النص المفهرس
صفحات 21-40
التى يبنون عليها سائر العلوم؛ ولهذا يمثلون ذلك فى أصول العلم والكلام ، بأن الواحد نصف الاثنين ، وأن الجسم لا يكون فى مكانين ، وأن الضدين - كالسواد والبياض - لا يجتمعان. فهذان الفنان متفق عليهما . وأما الأخلاق مثل : استحسان العلم ، والعدل ، والعفة ، والشجاعة . جمهور الفلاسفة، والمتكلمين ، يجعلونها من الأصول؛ لكنها من الأصول العامة ، ومنهم من لا يجعلها من الأصول ؛ بل يجعلها من الفروع. التى تفتقر إلى دليل . وهو قول غالب المتكلمة ، المنتصرين للسنة فى تأويل القدر ، فكان الذى أصلوه ، واتفقوا عليه من المعارف: أمرًا قليل الفائدة. نزر الجدوى، وهو الأمور السفلية . ثم إذا صعدوا من هذه المقدمات ، والدلائل إلى الأمور العلوية فلهم طريقان : أما المتكلمة المتبعون للنبوات : فغرضهم فى الغالب إنما هو إثبات صانع العالم ، والصفات التى بها تثبت النبوة على طريقهم، ثم إذا أثبتوا النبوة: تلقوا منها السمعيات وهى الكتاب ، والسنة ، والإجماع، وفروع ذلك. وأما المتفلسفة : فهم فى الغالب يتوسعون فى الأمور الطبيعية ولوازمها ؛ ثم يصعدون إلى الأفلاك وأحوالها . ثم المتألهون منهم يصعدون إلى واجب ٢١ الوجود، وإلى العقول والنفوس . ومنهم من يثبت واجب الوجود ابتداء من جهة أن الوجود لا بد فيه من واجب . وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل ، والمقاصد: أما المقاصد فإن حاصلها بعد التعب - الكثير، والسلامة - خير قليل، فهى لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. ثم إنه يفوت بها من المقاصد الواجبة ، والمحمودة ما لا ينضبط هنا . وأما الوسائل : فإن هذه الطرق كثيرة المقدمات ، ينقطع السالكون فيها كثيرا قبل الوصول ، ومقدماتها فى الغالب إما مشتبهة يقع النزاع فيها ، وإما خفية لا يدركها إلا الأذكياء . وهذا لا يتفق منهم اثنان رئیسان علی جمیع مقدمات دليل إلا نادراً . فكل رئيس من رؤساء الفلاسفة ، والمتكلمين : له طريقة فى الاستدلال ، تخالف طريقة الرئيس الآخر ، بحيث يقدح كل من أتباع أحدهما فى طريقة الآخر ، ويعتقد كل منهما أن الله لا يعرف إلا بطريقته؛ وإن كان جمهور أهل الملة ، بل عامة السلف يخالفونه فيها . مثال ذلك : أن غالب المتكلمين يعتقدون أن الله لا يعرف إلا بإثبات حدوث العالم ، ثم الاستدلال بذلك على محدثه ؛ ثم لهم فى إثبات حدوثه طرق: فأكثرهم يستدلون بحدوث الأعراض ؛ وهى صفات الأجسام . ثم القدرية من المعتزلة وغيرهم يعتقدون أن إثبات الصانع، والنبوة : لا يمكن إلا بعد اعتقاد ٢٢ أن العبد هو المحدث لأفعاله، وإلا انتقض الدليل ، ونحو ذلك من الأصول التى يخالفهم فيها جمهور المسلمين . وجمهور هؤلاء المتكلمين المستدلين على حدوث الأجسام بحدوث الحركات: يجعلون هذا هو الدليل على نفى ما دل عليه ظاهر السمعيات ، من أن اللّه يحىء؛ وينزل ونحو ذلك. والمعتزلة وغيرهم يجعلون هذا هو الدليل على أن اللّه ليس له صفة؛ لا علم ولا قدرة؛ ولا عزة ؛ ولا رحمة ؛ ولا غير ذلك ؛ لأن ذلك بزعمهم أعراض تدل على حدوث الموصوف . وأكثر المصنفين فى الفلسفة - كابن سينا - يبتدئ بالمنطق ؛ ثم الطبيعى والرياضى ، أو لا يذكره . ثم ينتقل إلى ما عنده من الإلهى . وتجد المصنفين فى الكلام يبتدئون بمقدماته فى الكلام : فى النظر والعلم . والدليل - وهو من جنس المنطق - ثم ينتقلون إلى حدوث العالم . وإثبات محدثه . ومنهم من ينتقل إلى تقسيم المعلومات إلى الموجود ، والمعدوم ، وينظر فى الوجود وأقسامه ، كما قد يفعله الفيلسوف فى أول العلم الإلهى . فأما الأنبياء فأول دعوتهم : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله . ٢٣ وقد اعترف الغزالى بأن طريق الصوفية هو الغاية ؛ لأنهم يطهرون قلوبهم ما سوى الله، ويملأونها بذكر الله، وهذا مبدأ دعوة الرسول ؛ لكن الصوفى الذى ليس معه الأثارة النبوية مفصلة ، يستفيد بها إيمانا مجملا ؛ بخلاف صاحب الأثارة النبوية ، فإن المعرفة عنده مفصلة . فتدبر طرق العلم والعمل ؛ ليتميز لك طريق أهل السنة والإيمان من طريق أهل البدعة والنفاق ، وطريق العلم والعرفان ، من طريق الجهل والنكران . ٢٤ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه فصل قد تكلم طائفة من المتكلمة ، والمتفلسفة ، والمتصوفة : فى قيام الممكنات والمحدثات، بالواجب القديم ؛ وهذا المعنى حق؛ فإن الله رب كل شىء، ومليكه؛ لكن يستشهدون على ذلك بقوله: (كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) ويقولون إن معنى الآية : أن كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك ، أو هو عدم محض ، ونفى صرف ، وإنماله الوجود من جهة ربه، فهو هالك باعتبار ذاته ، موجود بوجه ربه؛ أى من جهته هو موجود . ثم منهم من قد يخرج منها إلى مذهب الجهمية ، الاتحادية . والحلولية ؛ فيقول : إن ذلك الوجه هو وجود الكائنات ، ووجه اللّه هو وجوده ، فيكون وجوده وجود الكائنات ، لا يميز بين الوجود الواجب، والوجود الممكن - كما هو قول ابن عربى ، وابن سبعين ونحوهما - وهولازم لمن جعل وجوده وجودا مطلقا ، لا يتميز بحقيقة تخصه سواء جعله وجودا مطلقا بشرط الإطلاق - كما يزعم ابن سينا ونحوه من المتفلسفة - أو جعله وجودا مطلقا لا بشرط - كما يقوله الاتحادية . ٢٥ وهم يسلمون من القواعد العقلية - مما هو يعلم بضرورة العقل ما يوجب أن يكون الموجود - بشرط الإطلاق - إنما وجوده فى الأذهان لا فى الأعيان كالحيوان المطلق بشرط الإطلاق والإنسان المطلق بشرط الإطلاق ونحو ذلك. وأن المطلق لا بشرط ، ليس له حقيقة ، غير الوجود العينى ، والذهنى ، ليس فى الأعيان الموجودة وجود مطلق، سوى أعيانها كما ليس فى هذا الإنسان وهذا الإنسان إنسان مطلق وراء هذا الإنسان؛ فيكون وجود الرب على الأول ذهنى وعلى الثانى نفس وجود المخلوقات . وقول الجهمية من المتقدمين ، والمتأخرين ؛ لا يخرج عن هذين القولين ؛ وهو حقيقة التعطيل ؛ لكن هم يثبتونه أيضا . فيجمعون بين النفى والإثبات . فيبقون فى الحيرة؛ ولهذا يجعلون الحيرة منتهى المعرفة، ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديثا مكذوبا عليه ((أعلمكم بالله أشدكم