النص المفهرس

صفحات 121-140

ما تقول السادة العلماء - أئمة الدين
وهداة المسلمين :-
فى كتاب بين أظهر الناس ، زعم مصنفه أنه وضعه وأخرجه للناس
بإذن النبى صلى اللّه عليه وسلم، فى منام زعم أنه رآه ؛ وأكثر كتابه ضد لما أنزله
اللّه، من كتبه المنزلة، وعكس وضد عن أقوال أنبيائه المرسلة؛ فما قال فيه: إن
آدم عليه السلام: إنما سمى إنساناً لأنه للحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين،
الذی یکون به النظر .
وقال فى موضع آخر: إن الحق المنزه هو الخلق المشبه. وقال فى قوم نوح
عليه السلام: إنهم لو تركوا عبادتهم لود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا:
لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء . ثم قال : فإن للحق فى كل معبود
وجهاً ، يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله. فالعالم يعلم من عبد، وفى أى صورة
ظهر حتى [عبد] وإن التفريق والكثرة: كالأعضاء فى الصورة المحسوسة.
ثم قال فى قوم هود عليه السلام: بأنهم حصلوا فى عين القرب ، فزال البعد،
فزال مسمى جهنم فى حقهم ففازوا بنعيم القرب، من جهة الاستحقاق مما أعطاه
هذا المقام الذوقى اللذيذ، من جهة المئة ، فإنما أخذوه بما استحقته حقائقهم من
أعمالهم ، التى كانوا عليها، وكانوا على صراط الرب المستقيم .
١٢١

ثم إنه أنكر فيه حكم الوعيد ، فى حق كل من حقت (عليه ] كلمة العذاب
من سائر العبيد، فهل يكفر من يصدقه فى ذلك أم لا ؟ أو يرضى به منه أم لا ؟
وهل يأثم سامعه إذا كان عاقلا بالغاً ولم ينكره بلسانه أو بقلبه أم لا؟ أفتونا
بالوضوح والبيان ، كما أخذ الميثاق للتبيان ، فقد أضر الإعمال بالضعفاء والجبال،
وبالله المستعان وعليه الاتكال ، أن يعجل بالملحدين النكال؛ لصلاح الحال ،
وحسم مادة الضلال .
فأجاب : -
الحمد لله - هذه الكلمات المذكورة، المنكورة: كل كلمة منها هى من
الكفر، الذى لا نزاع فيه بين أهل الملل ؛ من المسلمين ؛ واليهود والنصارى ؛
فضلا عن كونه كفراً فى شريعة الإسلام.
فإن قول القائل: إن آدم للحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين ، الذى
يكون به النظر: يقتضى أن آدم جزء من الحق تعالى وتقدس، وبعض منه، وأنه
أفضل أجزائه وأبعاضه؛ وهذا هو حقيقة مذهب هؤلاء القوم، وهو معروف
من أقوالهم .
الكلمة الثانية: توافق ذلك، وهو قوله: إن الحق المنزه ، هو الخلق المشبه.
ولهذا قال فى تمام ذلك: فالأمر الخالق المخلوق ، والأمر المخلوق الخالق ،
كل ذلك من عين واحدة ، لا بل هو العين الواحدة ، وهو العيون الكثيرة
( فَانْظُرْ مَاذَاتَرَى) (يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) والولد عين أبيه، فما رأى يذمح
١٢٢

سوى نفسه ، فقديناه بذمح عظيم ، فظهر بصورة كبش : من ظهر بصورة إنسان
وظهر بصورة؛ لا بحكم ولد من هو عين الوالد، ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، فما
نكح سوى نفسه .
وقال فى موضع: وهو الباطن عن كل فهم ، إلا عن فهم من قال: إن العالم
صورته وهويته .
وقال: ومن أسمائه الحسنى العلى، على من ! وما ثم إلا هو ، وعن ماذا !
وما هو إلا هو ، فعلوه لنفسه ، وهو من حيث الوجود عين الموجودات .
فالمسمى محدثات هى العلية لذاتها ، وليست إلا هو. إلى أن قال : فهو عين
ما ظهر ، وهو عين ما بطن فى حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره ، وما ثم من
ينطق عنه سواه ، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه - وهو المسمى أبو سعيد الخراز-
وغير ذلك من أسماء المحدثات .
إلى أن قال : فالعلى لنفسه : هو الذى يكون له الكمال ، الذى يستغرق
به جميع الأمور الوجودية ، والنسب العدمية ، سواء كانت محمودة عرفاً وعقلا
وشرعاً، أو مذمومة عرفاً وعقلا وشرعاً ، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة .
وقال : ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات؟ وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات
النقص والذم ، ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق؟! فهى من أولها إلى آخرها
صفات له ، كما هى صفات المحدثات حق للحق ، وأمثال هذا الكلام.
فإن صاحب هذا الكتاب المذكور الذى هو ( فصوص الحكم) وأمثاله
١٢٣

