثبات الرؤية بالعين فى الدنيا ،
كما لم يثبت عن أحد منهم إنكار الرؤية فى الآخرة .
ولكن كلا القولين تقول به طوائف من الجهمية ، فالنفى يقول به متكلمة
الجهمية ، والإثبات يقول به بعض متصوفة الجهمية ، كالاتحادية ، وطائفة
من غيرهم، وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي والإثبات ، كما يقول ابن سبعين:
عين ما ترى ذات لا ترى ، وذات لا ترى عين ما ترى . ونحو ذلك ، لأن
٢٣٠

مذهبهم مستلزم الجمع بين النقيضين ، فهم يقولون فى عموم الكائنات ما قالته
النصارى فى المسيح، ولهذا تنوعوا فى ذلك تنوع النصارى فى المسيح .
ومن الأنواع التى فى دعواهم أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء ،
من بعض الوجوه ، فإن هذا لم يقله أبو عبد الله الحكيم الترمذى ، ولا غيره
من المشايخ المعروفين ، بل الرجل أجل قدراً ، وأعظم إيمانا ، من أن يفترى
هذا الكفر الصريح، ولكن أخطأ شبراً، ففرعوا على خطئه ما صار كفراً .
وأعظم من ذلك: زعمهم أن الأولياء والرسل من حيث ولا يتهم تابعون
لخاتم الأولياء، وآخذون من مشكاته ، فهذا باطل بالعقل والدين ، فإن المتقدم
لا يأخذ من المتأخر ، والرسل لا يأخذون من غيرهم.
وأعظم من ذلك : أنه جعلهم تابعين له فى العلم بالله، الذى هو أشرف
علومهم ، وأظهر من ذلك أنه جعل العلم بالله هو مذهب أهل وحدة الوجود ،
القائلين بأن وجود المخلوق : هو عين وجود الخالق .
فليتدبر المؤمن هذا الكفر القبيح ، درجة بعد درجة : واستشهاده على
تفضيل غير النبى عليه بقصة عمر ، وتأبير النخل ، فهل يقول مسلم إن عمر كان
أفضل من النبى صلى الله عليه وسلم برأيه فى الأسرى ؟ أو أن الفلاحين الذين
يحسنون صناعة التأبير أفضل من الأنبياء فى ذلك ؟ ثم ما قنع بذلك حتى قال:
فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم فى كل علم وكل مرتبة ، وإنما نظر الرجال
إلى التقدم فى مرتبة العلم بالله ، هنالك مطلبهم.
٢٣١

فقد زعم أنه أعلم بالله من خاتم الأنبياء ، وأن تقدمه عليه بالعلم بالله ،
وتقدم خاتم الأنبياء عليه بالتشريع فقط ؛ وهذا من أعظم الكفر الذى يقع فيه
غالية المتفلسفة ، وغالية المتصوفة ، وغالية المتكلمة ، الذين يزعمون أنهم فى
الأمور العلمية أكمل من الرسل ، كالعلم بالله ونحو ذلك ، وأن الرسل إنما
تقدموا عليهم بالتشريع العام ، الذى جعل اصلاح الناس فى دنياهم.
وقد يقولون : إن الشرائع قوانين عدلية ، وضعت لمصلحة الدنيا ، فأما
المعارف والحقائق والدرجات العالية فى الدنيا والآخرة : فيفضلون فيها أنفسهم،
وطرقهم على الأنبياء ، وطرق الأنبياء.
وقد علم بالاضطرار من دين المسلمين : أن هذا من أعظم الكفر
والضلال ، وكان ذلك من سبب جحد حقائق ما أخبرت به الرسل ، من أمر
الإيمان بالله واليوم الآخر ، وزعمهم أن ما يقوله هؤلاء فى هذا الباب هو الحق.
وصاروا فى أخبار الرسل ، تارة يكذبونها ، وتارة يحرفونها ، وتارة
يفوضونها، وتارة يزعمون أن الرسل كذبوا لمصلحة العموم.
ثم عامة الذين يقولون هذه المقالات : يفضلون الأنبياء والرسل على
أنفسهم، إلا الغالية منهم كما تقدم ، فهؤلاء من شر الناس قولا واعتقاداً .
وقد كان عندنا شيخ من أجهل الناس ، كان يعظمه طائفة من الأعاجم ،
ويقال إنه خاتم الأولياء ، يزعم أنه يفسر العلم بوجهين ، وأن النبى صلى الله
عليه وسلم إنما فسره بوجه واحد ، وأنه هو أ كمل من النبى صلى الله عليه وسلم
٢٣٢

