النص المفهرس
صفحات 41-60
التصديق ناقصاً ، قاصراً: انقسم الأمة إلى ثلاث فرق : - فالجامعون حققوا كلا معنيبه ، من القول التصديقى ، والعمل الإرادى. وفريقان فقدوا أحد المعنيين : فالكلاميون: غالب نظرهم. وقولهم فى الثبوت ، والانتفاء والوجود والعدم والقضايا التصديقية ؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر . والصوفيون : غالب طلبهم وعملهم فى المحبة ، والبغضة ، والإرادة، والكراهة ، والحركات العملية ؛ فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة. وأما أهل العلم والإيمان: جامعون بين الأمرين؛ بين التصديق العلمى، والعمل الحُبى. ثم إن تصديقهم عن علم، وعملهم وحبهم عن علم، فسلموا من آفتى منحرفة المتكلمة ، والمتصوفة ، وحصلوا مافات كل واحدة منهما من النقص ؛ فإن كلا من المنحرفين له مفسدتان : إحداهما: القول بلا علم - إن كان متكلما - والعمل بلا علم - إن كان متصوفاً - وهو ما وقع من البدع الكلامية ، والعملية ، المخالفة للكتاب ، والسنة . والثانى: فوَّت المتكلم العمل ، وفوَّتَ المتصوف القول والكلام. وأهل السنة الباطنة والظاهرة: كان كلامهم وعملهم باطناً وظاهراً بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونا بالآخر. وهؤلاء هم المسلمون حقاً، ٤١ الباقون على الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين . فإن منحرفة أهل الكلام فيهم شبه اليهود ، ومنحرفة أهل التصوف فيهم شبه النصارى ، ولهذا غلب على الأولين جانب الحروف وما يدل عليه من العلم ، والاعتقاد . وعلى الآخرين جانب الأصوات ، وما يثيره من الوجد، والحركة . ومن تمام ذلك أن الله أمر نبيه، أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، ويحادلهم بالتى هى أحسن . وهذه الطرق الثلاثة : هى النافعة فى العلم، والعمل وتشبه ما يذكره أهل المنطق من البرهان والخطابة، والجدل. بقى الشعر والسفسطة - التى هى الكذب المموه - فنفى اللّه ذلك بقوله: (هَلْ أَنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ** تَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاٍ أَشِمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ * وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُ هُمُ الْغَاوُونَ ) إلى آخر السورة ، فذكر الأفاكين ؛ وهم المسفسطون، وذكر الشعراء . وكذلك أبو بكر الصديق قال لعمر بن الخطاب لما قال له : يا خليفة رسول الله ، تألف الناس ، فأخذ بلحيته وقال : يا ابن الخطاب أجباراً فى الجاهلية خوارآً فى الإسلام ، علام أتألفهم؟ أعلى حديث مفترى، أم على شعر مفتعل؟ فذكر الحديث المفترى ، والشعر المفتعل ، كما ذكر الله الأفاكين . والشعراء ، وكان الإفك فى القوة الخبرية . والشعر فى القوة العملية الطلبية . فتلك ضلال وهذه غواية . ٤٢ ولهذا: يقترن أحدهما بالآخر كثيراً فى مثل المليين من الرهبان، وفاسدى الفقراء وغيرهم ، ثم لما كان الشعر مستفادا من الشعور - فهو يفيد إشعار النفس بما يحركها ، وإن لم يكن صدقا، بل يورث محبة، أو نفرة أو رغبة أو رهبة؛ لما فيه من التخييل ، وهذا خاصة الشعر- فلذلك وصفهم بأنهم يتبعهم الغاوون. والغى اتباع الشهوات ؛ لأنه يحرك الناس حركة الشهوة ، والنفرة والفرح ، والحزن بلا علم، وهذا هو الغى ، بخلاف الإفك ، فإن فيه إضلالا فى العلم بحيث يوجب اعتقاد الشىء، على خلاف ما هو به . وإذا كانت النفس تتحرك تارة عن