حيرة)) وأنه قال: ((اللهم زدنى فيك تحيرا)» ويجمعون بين النقيضين ملتزمين لذلك. وهذا قول القرامطة الباطنية ، والاتحادية ، وهو لازم لقول الفلاسفة والمعتزلة ، وإن لم يصرح هؤلاء بالتزامه ؛ بخلاف الباطنية ، والاتحادية من المتصوفة . فإنهم يصرحون بالتزامه ، ويذكرون ذلك عن الحلاج . والمقصود هنا أن يقال : أما كون وجود الخالق هو وجود المخلوق ؛ فهذا كفر صريح باتفاق أهل الإيمان، وهو من أبطل الباطل فى بديهة عقل كل إنسان ؛ وإن كان منتحلوه يزعمون أنه غاية التحقيق والعرفان ، وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع . ٢٦ وأماكون المخلوق لا وجود له ، إلا من الخالق - سبحانه - فهذا حق ثم جميع الكائنات ، هو خالقها، وربها ، ومليكها ، لا يكون شىء إلا بقدرته ، ومشيئته وخلقه ، هو خالق كل شىء سبحانه وتعالى. لكن الكلام هنا فى تفسير الآية بهذا ، فإن المعانى : تنقسم إلى حق وباطل . فالباطل : لا يجوز أن يفسر به كلام الله . والحق : إن كان هو الذی دل عليه القرآن فسر به ، وإلا فليس كل معنى صحيح يفسر به اللفظ لمجرد مناسبة ، كالمناسبة التى [ بين] الرؤيا والتعبير ؛ وإن كانت خارجة عن وجوه دلالة اللفظ ، كما تفعله القرامطة والباطنية، إذ دلالة اللفظ على المعنى سمعية : فلا بد أن يكون اللفظ مستعملا فى ذلك المعنى بحيث قد دل على المعنى به ، لا يكتفى فى ذلك ، بمجرد أن يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى. إذ الألفاظ التى يصلح وضعها للمعانى ولم توضع لها : لا يحصى عددها إلا الله . وهذا عند من يعتبر المناسبة بين اللفظ والمعنى كقول طائفة من أهل الكلام والبيان ، وأما عند من لا يعتبر المناسبة : فكل لفظ يصلح وضعه لكل معنى ؛ لا سيما إذا علم أن اللفظ موضوع لمعنى هو مستعمل فيه ؛ فحمله على غير ذلك لمجرد المناسبة كذب على الله. ثم إن كان مخالفا لما علم من الشريعة، فهو دأب القرامطة؛ وإن لم يكن مخالفا فهو حال كثير من جهال الوعاظ ، والمتصوفة الذين يقولون بإشارات لا يدل اللفظ ٢٧ عليها نصا ولا قياسا ، وأما أرباب الإشارات الذين يثبتون ما دل اللفظ عليه ، ويجعلون المعنى المشار إليه ، مفهوما من جهة القياس والاعتبار خالهم كمال الفقهاء العالمين بالقياس ؛ والاعتبار ، وهذا حق إذا كان قياسا صحيحا ، لافاسدا ، واعتبارا مستقيما ، لا منحرفا . وإذا كان المقصود هنا الكلام فى تفسير الآية فنقول: تفسير الآية بما هو مأثور ومنقول عن من قاله من السلف، والمفسرين، من أن المعنى كل شىء هالك إلا ما أريد به وجهه . هو أحسن من ذلك التفسير المحدث ؛ بل لا يجوز تفسير الآية بذلك التفسير المحدث ، وهذا يبين بوجوه بعضها يشير إلى الرجحان ، وبعضها يشير إلى البطلان . الأول: أنه لم يقل كل شىء هالك إلا من جهته، إلا من وجهه، ولكن قال إلا وجهه. وهذا يقتضى أن ثم أشياءتهلك إلا وجهه . فإن أريد بوجهه وجوده: اقتضى أن كل ما سوى وجوده هالك، فيقتضى أن تكون المخلوقات مالكة . وليس الأمر كذلك. وهو أيضا على قول الاتحادية ؛ فإنه عندهم ما ثم إلا وجود واحد فلا يصح أن يقال