النص المفهرس
صفحات 81-100
ولهذا : ليس عندهم للإنسان غاية وراء نفسه ، وإنما غايته أن ينكشف الغطاء عن نفسه، فيرى أن نفسه هى الحق ، وكان قبل ذلك محجوبا عنها ، فلما شاهد الحقيقة رأى أنه هو كما قال ابن إسرائيل :- ما بال عيسك لا يقر قرارها؟ إلا فى ضللك لاتنى منتقلا إلا إليك إذا بلغت المنزلا فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن وكما يقول بعضهم - وفى كل شىء له آية تدل على أنه عينه والله يقول: ( إِنَّإِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَّ) ويقول: (يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًاً ) ويقول: (وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَهُمُ الْحَقِّ) ويقول: (إِنَّاللَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ ) ونحو ذلك . وقال التلمسانى - وكان راسخ القدم فى هذه الزندقة التى أسموا بها التوحيد والحقيقة :- توهمت قدما أن ليلى تبرقعت وأن حجابا دونها يمنع اللما سوى أن طرفى كان عن حبها أعمى فلاحت ، فلا والله ما كان حجبها وله شعر كثير فى هذا الفن : هى الجوهر الصرف القديم وإن بدا لها خبث أتيت به فهو حادث ٨١ حلفت لهم ما كان منها غير ذاتها فقالوا اتئد فيها فإنك حانث وله : وقل حبيبك مت وجدا وذب طربا فيها وقل لزوال العقل لا تزل واصمت إلى أن تراها فيك ناطقة فإن وجدت لسانا قائلا فقل ولهذا: يصلون إلى مقام لا يعتقدون فيه إيجاب الواجبات . وتحريم المحرمات وإنما يرون الإيجاب والتحريم للحجوبين عندهم ، الذين لم يشهدوا أنه هو حقيقة الكون؛ فمن العابد؟ ومن المعبود؟ ومن الآمر ؟ ومن المأمور؟ كما قال صاحب الفتوحات فى أولها :- ياليت شعرى من المكلف؟ الرب حق والعبد حق أو قلت رب أنى يكلف؟ إن قلت عبد فذاك ميت وعندهم أن التكليف هو فى مرتبة من مراتب الأسماء والصفات وهو مرتبة المتمحن . قال بعضهم :- ما فيه من مدح ولا ذم ما الأمر إلا نسق واحد والطبع والشارع بالحكم وإنما العادة قد خصصت ٨٢ ومنشأ هذين عن الصابئة - كما يبين ذلك عند التأمل - فإن الصابئة الخارجين عن التوحيد لله وحده لا شريك له - كالمشركين ، والمجوس - مثل فرعون موسى ، ونمرود إبراهيم ؛ وغيرهم من البشر: معترفون بالوجود المطلق . ولهذا : كان أفضل علوم الفلاسفة هو علم ما بعد الطبيعة ، أعنى بهم الفلاسفة المشائين الذين يتبعون ((أرسطو))، فإنه عندهم المعلم الأول الذى صنف فى أنواع التعاليم من أجزاء المنطق ، والعلم الطبيعى كالحيوان ، والمكان والسماء ، والعالم ، والآثار العلوية وصنف فيما بعد الطبيعة - وهو عندهم غاية حكمتهم. ونهاية فلسفتهم - وهو العلم الذى يسميه متأخرو الفلاسفة - كابن سينا : - (العلم الإلهى). وموضوع هذا العلم عند أصحابه : هو الوجود المطلق ولواحقه ، مثل الكلام فى الموجود ، والمعدوم ، ثم فى تقسيم الموجود إلى واجب وممكن . وقديم ، ومحدث، وعلة، ومعلول، وجوهر، وعرض ونحو ذلك. ثم الكلام فى أنواع هذه الأقسام وأحكامها . مثل : تقسيم العلل إلى الأنواع الأربعة ، وهى : الفاعل ، والغاية اللذان هما سببان لوجود الشىء. والمادة