مثل صاحبه القونوى ، والتلمسانى ، وابن سبعين ، والششترى ، وابن الفارض
وأتباعهم؛ مذهبهم الذى هم عليه : أن الوجود واحد ؛ ويسمون أهل وحدة
الوجود، ويدعون التحقيق والعرفان ، وهم يجعلون وجود الخالق عين وجود
المخلوقات، فكلما يتصف به المخلوقات من حسن ، وقبيح ، ومدح ، وذم ،
إنما المتصف به عندهم : عين الخالق ، وليس للخالق عندهم وجود مباين لوجود
المخلوقات منفصل عنها أصلا ؛ بل عندهم ما ثم غير أصلا للخالق، ولا سواه.
ومن كلماتهم: ليس إلا اللّه. فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره عندهم، لأنه
ما عندهم له غير؛ ولهذا جعلوا قوله تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَأَإِلَّ إِيَّاهُ )
بمعنى قدر ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ؛ إذ ليس عندهم غير له تتصور عبادته ،
فكل عابد صنم إنما عبد الله.
ولهذا جعل صاحب هذا الكتاب : عباد العجل مصيبين ، وذكر أن
موسى أنكر على هارون إنكاره عليهم عبادة العجل . وقال : كان موسى أعلم
بالأمر من هارون ؛ لأنه علم ما عبده أصحاب العجل ؛ لعلمه بأن الله قد قضى
أن لا يعبدوا إلا إياه ، وما حكم الله بشىء إلا وقع؛ فكان عتب موسى أخاه
هارون، لما وقع الأمر فى إنكاره ، وعدم اتباعه ، فإن العارف من يرى الحق
فىكل شىء، بل يراه عینكل شىء .
ولهذا يجعلون فرعون من كبار العارفين ، المحققين ، وأنه كان مصيباً
فى دعواه الربوبية. كما قال فى هذا الكتاب: ولما كان فرعون فى منصب التحكم
صاحب الوقت، وأنه جار فى العرف الناموسى لذلك. قال: ( أَنَاْرَتِّكُمُ الْأَعْلَى)
١٢٤

أى وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما: فأنا الأعلى منهم؛ بما أعطيته فى الظاهر
من الحكم فيهم.
ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله : لم ينكروه: بل أقروا له بذلك
وقالوا له: (فَأَقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) فالدولة لك. فصح قول فرعون: (أَنَاْرَبِّكُمُ
اُلْأَعْلَى ) وأنه كان عين الحق .
ويكفيك معرفة بكفرهم : أن من أخف أقوالهم أن فرعون مات مؤمناً ؛
بريا من الذنوب كما قال: وكان موسى قرة عين لفرعون بالإيمان ، الذى أعطاه
الله عند الغرق، فقبضه طاهراً مطهراً، ليس فيه شىء من الخبث ، لأنه قبضه
عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئاً من الآثام، والإسلام يجب ما قبله .
وقد علم بالاضطرار من دين أهل الملل المسلمين ، واليهود، والنصارى :
أن فرعون من أكفر الخلق بالله؛ بل لم يقص الله فى القرآن قصة كافر باسمه
الخاص ، أعظم من قصة فرعون ، ولا ذكر عن أحد من الكفار من كفره،
وطغيانه وعلوه: أعظم مماذكر عن فرعون .
وأخبر عنه وعن قومه أنهم يدخلون أشد العذاب ، فإن لفظ آل فرعون :
كلفظ آل ابراهيم ، وآل لوط، وآل داود، وآل أبى أوفى؛ يدخل فيها
المضاف باتفاق الناس ، فإذا جاءوا إلى أعظم عدو لله من الإنس ، أو من هو
من أعظم أعدائه: جعلوه مصيباً، محقاً فيما كفره به الله: علم أن ما قالوه أعظم
من كفر اليهود والنصارى ، فكيف بسائر مقالاتهم؟.
١٢٥

وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها : على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته،
ليس فى ذاته شىء من مخلوقاته ، ولا فى مخلوقاته شىء من ذاته .
والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا إنه فى كل مكان ، وكان مما
أنكروه عليهم: أنه كيف يكون فى البطون، والحشوش ، والأخلية؟ تعالى الله
عن ذلك . فكيف بمن يجعله نفس وجود البطون ، والحشوش، والأخلية ،
والنجاسات، والأقذار؟.
واتفق سلف الأمة وأئمتها: أن اللّه ليس كمثله شىء، لا فى ذاته ، ولا فى
صفاته ، ولا فى أفعاله، وقال: من قال من الأئمة من شبه اللّه بخلقه فقد كفر ،
ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه
ولا رسوله تشبهاً .
وأين المشبهة المجسمة من هؤلاء ؟ فإن هؤلاء غاية كفرهم : أن يجعلوه
مثل المخلوقات .
لكن يقولون: هو قديم ، وهى محدثة، وهؤلاء جعلوه عين المخلوقات، وجعلوه
نفس الأجسام المصنوعات، ووصفوه بجميع النقائص والآفات ، التى يوصف
بهما كل كافر ، وكل فاجر ، وكل شيطان ، وكل سبع، وكل حية من الحيات ،
فتعالى الله عن إفكهم وضلالهم، وسبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً .
واللّه تعالى ينتقم لنفسه، ولدينه، ولكتابه ولرسوله، ولعباده
المؤمنين منهم .
١٢٦

وهؤلاء يقولون : إن النصارى إنما كفروا لتخصيصهم ؛ حيث قالوا:
(إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ) كل ما قالته النصارى فى المسيح: يقولونه فى الله ، وكفر
النصارى جزء من کفر هؤلاء .
ولما قرءوا هذا الكتاب المذكور على أفضل متأخريهم ؛ قال له قائل :
هذا الكتاب يخالف القرآن. فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد فى كلامنا
هذا : يعنى أن القرآن يفرق بين الرب والعبد، وحقيقة التوحيد عندهم أن الرب
هو العبد؛ فقال له القائل: فأى فرق بين زوجتى وبنتى إذاً؟ قال : لافرق،
لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام، فقلنا حرام عليكم.
وهؤلاء إذا قيل فى مقالتهم أنها كفر: لم يفهم هذا اللفظ حالها ، فإن الكفر
جنس تحته أنواع متفاوتة، بل كفر كل كافر جزء من كفرهم ؛ ولهذا قيل
لرئيسهم أنت نصيرى . فقال: نصير جزء منى ، وكان عبد الله بن المبارك يقول:
إنا لنحكى كلام اليهود والنصارى ، ولا نستطيع أن نحكى كلام الجهمية ، وهؤلاء
شر من أولئك الجهمية ، فإن أولئك كان غايتهم القول بأن الله فى كل مكان،
وهؤلاء قولهم إنه وجود كل مكان ؛ ما عندهم موجودان ؛ أحدهما حال
والآخر محل .
ولهذا قالوا: إن آدم من اللّه بمنزلة إنسان العين من العين ، وقد علم
المسلمون ، واليهود، والنصارى؛ بالاضطرار من دين المرسلين: أن من قال عن
أحد من البشر إنه جزء من الله فإنه كافر فى جميع الملل إذ النصارى لم تقل هذا
١٢٧

