النص المفهرس
صفحات 141-160
وأما وجه تسميتهم اتحادية ففيه طريقان (أحدهما) لا يرضونه لأن الاتحاد على وزن الاقتران والاقتران، يقتضى شيئين اتحد أحدهما بالآخر وهم لا يقرون بوجودين أبدا ( والطريق الثانى ) صحة ذلك بناء على أن الكثرة صارت وحدة كما سأبينه من اضطرابهم. وهذه الطريقة إما على مذهب ابن عربى فإنه يجعل الوجود غير الثبوت ويقول إن وجود الحق قاض على ثبوت الممكنات ، فيصح الاتحاد بين الوجود والثبوت ، وأما على قول من لا يفرق فيقول إن الكثرة الخيالية صارت وحدة بعد الكشف أو الكثرة العينية صارت وحدة إطلاقية . ١٤١ فصل ولما كان أصلهم الذى بنوا عليه: أن وجود المخلوقات والمصنوعات ، حتى وجود الجن والشياطين ، والكافرين والفاسقين ، والكلاب والخنازير ، والنجاسات والكفر ، والفسوق والعصيان: عين وجود الرب ، لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته ، وإن كان مخلوقا له مربوباً مصنوعا له قائما به. وهم يشهدون أن فى الكائنات تفرقا وكثرة ظاهرة بالحس والعقل ، فاحتاجوا إلى جمع يزيل الكثرة، ووحدة ترفع التفرق مع ثبوتها فاضطربوا على ثلاث مقالات . أنا أبينها لك وإن كانوا هم لا يبين بعضهم مقالة نفسه ومقالة غيره، لعدم كمال شهود الحق وتصوره. ١٤٢ المقاة الأولى مقالة ابن عربى صاحب فصوص الحكم﴾ وهى مع كونها كفراً فهو أقربهم إلى الإسلام لما يوجد فى كلامه من الكلام الجيد كثيراً ، ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره ، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذى يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى. والله أعلم بما مات عليه. فإن مقالته مبنية على أصلين :- أحدهما : أن المعدوم شىء ثابت فى العدم ، موافقة لمن قال ذلك من المعتزلة والرافضة . وأول من ابتدع هذه المقالة فى الإسلام: أبو عثمان الشحام شيخ أبى على الجبائى، وتبعه عليها طوائف من القدرية المبتدعة من المعتزلة والرافضة، وهؤلاء يقولون إن كل معدوم يمكن وجوده فإن حقيقته وماهيته وعينه ثابتة فى العدم ؛ لأنه لولا ثبوتها ؛ لما تميز عن المعلوم المخبر عنه من غير المعلوم المخبر عنه، ولما صح قصد ما يراد إيجاده ، لأن القصد يستدعى التميز ، والتميز لا يكون إلا فى شىء ثابت . لكن هؤلاء وإن ابتدعوا هذه المقالة التى هى باطلة فى نفسها ، وقد كفرهم ١٤٣ بها طوائف من متكلمة السنة - فهم يعترفون بأن الله خلق وجودها ، ولا يقولون إن عين وجودها عين وجود الحق . وأما صاحب الفصوص وأتباعه فيقولون : عين وجودها عين وجود الحق ، فهى متميزة بذواتها الثابتة فى العدم، متحدة بوجود الحق القائم بها. وعامة كلامه ينبنى على هذا لمن تدبره وفهمه . وابن عربى إذا جعل الأعيان ثابتة لزمه وجود كل ممكن وليس هذا قول المعتزلة فهذا فرق ثالث . وهؤلاء القائلون بأن المعدوم شىء ثابت فى العدم - سواء قالوا بأن وجودها خلق لله أو هو الله - يقولون إن الماهيات والأعيان غير مجعولة ولا مخلوقة ، وإن وجود كل شىء قدر زائد على ماهيته ، وقد يقولون الوجود صفة للموجود . وهذا القول وإن كان فيه شبه بقول القائلين بقدم العالم ، أو القائلين بقدم مادة العالم وهيولاه المتميزة عن صورته فليس هو إياه ، وإن كان بينهما قدر مشترك؛ فإن هذه الصورة المحدثة من الحيوانات والنبات والمعادن ليست قديمة باتفاق جميع العقلاء، بل هى كائنة بعد أن لم تكن . وكذلك الصفات والأعراض القائمة بأجسام السموات، والاستحالات القائمة بالعناصر ، من حركات الكواكب ، والشمس والقمر والسحاب ١٤٤ والمطر ، والرعد والبرق وغير ذلك ، كل هذا حادث غير قديم ، عند كل ذى حس سليم ؛ فإنه يرى ذلك بعينه . والذين يقولون بأن عين المعدوم ثابتة فى القدم أو بأن مادته قديمة يقولون بأن أعيان جميع هذه الأشياء ثابتة فى القدم ، ويقولون إن مواد جميع العالم قديمة دون صوره . واعلم أن المذهب إذا كان باطلا فى نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور قصوراً حقيقياً؛ فإن هذا لا يكون إلا للحق . فأما القول الباطل فإذا بين فبيانه يظهر فساده ، حتى يقال كيف اشتبه هذا على أحد ويتعجب من اعتقادهم إياه ، ولا ينبغى للإنسان أن يعجب ، فما من شىء يتخيل من أنواع الباطل إلا وقد ذهب إليه فريق من الناس ، ولهذا وصف الله أهل الباطل بأنهم أموات وأنهم (مُّ بُكْمّ عُمْىٌ) وأنهم (لَا يَفْقَهُونَ) وأنهم (لَا يَعْقِلُونَ) وأنهم ( إِنَّكُمْلَفِى قَوْلٍ مُخَلِفِ * يُؤْقَهُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) وأنهم (فِ رَيْبِهِمْ يَرَدَّدُونَ) وأنهم ( يَعْمَهُونَ ). وإنما نشأ - والله أعلم - الاشتباه على هؤلاء من حيث رأوا أن الله - سبحانه - يعلم ما لم يكن قبل كونه - أو - (إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ. كُنْ فَيَكُونُ) فرأوا أن المعدوم الذى يخلقه يتميز فى علمه وإرادته وقدرته ؛ فظنوا ذلك لتميز ذات له ثابتة وليس الأمر كذلك. وإنما هو متميز فى علم اللّه وكتابه ، والواحد منا يعلم الموجود ، والمعدوم ١٤٥ الممكن ، والمعدوم المستحيل، ويعلم ما كان كآدم والأنبياء ، ويعلم ما يكون كالقيامة والحساب ، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، كما يعلم ما أخبر الله به عن أهل النار ( وَلَوْرُدُوْلَعَادُوْلِمَا تُهُواْعَنْهُ) وأنهم ( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ وأنه فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ) وأنه ( لَوْكَانَ فِيهِمَآءَ الِهَهُ إِلَّا اللَّهُلَفَسَدَتَا) (لَوْكَانَ مَعَهُرَ ءَالِهَةٌ كُمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّبَنَغَوْإلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا) وأنهم (لَوْخَرَ جُواْفِيَكُمْ مَازَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) وأنه (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, مَازَّكَى مِنْكُمْمِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) ونحو ذلك من الجمل الشرطية التى يعلم فيها انتفاء الشرط أو ثبوته . فهذه الأمور التى نعلمها نحن ونتصورها : إما نافين لها أو مثبتين لها فى الخارج أو مترددين ليس بمجرد تصورنا لها يكون لأعيانها ثبوت فى الخارج عن علمنا وأذهاننا ، كما نتصور جبل ياقوت وبحر زئبق، وإنساناً من ذهب وفرساً من حجر ؛ فثبوت الشىء فى العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه فى الخارج بل العالم يعلم الشىء ويتكلم به ويكتبه وليس لذاته فى الخارج ثبوت ولا وجود أصلا . وهذا هو تقدیر الله السابق خلقه، کما فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة)). وفى سنن أبى داود عن عبادة بن الصامت عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب قال: رب وما أكتب؟ قال: اكتب ١٤٦ ما هو كائن إلى يوم القيامة)) وقال ابن عباس: ((إن الله خلق الخلق وعلم ماهم عاملون ، ثم قال لعلمہ « کن کتابا ، فكان كتابا؟ ثم أنزل تصديق ذلك فی کتابه فقال: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِ كِتَبٍ ) . وهذا هو معنى الحديث الذى رواه أحمد فى مسنده عن ميسرة الفجر قال : قلت يا رسول الله متى كنت نبياً، وفى رواية متى كتبت نبياً؟ - قال. «وآدم بين الروح والجسد ، هكذا لفظ الحديث الصحيح. وأما ما يرويه هؤلاء الجهال : كابن عربى فى الفصوص وغيره من جمال العامة ((كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، («كنت نبياً وآدم لا ماء ولا طين)) فهذا لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم الصادقين ، ولا هو فى شىء من كتب العلم المعتمدة بهذا اللفظ بل هو باطل ، فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط ، فإن الله خلقه من تراب، وخلط التراب بالماء حتى صار طيناً، وأيبس الطين حتى صار صلصالا كالفخار، فلم يكن له حال بين الماء والطين مركب من الماء والطين ، ولو قيل بين الماء والتراب لكان أبعد عن المحال ، مع أن هذه الحال لا اختصاص لها، وإنما قال، ((بين الروح والجسد، وقال ((وإن آدم لمنجدل فى طينته ، لأن جسد آدم بقى أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه كما قال تعالى: (هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ) الآية: وقال تعالى: (وَإِذْقَالَ رَبِّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَلِ) الآيتين. وقال تعالى: ( الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ) الآيتين وقال تعالى: (إِذْقَالَ رَبُّكَ ١٤٧ لِلْمَلَئِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرَّا مِنِ طِينٍ ) الآية. والأحاديث فى خلق آدم ونفخ الروح فيه مشهورة فی کتب الحديث والتفسير وغيرهما . فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه كان نبيا أى كتب نبيا وآدم بين الروح والجسد . وهذا - والله أعلم - لأن هذه الحالة فيها يقدر التقدير الذى يكون بأيدى ملائكة الخلق، فيقدر لهم ويظهر لهم، ويكتب ما يكون من المخلوق قبل نفخ الروح فيه ، كما أخرج الشيخان فى الصحيحين وفى سائر الكتب الأمهات : حديث الصادق المصدوق ، وهو من الأحاديث المستفيضة ، التى تلقاها أهل العلم بالقبول وأجمعوا على تصديقها ؛ وهو حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال : اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح - وقال- فوالذى نفسى بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة )) : فلما أخبر الصادق المصدوق : أن الملك يكتب رزقه وعمله وأجله وشقى أو سعيد بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح ، وآدم هو أبو البشر كان أيضا من المناسب لهذا أن يكتب بعد خلق جسده ، وقبل نفخ الروح فيه ما يكون ١٤٨ منه، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم سيد ولد آدم؛ فهو أعظم الذرية قدراً وأرفعهم ذكرا. فأخبر صلى اللّه عليه وسلم أنه كتب نبيا حينئذ ، وكتابة نبوته هو معنى کون نبوته؛ فإنه کون فى التقدير الكتابى ، ليس كونا فى الوجود العينى ، إذ نبوته لم يكن وجودها حتى نبأه اللّه تعالى على رأس أربعين سنة من عمره صلى الله عليه الآية . وقال : وسلم كما قال تعالى له: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى )؟ الآية. وقال: (نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ) الآية . ولذلك جاء هذا المعنى مفسراً فى حديث العرباض بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنى عبد الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل فى طينته ، وسأخبركم بأول أمرى: دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى ، ورؤيا أمى التى رأت حين وضعتنى وقد خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام )) هذا لفظ الحديث من رواية ابن وهب . حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمى عن العرباض رواه البغوى فى شرح السنة هكذا ، ورواه الليث بن سعد عنه نحوه ، ورواه الإمام أحمد فى المسند عن ابن مهدى : حدثنا معاوية بن صالح بالإسناد عن العرباض قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنى عبد الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل فى طينته وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبى إبراهيم ، وبشارة عيسى ، ورؤيا أمى التى رأت ، وكذلك أمهات النبيين يرين » وقوله ١٤٩ ((لمنجدل فى طينته)) أى ملتف ومطروح على وجه الأرض صورة من طين لم تجر فيه الروح بعد . وقد روى أن الله كتب اسمه على العرش وعلى ما فى الجنة من الأبواب والقباب والأوراق، وروى فى ذلك عدة آثار توافق هذه الأحاديث الثابتة ، التى تبين التنويه باسمه وإعلاء ذكره حينئذ . وقد تقدم لفظ الحديث الذى فى المسند عن ميسرة الفجر لما قيل له متى كنت نبيا؟ قال ((وآدم بين الروح والجسد)» وقد رواه أبو الحسين بن بشران من طريق الشيخ أبى الفرج بن الجوزى فى ( الوفا، بفضائل المصطفى) صلى الله عليه وسلم: حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح ثنا محمد ابن صالح ثنا محمد بن سنان العوفى ثنا إبراهيم بن طهمان عن يزيد بن ميسرة عن عبد الله بن سفيان عن ميسرة قال قلت: يا رسول اللّه ، متى كنت نبيا؟ قال ((لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، وخلق العرش: كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء، وخلق الله الجنة التى أسكنها آدم وحواء ، فكتب اسمى على الأبواب والأوراق ، والقباب والخيام وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى: نظر إلى العرش فرأى اسمى فأخبره الله أنه سيد ولدك، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمى إليه)). وروى أبو نعيم الحافظ فى كتاب دلائل النبوة : ومن طريق الشيخ أبى الفرج حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن رشدين ثنا أحمد بن سعيد الفهرى ١٥٠ ثنا عبد الله بن إسماعيل المدنی عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ابن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما أصاب آدم الخطيئة رفع رأسه فقال يارب بحق محمد إلا غفرت لى ، فأوحى إليه وما محمد؟ ومن محمد؟ فقال: يارب إنك لما أتممت خلق رفعت رأسى إلى عرشك فإذا عليه مكتوب : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك؛ إذ قرنت اسمه مع اسمك . فقال: نعم ، قد غفرت لك وهو آخر الأنبياء من ذريتك ولولاه ما خلقتك )) فهذا الحديث يؤيد الذى قبله وهما كالتفسير الأحاديث الصحيحة . وفى الصحيحين عن عائشة قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصادقة ، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء ؛ فكان يأتى غار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى نجأه الحق، وهو بحراء، فأتاه الملك فقال له: اقرأ. قال: لست بقارئ . قال: فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ. فقلت: لست بقارئ قال فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى فقال : اقرأ فقلت . لست بقارئ ، ثم أخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى ؛ فقال: (أَقْرَأْبِاسْوِرَبِكَ الَّذِىِ خَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره )) الحديث بطوله. فقد أخبر فى هذا الحديث الصحيح أنه لم يكن قارئاً ، وهذه السورة أول ما أنزل الله عليه وبها صار نياً، ثم أنزل عليه سورة المدثر، وبها صار ١٥١ رسولا لقوله : (قم فأنذر) ولهذا ذكر سبحانه فى هذه السورة الوجود العينى والوجود العلى ، وهذا أمر بين يعقله الإنسان بقلبه لا يحتاج فيه إلى سمع، فإن الشىء لا يكون قبل كونه . وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها: فهذا حق لا ريب فيه، وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وجاءت به الآثار. وهذا العلم والكتاب : هو القدر الذى ينكره غالية القدرية ، ويزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار، كفرهم الأثمة كالشافعى وأحمد وغيرهما . وقد بين الكتاب والسنة هذا القدر وأجاب النبى صلى الله عليه وسلم عن السؤال الوارد عليه، وهو ترك العمل لأجله ، فأجاب صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ففى الصحيحين عن على بن أبى طالب قال : كنا فى جنازة فى بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فنكس نجعل ينكت بمخصرته ثم قال ((ما منكم من أحد - أو قال - ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة)) قال فقال رجل: يا رسول اللّه أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل، فمن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ؟ فقال: ((اعملوا فكل ميسر: أما أهل السعادة ١٥٢ فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة - ثم قرأ ( فَأَامَنْ أَعْطَنِوَنَغَى ) إلى آخر الآيات» وفى رواية : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالساً وفى يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: ((ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار)) قالوا يا رسول الله ففيم العمل؟ أفلا نتكل؟ قال: ((لا: اعملوا فكل ميسر لما خلق له - ثم قرأ (فَأَمَّامَنْ أَعْطَى ) الآية)). وفى الصحيحين أيضاً عن عمران بن حصين قال: قيل يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال ((نعم)) قال فقيل: ففيم يعمل العاملون ؟ فقال ((كل ميسر لما خلق له)) وفى رواية: أن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يارسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه ، أشی. قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق ، أو فما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبت الحجة عليهم؟ فقال ((لا . بل شىء قضى عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب اللّه: ( وَنَفْسِ وَمَاسَوَّنَهَا * فَلْهَمَهَا ◌ُجُورَهَا وَتَقُوَنُهَا))). وفى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال : يا رسول الله ، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأفلام وجرت به المقادير؟ أم فيما يستقبل؟ قال ((لا بل فيما جفت به الأفلام وجرت به المقادير)) قال: ففيم العمل؟ قال ((اعملوا فكل ميسر)). ١٥٣ وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( كتب اللّه مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة - قال: وعرشه على الماء)). وفى سنن أبى داود عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه : يابنى. إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول ماخلق الله القلم فقال له: ١ كتب ، قال: رب، ما أكتب؟ قال اكتب مقادير كل شىء حتى تقوم الساعة)، يا بنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من مات على غير هذا فليس منى )) ورواه الترمذى من وجه آخر عن الوليد بن عبادة أنه قال: دعانى - يعنى أباه - عند الموت فقال: يا بنى اتق الله، واعلم أنك إن تتق الله تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله ، خيره وشره، وإن مت على غير هذا دخلت النار، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب ، قال ما أكتب ؟ قال اكتب القدر ، ما كان وما هو كائن إلى الأبد)). وفى الترمذى أيضاً عن أبى حراثة عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها ، هل ترد من قدر الله تعالى شيئاً؟ قال ((هی من قدر الله)). لكن إنما ثبتت فى التقدير المعدوم الممكن الذى سيكون ، فأما المعدوم ١٥٤ الممكن الذى لا يكون فمثل إدخال المؤمنين النار وإقامة القيامة قبل وقتها، وقلب الجبال يواقيت ونحو ذلك ، فهذا المعدوم ممكن وهو شىء ثابت فى العدم عند من يقول المعدوم شىء ، ومع هذا فليس بمقدر كونه ، والله يعلمه على ما هو عليه ، يعلم أنه يمكن وأنه لا يكون. وكذلك الممتنعات مثل شريك البارى وولده ، فإن الله يعلم أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، ويعلم أنه ليس له شريك فى الملك ولا ولىّ من الذل ، ويعلم أنه حتى قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ، ويعلم أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض . وهذه المعدومات