والصورة اللذان هما سببان لحقيقة المركب ، وتقسيم الأعراض إلى الأجناس المقالية التسعة، وهى: الكيف، والكم، والوضع، والأين ، ومتى، والإضافة ، والملك ، وأن يفعل ، وأن ينفعل ، أو جعلها خمسة على ما بينهم من الاختلاف . ٨٣ وفى آخر علم ما بعد الطبيعة حرف اللام - كأنه هو العلة الغائية ، الذى إليه الحركة؛ كما أثبت المعلم الأول وجوده بطريق الاستدلال بالحركة - الذى تكلم فيه المعلم الأول على واجب الوجود لذاته ؛ بكلام مختصر ذكر فيه قدرا يسيراً من أحكامه - وهو الذى كان يقول فيه ابن سيناً - فهذا ما عند المعلم الأول من معرفة الله . وأما النبوات والرسل : فليس لهؤلاء فيها كلام معروف ؛ لا نفيا ولا إثباتا. وأما المتأخرون فهم ، لما ظهرت الملة الحنيفية - الإبراهمية ، التوحيدية - تارة بنبوة عيسى - لما ظهرت النصارى على مملكة الصابتين بأرض الشام، ومصر، والروم، وغيرها - ثم بنبوة خاتم المرسلين ، وأظهر اللّه من نور النبوة شمسا طمست ضوء الكواكب ، وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم خفى بعض نور النبوة ؛ فعرب بعض كتب الأعاجم الفلاسفة، من الروم، والفرس والهند، فى أثناء الدولة العباسية . ثم طلبت كتبهم فى دولة المأمون من بلاد الروم ، فعربت ، ودرسها الناس ، وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر ، وكان أكثر ما ظهر من علومهم الرياضية كالحساب والهيئة ، أو الطبيعة كالطب ، أو المنطقية ، فأما الإلهية : فكلامهم فيها نزر وهو مع نزارته ليس غالبه عندهم يقينا ؛ وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما ملأ العالم نوراً وهدى (١) سقط قول ابن سينا . ٨٤ بل متكلموهم الذين ينسبون إلى البدع عندهم من العلم الإلهى بمقاييسهم المستخرجة أضعاف أضعاف أضعاف ما عند حذاق المتفلسفة . ثم بعد ذلك لما صار فيهم من يتحذق على طريقتهم فى علم ما بعد الطبيعة ، كالفارانى ، وابن سينا ونحوهم ، وصنف ابن سينا كتباً زاد فيها بمقتضى الأصول المشتركة: أشياء لم يذكرها المتقدمون ، وسمى ذلك العلم الإلهى ، وتكلم فى النبوات ، والكرامات ، ومقامات العارفين، بكلام فيه شرف ورفعة ، بالنسبة إلى كلام المتقدمين. وإن كان عند العلوم الإلهية النبوية : فيه من القصور والتقصير والنفاق والجهل، والضلال والكفر، ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة بالعلم والإيمان، وإنما راج على من سلك طريق المتفلسفة ؛ لأنه قرب إليهم معرفة الله ، والنبوات ، والمعجزات ، والولاية ، بحسب أصول الصابئة الفلاسفة - لا بحسب الحق فى نفسه - بما أشرق على جهالاتهم من نور الرسالة ، وبرهان النبوة . كما فعله نسطور النصرانى ، الذى كان فى زمن المأمون ، الذى تنسب إليه النسطورية فى التثليث والاتحاد ؛ لكنه بما أضاء عليه من نور المسلمين أزال كثيراً من فساد عقيدة النصرانى، وبقى عليه منها بقايا عظيمة . وكذلك يحيى بن عدى النصرانى ، لما تفلسف قرب مذهب النصارى فى التثليث إلى أصول الفلاسفة فى العقل ، والعاقل، والمعقول. ٨٥ ولهذا الفلاسفة المحضة - الباقون على محض كلام المشائين - يرون أن ابن سينا صانع المليين ، لما رأوا من تقريبه ، وجهلوا فيما قالوا ، وكذبوا ، لم يصانع ، ولكن قال - بموجب الحق وبموافقة أصولهم العقلية - ماقاله من الحق الذى أقربه ، كما أن الفلاسفة الإلهيين المشائين وغيرهم متفقون على الإقرار بواجب الوجود ، وببقاء الروح بعد الموت ، وبأن الأعمال الصالحة تنفع بعد الموت ، ويخالفهم فى ذلك فلاسفة كثيرون من الطبيعيين وغيرهم ، بل وبين الإلهيين من الفلاسفة خلاف فى بعض ذلك حتى الفارابى، وهو عندهم المعلم الثانى يقال : إنه اختلف كلامه فى ذلك . فقال تارة ببقاء الأنفس كلها ، وتارة ببقاء النفوس العالمة دون الجاهلة . كما قاله فى آراء المدينة الفاضلة، وتارة كذب بالأمرين، وزعم الضال الكافر : أن النبوة خاصتها جودة تخييل الحقائق الروحانية ، وكلامهم المضطرب فى هذا الباب كثير ، ليس الغرض هنا ذكره . وإنما الغرض أن العلم الأعلى عندهم والفلسفة الأولى علم ما بعد الطبيعة وهو الوجود المطلق ولواحقه ؛ حتى أن من له مادة فلسفية من متكلمة المسلمين - كابن الخطيب وغيره - يتكلمون فى أصول الفقه، الذى هو علم إسلامى محض ؛ فيبنونه على تلك الأصول الفلسفية . كقول ابن الخطيب وغيره فى أول أصول الفقه موافقة لابن سينا ومن قبله : العلوم الجزئية لا تقرر مبادئها فيها ؛ لئلا يلزم الدور، فإن مبدأ العلم أصوله، ٨٦ وهو لا يعرف إلا بعدها . فلو عرفت أصوله بمسائله المتوقفة على أصوله : للزم الدور بل توجد أصوله مسلمة ، ويقدر فى علم أعلى منه، حتى ينتهى إلى العلم الأعلى الناظر فى الوجود ولواحقه ، وهذا قالوه فى مثل الطب والحساب إن الطبيب إنما هو طبيب ينظر فى بدن الحيوان ، وأخلاطه وأعضائه ليحفظه صحته إن كانت موجودة ، ويعيدها إليه إن كانت مفقودة ، وبدن الحيوان جزء من المولدات فى الأرض ، وكذلك أخلاطه . فأعم منه: النظر فى المولدات من الأركان الأربعة : الماء ، والهواء، والنار، والأرض. وأعم من ذلك: النظر فى الجسم المستحيل ، ثم فى الجسم المطلق ، فما من علم يتعلق بموضوع ببعض الموجودات العينية ، أو العلمية إلا وأعم منه: ما يشترك هو وغيره فيه . فأما إدخال العلم بالله الذى هو أعلى العلوم، وأشرفها فى هذا، وجعله جزءاً من أجزاء العلم الأعلى - عندهم - الناظر فى الوجود ولواحقه وكذلك ما يتبع ذلك من العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فهذا منشأ الضلال القياسى. ویتبین ذلك من وجوه : أحدها : أن الله سبحانه هو الأعلى وهو الأكبر ، ولهذا : كان شعار أكمل الملل هو: الله أكبر! فى صلواتهم وأذانهم وأعيادهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدى بن حاتم: ((ياعدى: ما يفرك! أيفرك أن يقال لا إله إلا الله ! ٨٧ يا عدى! فهل تعلم من إله إلا الله؟! ياعدى! ما يفرك! أيفرك أن يقال: اللّه أ کبر ! فهل تعلم شيئاً أ کبر من الله )) ؟ ! وبهذا: تبين صواب من قال من الفقهاء أنه لا يجوز إبدال هذه الكلمة بقولنا : اللّه الكبير ، مع أن كشف هذا له موضع آخر . وقال: ( سَيِّعَ أَسْمَرَبِّكَ الْأَعْلَى) فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوها فى سجودكم، فالله هو الأعلى، وهو الأكبر !. والعلم مطابق للمعلوم فيجب أن تكون معرفته وعله: أكبر العلوم وأعلاها . الثانى: أن الله - سبحانه - هو الحق الموجود بنفسه!