- وإن كان قولها من أعظم الكفر - لم يقل أحد أن عين المخلوقات هى جزء
الخالق، ولا أن الخالق هو المخلوق ، ولا الحق المنزه هو الخلق المشبه .
وكذلك قوله : إن المشركين لو تركوا عبادة الأصنام لجهلوا من الحق:
بقدر ما تركوا منها: هو من الكفر المعلوم بالاضطرار من جميع الملل ، فإن أهل
الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا عن عبادة الأصنام ، وكفروا من يفعل
ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمناً حتى يتبرأ من عبادة الأصنام ، وكل معبود
سوى الله، كما قال الله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىِ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَالُواْ
لِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَءَ ؤْمِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِكَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ
أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْبِاللَّهِ وَحْدَهُ ).
وقال الخليل: ( أَفَءَ يْتُمْمَاكُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ
عَدُوٌّلِى إِلَّرَبَّ الْعَلَمِينَ) وقال الخليل: (لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ *
إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينٍ ) وقال الخليل - وهو إمام الحنفاء الذى جعل الله
فى ذريته النبوة والكتاب واتفق أهل الملل على تعظيمه لقوله - ( يَقَوْمِ إِنِى
بَرِىٌّمِّمَا تُشْرِكُونَ * إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا
أَنْمِنَ الْمُشْرِكِينَ ).
وهذا أكثر وأظهر، عند أهل الملل من اليهود ، والنصارى - فضلا عن
المسلمين - من أن يحتاج أن يستشهد عليه بنص خاص ، فمن قال: إن عباد
الأصنام لو تركوهم لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء، فهو أ كفر من
١٢٨

اليهود والنصارى ، ومن لم يكفرهم فهو أ كفر من اليهود والنصارى ؛ فإن اليهود
والنصارى يكفرون عباد الأصنام ، فكيف من يجعل تارك عبادة الأصنام
جاهلا من الحق بقدر ما ترك منها ؟ مع قوله : فإن العالم يعلم من عبد ، وفى أى
صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء فى الصورة المحسوسة،
وكالقوى المعنوية فى الصورة الروحانية ، فما عبد غير الله فى كل معبود، بل هو
أعظم من كفر عباد الأصنام ؛ فإن أولئك اتخذوهم شفعاء ، ووسائط ، كما قالوا:
(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). وقال الله تعالى: (أَمِ أَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ
شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ).
وكانوا مقرين بأن الله خالق السموات والأرض، وخالق الأصنام، كما قال
تعالى: ( وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ ) وقال تعالى:
( وَمَايُؤْ مِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاٌلَهِإِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ).
قال ابن عباس: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله ،
ثم يعبدون غيره ، وكانوا يقولون فى تلبيتهم: لبيك لا شريك لك ، إلا شريك
هو لك، تملكه وما ملك؛ ولهذا قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ
هَلَ نَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ فِىِ مَارَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ
كُخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ).
وهؤلاء أعظم كفراً ، من جهة أن هؤلاء جعلوا عابد الأصنام عابداً لله
لا عابداً لغيره، وأن الأصنام من اللّه؛ بمنزلة أعضاء الإنسان من الإنسان،
١٢٩

وبمنزلة قوى النفس من النفس ؛ وعباد الأصنام : اعترفوا بأنها غيره ، وأنها
مخلوقة ، ومن جهة أن عباد الأصنام من العرب : كانوا مقرين بأن السموات
والأرض رباً غير هما خلقهما ، وهؤلاء ليس عندهم للسموات ، والأرض ،
وسائر المخلوقات رب مغاير السموات والأرض ، وسأر المخلوقات ،
بل المخلوق هو الخالق.
ولهذا جعل قوم عاد، وغيرهم من الكفار على صراط مستقيم ، وجعلهم
فى عين القرب ، وجعل أهل النار يتمتعون فى النار ، كما يتمتع أهل
الجنة فى الجنة .
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام : أن قوم عاد وثمود ، وفرعون
وقومه ، وسائر من قص اللّه قصته من الكفار أعداء الله، وأنهم معذبون
فى الآخرة ، وأن الله لعنهم وغضب عليهم ، فمن أثنى عليهم وجعلهم من
المقربين ومن أهل النعيم : فهو أكفر من اليهود والنصارى ،
من هذا الوجه .
وهذه الفتوى لا تحتمل بسط كلام هؤلاء، وبيان كفرهم وإلحادهم ، فإنهم
من جنس القرامطة الباطنية ، والإسماعيلية ، الذين كانوا أكفر من اليهود
والنصارى ، وأن قولهم يتضمن الكفر بجميع الكتب والرسل ، كما قال الشيخ
إبراهيم الجعبرى ، لما اجتمع بابن عربى - صاحب هذا الكتاب-فقال: رأيته
شیخا نجساً ، يكذب بكل كتاب أنزله الله، وبكل فی أرسله الله .
١٣٠