وهذا تلقاه من صاحب الفصوص ، وأمثال هذا فى هذه الأوقات كثيرون ،
وسبب ضلال المتفلسفة، وأهل التصوف، والكلام: الموافقة لضلالهم، وليس
هذا موضع الإطناب فى بيان ضلال هذا ، وإنما الغرض التنبيه على أن صاحب
الفصوص وأمثاله قالوا قول هؤلاء.
فأما كفر من يفضل نفسه على النبى صلى الله عليه وسلم - كما ذكر صاحب
الفصوص - فظاهر؛ ولكن من هؤلاء من لا يرى ذلك ؛ ولكن يرى أن له
طريقاً إلى الله غير اتباع الرسول، ويسوغ لنفسه اتباع تلك الطريق وإن
خالف شرع الرسول ، ويحتجون بقصة موسى والخضر .
ولا حجة فيها لوجهين ( أحدهما) أن موسى لم يكن مبعوثاً إلى الخضر ،
ولا كان يجب على الخضر اتباع موسى ، فإن موسى كان مبعوثاً إلى بنى إسرائيل،
ولهذا جاء فى الحديث الصحيح: ((أن موسى لما سلم على الخضر قال: وأنى
بأرضك السلام ؟ قال أنا موسى ، قال : موسى بنى إسرائيل ؟ قال نعم ،
قال : إنك على علم من علم الله عليكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من الله
علىنیه لا تعلمه )» .
ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((فضلنا على الناس بخمس: جعلت
صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً ، فأى
رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره، وأحلت لى الغنائم ، ولم تحل
لأحد قبلى ، وأعطيت الشفاعة، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى
٢٣٣

الناس عامة)) وقال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلى : نصرت بالرعب
مسيرة شهر ، وجعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً ، وأحلت لى الغنائم،
ولم تحل لأحد قبلى وأعطيت الشفاعة وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت
إلى الناس عامة)) وقد قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)
وقال تعالى: (قُلْ يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِِّ رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الآية.
فمحمد صلى الله عليه وسلم رسول اللّه إلى جميع الثقلين: إنسهم وجنهم ،
عربهم ومجمهم ، ملوكهم وزهادهم ، الأولياء منهم وغير الأولياء ، فليس
لأحد الخروج عن متابعته باطناً وظاهراً ، ولا عن متابعة ماجاء به من
الكتاب والسنة ، فى دقيق ولا جليل ، لا فى العلوم ولا الأعمال ، وليس
لأحد أن يقول له كما قال الخضر لموسى، وأما موسى فلم يكن مبعوثاً إلى الخضر.
( الثانى) أن قصة الخضر ليس فيها مخالفة للشريعة، بل الأمور التى
فعلها تباح فى الشريعة ، إذا علم العبد أسبابها كما عليها الخضر ، ولهذا لما بين
أسبابها لموسى وافقه على ذلك، ولو كان مخالفاً لشريعته لم يوافقه بحال .
وقد بسطنا هذا فى غير هذا الموضع، فإن خرق السفينة مضمونه أن المال
المعصوم يجوز للإنسان أن يحفظه لصاحبه بإتلاف بعضه ؛ فإن ذلك خير من
ذهابه بالكلية ، كما جاز للراعى - على عهد النبي صلى الله عليه وسلم - أن يذيح
الشاة : التى خاف عليها الموت ، وقصة الغلام مضمونها جواز قتل الصبى الصائل
ولهذا قال ابن عباس لنجدة: وأما الغلمان فإن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر
٢٣٤

من ذلك الغلام فاقتلهم ، وإلا فلا تقتلهم. وأما إقامة الجدار ففيها فعل المعروف
بلا أجرة مع الحاجة ، إِذا كان لذرية قوم صالحين .
٠ ٠ ٠
( الوجه الثامن ) أنه قال : ولما مثل النبى صلى الله عليه وسلم النبوة
بالحائط إلى آخر كلامه وهو متضمن أن العلم نوعان :
(أحدهما) علم الشريعة ، وهو يأخذ عن اللّه كما يأخذ النبى، فإنه قال:
والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل فى الظاهر ،
وهو موضع اللبنة الفضية ، وهو ظاهره ، وما يتبعه فيه من الأحكام ، كما هو
آخذ عن الله فى السر ما هو بالصورة الظاهرة ، متبع فيه ، لأنّه يرى الأمر
على ما هو عليه ، فلا بد أن يراه هكذا .
وهذا الذى زعمه - من أن الولى يأخذ عن اللّه فى السر ما يتبع فيه الرسل
كأئمة العلماء مع أتباعهم - فيه من الإلحاد ما لا يخفى على من يؤمن بالله ورسله
فإن هذا يدعى أنه أوتى مثل ما أوتى رسل الله، ويقول إنه أوحى إلى ولم يوح
إليه شىء ، ويجعل الرسل بمنزلة معلمى الطب والحساب والنحو وغير ذلك ؛
إذا عرف المتعلم الدليل الذى قال به معلمه ، فينبغى موافقته له لمشاركته له فى العلم
لا لأنه رسول وواسطة من الله إليه فى تبليغ الآمر والنهى.
وهذا الكفر يشبه كفر مسيلمة الكذاب ونحوه من يدعى أنه مشارك
للرسول فى الرسالة وكان يقول مؤذنه أشهد أن محمداً ومسيلمة رسولا الله.
٢٣٥