، وسائر ما سواه خلق من خلقه مربوب مقهور تحت قدرته ، وهو خالق الأشياء ، مسبب أسبابها ، فالعلم به أصل للعلم بما سواه وسبب ، كما أن ذاته كذلك، والعلم بالسبب يفيد العلم بالمسبب. الثالث : معرفة أن الوجود المطلق هو المعرفة بالقدر المشترك بينه وبين ما سواه ، وهو علم بالحد الأوسط فى قياسه على خليقته، ومعلوم أن ذلك ليس فيه علم بحقيقته ، ولا بحقيقة ما سواه، وإنما هو علم بوصف مشترك بينهما، فكيف يكون العلم بوصف مشترك ، أعلى من العلم بحقيقة كل منهما ، وسائر ما يختص به عن غيره من الأنواع ، والأعيان؟. وكذلك معرفة الذات المطلقة ، وما هو كل من الأمور المشتركة : هو من هذا الباب . ٨٨ الرابع : أن الوجود المطلق ، والذات المطلقة ونحو ذلك: إما : أن يراد به الإطلاق الخاص، وهو الذى لا يدخل فيه المقيد. كما يقال: الماء المطلق، فهذا لا وجود له فى الخارج عن العقل والذهن ، كما أن الوجود الكلى العام ، والذات الكلية العامة ؛ لا وجود لها فى الخارج ؛ وإنما يعرض للحقائق هذا العموم، وهذا الإطلاق من حيث هى معقولة فى الأذهان ، لا من حيث هى ثابتة فى الاعيان . فكيف يكون أعلى العلوم وأشرفها معلومه هو المثل الذهنية لا الحقائق الوجودية والمثل إنما هى تابعة لتلك ، وإلا لكانت جهلا لا علماً، وإما أن يراد به الإطلاق العام ، وهو مالا يمنع شيئاً من الدخول فيه وهو المطلق من كل قيد ، حتى عن الإطلاق . فالمطلق بهذا الاعتبار له وجود فى الخارج على القول الصحيح . لكن لا يوجد مطلقاً لا يوجد إلا معينا ، فإما موجود مطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له، وهو المطلق الخاص ، فالمطلق العام لما كان يدخل فيه المقيدصح أن يوجد فى الخارج، فإذا كان الوجود المطلق ولواحقه ليس بموجود فى الخارج مطلقاً ولا يوجد فى الخارج إلا معين امتنع أن يكون أعلى العلوم. إنما وجود معلومه فى الأذهان لا فى الأعيان. ولو جاز ترجيح العلم بالمثل الذهنية على الحقائق الخارجية: لجاز ترجيح المثل على الحقائق، ولكان العلم بالرب والملائكة والنبيين : أفضل من ذات الرب، والملائكة والنبيين ، وهذا لا يقوله عاقل . ٨٩ الخامس : أن القوم إنما أتوا من جهة أنهم بنوا أمرهم فى علومهم جميعاً على القياس ، ولا بد فى القياس من قضية كلية ، وحدٌّ أوسط يكون أعم من الموصوف المحكوم عليه المبتدأ الموضوع. وما من حد وقضية إلا وثم ما هو أعم منه: مثل أن يقول الإنسان ، فأعم منه الحيوان، فأعم منه الجسم النامى، فأعم منه الجسم السفلى، فأعم منه الجسم، فأعم منه الجوهر ، فأعم منه الموجود ، سواء كان جنساً ذاتياً كما يقوله بعضهم أو وصفاً عرضياً كما يقوله الحذاق . فلو قيل أعلى العلوم القياسية : العلوم بالموجود ولواحقه ؛ لكون معلومه أعم الموضوعات : لكان له مساغ ، ولعل هذا مرادهم. لكن العلم القياسى لا يفيد بنفسه معرفة حقيقة شىء من الأشياء الموجودة، إلا إذا