الممتنعة: ليست شيئاً باتفاق العقلاء مع ثبوتها فى العلم ، فظهر أنه قد ثبت فى العلم ما لا يوجد وما يمتنع أن يوجد إذ العلم واسع ؛ فإذا توسع المتوسع وقال المعدوم شىء فى العلم أو موجود فى العلم أو ثابت فى العلم فهذا صحيح ، أما أنه فى نفسه شىء فهذا باطل ؛ وبهذا تزول الشبهة الحاصلة فى هذه المسئلة . والذى عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بنى آدم من جميع الأصناف: أن المعدوم ليس فى نفسه شيئا وأن ثبوته ووجوده وحصوله شىء واحد ، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم ، قال الله تعالى لزكريا: (وَقَدْ خَلَفْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْتَكُ شَيْئًا) فأخبر أنه لم يك شيئاً، وقال تعالى: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَوْيَكُ شَيْئًا) وقال تعالى: (أَمْ خُلِّقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ)؟ . ١٥٥ فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خلقوا من غير شىء خلقهم أم خلقوا هم أنفسهم ؛ ولهذا قال جبير بن مطعم : لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة أحسست بفؤادى قد انصدع . ولو كان المعدوم شيئاً لم يتم الإنكار ، إذا جاز أن يقال ما خلقوا إلا من شىء، لكن هو معدوم فيكون الخالق لهم شيئاً معدوماً. وقال تعالى: (فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) ولو كان المعدوم شيئاً لكان التقدير : لا يظلمون موجوداً ولا معدوماً، والمعدوم لا يتصور أن يظلوه فإنه ليس لهم. وأما قوله ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِشَىْءُ عَظِيمٌ ) فهو إخبار عن الزلزلة الواقعة أنها شيء عظيم ليس إخباراً عن الزلزلة فى هذه الحال ؛ ولهذا قال : ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ) ولو أريد به الساعة لكان المراد به أنها شىء عظيم فى العلم والتقدير . وقوله تعالى: ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنَتَّقُولَ لَهُوَكُنْ فَيَكُونُ) قد استدل به من قال المعدوم شىء وهو حجة عليه ؛ لأنه أخبر أنه يريد الشىء وأنه يكونه، وعندهم أنه ثابت فى العدم وإنما يراد وجوده لا عينه ونفسه، والقرآن قد أخبر أن نفسه تراد وتكون، وهذا من فروع هذه المسئلة . فإن الذى عليه أهل السنة والجماعة وعامة العقلاء أن الماهيات مجعولة وأن ماهية كل شىء عين وجوده، وأنه ليس وجود الشىء قدراً زائداً على ماهيته ، بل ليس فى الخارج إلا الشىء الذى هو الشىء وهو عينه ونفسه وماهيته وحقيقته، وليس وجوده وثبوته فى الخارج زائدا على ذلك . ١٥٦ وأولئك يقولون الوجود قدر زائد على الماهية ، ويقولون الماهيات غير مجعولة ، ويقولون وجود كل شىء زائد على ماهيته ، ومن المتفلسفة من يفرق بين الوجود والواجب والممكن فيقول : الوجود الواجب عين الماهية . وأما الوجود الممكن فهو زائد على الماهية. وشبهة هؤلاء ما تقدم من أن الإنسان قد يعلم ما هية الشىء ولا يعلم وجوده ، وأن الوجود مشترك بين الموجودات ، وماهية كل شىء مختصة به. ومن تدبر تبين له حقيقة الأمر ، فإنا قد بينا الفرق بين الوجود العلمى والعينى ؛ وهذا الفرق ثابت فى الوجود والعين والثبوت والماهية وغير ذلك ، فثبوت هذه الأمور فى العلم والكتاب والكلام: ليس هو ثبوتها فى الخارج عن ذلك ، وهو ثبوت حقيقتها وماهيتها التى هى هى ، فالإنسان إذا تصور ماهية فقد علم وجودها الذهنى ، ولا يلزم من ذلك الوجود الحقيقى الخارجى . فقول القائل : قد تصورت حقيقة الشىء وعينه ، ونفسه وماهيته ، وما علمت وجوده، أو حصل وجوده العلى ، وما حصل وجوده العينى الحقيقى ، ولم يعلم ماهيته الحقيقية ، ولا عينه الحقيقية، ولا نفسه الحقيقية الخارجية ، فلا فرق بين لفظ وجوده ولفظ ماهيته ؛ إلا أن أحد اللفظين قد يعبر به عن الذهنى ، والآخر عن