وقال الفقيه أبو محمد بن عبد السلام - لما قدم القاهرة وسألوه عنه -
قال: هو شيخ سوء كذاب مقبوح، يقول بقدم العالم ، ولا يحرم فرجا ، فقوله:
يقول بقدم العالم ؛ لأن هذا قوله ، وهذا كفر معروف ، فكفره الفقيه أبو
محمد بذلك، ولم يكن بعد ظهر من قوله: إن العالم هو الله، وإن العالم صورة
الله، وهوية اللّه، فإن هذا أعظم من كفر القائلين بقدم العالم، الذين يثبتون واجب
الوجود، ويقولون إنه صدر عنه الوجود الممكن .
وقال عنه من عاینه من الشيوخ : إنه کان کذاباً مفتریا ، وفی کتبه - مثل
الفتوحات المكية وأمثالها - من الأكاذيب ما لا يخفى على لبيب - هذا وهو
أقرب إلى الإسلام من ابن سبعين، ومن القونوى ، والتلسانى ، وأمثاله من
أتباعه ، فإذا كان الأقرب بهذا الكفر - الذى هو أعظم من كفر اليهود
والنصارى - فكيف بالذين هم أبعد عن الإسلام؟ ولم أصف عشر ما يذكرونه
من الكفر
ولكن هؤلاء التبس أمرهم على من لم يعرف حالهم ، كما التبس أمر
القرامطة الباطنية لما ادعوا أنهم فاطميون، وانتسبوا إلى التشيع ، فصار المتبعون
ما ثلين إليهم ، غير عالمين بباطن كفرهم .
ولهذا كان من مال إليهم أحد رجلين : إما زنديقاً منافقاً؛ وإما
جاهلا ضالا .
وهكذا هؤلاء الاتحادية: فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم ، ولا تقبل توبة
١٣١

أحد منهم ، إذا أخذ قبل التوبة ، فإنه من أعظم الزنادقة ، الذين يظهرون
الإسلام، ويبطنون أعظم الكفر ، وهم الذين يفهمون قولهم ، ومخالفتهم لدين
المسلمين، ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم ، أو ذب عنهم ، أو أثنى عليهم ،
أو عظم كتبهم، أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ
يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدرى ما هو أو من قال إنه صنف هذا الكتاب
وأمثال هذه المعاذير ، التى لا يقولها إلا جاهل ، أو منافق ؛ بل تجب عقوبة كل
من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم
الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان ، على خلق من المشايخ والعلماء ،
والملوك والأمراء ، وهم يسعون فى الأرض فساداً ، ويصدون
عن سبيل الله .
فضررهم فى الدين : أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياه ، ويترك
دينهم كقطاع الطريق ، وكالتتار الذين يأخذون منهم الأموال ، ويبقون لهم
دينهم ، ولا يستهين بهم من لم يعرفهم ، فضلالهم وإضلالهم : أعظم من أن
يوصف ، وهم أشبه الناس بالقرامطة الباطنية .
ولهذا هم يريدون دولة التتار ، ويختارون انتصارهم على المسلمين ، إلا من
كان عامياً من شيعهم وأتباعهم ؛ فإنه لا يكون عارفاً بحقيقة أمرهم.
ولهذا يقرون اليهود والنصارى على ما هم عليه ، ويجعلونهم على حق ، كما
يجعلون عباد الأصنام على حق ، وكل واحدة من هذه من أعظم الكفر ، ومن
١٣٢

كان محسناً الظن بهم - وادعى أنه لم يعرف حالهم - عرف حالهم ، فإن لم
يباينهم ويظهر لهم الإنكار، وإلا ألحق بهم وجعل منهم.
وأما من قال لكلامهم تأويل يوافق الشريعة؛ فإنه من رؤوسهم وأئمتهم ؛
فإنه إن كان ذكياً فإنه يعرف كذب نفسه فيما قاله ، وإن كان معتقداً لهذا باطناً
وظاهراً فهو أكفر من النصارى، فمن لم يكفر هؤلاء ، وجعل لكلامهم تأويلا
كان عن تكفير النصارى بالتثليث ، والاتحاد أبعد. والله أعلم .
١٣٣