كان له نظير مماثل فيعرف أحد المثلين بنفسه ، والآخر بقياسه على نظيره وهذا القدر منتف فى العلم بالله، لا [يوجد] مثله ونظيره ، ثم قد عارضهم المتكلمون بما هو أعلى من الوجود وهو المعلوم والمذكور فقالوا: أعلى المعلوم وأعم الأسماء والحدود: المعلوم والمذكور؛ لأنه يدخل فيه الموجود والمعدوم ، بنوعى الوجود : واجبه ويمكنه ، ونوعى المعدوم ممكنه وممتنعه؛ فكان يجب أن يقال العلم الأعلى الناظر فى المعلوم ولواحقه ، وهذا أعم وأوسع وكون الشىء معلوماً أمر يعرض له ؛ لاصفة ذاتية ؛ وكذلك كونه موجوداً ، إذ هو فى الحقيقة: كونه بحيث يجده الواجد، هذا مقتضى الاسم : ٩٠ وإن عنى به بعضهم کونه حقاً فی نفسه ، فهذا ليس هو حقيقته التى هى هو ، كما قد قرر هذا فى غير هذا الموضع. وإن من قال من المتفلسفة أو المتكلمة ، إن حقيقة الرب هى وجوده أو وجوب وجوده ، أو أنهم علموا حقيقته فقد أخطأ فى ذلك خطأ قبيحاً ، وأن هذا بمنزلة من قال حقيقة سائر الكائنات كونها ممكنة، وهؤلاء بعداء عن اللّه محجوبون عن معرفته ، لم يعرفوا منه إلا صفة كلية من صفاته فظنوا أنهم عرفوا حقيقته. وبهذا يتبين لك أن من قال العلم الأعلى هو علم ما بعد الطبيعة ، وهو الناظر فى الوجود ولواحقه ؛ فإنما حقيقة ذلك أنه أعلى فى ذهن الطالب لمعرفة اللّه بالقياس على خلقه؛ لا أنه أعلى فى نفسه؛ ولا أن معلومه أعلى، ولا أعلى عند من عرف حقائق الموجودات ، ولا أعلى عند من عرف الله بالفطرة : فضلا عمن عرفه بالشرعة ؛ فضلا عمن عرفه بالولاية ؛ فضلا عمن عرفه بالوحى والنبوة ؛ فضلاعمن عرفه بالرسالة ، فضلا عمن عرفه بالكلام ؛ فضلا عمن عرفه بالرَّوية . فلما كان منتهى الفلاسفة الصابئية ، وأعلى عليهم : هو الوجود المطلق ، وكان أصل التجهم ، وتعطيل صفات الرب إنما هو مأخوذ عن الصابئة ، وكان هؤلاء الاتحادية فى الأصل جهمية ، وأنه بما فيهم من النصرانية - المشاركة للصابئة صار بينهم وبين الصابئة نسب - صار معبودهم وإلههم هو ٩١ الوجود المطلق ، وزعموا أن ذلك هو الله ، مضاهاة لما عليه خلق من قدماء الفلاسفة ، من تعطيل الصانع وإثبات الوجود المطلق ، حتى يصح قول فرعون: ( وَمَارَبُّ الْعَلَمِينَ). وإن كان الفلاسفة المسلمون لا يوافقون على ذلك ، بل يقرون بالرب الذى صدر عنه العالم ؛ لكنهم بتعظيمهم للوجود المطلق صاروا متفقين ، متقاربين ومن تأمل كلام النصير الطوسى الصائى الفيلسوف ، وكلام الصدر القونوى النصرانى الاتحادى الفيلسوف، وكلام الإسماعيلية فى البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم - الذى يقول فيه: أقرب الناس إلينا الفلاسفة، ليس بيننا وبينهم خلاف إلا فى واجب الوجود ، فإنهم يقرون به ، ونحن تكره - عرف ما بين هؤلاء من المناسبة. وكذلك المراسلة التى بين الصدر والنصير ، فى إثبات النصير لواجب الوجود ، على طريقة الصابئة الفلاسفة ، وجعل الصدر ذلك هو الوجود المطلق ، لا المعين ، وأنه هو اللّه ، علم حقيقة ما قلته ، وعلم وجه اتفاقهم على الضلال والكفر ، وأن النصير أقرب من حيث اعترافه بالرب الصانع المتميز عن الخلق؛ لكنه أكفر من