تصديق وإيمان ، وتارة عن شعر. والثانى مذموم إلا ما استثنى منه قال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَايَنْبَغِى لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ فالذكر خلاف الشعر ، فإنه حق وعلم ، يذكره القلب ، وذاك غُبِينٌ ) شعر يحرك النفس فقط . ولهذا غلب على منحرفة المتصوفة ، الاعتياض بسماع القصائد والأشعار ، عن سماع القرآن والذكر ، فإنه يعطيهم مجرد حركة حب أو غيره ، من غير أن يكون ذلك تابعاً لعلم وتصديق ؛ ولهذا يؤثره من يؤثره على سماع القرآن، ويعتل بأن القرآن حق نزل من حق ، والنفوس تحب الباطل ؛ وذلك لأن القول الصدق والحق : يعطى علماً واعتقاداً بجملة القلب ، والنفوس المبطلة لا تحب الحق. ولهذا أثره باطل ، يتفشى من النفس ، فإنه فرع لا أصل له؛ ولكن له تأثير فى النفس من جهة التحريك، والإزعاج والتأثير . لا من جهة التصديق والعلم ، ٤٣ والمعرفة ؛ ولهذا يسمون القول حادياً لأنه يحدوا النفوس ، أى يبعثها ، ويسوقها كما يحدو حادى العيس . وأما الحكمة والموعظة الحسنة، والجدل الأحسن ، فإنه يعطى التصديق والعمل ، فهو نافع منفعة عظيمة . وإنما قلت : إن هذه الثلاثة تشبه من بعض الوجوه الأقيسة الثلاثة ، التى هى: البرهانية ، والخطابية ، والجدلية، وليست هى؛ بل أكمل من وجوه كثيرة لوجوه : - أحدها : أن التى فى القرآن تجمع نوعى: العلم، والعمل ، الخبر والطلب على أكمل الوجوه ؛ بخلاف الأقيسة المنطقية . وذلك أن القياس العقلى ، المنطقي : إنما فائدته مجرد التصديق فى القضايا الخبرية ، سواء تبع ذلك عمل أو لم يتبعه؛ فإن كانت مواد القياس يقينية : كان برهاناً ، سواء كانت مشهورة ، أو مسلمة ، أو لم تكن ؛ وهو يفيد اليقين وإن كانت مشهورة ؛ أو مقبولة سمى خطابة ، سواء كانت يقينية أو لم تكن، وذلك يفيد الاعتقاد والتصديق الذى هو بين اليقين والظن ، ليس أنه يفيد الظن دون اليقين ؛ إذ ليس فى كونها مشهورة ما يمنع أن تكون يقينية مفيدة لليقين . وفرق بين مالا يجب أن يفيد اليقين ، وما يمنع إفادة اليقين . فالمشهورة من حيث هى مشهورة: تفيد التصديق، والإقناع، والاعتقاد. ثم إن عرف أنها ٤٤ يقينية أفادت اليقين أيضاً . وإن عرف أنها غير يقينية لم تفد إلا الظن ؛ وإن لم تشعر النفس بواحد منهما : بقى اعتقاداً مجرداً ، لا يثبت له اليقين ، ولا ینفی عنه . وأما الحكمة فى القرآن : فهى معرفة الحق وقوله والعمل به ، كما كتبت تفسيرها فى غير هذا الموضع. والموعظة الحسنة : تجمع التصديق بالخبر والطاعة للأمر ؛ ولهذا يجىء الوعظ فى القرآن مراداً به الأمر والنهى بترغيب وترهيب. كقوله: ( وَلَوْأَنَهُمْ فَعَلُواْمَا يُوعَظُونَ بِهِ) وقوله: (يَعِظُكُمُ اللَّهُأَنْ تَعُودُ واْلِمِثْلِهِ) وقوله: ( فَجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَاخَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً ) أى يتعظون بها ، فينتبهون، وينزجرون . وكذلك الجدل الأحسن : يجمع الجدل للتصديق ، وللطاعة. الوجه الثانى : - ويمكن أن يقسم هذا إلى وجه آخر - بأن يقال :- الناس ثلاثة أقسام: إما أن يعترف بالحق ويتبعه ، فهذا صاحب الحكمة ، وإما أن يعترف به ؛ لكن لا يعمل به ، فهذا يوعظ حتى يعمل ؛ وإما أن لا يعترف به ، فهذا يجادل بالتى هى أحسن لأن الجدال فى مظنة الإغضاب ، فإذا كان بالتى هى أحسن : حصلت منفعته بغاية الإمكان ، كدفع الصائل . الوجه الثالث: أن