الخارجى ، فجاء الفرق من جهة المحل لا من جهة الماهية والوجود. وأما قولهم : إن الوجود مشترك والحقيقة لا اشتراك فيها ، - فالقول فيه كذلك فإن الوجود المعين الموجود فى الخارج لا اشتراك فيه ، كما أن الحقيقة المعينة الموجودة فى الخارج لا اشتراك فيها ؛ وإنما العلم يدرك الموجود المشترك ١٥٧ كما يدرك الماهية المشتركة، فالمشترك ثبوته فى الذهن لا فى الخارج، وما فى الخارج ليس فيه اشتراك ألبتة ، والذهن إن أدرك الماهية المعينة الموجودة فى الخارج لم يكن فيها اشتراك، وإنما الاشتراك فما يدركه من الأمور المطلقة العامة ، وليس فى الخارج شىء مطلق عام بوصف الإطلاق والعموم، وإنما فيه المطلق لا بشرط الإطلاق وذلك لا يوجد فى الخارج إلا معينا . فينبغى للعاقل أن يفرق بين ثبوت الشىء ووجوده فى نفسه ، وبين ثبوته ووجوده فى العلم ، فإن ذاك هو الوجود العينى الخارجى الحقيقى ، وأما هذا فيقال له الوجود الذهنى والعلى ، وما من شىء إلا له هذان الثبوتان فالعلم يعبر عنه باللفظ ويكتب اللفظ بالخط فيصير لكل شىء أربع مراتب: وجود فى الأعيان ، ووجود فى الأذهان ، ووجود فى اللسان ، ووجود فى البنان ، وجود عینی ، وعلی ، ولفظی، ورسمی . ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه سورة: ( اقْرَأْبِاُ سْمِرَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ اقْرَأْبِ سِرَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ * خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ذكر فيها النوعين فقال : ( فذكر جميع المخلوقات بوجودها العينى عموما ثم خصوصا ، خص الإنسان أَقْرَأْوَرَبُّكَ الْأَكْرُمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَمِ * بالخلق بعد ماعم غيره ، ثم قال : ( ) يخص التعليم للإنسان بعد تعميم التعليم بالقلم ، وذكر عَلَّمَ الْإِنْسَنَ مَالَمْ يَعْلَمَ القلم لأن التعليم بالقلم هو الخط وهو مستلزم لتعليم اللفظ فإن الخط يطابقه ، وتعليم اللفظ هو البيان وهو مستلزم لتعليم العلم ، لأن العبارة تطابق المعنى . ١٥٨ فصار تعليمه بالقلم مستلزما للمراتب الثلاث : اللفظى ، والعلمى ، والرسمى ؛ بخلاف ما لو أطلق التعليم أو ذكر تعليم العلم فقط لم يكن ذلك مستوعبا للمراتب. فذكر فى هذه السورة الوجود العينى والعلى وأن الله سبحانه هو معطيهما؛ فهو خالق الخلق وخالق الإنسان ، وهو المعلم بالقلم ومعلم الإنسان. فأما إنبات وجود الشىء فى الخارج قبل وجوده فهذا أمر معلوم الفساد بالعقل والسمع وهو مخالف للكتاب والسنة والإجماع. ١٥٩ فصل فهذا أحد أصلى ابن عربى . وأما الأصل الآخر فقولهم إن وجود الأعيان نفس وجود الحق وعينه ، وهذا انفردوا به عن جميع مثبتة الصانع من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين، وإنما هو حقيقة قول فرعون والقرامطة المنكرين لوجود الصانع كما سنبينه إن شاء الله. فن فهم هذا فهم جمیع كلام ابن عربى نظمه ونشره وما يدعيه من أن الحق يغتذى بالخلق، لأن وجود الأعيان مغتذ بالأعيان الثابتة فى العدم، ولهذا يقول بالجمع من حيث الوجود ، وبالفرق من حيث الماهية والأعيان، ويزعم أن هذا هوسر القدر، لأن الماهيات لا تقبل إلا ما هو ثابت لها فى العدم فى أنفسها فهى التى أحسنت وأساءت وحمدت وذمت، والحق لم يعطها شيئاً إلا ما كانت عليه فى حال العدم. فتدبر كلامه كيف انتظم شيئين : إنكار وجود الحق ، وإنكار خلقه لمخلوقاته ، فهو منكر للرب الذى خلق فلا يقربرب ولا بخلق ، ومنكر لرب العالمين ، فلا رب ولا عالمون مربوبون ، إذ ليس إلا أعيان ثابتة ووجود قائم بها ، فلا الأعيان مربوبة ولا الوجود مربوب ، ولا الأعيان مخلوقة ولا الوجود مخلوق . وهذا يفرق بين المظاهر والظاهر والمجلى والمتجلى ؛ لأن المظاهر عنده هى الأعيان الثابتة فى العدم ، وأما الظاهر فهو وجود الخلق . ١٦٠