جهة بعده عن النبوة ، والشرائع ، والعبادات . وأن الصدر أقرب من جهة تعظيمه للعبادات ، والنبوات ، والتأله ، على طريقة النصارى ؛ لكنه أكفر من حيث أن معبوده لا حقيقة له ، وإنما يعبد الوجود المطلق الذى لا حقيقة له فى الخارج. ٩٢ ولهذا كان الصدر أ كفر قولا ، وأقل كفراً فى عمله ، والنصير أكفر عملا ، وأقل كفراً فى قوله، وكلاهما كافر فى قوله وعمله؛ ولهذا : يظهر للعقلاء من عموم المسلمين من كلام الصدر أنه إفك وزور وغرور ، مخالف لما جاء به الرسول ؛ كما يظهر لهم من أفعال النصير أنه مروق وإعراض عما جاء به الرسول، ولهذا : كان النصير أقرب إلى العلماء لأن فى كلامه ما هو حق ، كما أن الصدر أقرب إلى العباد ؛ لأن فى فعاله ما هو عبادة . ٠ ٩٣ وقال :- فصل وقد تفرق الناس فى هذا المقام - الذى هو غاية مطالب العباد - فطائفة من الفلاسفة ونحوهم : يظنون أن كمال النفس فى مجرد العلم ، ويجعلون العلم - الذى به تكمل ما يعرفونه هم من - علم ما بعد الطبيعة ، ويجعلون العبادات رياضة لأخلاق النفس ، حتى تستعد للعلم. فتصير النفس عالما ، معتزلا ، موازيا للعالم الموجود. وهؤلاء ضالون؛ بل كافرون من وجوه :- منها : أنهم اعتقدوا الكمال من مجرد العلم ، كما اعتقد جهم ، والصالحى ، والأشعرى - فى المشهور من قوليه - وأكثر أتباعه: أن الإيمان مجرد العلم ؛ لكن المتفلسفة أسوأ حالا من الجهمية ، فإن الجهمية يجعلون الإيمان هو العلم بالله، وأولئك يجعلون كمال النفس : فى أن تعلم الوجود المطلق ، من حيث هو وجود، والمطلق بشرط الإطلاق؛ إنما يكون فى الأذهان لا فى الأعيان ، والمطلق لا بشرط لا يوجد أيضا فى الخارج إلا معينا . وإن علموا الوجود الكلى، المنقسم إلى واجب ويمكن ، فليس لمعلوم علمهم ٩٤ وجود فى الخارج ، وهكذا من تصوف وتآله على طريقتهم ،کابن عربى ، وابن سبعين ونحوهما . وأيضا: فإن الجهمية يقرون بالرسل ، وبما جاءوا به ، [فهم فى] الجملة يقرون بأن الله خلق السموات ، والأرض ، وغير ذلك مما جاءت به الرسل ؛ بخلاف المتفلسفة . وبالجملة : فكمال النفس ليس فى مجرد العلم؛ بل لا بد مع العلم بالله من محبته، وعبادته ، والإنابة إليه ، فهذا عمل النفس وإرادتها ، ودال عليها ومعرفتها. الوجه الثانى: أنهم ظنوا أن العلم الذى تكمل به النفس هو عليهم ، وكثير منه جهل لا علم . الثالث: أنهم لم يعرفوا العلم الإلهى ، الذى جاءت به الرسل ، وهو العلم الأعلى؛ الذى تكمل به النفس ، مع العمل بموجبه . الرابع: أنهم يرون أنه إذا حصل لهم ذاك العلم : سقطت عنهم واجبات الشرع ، وأبيحت لهم محرماته ، وهذه طريقة الباطنية ، من الإسماعيلية وغيرهم؛ مثل أبى يعقوب السجستانى، صاحب الأفاليد الملكوتية ، وأتباعه . وطريقة من وافقهم من ملاحدة الصوفية ، الذين يتأولون قوله: (وَأَعْبُدْرَبَّكَ حَتَّى يَأَنِيَكَ الْيَقِينُ) إنك تعمل حتى يحصل لك العلم ، فإذا حصل العلم سقط عنك العمل ، وقد قيل للجنيد إن قوما يقولون : إنهم يصلون من طريق البر، إلى أن تسقط عنهم الفرائض، وتباح لهم المحارم - أو نحو هذا الكلام - فقال: الزنا، والسرقة ، وشرب الخمر : خير من هذا. ٩٥ ومن هؤلاء من يكون طلبه للمكاشفة ونحوها ، من العلم : أعظم من طلبه لما فرض الله عليه، ويقول فى دعائه: اللهم أسألك العصمة فى الحركات ، والسكنات ، والخطوات ، والإرادات ، والكلمات؛ من الشكوك، والظنون؛ والإرادة؛ والأوهام السائرة للقلوب، عن مطالعة الغيوب ، وأصل المسألة : أن [المكنة] التى هى الكال عندهم من [المكنة] (١) وطائفة أخرى : عندهم أن الكمال فى القدرة والسلطان ، والتصرف فى الوجود: نفاذ الأمر، والنهى؛ إما بالملك والولاية الظاهرة، وإما بالباطن. وتكون عبادتهم، ومجاهدتهم - لذلك ، وكثير من هؤلاء يدخل فى الشرك ، والسحر ، فيعبد الكواكب، والأصنام ؛ لتعينه الشياطين على مقاصده، وهؤلاء أضل وأجهل من الذين قبلهم ، وغاية من يعبد الله: يطلب خوارق العادات، يكون له نصيب من هذا ؛ ولهذا كان منهم من يرى طائرا ومنهم من يرى ما شيا ومنهم (٢). وفيهم جمال ضلال. وطائفة تجعل الكمال فى مجموع الأمرين ، فيدخلون فى أقوال ، وأعمال من الشرك ، والسحر ، ليستعينوا بالشياطين على ما يطلبونه ، من الأخبار بالأمور الغائبة ، وعلى ما ينفذ به تصرفهم فى العالم . والحق المبين : أن كمال الإنسان أن يعبد الله علما، وعملا، كما أمره ربه، ! (١) في حاشية الاصل نحو ثلاثة أسطر وكأنها تشير إلى اشتقاق هذه الكلمة وتفضيل ابن عربی للولي علی النبي : (٢) بالاصل كلمتان لم تتضحا الناسخ. ٩٦ وهؤلاء هم عباد الله، وهم المؤمنون والمسلمون، وهم أولياء الله المتقون، وحزب الله المفلحون، وجند الله الغالبون، وهم أهل العلم النافع، والعمل الصالح، وهم الذين زكوا نفوسهم وكملوها ، كملوا القوة النظرية ، العلمية، والقوة الإرادية ، العملية، كما قال تعالى: ( وَأَذْكُرْ عِبَدَنَّ ◌َِهِيمَ وَإِسْحَقَ وَ يَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ) وقال تعالى: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَ مَا غَوَى * وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّ وَخِىٌ يُحَى) وقال تعالى: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ) وقال تعالى: فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) وقال تعالى: (أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ) وقال تعالى: (إِلَّا الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْبِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ). ٩٧ وقال أيضا :- فصل حقيقة مذهب الاتحادية - كصاحب الفصوص ونحوه - الذى يؤول إليه كلامهم ويصرحون به فى مواضع - أن الحقائق تتبع العقائد، وهذا أحد أقوال السوفسطائية ؛ فكل من قال شيئا ، أو اعتقده ؛ فهو حق فى نفس هذا القائل المعتقد ؛ ولذا يجعلون الكذب حقا ، ويقولون العارف لا يكذب أحدا فإن الكذب هو أيضا أمر موجود وهو حق فى نفس الكاذب ؛ فإن اعتقده كان حقا فى اعتقاده ، وكلامه . ولو قال ما لم يعتقده [ كان] حقا فى كلامه فقط . ولهذا يأمر المحقق أن تعتقد كل ما يعتقده الخلائق ، كما قال: عقد الخلائق فى الإله عقائدا وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه ومعلوم أن الاعتقادات المتناقضة لا تكون معتقداتها فى الخارج ؛ لكن فى نفس المعتقد ؛ ولهذا يأمرون بالتصديق بين النقيضين والضدين ويجعلون هذا من أصول طريقهم ، وتحقيقهم، ومعلوم أن النقيضين : لا يجتمعان فى الخارج؛ لكن يمكن اعتقاد اجتماعهما فيكون ذلك حقا فى نفس المعتقد ، وهم يدعون أن ذلك يحصل كشفا فكشفهم متناقض ، خاطبت بذلك بعضهم ، فقال : كلاهما ٩٨ حق ، كالذى كشف له أن الزهرة فوق عطارد ، والذى كشف له أنها تحت عطارد ، فقال هى من كشف هذا فوق عطارد ، وفى كشف هذا تحت عطارد ، وأمثال ذلك؛ فجعلوا الحقائق الثابتة تتبع الكشف والاعتقاد ، والقول. ولهذا يقولون سر حيث شئت ، فإن اللّه ثم ، وقل ما شئت فيه فإن الواسع الله . ومضمون هذا الأصل أن كل إنسان : يقول ما شاء ويعتقد ما شاء، من غير تمييز بين حق وباطل وصادق وكاذب ، وأنه لا ينكر فى الوجود شىء ، وهكذا يقولون. هذا من جهة الخبر ، والعلم، وأما من جهة الأمر والعمل، فإن محققهم يقول : ما عندنا حرام ؛ ولكن هؤلاء المحجبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم ، فما عندهم أمر ولا نهى ، كما قال القاضى الذى هو تليذ صاحب الفصوص فيما أنشدنيه الشاهد ابن [عمد المقلب يعرعيه) (١): ما فيه من حمد ولا ذم ما الأمر إلا نسق واحد والطبع والشارع بالحكم وإنما العادة قد خصصت وحينئذ فما يبقى الأقوال والأفعال إلا مجرد القدرة ؛ ولهذا هم يمشون مع الکون دائما فآی شیء وجد و کان :کان عندهم حقا؛ فالحلال ما و جدته وحل بيدك ، والحرام ما حرمته ، والحق ما قلته كاننا ما كان ، والباطل ما لم يقله أحد. وهؤلاء شر من المباحية الملاحدة الذين يجرون مع محض القدر . فإن أولئك يعطلون الأمر والنهى ، والثواب والعقاب ، وهؤلاء (١) هكذا أحرف الأصل. ٩٩ عطلوا أيضا الصانع والرسالة والحقائق كلها ، وجعلوا الحقائق بحسب ما يكشف للإنسان ، ولم يجعلوا للحقائق فى أنفسها حقائق تتحقق به ، يكون ثابتا ، وبنقيضه منتفيا ؛ بل هذا عندهم يفيده الإطلاق : ألا تقف مع معتقد ، بل تعتقد جميع ما اعتقده الناس ، فإن كانت أقوالا متناقضة فإن الوجود يسع هذا كله ، ووحدة الوجود تسع هذا كله . ومعلوم أن الوجود إنما يسع وجود هذه الاعتقادات لا يسع تحقق المعتقدات فى أنفسها ، وهذا ما لا نزاع فيه بين العقلاء ؛ فإن الاعتقاد الباطل . والقول الكاذب : هو موجود داخل فى الوجود ؛ لكن هذا لا يقتضى أن يكون حقا وصدقا ، فإن الحق والصدق إذا أطلق على الأقوال الخبرية لا يراد به مجرد وجودها ؛ فإن هذا أمر معلوم بالحس وعلى هذا التقدير فكلها حق وصدق . ومن المعلوم أن السائل عن حقها وصدقها : هى عنده منقسمة إلى حق وباطل ، وصدق وكذب ، والمراد بكونها حقا وصدقا : كونها مطابقة للخبر أو غير مطابقة ، ثم قد تكون مطابقة فى اعتقاد القائل دون الخارج ؛ وهذا هو الخطأ . وقد يسمى كذبا ، وقد لا يطلق عليه ذلك . فالأول: كقول النبى صلى الله عليه وسلم ((كذب أبو السنابل، وقوله: ( كذب من قالها إن له لأجرين اثنين، إنه لجاهد ، مجاهد وقول عبادة : كذب أبوكم، وقول ابن عباس : كذب نوف . ١٠٠