كلام اللّه لا يشتمل إلا على حق يقين؛ لا يشتمل على ما تمتاز به الخطابة والجدل عن البرهان : بكون المقدمة مشهورة ، أو مسلمة غير ٤٥ يقينية، بل إذا ضرب الله مثلا مشتملا على مقدمة مشهورة، أو مسلمة، فلا بد وأن تكون يقينية. فأما الاكتفاء بمجرد تسليم المنازع من غير أن تكون المقدمة صادقة، أو بمجردكونها مشهورة، وإن لم تكن صادقة فمثل هذه المقدمة لا يشتمل عليها كلام اللّه، الذى كله حق وصدق، وهو أصدق الكلام، وأحسن الحديث. فصاحب الحكمة: يدعى بالمقدمات الصادقة ، سواء كانت مشهورة أو مسلمة أو لم تكن، لما فيه من إدراك الدّق، واتباع الحق. وصاحب الموعظة : يدعى من المقدمات الصادقة بالمشهورة ، لأنه قد لا يفهم الخفية من الحق ، ولا ينازع فى المشهورة. وصاحب الجدل: يدعى بما يسلمه من المقدمات الصادقة، مشهورة كانت أو لم تكن ، إذ قد لا ينقاد إلى ما لا يسلمه ، سواء كان جلياً أو خفياً، وينقاد لما يسلمه، سواء كان جلياً أو خفياً، فهذا هذا. وليس الأمر كما يتوهمه الجهال ، الضلال ، من الكفار المتفلسفة ، وبعض المتكلمة ، من كون القرآن جاء بالطريقة الخطابية ، وعرى عن البرهانية ، أو اشتمل على قليل منها بل جميع ما اشتمل عليه القرآن هو الطريقة البرهانية ، وتكون تارة خطابية ، وتارة جدلية مع كونها برهانية . والأقيسة العقلية - التى اشتمل عليها القرآن - هى الغاية فى دعوة الخلق إلى اللّه، كما قال: ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) فى أول سبحان وآخرها، وسورة الكهف، والمثل هو القياس ؛ ولهذا اشتمل القرآن ٤٦ على خلاصة الطرق الصحيحة ، التى توجد فى كلام جميع العقلاء ، من المتكلمة ، والمتفلسفة ، وغيرهم. ونزه الله عما يوجد فى كلامهم ؛ من الطرق الفاسدة ويوجد فيه من الطرق الصحيحة ما لا يوجد فى كلام البشر بحال . الوجه الرابع: أن هنا نكتة ينبغى التفطن لها ، فإنها نافعة ، وذلك أن المقدمة المذكورة فى القياس الذى هو مثل لها وصف ذاتى، ووصف إضافى : فالوصف الذاتى لها : أن تكون مطابقة ، فتكون صدقا ، أو لا تكون مطابقة فتكون كذبا ، وجميع المقدمات المذكورة فى أمثال القرآن هى صدق ، والحمد لله رب العالمين. وأما الوصف الإضافى: فكونها معلومة عند زيد، أو مظنونة ، أو مسلمة أو غير مسلمة : فهذا أمر لا ينضبط . فرب مقدمة هى يقينية عند شخص قد علها وهى مجهولة ، فضلا عن أن تكون مظنونة عند من لم يعلها ، فكون المقدمة يقينية، أو غير يقينية، أو مشهورة، أو غير مشهورة، أو مسلمة أو غير مسلمة أمور نسبية وإضافية لها ، تعرض بحسب شعور الإنسان بها . ولهذا تنقلب المظنونة ؛ بل المجهولة فى حقه يقينية معلومة ، والممنوعة مسلمة؛ بل والمسلمة منوعة. والقرآن كلام اللّه الذى أنذر به جميع الخلق ، لم يخاطب به واحدا بعينه حتى يخاطب بما هو عنده يقينى من المقدمات ، أو مشهور ، أو مسلم . فقدمات الأمثال فيه : اعتبر فيها الصفة الذاتية وهى كونها صدقا ، وحقا ٤٧ يجب قبوله ، وأما جهة التصديق : فتتعدد وتتنوع إذ قد يكون لهذا من طرق التصديق بتلك المقدمة ما ليس لعمرو، مثل أن يكون هذا يعلها بالإحساس والروية، وهذا يعلمها بالسماع والتواتر كآيات الرسول وقصة أهل الفيل، وغير ذلك. فما كان جهة قصديقه عاما للناس : أمكن ذكره جهة التصديق به ، كآيات الربوبية المعلومة بالإحساس دائماً . وما كان جهة تصديقه متنوعا: أحيل كل قوم على الطريق التى يصدقون بها . وقد يقال فى مثل هذا: ( أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ). فإن مخاطبة المعين: قد يعلم بها ما هو عنده يقينى أو مشهور من اليقين : أو مسلم منه . وبهذا يتبين لك أن تقسيم المنطقيين لمقدمات القياس : إلى المستيقن والمشهور والمسلم ؛ ليس ذلك وصفا لازما للقضية ، بل هو بحسب ما اتفق للمصدق بها، وربما انقلب الأمر عنده، ويظهر لك من هذا أنما يشهدون عليه أنه ليس بيقينى ، أو ليس مشهوراً ، وليس بمسلم ، ليست الشهادة صحيحة . إذ سلب ذلك إنما يصح فى حق قوم معينين ، لا فى حق جميع البشر . وكذلك الشهادة عليه بأنه يقينى ، أو مشهور ، أو مسلم، إنما هو فى حق من ثبت له هذا الوصف. وأيضاً القياس حق ثابت لا يتبدل ، وما يقوله هؤلاء يتغير ، ويتبدل ، ٤٨ ولا يستمر ، اللهم إلا فى الأمور التى قضت سنة الله باشتراك الناس فيها ، من الحسابيات ، والطبيعيات . وهذان الفنان ليسا مقصود الدعوة النبوية . ولا معرفتهما شرطافى السعادة، ولا محصلالها ، وإنما المقصود الفن الإلهى . ومقدمات القياس فيه : هى من القسم الأول ، الذى تختلف فيه أحكام المقدمات ، بالنسب ، والإضافة . فتدبر هذا فإنه خالص نافع عظيم القدر . يوضح هذا الفصل أن القرآن - وإن كان كلام الله - فإن الله أضافه إلى الرسول، المبلغ له من الملك، والبشر، فأضافه إلى الملك فى قوله: (فَلَا أُقِْمُ بِالْخُنَسِ * الْجَارِ الْكُنَسِ) إلى قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِ * ذِى قُوٍّ عِندَ ذِى الْعَرْشِ ) فهذا جبرائيل . فإن هذه صفاته ، لا صفات مَكِينٍ * ◌ُطَائِ ثَّأَمِينٍ محمد صلى الله عليه وسلم . ثم قال: ( وَمَا صَاحِبُّكُمْ بِمَجْنُونٍ ) أضافه إلينا، امتنانا علينا بأنه صاحبنا ، كما قال: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى). (وَقَدْرَءَاهُ بِ لْأُفُقِ المُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبٍ بِصَنِينٍ ) فهو محمد. أى بمتهم ، وعلى القراءة الأخرى : بخيل . وزعم بعض المتفلسفة أنه جبرائيل أيضا . وهو العقل الفاعل الفائض . وهو من تحريف الكلم عن مواضعه ، فإن صفات جبرائيل تقدمت ، وإنما هذا وصف محمد. ثم قال: ( وَمَاهُوَبِقَوْلِ شَيْطَانِ نَّجِيمٍ ) لما أثبت أنه قول ٤٩ الملك: نفى أن يكون قول الشيطان. كما قال فى الشعراء: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ ) إلى قوله: ( وَمَانَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَايَنْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) إلى قوله: (هَلْ أُبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَُّ عَلَى كُلِّ أَفَّاءٍ أَشِمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ). فَلاَ أَقْسِمُ بِمَانُصِرُونَ * وَمَالَا وأضافه إلى الرسول البشری فی قوله: ( نُصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولِكَرِمٍ * وَمَاهُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّانُؤْمِنُونَ * وَلَ بِقَوْلِ كَإِهِنَّ قَلِيلًا مَانَذَكَّرُونَ * فَِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ) فنفى عنه أن يكون قول شاعر، أو كاهن ، وهما من البشر. كما ذكر فى آخر الشعراء : أن الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم. كالكهنة ، الذين يلقون إليهم السمع ، وأن الشعراء يتبعهم الغاوون. فهذان الصنفان اللذان قد يشتبهان بالرسول من البشر لما نفاهما: علم أن الرسول الكريم: هو المصطفى من البشر ، فإن الله يصطفى من الملائكة رسلا، ومن الناس ، كما أنه فى سورة التكوير: لما كان الشيطان قد يشبه بالملك - فنفى أن يكون قول شيطان رجيم - علم أن الرسول المذكور هو المصطفى من الملائكة . وفى إضافته إلى هذا الرسول تارة ، وإلى هذا تارة : دليل على أنه إضافة بلاغ وأداء ، لا إضافة إحداث لشىء منه أو إنشاء ، كما يقوله بعض المبتدعة الأشعرية ، من أن حروفه ابتداء جبرائيل ، أو محمد ، مضاهاة منهم فى نصف قولهم لمن قال: إنه قول البشر، من مشركى العرب ، ممن يزعم أنه أنشأه ٥ بفضله ، وقوة نفسه ، ومن المتفلسفة الذين يزعمون أن المعانى ، والحروف تأليفه؛ لكنها فاضت عليه ، كما يفيض العلم على غيره من العلماء . فالكاهن مستمد من الشياطين. ( وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) وكلاهما فى لفظه وزن . هذا سمع وهذا نظم ، وكلاهما له معان من وحى الشياطين . كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم. من همزه، ونفثه، ونفخه)) وقال: ((همزه المؤتة ، ونفثه الشعر، ونفخه الكبر، وقوله تعالى: ( وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَيْطَانٍ تَجِيرٍ ): ينفى الأمرين، كما أنه فى السورة الأخرى قال: ( وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعٍِ) (وَلَ بِقَوْلِ كَاِهٍِ) وكذلك قال فى الشعراء: ( وَمَا نََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ) مطلقاً . ثم ذكر علامة من تنزل عليه الشياطين : بأنه أفاك أثيم ، وأن الشعراء يتبعهم الغاوون. فظاهر القرآن : ليس فيه أن الشعراء تتنزل عليهم الشياطين ، إلا إذا كان أحدهم كذابا أثيما ، فالكذاب : فى قوله ، وخبره. والأثيم: فى فعله وأمره. وذاك والله أعلم : لأن الشعر يكون من الشيطان تارة ، ويكون من النفس أخرى . كما أنه إذا كان حقاً يكون من روح القدس ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم، لما دعا لحسان بن ثابت: ((اللهم أيده بروح القدس)) وقال: ((اهجهم وهاجهم، وجبرائيل معك)) فلما نفى قِسمَ الشيطانِ نفى قسم النفس؛ ولهذا قال: (يَتَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) والغى اتباع الشهوات، التى هى هوی النفوس . ٥١ ولهذا قال أبو [ حيان] ما كان من نفسك ، فأحبته نفسك لنفسك فهو من نفسك فانهها عنه، وما كان من نفسك فكرهته نفسك لنفسك : فهو من الشيطان ، فاستعذ بالله منه ، فهذا والله أعلم سبب ذلك . وأما التقسيم إلى الكاهن ، والشاعر ، من جهة المعنى، فهو - والله أعلم- لأن الكلام نوعان: خبر ، وإنشاء . والكاهن يخبر بالغيوب ، مخلطاً فيه الصدق بالكذب ، لا يأتون بالحق محضاً ، وإذا ألقى الشيطان فى أمنية أحدهم شيئاً فى القلب : لم ينسخ منه بل أكثرهم كاذبون . كما قال تعالى ، وكما بينه النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث الكهان لما قال: ((إنهم يزيدون فى الكلمة مائة كذبة)» بخلاف الرسول، والنبى، والمحدَّثِ كما فى قراءة ابن عباس وغيره: ( فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَايُلْقِى الشَّيْطَانُ ) . والقراءة العامة ليس فيها المحدّث ؛ إذ يجوز أن يقر على بعض الخطإ، ويدخل الشيطان فى أمنيته بعض ما يلقيه فلا ينسخ ، بخلاف الرسول، والنبى فإنه لا بد من نسخ ما يلقى الشيطان، وأن يحكم الله آياته لأنه [حق] والمحدَّث مأمور بأن يعرض ما يحدّثه