وقال شيخ الإسلام
أحمد بن تيمية - قدس الدّروم :-
3
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين
وأشهد أن لا إله إلا الله الأحد الحق المبين .
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين .
صلى الله عليه وسلم تسليما كثيراً، وعلى سائر إخوانه المرسلين .
أما بعد : فقد وصل كتابك ، تلتمس فيه بيان مذهب هؤلاء الاتحادية
وبيان بطلانه ، وأنك كنت قد سمعت منى بعض البيان لفساد قولهم ، وضاق
الوقت بك عن استتمام بقية البيان، وأعملك السفر ؛ حتى رأيت عندكم بعض من
ينصر قولهم ، ممن ينتسب إلى الطريقة والحقيقة ، وصادف منى كتابك موقعاً ،
و وجدت محلا قابلا .
وقد كتبت بما أرجو أن ينفع الله به المؤمنين ويدفع به بأس هؤلاء
(١) هذه الرسالة: تسمى ((حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود)).
١٣٤

الملاحدة المنافقين ، الذين يلحدون فى أسماء الله وآياته المخلوقات والمنزلات فى
كتابه المبين ، ويبين الفرق بين ما عليه أهل التحقيق واليقين ، من أهل العلم
والمعرفة المهتدين ، وبين ما عليه هؤلاء الزنادقة المتشبهين بالعارفين ، كما تشبه
بالأنبياء من تشبه من المتنبتين ، كما شبهوا بكلام الله ما شبهوه به من الشعر المفتعل
وأحاديث المفترين ، ليتبين أن هؤلاء من جنس الكفار المنافقين المرتدين ،
أتباع فرعون والقرامطة الباطنيين ، وأصحاب مسيلمة والعنسى ونحوهما من
المفترين ، وأن أهل العلم والإيمان من الصديقين والشهداء والصالحين ، سواء
كانوا من المقربين السابقين ، أو من المقتصدين أصحاب اليمين ، هم من أتباع
إبراهيم الخليل، وموسى الكليم ، ومحمد المبعوث إلى الناس أجمعين.
قد فرق الله فى كتابه المبين الذى جعله حاكما بين الناس فما اختلفوا فيه من
الحق، بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، والمؤمنين والكافرين ، وقال
تعالى: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أُجْتَرَحُواْ السَّيِّعَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَ امَنُوا وَعَمِلُواْالصَّالِحَتِ
سَوَآءَ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَايَحْكُمُونَ) وقال: ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ) وقال: (أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِينَ
كَالْمُجْرِمِينَ * مَالَكُمْكَيْفَ تَّحْكُمُونَ ) .
وقد بين حال من تشبه بالأنبياء وبأهل العلم والإيمان ، من أهل الكذب
والفجور الملبوس عليهم اللابسين ، وأخبر أن لهم تنزلا ووحيا ولكن من
الشياطين، فقال: ( وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَ بِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ
١٣٥

إِنَّكُمْ لَتْرِكُونَ) وقال تعالى: (هَلْ أُنِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَطِيْنُ * تَُّ عَلَ كُلِّ
أَفَّاكِ أَشِيمٍ ).
وأخبر أن كل من ارتد عن دين الله فلا بد أن يأتى اللّه بدله بمن يقيم
دينه المبين، فقال: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنِ دِينِهِ، فَسَوَّفَ بَتِى اللّه ◌ِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَيَحَافُونَ لَوْمَةَ لَآ پِمٍ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيهُ ).
وذلك أن مذهب هؤلاء الملاحدة فيما يقولونه من الكلام ، وينظمونه
من الشعر بين حديث مفترى ، وشعر مفتعل . وإليهما أشار أبو بكر الصديق
رضى الله عنه لما قال له عمر بن الخطاب فى بعض ما يخاطبه به: يا خليفة رسول
اللّه تألف الناس . فأخذ بلحيته وقال : يا ابن الخطاب ، أجباراً فى الجاهلية
خواراً فى الإسلام؟ علام أتألفهم؟ أعلى حديث مفترى؟ أم شعر مفتعل ؟
يقول : إنى لست أدعوهم إلى حديث مفترى كقرآن مسيلمة ، ولا شعر مفتعل
كشعر طليحة الأسدى .
وهذان النوعان : هما اللذان يعارض بهما القرآن أهل الفجور والإفك
المبين، قال تعالى: ( فَلَ أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ * وَمَا لَا نُصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *
وَمَاهُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّانُؤْمِنُونَ * وَلَبِقَوْلِ كَاهِنَّ قَلِيلًا مَّانَذَكَّرُونَ * نَنِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ)
١٣٦