كل ما سوى وجوده هالك، إذما ثم شىء يخبر عنه بأنه سوى وجوده ، إذ أصل مذهبهم نفى السوى ، والغير فى نفس الأمر . وهذا يتم بالوجه الثانى : وهو أنه إذا قيل المراد بالهالك الممكن الذى لا وجود له من جهته . فیکون المعنی كل شىء ليس وجوده من نفسه إلا هو. قيل استعمال لفظ الهالك فى الشىء الموجود المخلوق لأجل أن وجوده من ربه لا من نفسه : لا يعرف فى اللغة لا حقيقة ولا مجازا . ٢٨ والقرآن قد فرق فى اسم الهلاك بين شىء وشىء. فقال تعالى: ( إِنِ أُمْرُؤُأ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ) وقال تعالى: ( وَلَا تُلْقُواْبِأَيَدِيَكُمْ إِلَى النَّهُكَةِ) وقال تعالى : (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) وقال تعالى: (وَقَالُواْمَاهِىَ إِلَّا حَيَانُنَ الدُّنْيَانَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَايُهْلِكُاْ إِلَّا الدَّهْرُ) وقال تعالى: (وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَآءَ هَا بَأْسُنَا بَيَتًا أَوْهُمْ قَآئِلُونَ) وقال تعالى : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ) وقال (وَإِنِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ اَلْقِيَمَةِ) وقال: (وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبِيِّتَنَّهُ, وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لَوَلِّهِ، مَا شَهِدْ نَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ) وقال: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) وقالت الملائكة: (إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِالْقَرْيَةِ) وقال: (أَلَمْتُهْلِكِ اُلْأَوَّلِينَ * ثُمَّنُتْبِعُهُمُ اْآَخِينَ). فهذه الآيات : تقتضى أن الهلاك استحالة، وفساد فى الشىء الموجود، كما سنبينه ، لا أنه يعنى أنه ليس وجوده من نفسه ، إذ جميع المخلوقات تشترك (١) فى هذا (١). الوجه الثالث : أن يقال على هذا التقدير يكون المعنى أن كل ما سواه ممكن قابل للعدم ، ليس وجوده من نفسه ، وهذا المعنى ليس هو الذى يقصدونه ، وإنما مقصودهم أن كل ما سواه فوجوده منه ، وبين المعنيين فرق واضح، فإن الخبر عن الشىء بأنه مكن قابل العدم ، ليس وجوده من نفسه غير الخبر عنه ، بأنه موجود وإن وجوده من الله . (١) وبها مشه بخطه : أنهلك ويبقى الصالحون. ٢٩ الوجه الرابع: أن يقال إذا كان المراد أن كل ما سواه ممكن، والضمير عائد إلى واجب الوجود - إلى اللّه الذى خلق الكائنات - كان هذا من باب إيضاح الواضح، فإنه من المعلوم أن كل ما سوى واجب الوجود: فهو ممكن ، وأن كل ما هو مخلوق له فهو ممكن . الوجه الخامس : أن يقال: اسم الوجه فى الكتاب والسنة ، إنما يذكر فى سياق العبادة له والعمل له ، والتوجه إليه ، فهو مذكور فى تقرير ألوهيته ، وعبادته وطاعته لا فى تقرير وحدانية كونه خالقاً ورباً ، وذلك المعنى هو العلة الغائية ، وهذا هو العلة الفاعلية ، والعلة الغائية ، هى المقصودة التى هى أعلى وأشرف بل هى علة فاعلية للعلة الفاعلية ، ولهذا : قدمت فى مثل قوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وفى مثل قوله: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ). وقال تعالى: . ( وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْرَ * إِلَّا أَبْنِغَاءَ وَجْهِرَبِّهِالْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) وقال تعالى: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْلِوَجْهِ الهِلَا تُرِيدُ مِنْكُ جَزَاءُوَلَا شُكُورًا) وقال تعالى: ( وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ). وإذا كان كذلك كان حمل اسم الوجه فى هذه الآية : على مايدل عليه فى سائر الآيات أولى من حمله على ما يدل عليه لفظ الوجه فى شىء من الكتاب والسنة ، بل هذا هو الواجب دون ذاك ؛ لأن هذا استعمال للفظ فيما لم يرد به الکتاب ، والكتاب قد ورد بغيره حيث ذ کر . الوجه السادس : أن اسم الهلاك يراد به الفساد ، وخروجه عما يقصد به ٣٠ ويراد، وهذا مناسب لما لا يكون لله ، فإنه فاسد لا ينتفع به فى الحقيقة بل هو خارج عما يجب قصده وإرادته. قال تعالى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَايَشْعُرُونَ ) أخبر أنهم هلكون أنفسهم بنههم عن الرسول، ونأيهم عنه. ومعلوم أن من نأى عن اتباع الرسول، ونهى غيره عنه - وهو الكافر - فإن هلاكه بكفره هو حصول العذاب المكروه له، دون النعيم المقصود. وقال تعالى: ( إِنِ أُمْرُؤُأْهَكَ). وقال(١) : (١) بياض بالأصل. ٣١ وقال قدس اللهروحه :- فصل ثم يقال هذا أيضاً يقتضى أن كلا منهما : ليس واجباً بنفسه غنياً قيوما ؛ بل مفتقراً إلى غيره فى ذاته وصفاته ، كما كان مفتقراً إليه فى مفعولاته ، وذلك أنه إذا كان كل منهما مفتقراً إلى الآخر فى مفعولاته، عاجزاً عن الانفراد بها، إذ الاشتراك مستلزم لذلك. كما تقدم ؛ فإما أن يكون قابلا للقدرة على الاستقلال بحيث يمكن ذلك فيه ، أو لا يمكن . والثانى : ممتنع ، لأنه لو امتنع أن يكون الشىء مقدوراً ممكناً لواحد: لامتنع أن يكون مقدوراً مكناً لاثنين، فإنَّ حال الشىء فى كونه مقدوراً ممكناً . لا يختلف بتعدد القادر عليه وتوحده فإذا امتنع أن يكون مفعولا مقدوراً الواحد: امتنع أن يكون مفعولا مقدوراً لاثنين ، وإذا جاز أن يكون مفعولا مقدوراً عليه لاثنين وهو ممكن: جاز أن يكون أيضاً لواحد ، وهذا بين إذا كان الإمكان، والامتناع، لمعنى فى الممكن - المفعول المقدور عليه - إذ صفات ذاته، لا تختلف فى الحال . وكذلك إذا كان لمعنى فى القادر ، فإن القدرة القائمة باثنين ، لا تمتنع ٣٢ أن تقوم بواحد، بل إمكان ذلك : معلوم بيديهة العقل ؛ بل من المعلوم بيديهة العقل أن الصفات بأسرها من القدرة وغيرها ، كلما كان محلها متحداً مجتمعاً كان أكمل لها من أن يكون متعدداً متفرقاً . ولهذا كان الاجتماع ، والاشتراك فى الخلق بأن يوجب لها من القوة والقدرة ما لا يحصل لها إذا تفرقت وانفردت، وإن كانت إحداها باقية ، بل الأشخاص والأعضاء وغيرها من الأجسام المتفرقة قد قام بكل منها قدرة ؛ فإذا قدر اتحادها واجتماعها : كانت تلك القدرة أقوى وأ كمل ، لأنه حصل لها من الاتحاد والاجتماع: بحسب الإمكان ما لم يكن حين الافتراق والتعداد . وهذا يبين أن القدرة القائمة باثنين - إذا قدر أن ذينك الاثنين كانا شيئاً واحداً - تكون القدرة أكمل ، فكيف لا تكون مساوية للقدرة القائمة بمحلين؟ وإذا كان من المعلوم أن المحلين المتباينين الذين قام بهما قدرتان ، إذا قدر أنهما محل واحد ، وأن القدرتين قامتا به لم تنقص القدرة بذلك بل تزيد: علم أن المفعول الممكن المقدور عليه لقادرين منفصلين - إذا قدر أنهما بعينهما - قادر واحد قد قام به ما قام بهما : لم ينقص بذلك بل يزيد ، فعلم أنه يمكن أن يكون كل منهما: قابلا للقدرة على الاستقلال، وأن ذلك ممكن فيه . فتبين أنه من الممكن فى المشتركين على المفعول الواحد أن يكون كل منهما قادراً عليه ، بل من الممكن أن يكونا شيئاً واحداً قادراً عليه ؛ فتبين أن كلا منهما يمكن أن يكون أكمل مما هو عليه ، وأن يكون بصفة أخرى. ٣٣ إذا كان يمكن فى كل منهما أن تتغير ذاته ، وصفاته . ومعلوم أنه هو لا يمكن أن يكمل نفسه وحده، ويغيرها إذ التقدير أنه عاجز عن الانفراد بمفعول منفصل عنه ، فأن يكون عاجزاً عن تكميل نفسه وتغييرها أولى؟. وإذا كان هذا يمكن أن يتغير ويكمل ، وهو لا يمكنه ذلك بنفسه لم يكن واجب الوجود بنفسه ؛ بل يكون فيه إمكان وافتقار إلى غيره، والتقدير أنه واجب الوجود بنفسه [غير واجب الوجود بنفسه] فيكون واجباً ممكناً . وهذا تناقض إذ ما كان واجب الوجود بنفسه تكون نفسه كافية فى حقيقة ذاته وصفاته، لا يكون فى شىء من ذاته وصفاته مفتقراً إلى غيره ؛ إذ ذلك كله داخل فى مسمى ذاته ، بل ويجب أن لا يكون مفتقراً إلى غيره فى شىء من أفعاله ومفعولاته . فإن أفعاله القائمة به داخلة فى مسمى نفسه، وافتقاره إلى غيره فى بعض المفعولات : يوجب افتقاره فى فعله ، وصفته القائمة به ؛ إذ مفعوله صدر عن ذلك، فلو كانت ذاته كاملة غنية : لم تفتقر إلى غيره فى فعلها ؛ فافتقاره إلى غيره بوجه من الوجوه: دليل عدم غناه ، وعلى حاجته إلى الغير؛ وذلك هو الإمكان المناقض لكونه واجب الوجود بنفسه . ولهذا لما كان وجوب الوجود: من خصائص رب العالمين ، والغنى عن الغير من خصائص رب العالمين : كان الاستقلال بالفعل من خصائص ٣٤ رب العالمين ، وكان التنزه عن شريك فى الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين، فليس فى المخلوقات ماهو مستقل بشىء من المفعولات وليس فيها ماهو وحده علة قائمة، وليس فيها ما هو مستغنياً عن الشريك فى شىء من المفعولات ، بل لا يكون فى العالم شىء موجود عن بعض الأسباب ، إلا بمشاركة سبب آخر له . فيكون - وإن سمى علة - علة مقتضية سببية؛ لا علة تامة ، ویکون كل منهما شرطا للآخر؛ كما أنه ليس فى العالم سبب إلاوله مانع يمنعه من الفعل ، فكل ما فى المخلوق - مما يسمى علة أو سبيا، أو قادراً، أو فاعلا، أو مدبرا - فله شريك هو له كالشرط، وله معارض هو له مانع وضد، وقد قال سبحانه: (وَمِن كُلّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ) والزوج يراد به النظير المماثل ، والضد المخالف ، وهو الند. فما من مخلوق إلا له شریك،و ند . والرب سبحانه وحده هو الذى لا شريك له ، ولا ند ، بل ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن . ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقا ، ولا ربا مطلقا ، ونحو ذلك؛ لأن ذلك يقتضى الاستقلال ، والانفراد بالمفعول المصنوع ، وليس ذلك إلا لله وحده ؛ ولهذا - وإن نازع بعض الناس : فى كون العلة تكون ذات أوصاف ، وادعى أن العلة لا تكون إلا ذات وصف واحد - فإن أكثر الناس خالفوا فى ذلك، وقالوا: يجوز أن تكون ذات أوصاف ، بل قيل لا تكون فى المخلوق ٣٥ علة ذات وصف واحد أو ليس فى المخلوق ما يكون وحده علة ، ولا يكون فى المخلوق علة ، إلا ما كان مركبا من أمرين فصاعدا . فليس فى المخلوق واحد يصدر عنه شىء ، فضلا عن أن يقال : الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ؛ بل لا يصدر من المخلوق شىء : إلا عن اثنين فصاعدا ، وأما الواحد الذى يفعل وحده فليس إلا الله. فكما أن الوحدانية واجبة له لازمة له : فالمشاركة واجبة للمخلوق لازمة له والوحدانية مستلزمة للكمال ، والكمال مستلزم لها ، والاشتراك مستلزم للنقصان ، والنقصان مستلزم له . وكذلك الوحدانية مستلزمة للغنى عن الغير : والقيام بنفسه ، ووجوبه بنفسه، وهذه الأمور - من الغنى ، والوجوب بالنفس والقيام بالنفس - مستلزمة للوحدانية ؛ والمشاركة مستلزمة للفقر إلى الغير ، والإمكان بالنفس ، وعدم القيام بالنفس . وكذلك الفقر والإمكان وعدم القيام بالنفس مستلزم للاشتراك، وهذه وأمثالها من دلائل توحيد الربوبية وأعلامها ، وهى من دلائل إمكان المخلوقات المشهودات ، وفقرها وأنها من بدئه، فهى من أدلة إثبات الصانع ؛ لأن ما فيها من الافتراق والتعداد ، والاشتراك: يوجب افتقارها وإمكانها ، والممكن المفتقر لا بد له من واجب غنی بنفسه ، وإلا لم يوجد . ولو فرض تسلسل الممكنات المفتقرات فهى بمجموعها ممكنة . والممكن قد علم ٣٦ بالاضطرار أنه يفتقر فى وجوده إلى غيره ، فكل ما يعلم أنه ممكن فقير فإنه يعلم أنه فقير أيضا فى وجوده إلى غيره ، فلابد [من]غنى بنفسه واجب الوجود بنفسه والإلم يوجد ما هو فقير يمكن بحال . وهذه المعانى تدل على توحيد الربوبية ، وعلى توحيد الإلهية وهو التوحيد الواجب الكامل ، الذى جاء به القرآن ؛ لوجوه : قد ذكرنا منها ما ذكرنا فى غير هذا الموضع ، مثل أن المتحركات لا بدلها من حركة إرادية ، ولا بد للإرادة من مراد لنفسه، وذلك هو الإله ، والمخلوق يمتنع أن يكون مرادا لنفسه ، كما يمتنع أن يكون فاعلا لنفسه ؛ فإذا امتنع أن يكون فاعلان بأنفسهما امتنع أن يكون مرادان بأنفسهما . وأيضا فالإله الذى هو المراد لنفسه - إن لم يكن ربا - امتنع أن يكون معبوداً لنفسه، ومن لا يكون ربا خالقا لا يكون مدعوا مطلوبا منه، مراداً لغيره؛ فلأن لا يكون معبودا مرادا لنفسه [ من باب الأولى] فإثبات الإلهية يوجب إثبات الربوبية، ونفى الربوبية يوجب نفى الإلهية ؛ إذ الإلهية هى الغاية، وهى مستلزمة للبداية