( والنوع الثانى) علم الحقيقة وهو فيه فوق الرسول ، كما قال : هو موضع
اللبنة الذهبية فى الباطن ، فإنه أخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك ، الذی یوحی
به إلى الرسول ، فقد ادعى أن هذا العلم الذى هو موضع اللبنة الذهبية - وهو
علم الباطن والحقيقة - هو فيه فوق الرسول، لأنه يأخذه من حيث يأخذ الملك
العلم الذى يوحى به إلى الرسول، والرسول يأخذه من الملك ، وهو يأخذه من
فوق الملك ، من حيث يأخذه الملك ، وهذا فوق دعوى مسيلمة الكذاب ،
فإن مسيلة لم يدع أنه أعلى من الرسول، فى علم من العلوم الإلهية ، وهذا ادعى
أنه فوقه فى العلم بالله .
ثم قال: فإن فهمت ما أشرت به: فقد حصل لك العلم النافع . ومعلوم
أن هذا الكفر فوق كفر اليهود والنصارى فإن اليهود والنصارى لا ترضى أن
تجعل أحداً من المؤمنين فوق موسى وعيسى ، وهذا يزعم أنه هو وأمثاله ممن
يدعى أنه خاتم الأولياء أنه فوق جميع الرسل ، وأعلم بالله من جميع الرسل ،
وعقلاء الفلاسفة لا يرضون بهذا ، وإنما يقول مثل هذا غلاتهم ، وأهل
الحمق منهم ، الذين هم من أبعد الناس عن العقل والدين .
لدن آدم - إلى آخر الفصل -
( التاسع) قوله : فكل ني من
تضمن أن جميع الأنبياء والرسل لا يأخذون إلا من مشكاة خاتم النبيين ، ليوطن
لنفسه بذلك أن جميع الأنبياء : لا يأخذون إلا من مشكاة خاتم الأولياء ،
٢٣٦

وكلاهما ضلال ، فإن الرسل ليس منهم أحد يأخذ من آخر ، إلا من كان
مأموراً باتباع شريعته، كأنبياء بنى إسرائيل، والرسل الذين بعثوا فيهم الذين أمروا
باتباع التوراة، كما قال تعالى: ( إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَ فِيهَا هُدَّى وَنُورٌ ) الآية.
وأما إبراهيم: فلم يأخذ عن موسى وعيسى. ونوح: لم يأخذ عن إبراهيم ،
ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى: لم يأخذوا عن محمد ، وإن بشروا به وآمنوا
به ، كما قال تعالى: (وَإِذْأَ خَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَآءَاتَيْنُكُمْ مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ)
الآية . قال ابن عباس: ما بعث اللّه نبياً إلا أخذ عليه العهد فى أمر محمد ، وأخذ
العهد على قومه ليؤمنن به ، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه .
( العاشر ) قوله : فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله: ((كنت نبياً وآدم بين
الماء والطين ، بخلاف غيره من الأنبياء ، وكذلك خاتم الأولياء ، كان ولياً
وآدم بين الماء والطين: كذب واضح ، مخالف لإجماع أئمة الدين ، وإن كان
هذا يقوله طائفة من أهل الضلال والإلحاد .
فإن الله على الأشياء ، وقدرها قبل أن يكونها ، ولا تكون موجودة
بحقائقها إلا حين توجد ، ولا فرق فى ذلك بين الأنبياء وغيرهم ، ولم تكن
حقيقته صلى الله عليه وسلم موجودة قبل أن يخلق ، إلا كما كانت حقيقة غيره ،
بمعنى أن الله علها وقدرها.
لكن كان ظهور خبره واسمه مشهوراً أعظم من غيره ، فإنه كان مكتوباً
٢٣٧