على ما جاء به الرسول . ولهذا ألقى الشيطان لعمر وهو محدّث ، فى قصة الحديبية . وقصة موت النبى صلى الله عليه وسلم، وقصة اختلافه وحكيم بن حزام فى سورة الفرقان، فأزاله عنه نور النبوة . ٥٢ وأما الشاعر فتأنه التحريك للنفوس ، فهو من باب الأمر الخاص المرغب ؛ فلهذا قيل فيهم: ( يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) فضررهم فى الأعمال ، لا فى الاعتقادات ، وأولئك ضررهم فى الاعتقادات ويتبعها الأعمال ؛ ولهذا قال : (أَقَالٍ أَشِمٍ ). ومعنى الكهانة ، والشعر : موجود فى كثير من المتفلسفة ، والمتصوفة، والمتكلمة ، والمتفقهة، والعامة، والمتفقرة، الخارجين عن الشريعة الذين يتكلمون بالغيوب عن كهانة ، ويحركون النفوس بالشعر ونحوه وهم من أتباع المتنبئين الكذابين لهم مادة من الشياطين. كما قد رأيناه كثيراً فى أنواع من هذه الطوائف وغيرها ، لمن نور الله صدره وقذف فى قلبه من نوره . ٥٣ وقال شيخ الإسلام قدس الآروم :- فصل ثم إن المنحرفين المشابهين للصابئة : إما مجردة ؛ وإما منحرفة إلى يهودية أو نصرانية ، من أهل المنطق والقياس ، الطالبين للعلم والكلام ، ومن أهل العمل والوجد، الطالبين للمعرفة. والحال: أهل الحروف . وأهل الأصوات سلكوا فى أصل العلم الإلهى طريقين: كل منهم سلك طريقاً . وقد يسلك بعضهم هذا فى وقت ، وهذا فى وقت ، وربما جمع بعضهم بين الطريقين . وأكثرهم لا يعلمون أن الله إليه طريق إلا أحد هذين، كما يذكره جماعات: مثل ابن الخطيب ، ومن نحا نحوه ، بل مثل أبى حامد ، لما حصر الطرق فى الكلام، والفلسفة؛ الذى هو النظر ؛ والقياس؛ أو فى التصوف والعبادة ؛ الذى هو العمل والوجد، ولم يذكر غير هؤلاء الأصناف الثلاثة. بل أبو حامد لما ذكر فى المنقذ من الضلال ، والمفصح بالأحوال ، أحواله فى طرق العلم ، وأحوال العالم ، وذكر أن أول ما عرض له ما يعترض طريقهم - وهو المفسطة بشبها المعروفة - وذكر أنه أعضل به هذا الداء قريباً من شهرين ؛ هو فيهما على مذهب السفسطة ، بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال ، حتى شفى ٥٤ الله عنه ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها، على أمن وتبين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ؛ بل بنور قذفه الله فى الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكبر المعارف قال : فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة ، فقد ضيق رحمة الله الواسعة. ثم قال: انحصرت طرق الطالبين عندى فى أربع فرق : - المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأى والنظر. والباطنية : وهم يدعون أنهم أصحاب التعلم ، والمخصصون بالاقتباس من الإمام المعصوم . والفلاسفة: وهم يدعون أنهم أصحاب المنطق . والبرهان . والصوفية : ويدعون أنهم خواص الحضرة ، وأهل المكاشفة ، والمشاهدة . فقلت فى نفسى : الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة ، فهؤلاء هم السالكون سبل طريق الحق ؛ فإن سد الحق عنهم فلا يبقى فى درك الحق مطمع. ثم ذكر أن مقصود الكلام ، وفائدته : الذب عن السنة بالجدل ، لا تحقيق الحقائق وأن ما عليه الباطنية باطل ، وأن الفلسفة بعضها حق، وبعضها كفر، والحق منها لا يفى بالمقصود. ثم ذكر أنه أقبل بهمته على طريق الصوفية، وعلم أنها لا تحصل إلا بعلم ٥٥ وعمل ، فابتدأ بتحصيل علهم من مطالعة كتبهم ، مثل قوت القلوب ، لأنى طالب المكى ، وكتب