كاستلزام العلة الغائية للفاعلية . وكل واحد من وحدانية الربوبية ، والإلهية - وإن كان معلوما بالفطرة الضرورية البديهية ، وبالشرعية النبوية الإلهية - فهو أيضا معلوم بالأمثال الضرورية ، التى هى المقاييس العقلية . لكن المتكلمون إنما انتصبوا لإقامة المقاييس العقلية على توحيد الربوبية ، ٣٧ وهذاما لم ينازع فى أصله أحد من بنى آدم، وإنما نازعوا فى بعض تفاصيله ، كنزاع المجوس والثنوية والطبيعية والقدرية، وأمثالهم من ضلال المتفلسفة ، والمعتزلة ، ومن يدخل فيهم ، وأما توحيد الإلهية فهو الشرك العام الغالب، الذى دخل من أقرأنه لا خالق إلا اللّه، ولا رب غيره من أصناف المشركين . كما قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِإِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) كما قد بسطنا هذا فى غير هذا الموضع.؟. ٣٨ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله: فصل قاعدة : قد كتبت ما يتعلق بها فى الكراس الذى قبل هذا . أصل الإثبات والنفى، والحب والبغض : هو شعور النفس بالوجود والعدم والملاءمة والمنافرة . فإذا شعرت بثبوت ذات شىء، أو صفاته : اعتقدت ثبوته ، وصدقت بذلك . ثم إن كانت صفات كمال اعتقدت إجلاله وإكرامه صدَّقت ومدحته، وأثنت عليه . وإذا شعرت بانتفائه، أو انتفاء صفات الكمال عنه : اعتقدت انتفاء ذلك . وإن لم تشعر لا بثبوت ، ولا انتفاء: لم تعتقد واحدا منهما ، ولم تصدق ولم تكذب ، وربما اعتقدت الانتفاء إذا لم تشعر بالثبوت ، وإن لم تشعر أيضاً بالعدم . وبين الشعور بالعدم ، وعدم الشعور بالوجود فرقان بين، وهى منزلة الجهل الذى يؤتى منها أكثر الناس الذين يكذبون بما لم يحيطوا بعله ، والذى من جهل شيئاً عاداه . ٣٩ ثم إذا اعتقدت الانتفاء كذبت بالثبوت ، وذمته ، وطعنت فيه ؛ هذا إذا كان ما استشعرت وجوده أو عدمه محموداً ، وأما إن كان مذموما : كان الأمر بالعكس. وكذلك إذا شعرت بما يلائمها أحبته وأرادته ، وإن شعرت بما ينافيها أبغضته وكرهته ، وإن لم تشعر بواحد منهما ، أو شعرت بما ليس بملائم ولا مناف : فلا محبة ولا بغضة ؛ وربما أبغضت . مالم يكن منافياً إذ لم يكن ملائماً. وبين الشعور بالمنافى ، وعدم الشعور بالملائم : فرق بين ؛ لكن هذا محمود فإن ما لم يلائم الإنسان : فلا فائدة له فيه ، ولا منفعة فيكون الميل إليه من باب العبث ، والمضرة . فينبغى الإعراض عنه ؛ لأنه لا فائدة فيه ، وما لا فائدة (فيه أفالميل إليه مضرة ، ثم يتبع الحب للشخص ؛ أو العمل : الصلاة عليه ، والثناء عليه . كما يتبع البغض : اللعنة له ، والطعن عليه ، وما لم يكن محبوباً. ولا مبغضاً ، لا يتبعه ثناء ولا دعاء، ولا طعن [ ولا لعن ]. ولما كان فى نفس الأمر وجود محبوب مألوه : كان أصل السعادة، الإيمان بذلك، وأصل الإيمان : قول القلب الذى هو التصديق ، وعمل القلب الذى هو المحبة على سبيل الخضوع، إذ لا ملاءمة لأرواح العباد: أتم من ملاءمة إلهها الذى هو الله الذى لا إله إلا هو. ولما كان الإيمان جامعاً لهذين المعنيين ، وكان تعبير من عبر عنه بمجرد ٤٠