فى التوراة والإنجيل وقبل ذلك ، كما روى الإمام أحمد فى مسنده ، عن العرباض
ابن سارية، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إنى لعبد الله، مكتوب خاتم
النبيين وإن آدم لمنجدل فى طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبى إبراهيم،
وبشری عیسی ، ورؤيا أمى ، رأت حین ولدتنى كأنه خرج منها نور أضاءت
له قصور الشام .
وحديث ميسرة الفجر: قلت يا رسول الله ، متى كنت نبياً؟ وفى لفظ متى
كتبت نبياً؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد)) وهذا لفظ الحديث.
وأما قوله: ((كنت نياً وآدم بين الماء والطين ، فلا أصل له، لم يروه
أحد من أهل العلم بالحديث بهذا اللفظ ، وهو باطل ، فإنه لم يكن بين الماء
والطين، إذ الطين ماء وتراب، ولكن لما خلق الله جسد آدم قبل نفخ الروح
فيه: كتب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقدرها ، كما ثبت فى الصحيحين عن
ابن مسعود ، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق
المصدوق: ((إن خلق أحدكم يجعل فى بطن أمه أربعين يوماً نطفة ، ثم يكون
علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع
كلمات، فيقال: اكتب رزقه ، وعمله ، وأجله، وشقياً أو سعيداً، ثم ينفخ فيه
الروح)) وروى أنه كتب اسمه على ساق العرش ، ومصاريع الجنة . فأين
الكتاب والتقدير من وجود الحقيقة؟.
وما يروى فى هذا الباب من الأحاديث : هو من هذا الجنس ، مثل كونه
كان نوراً يسبح حول العرش ، أو كوكباً يطلع فى السماء ونحو ذلك، كما ذكره
٢٣٨

ابن حمويه - صاحب ابن عربى - وذكر بعضه عمر الملا فى وسيلة المتعبدين ،
وابن سبعين وأمثالهم ، ممن يروى الموضوعات المكذوبات ، باتفاق أهل
المعرفة بالحديث .
فإن هذا المعنى رووا فيه أحاديث كلها كذب ، حتى أنه اجتمع بی قديما
شيخ معظم ، من أصحاب ابن حمويه ، يسميه أصحابه سلطان الأقطاب، وتفاوضنا
فى كتاب الفصوص ، وكان معظما له ولصاحبه ؛ حتى أبديت له بعض ما فيه ،
فهاله ذلك وأخذ يذكر مثل هذه الأحاديث ، فينت له أن هذا كله كذب.
(الحادى عشر) قوله: وخاتم الأولياء كان ولياً وآدم بين الماء والطين -
إلى قوله - خاتم الرسل من حيث ولايته، نسبته مع الختم للولاية، كنسبة
الأولياء والرسل معه - إلى آخر الكلام - ذكر فيه ما تقدم من كون رسول
الله صلى الله عليه وسلم مع هذا الختم المدعى كسائر الأنبياء والرسل معه يأخذ
من مشكاته العلم بالله ، الذى هو أعلى العلم ، وهو وحدة الوجود ، أنه مقدم
الجماعة ، وسيد ولد آدم فى فتح باب الشفاعة. فعين حالا خاصا ما عمم - إلى
قوله - ففاز محمد بالسيادة فى هذا المقام الخاص .
فكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله: أنه قال: أنا سيد
ولد آدم فى الشفاعة خاصة ، وألحد وافترى من حيث زعم أنه سيد فى الشفاعة
فقط ، لا فى بقية المراتب ؛ بخلاف الختم المفترى ، فإنه سيد فى العلم بالله ،
وغير ذلك من المقامات .
٢٣٩

ولقد كنت أقول : لو كان المخاطب لنا من يفضل إبراهيم ، أو موسى ،
أوعيسى على محمد صلى الله عليه وسلم: لكانت مصيبة عظيمة. لا يحتملها المسلمون
فكيف بمن يفضل رجلا من أمة محمد على محمد، وعلى جميع الأنبياء والرسل
فى أفضل العلوم؟! ويدعى أنهم يأخذون ذلك من مشكاته ؟ وهذا العلم هو غاية
الإلحاد والزندقة .
وهذا المفضل من أضل بنى آدم ، وأبعدهم عن الصراط المستقيم، وإن كان
له كلام كثير، ومصنفات متعددة، وله معرفة بأشياء كثيرة ، وله استحواذ على
قلوب طوائف من أصناف المتفلسفة ، والمتصوفة ، والمتكلمة ، والمتفقهة ،
والعامة ، فإن هذا الكلام من أعظم الكلام ضلالا ، عند أهل العلم والإيمان
والله أعلم.
وقد تبين أن فى هذا الكلام من الكفر ، والتنقيص بالرسل ،
والاستخفاف بهم ، والغض منهم؛ بل والكفربهم، وبما جاءوا به: ما لا
يخفى على مؤمن ، وقد حدثنى أحد أعيان الفضلاء : أنه سمع الشيخ إبراهيم
الجعبری ۔ رحمة الله عليه - يقول : رأيت ابن عربی۔۔ وهو شیخ نجس -يكذب
بكل كتاب أنزله الله، وبكل فى أرسله الله. ولقد صدق فما قال؛ ولكن هذا
بعض الأنواع التى ذكرها من الكفر .
وكذلك قول أبى محمد بن عبد السلام: هو شيخ سوء. مقبوح كذاب ،
٢٤٠