الحارث المحاسبى والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلى وأبى يزيد؛ حتى طلع على كنه مقاصدهم العلمية . ثم إنه علم يقينا أنهم أصحاب أحوال ، لا أصحاب أقوال، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم : قد حصله ، ولم يبق إلا مالا سبيل إليه بالتعلم والسماع ؛ بل بالذوق والسلوك . قال : وكان قد حصل معى من العلوم التى مارستها ، والمسالك التى سلكتها فى التفتيش عن صنفى العلوم الشرعية ، والعقلية، إيمان يقينى بالله ، وبالنبوة وباليوم الآخر . وهذه الأصول الثلاثة - من الإيمان - كانت قد رسخت فى نفسى بالله لا بدليل معين مجرد ، بل بأسباب ، وقرائن ، وتجارب ، لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها ، وكان قد ظهر عندى أنه لا مطمع فى سعادة الآخرة إلا بالتقوى وذكر أنه تخلى عشر سنين. إلى أن قال : انكشف لى فى أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذى أذكره لينتفع به : أنى علمت يقينا ، أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق؛ وأخلاقهم أزكى الأخلاق؛ بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء؛ ليغيروا شيئاً من سيرهم، وأخلاقهم ؛ ويبدلوه بما هو خير منه : لم يجدوا إليه سيلا . ٥٦ فإن جميع حركاتهم ، وسكناتهم ، فى ظاهرهم، وباطنهم: مقتبسة من مشكاة نور النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به . وبالجملة فماذا يقول القائلون فى طريق طهارتها ؟ وهى أول شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى الله ومفتاحها استغراق القلب بذكر الله . قلت : يستفادمن كلامه أن أساس الطريق : هى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللّه ، كما قررته غير مرة . وهذا أول الإسلام ؛ الذى جعله هو النهاية ، وبينت الفرق بين طريق الأنبياء، وطريق الفلاسفة . والمتكلمين لكن هو لم يعرف طريقة أهل السنة ، والحديث ، من العارفين ؛ فلهذا لم يذكرها ، وهى الطريقة المحمدية المحضة ، الشاهدة على جميع الطرق. والسهر وردى الحلبى، المقتول، سلك النظر والتأله جميعاً؛ لكن هذا صابى محض، فيلسوف لا يأخذ من النبوة إلا ماوافق فلسفته ، بخلاف ذينك وأمثالهما . ثم منهم من لا يعرف إلا طريقة النظر والقياس ابتداء ، لجمهور المتكلمين من الجهمية والمعتزلة ، والأشعرية ، وبعض الحنبلية . ومنهم من لا يعرف ابتداء : إلا طريقة الرياضة ، والتجرد والتصوف ، ككثير من الصوفية والفقراء الذين وقعوا فى الاتحاد ، والتأله المطلق. مثل: عبد الله الفارسى، والعفيف التلمسانى ونحوهما. ومنهم من قد يجمع كالصدر القَوْنَوِىْ ونحوه. ٥٧ والغالب عليهم عالم التوهم ، فتارة يتوهمون ماله حقيقة، وتارة يتوهمون ما لا حقيقة له ، كتوهم إلهية البشر، وتوهم النصارى ، وتوهم المنتظر ، وتوهم الغوث المقيم بمكة : أنه بواسطته يدبر أمر السماء والأرض ؛ ولهذا يقول التلمسانى، ثبت عندنا بطريق الكشف ما يناقض صريح العقل. ولهذا [أصيب] صاحب الخلوة بثلاث توهمات: أحدها : أن يعتقد فى نفسه أنه أكمل الناس استعداداً. والثانى: [أن] يتوهم [فى] شيخه أنه أكمل من على وجه الأرض. والثالث : أنه يتوهم أنه يصل إلى مطلوبه بدون سبب، وأكثر [اعتماده] على القوة الوهمية ؛ فقد تعمل الأوهام أعمالا لكنها باطلة ، كالمشيخة الذين لم يسلكوا الطرق الشرعية النبوية ؛ نظراً أو عملا؛ بل سلكوا الصابئية. ويشبه هؤلاء من بعض الوجوه: أكثر الأحمدية ، واليونسية، والحريرية وكثير من العدوية ، وأصحاب الأوحد الكرمانى ، وخلق كثير من المتصوفة والمتفقرة بأرض المشرق ؛ ولهذا تغلب عليهم الإباحة ، فلا يؤمنون بواجبات الشريعة ومحرماتها . وهم إذا تألهوا فى تألهٍ مطلقٍ : لا يعرفون من هو إلههم بالمعرفة القلبية ؛ وإن حققه عارفوهم الزنادقة ، جعلوه الوجود المطلق . ومنهم من يتأله الصالحين من البشر، وقبورهم ونحو ذلك. فتارة يضاهئون المشركين ، وتارة يضاهئون النصارى ، وتارة يضاهئون ٥٨ الصابئين، وتارة يضاهئون المعطلة الفرعونية ، ونحوهم من الدهرية ، وهم من الصابتين ؛ لكن كفار فى الأصل . والخالص منهم : يعبد الله وحده ؛ لكن أكثر ما يعبده: بغير الشريعة القرآنية المحمدية، فهم منحرفون ؛ إما عن شهادة أن لا إله إلا الله؛ وإما عن شهادة أن محمداً رسول الله وقد كتبته فى غير هذا. وكل واحد من طريقى النظر والتجرد : طريق فيه منفعة عظيمة ، وفائدة جسيمة ، بل كل منهما واجب لا بدمنه ، ولا تتم السعادة إلا به، والقرآن كله يدعو إلى النظر والاعتبار والتفكر، وإلى التزكية والزهد والعبادة. وقدذكر القرآن صلاح القوة النظرية العلمية ، والقوة الإرادية العملية : فى غير موضع ، كقوله ( هُوَالَّذِىّ ◌َرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِظْهِرَهُ عَلَى الْدِينِ كُلٍّ ) فالهدى كمال العلم، ودين الحق كمال العمل. كقوله: (أُوْلِ الْأَيْدِى وَلْأَبْصَرِ ) وقوله: (كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَتَّدَهُم بِرُوجِ مِّنْهُ). وقوله: (ءَامَنُوْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ) وقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ) وفی خطبة النی صلى الله عليه وسلم: (( إن خير الكلام كلام الله، و خير الهدى هدى محمد )) ، لكن النظر النافع أن يكون فى دليل ، فإن النظر فى غير دليل لا يفيد العلم بالمدلول عليه ، والدليل هو الموصل إلى المطلوب ، والمرشد إلى المقصود، والدليل التام هو الرسالة، والصنائع . وكذلك العبادة التامة فعل ما أمر به العبد وما جاءت به الرسل ، وقد وقع ٥٩ الخطأ فى الطريقين، من حيث : أخذكل منهما أو مجموعهما ، مجردا فى الابتداء عن الإيمان بالله، وبرسوله (١) . بل اقتصر فيهما على مجرد ما يحصله نظر القلب ، وذوقه الموافق لما جاءت به الرسل تارة ، والمخالف لما جاءت به أخرى ، فى مجرد النظر العقلى ، ومجرد العبادات العقلية ، أو الصعود عن ذلك إلى النظر الملى ، والعبادات الملية ، والواجب أنه لا بد فى كل واحد من النظر والعمل، من [أن] يوجد فيه العقلى، والملى ، والشرعى ، فلما قصروا: وقع كل من الفريقين ؛ إما فى الضلال ؛ وإِما فى الغواية، وإما فيهما . وحاصلهم: إما الجهل البسيط ؛ أو الكفر البسيط ، أو الجهل المركب، أو الكفر المركب ، مع الجهل والظلم . وذلك أن طريقة أهل النظر والقياس : مدارها على مقدمة لا بدمنها فى كل قياس يسلكه الآدميون ، وهى مقدمة كلية جامعة ، تتناول المطلوب، وتتناول غيره ، بمعنى أنها لا تمنع غيره من الدخول ؛ وإن لم يكن له وجود فى الخارج، فهى لا تتناول المطلوب لخاصيته ، بل بالقدر المشترك بينه وبين غيره، والمطلوب بها هو اللّه تعالى ، فلم يصلوا إليه إلا بجامع ما يشترك فيه هو وغيره ، من القضايا] الإيجابية ، والسلبية . والمشترك بينه وبين غيره لا يعرف بخصوصه أصلا ، فلم يعرفوا الله، (١) بياض بالأصل بقدر سطر . ٦٠