وقال تعالى: ( وَإِنَّهُ لَتَغْزِلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ)
إلى قوله ( وَمَانَزََّتْ بِهِ الشَّيْطِينُ) إلى آخر السورة.
فذكر فى هذه السورة علامة الكهان الكاذبين ، والشعراء الغاوين ،
ونزهه عن هذين الصنفين، كما فى سورة الحاقة. وقال تعالى ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ
إلى آخر السورة . فالرسول هنا
كَرٍِ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَشِ مَكِينٍ )
جبريل ، وفى الآية الأولى محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا نزه محمداً هناك عن
أن يكون شاعراً أو كاهناً ، ونزه هنا الرسول إليه أن يكون من الشياطين .
١٣٧

فصل
إعلم - هداك الله وأرشدك - أن قصور مذهب هؤلاء كاف فى بيان
فساده لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر ، وإنما تقع الشبهة لأن أكثر
الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم ؛ لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة،
بل وهم أيضاً لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه ، ولهذا يتناقضون كثيراً
فى قولهم؛ وإنما ينتحلون شيئاً ويقولونه أو يتبعونه.
ولهذا قد افترقوا بينهم على فرق ، ولا يهتدون إلى التمييز بين فرقهم ،
مع استشعارهم أنهم مفترقون.
ولهذا لما بينت لطوائف من أتباعهم ورؤسائهم حقيقة قولهم ، وسر
مذهبهم، صاروا يعظمون ذلك ، ولولا ما أقْرِ نه بذلك من الذم والرد
لجعلونى من أئمتهم ، وبذلوا لى من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يحل عن .
الوصف ، كما تبذله النصارى لرؤسائهم ، وإلاسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل
آل فرعون لفرعون .
وكل من يقبل قول هؤلاء فهو أحد رجلين: إما جاهل بحقيقة أمرهم ،
وإما ظالم يريد علواً فى الأرض وفساداً، أو جامع بين الوصفين . وهذه حال
١٣٨

أتباع فرعون الذين قال الله فيهم (فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ. فَأَطَاعُوهُ).
وحال القرامطة مع رؤسائهم .
وحال الكفار والمنافقين فى أئمتهم الذين يدعون إلى النار ويوم القيامة
لا ينصرون (إِنَّاللَّهَلَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا) إلى قوله (وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا
كَبِيرًا ) وقال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا) إلى قوله:
( وَمَاهُمْ بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ ).
١٣٩

فصل
حقيقة قول هؤلاء: أن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى ليس
وجودها غيره ولا شىء سواه ألبتة ، ولهذا من سماهم حلولية أو قال هم قائلون
بالحلول رأوه محجوبا عن معرفة قولهم، خارجا عن الدخول إلى باطن أمرهم،
لأن من قال : إن الله يحل فى المخلوقات فقد قال بأن المحل غير الحال، وهذا
تثنية عندهم وإثبات لوجودين :
أحدهما : وجود الحق الحال .
والثانى: وجود المخلوق المحل وهم لا يقرون بإثبات وجودين ألبتة .
ولا ريب أن هذا القول أقل كفراً من قولهم ، وهو قول كثير من الجهمية
الذين كان السلف يردون قولهم، وهم الذين يزعمون أن اللّه بذاته فى كل مكان.
وقد ذكره جماعات من الأئمة والسلف عن الجهمية وكفروهم به ، بل جعلهم خلق
من الأئمة - كابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من أهل العلم والحديث
من أصحاب أحمد وغيره - خارجين بذلك عن الثنتين والسبعين فرقة . وهو
قول بعض متكلمة الجهمية وكثير من متعبديهم .
ولا ريب أن إلحاد هؤلاء المتأخرين وتجهمهم وزندقتهم تفريع وتكميل
الإلحاد هذه الجهمية الأولى وتجهمها وزندقتها .
١٤٠