النص المفهرس
صفحات 1-20
بِسمِاللهِالرَِّ الرَّحِيَّمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس اللّهروحه. بم بضم الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما . قاعدة أولية (١) : إن أصل العلم الإلهى ، ومبدأه، ودليله الأول، عندالذين آمنوا: هو الإيمان بالله ورسوله ، وعند الرسول صلى الله عليه وسلم : هو وحی الله إلیه، كما قال (١) بها مشه بخط المؤلف: ((تمام هذا: ماكتبته - فى مسألة القدر - من مبادئ علوم المتكلمين، والفلاسفة ، فى إثبات الصانع ، وتقرير شريعة الأنبياء ، وأتباعهم ، وما كتبته فى مواضع أخر من أول الواجبات : أنها الإيمان ، لا النظر ، ولا مطلق العلم به ، وكذلك "بنيتْ عقيدة أهل السنة على ذلك، وذكرت أيضاً قاعدة فى الشهادتين: عظيمة القدر، ام . = ١ خاتم الأنبياء: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. وأن محمداً رسول الله ؛ فإذا فعلوا ذلك: عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها)). وقال الله تعالى له: (قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىٌّ وَ إِنِ آَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوجِىّ إِلَّرَبٍّ) وقال: (وَوَجَدََ ضَاَلَا فَهَدَى) وقال: (نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمَآ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ). = وقال المؤلف أيضاً : - فى حاشية له أخرى على هذه القاعدة - ((وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد الخليدى: فى كتابه (( شرح اعتقاد أهل السنة)) لأبى على الحسين ابن أحمد الطبرى، وهذا اهله ممن أدرك أحمد وغيره، قال الخليدى فى معرفة الله: وهى أول الفرض الذى لا يسع المسلم جهله، ولا تنفعه الطاعة - وإن أتى بجميع طاعة أهل الدنيا - مالم تكن معه معرفة وتقوى. فالمسلم إذا نظر فى مخلوقات الله تعالى وما خلق من عجائبه ، مثل دوران الليل والنهار، والشمس والقمر ، وتفكر فى نفسه ، وفى مبدئهومنتهاه فتزيد معرفته بذلك. قال الله تعالى: (وَفِّأَنفُسِكُمْأَفَلَا تُبْصِرُونَ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من عرف نفسه عرف ربه)، ولسنا نقول: إن الله يعرف بالمخلوقات، بل المخلوقات كلها تعرف بالله؛ لكن معرفته تزيد بالنظر فى مخلوقات الله. وسئل عبد الرحمن بن أبى حاتم عن رجل يقول: عرفت اللّه بالعقل والإلهام ، فقال: من قال عرفت الله بالعقل والإلهام فهو مبتدع، عرفنا كل شىء بالله. وسئل ذو النون المصرى: بماذا عرفت ربك ؟ فقال: عرفت ربى بربى ولولا ربى ما عرفت ربى ! . وقال عبد الله بن رواحة: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا إلى آخره . وكان هذا بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم فلم ينكره عليه، فدل على صحة قول علمائنا إن الله يعرف باللّه، والأشياء كلها تعرف بالله. هذا آخر كلامه. وهو متعلق بما قد كتبته هنا ، وبما كتبته فى الجزء الذى بعد هذا فى تحرير أصل == ٢ فأخبر أنه كان قبله من الغافلين . وقال: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَالْكِّنَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورَّا تَهْدِى ◌ِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ). وفى صحيح البخارى فى خطبة عمر لما توفى النبى صلى الله عليه وسلم- كلام معناه - أن الله هدى نبيكم بهذا القرآن فاستمسكوابه فإنكم (١). وتقرير الحجة فى القرآن بالرسل كثير . كقوله: ( لِئَلَايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) وقوله: (وَمَاكُنَامُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وقوله: (وَلَوْأَنَّا أَهْلَكْنَهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْرَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ إلى قوله : فَقَّبِعَءَايَئِكَ ) (كُلَّمَا أُلْفِى فِهَ فَوْجٌ سَأَمْخَها الآية . وقوله : فِى أُمِّهَا رَسُولًا ) أَلَمْ يَأْتِكُمْنَذِيرٌ ) وقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنََّ زُمَرًا حَتَّىَ إِذَاجَاءُ وهَا = العلم والإيمان، والفرق بين المنهاج النبوى، والفلسفى، وما كتبته فى (شرح قصيدة القدر) من أن أصل المعرفة فطرى ، وذكر الطريقة الكلامية والفلسفية . وقال شيخ الإسلام الأنصارى: فى أول ( اعتقاد أهل السنة، وما وقع عليه إجماع أهل الحق من الأمة) أول ما يجب على العبد معرفة الله، لحديث معاذ لما قال له النبى صلى الله عليه وسلم: إنك تقدم على قوم أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة اللّه، فإذا عرفوا الله - سبحانه - فأخبرهم أن الله افترض عليهم)) الحديث رواه مسلم هكذا. ورواه البخارى. قال: فاعلم أن معرفة الله وعبادته والإيمان به إنما يجب ، ويسمع، ويلزم بالبلاغ ، ويحصل بالتعريف . قلت : قد روى عن ابن عباس أنه قيل له : بماذا عرفت ربك ؟ فقال: من طلب دينه بالقياس ، لم يزل دهره فى التباس ، ظاعناً فى الاعوجاج ، زائغاً عن المنهاج ، أعرفه بما عرف به نفسه، وأصفه بما وصف به نفسه . اهـ (١) بياض بالأصل. ٣ فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَيَئُهَا أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُ) الآية. وقوله: ( يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَالْإِنسِ ) الآية. ولهذا كان طائفة من أئمة المصنفين للسنن على الأبواب ، إذا جمعوا فيها أصناف العلم: ابتدءوها بأصل العلم والإيمان . كما ابتدأ ( البخارى صحيحه) ببدء الوحى ونزوله ؛ فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على الرسول أولا ، ثم أتبعه بكتاب الإيمان الذى هو الإقرار بما جاء به ، ثم بكتاب العلم الذى هو معرفة ماجاء به ، فرتبه الترتيب الحقيقى . وكذلك الإمام أبو محمد الدارمى صاحب (المسند): ابتدأ كتابه بدلائل النبوة ، وذكر فى ذلك طرفاً صالحاً . وهذان الرجلان : أفضل بكثير من مسلم ؛ والترمذى ونحوهما ؛ ولهذا كان أحمد بن حنبل: يعظم هذين ونحوهما ؛ لأنهم فقهاء فى الحديث أصولا وفروعاً، ولما كان أصل العلم والهدى : هو الإيمان بالرسالة المتضمنة للكتاب والحكمة: كان ذكره طريق الهداية بالرسالة - التى هى القرآن، وما جاءت به الرسل - كثيراً جداً. كقوله: (ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِهِ هُدَى لِلْنَّقِينَ) وقوله: (هَذَابَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ). وقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ) وقوله: (وَأَنَزَلَ التَّوْرَنَّةَ وَالْإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدَّى لِلنَّاسِ) وقوله : (كِتَبُّ أَنْزَ لْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) وقوله: ( فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى) وقوله : ٤ (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ) وقال تعالى: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ )؟. فيعلم أن آيات الله والرسول تمنع [الكفر] ، وهذا كثير. وكذلك ذكره حصول الهداية، والفلاح للمؤمنين دون غيرهم ملء القرآن كقوله: ( هُدَى لِلْنَّقِينَ * الَِّينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) الآية . ثم ذم الذين كفروا ، والذين نافقوا، وقوله: ( وَالْعَصْرِ * إِنَّاُلْإِنسَانَ لَفِى خُسْرِ * إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ) وقوله: ( ثُمَّرَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ). فحكم على النوع كله، والأمة الإنسانية جميعها، بالخسارة ، والسفول إلى الغاية ، إلا المؤمنين الصالحين . وكذلك جعل أهل الجنة هم أهل الإيمان ، وأهل النار هم أهل الكفر ، فما شاء الله من الآيات ، حتى صار ذلك معلوما علما شائعا ، متواترا ، اضطراريا من دین الرسول عند کل من بلغته رسالته. وربط السعادة مع إصلاح العمل به فى مثل قوله : (مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً) وقوله: (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا). وأحبط الأعمال الصالحة بزواله، فى مثل قوله: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ وقوله: كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ) وقوله: (مَثَلُ الَِّينَ كَفَرُ وا بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ ) ٥ (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِهَا صِرُّأَ صَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ) الآية وقوله : (وَقَدِمُنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءَ مَّنثُورًا) ونحو ذلك كثير. وذكر حال جميع الأمم المهتدية أنهم كذلك، فى قوله: ( إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَِّئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ وَعَمِلَ صَلِحًا ) الآية . ولهذا أمر أهل العقل بتدبره، وأهل السمع بسمعه ، فدعا فيه إلى التدبر ، والتفكير ، والتذكر، والعقل، والفهم، وإلى الاستماع، والإبصار، والإصغاء، والتأثر بالوجل والبكاء وغير ذلك، وهذا باب واسع . ولما كان الإقرار بالصانع فطریا -- كما قال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة)) الحديث - فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله، والإنابة إليه ، وهو معنى لا إله إلا اللّه ؛ فإن الإله هو الذى يعرف ويعبد ، وقد بسطت هذا المعنى فى غير هذا الموضع. وكان المقصود بالدعوة : وصول العباد إلى ما خلقوا له من عبادة ربهم ، وحده لا شريك له ، والعبادة أصلها عبادة القلب ، المستتبع للجوارح ، فإن القلب هو الملك، والأعضاء جنوده . وهو المضغة التى إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد. وإنما ذلك بعلمه ، وحاله كان هذا الأصل الذى هو عبادة الله: بمعرفته، ومحبته: هو أصل الدعوة فى القرآن . فقال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ ). ٦ وقال فى صدر البقرة - بعد أن صنف الخلق ثلاثة أصناف : مؤمن ، وكافر، ومنافق - فقال بعد ذلك: ( يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُ وارَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وذكر آلاءه التى تتضمن نعمته، وقدرته، ثم أتبع ذلك بتقريره النبوة بقوله: (وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا). والمتكلم يستحسن مثل هذا التأليف ، ويستعظمه حيث قررت الربوبية، ثم الرسالة ، ويظن أن هذا موافق لطريقته الكلامية فى نظره فى القضايا العقليات أولا : من تقرير الربوبية ، ثم تقرير النبوة ، ثم تلقى السمعيات من النبوة كما هى الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة، والكرامية، والكلابية، والأشعرية. ومن سلك هذه الطريق فى إثبات الصانع أولا ، بناء على حدوث العالم ، ثم إثبات صفاته نفيا وإثباتا بالقياس العقلى- على ما بينهم فيه من اتفاق واختلاف: إما فى المسائل ، وإما فى الدلائل - ثم بعد ذلك يتكلمون فى السمعيات، من المعاد، والثواب ، والعقاب، والخلافة، والتفضيل ، والإيمان بطريق مجمل. وإنما عمدة الكلام عندهم ، ومعظمه : هو تلك القضايا التى يسمونها العقليات ، وهى أصول دينهم . وقد بنوها على مقاييس تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة ؛ فلحقهم الذم من جهة ضعف المقاييس التى بنوا عليها ، ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة . وهم قسمان : - قسم بنوا على هذه العقليات القياسية : الأصول العلمية ، دون العملية . كالأشعرية . ٧ وقسم بنوا عليها الأصول العلمية ، والعملية ، كالمعتزلة ، حتى أن هؤلاء يأخذون القدر المشترك فى الأفعال بین الله و بین عباده ، فما حسن من الله حسن من العبد، وما قبح من العبد قبح من اللّه ؛ ولهذا سماهم الناس مشبهة الأفعال. ولا شك أن هؤلاء هم المتكلمة المذمومون عند السلف لكثرة بنائهم الدين على القياس الفاسد الكلامى ، وردهم لما جاء به الكتاب ، والسنة . والآخرون لما شاركوهم فى بعض ذلك لحقهم من الذم ، والعيب ، بقدر ما وافقوهم فيه؛ وهو موافقتهم فى كثير من دلائلهم ؛ التى يزعمون أنهم يقررون بها أصول الدين، والإيمان، وفى طائفة من مسائلهم التى يخالفون بها السنن والآثار، وما عليه أهل العقل والدين. وليس الغرض هنا تفصيل أحوالهم، فإنا قد كتبنا فيه أشياء فى غير هذا الموضع. وإنما الغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت فى أصول الدين ، وفروعه - فى الدلائل والمسائل - بأكمل المناهج. والمتكلم يظن أنه بطريقته - التى انفرد بها - قد وافق طريقة القرآن: تارة فى إثبات الربوبية، وتارة فى إِثبات الوحدانية، وتارة فى إثبات النبوة ، وتارة فى إثبات المعاد ، وهو مخطىء فى كثير من ذلك ، أو أكثره مثل هذا الموضع. فإنه قد أخطأ المتكلم فى ظنه أن طريقة القرآن توافق طريقته من وجوه . ٨ منها: أن إثبات الصانع فى القرآن بنفس آياته ، التى يستلزم العلم بها العلم به . كاستلزام العلم بالشعاع العلم بالشمس ، من غير احتياج إلى قياس كلى يقال فيه : وكل محدث فلا بد له من محدِث ؛ أو كل يمكن فلابد له من مرجح ؛ أو كل حركة فلابد لها من علة غائية ، أو فاعلية ؛ ومن غير احتياج إلى أن يقال: سبب الافتقار إلى الصانع هل هو الحدوث فقط - كما تقوله المعتزلة؟ أو الإمكان - كما يقوله الجمهور؟ حتى يرتبون عليه أن الثانى حال باقية مفتقرة إلى الصانع، على القول الثانى الصحيح دون الأول ، فإنى قد بسطت هذا الموضع فى غير هذا المكان . وبينت ما هو الحق ؛ من أن نفس الذوات المخلوقة مفتقرة إلى الصانع ، وأن فقرها وحاجتها إليه وصف ذاتى لهذه الموجودات المخلوقة ، كما أن الغنى وصف ذاتى للرب الخالق، وأنه لا علة لهذا الافتقار غير نفس الماهية . وعين الإِنّةِ . كما أنه لا علة لغناه غير نفس ذاته . فلك أن تقول: لا علة لفقرها ، وغناه ؛ إذ ليس لكل أمر علة؛ فكما لا علة لوجوده ، وغناه: لا علة لعدمها إذا لم يشأكونها ، ولا لفقرها إليه إذا شاء كونها، وإن شئت أن تقول : علة هذا الفقر ، وهذا الغنى: نفس الذات، وعين الحقيقة . ويدل على ذلك أن الإنسان یعلم فقر نفسه ، وحاجتها إلى خالقه، من غیر أن يخطر بباله أنها ممكنة ، والممكن الذى يقبل الوجود ، والعدم، أو أنها محدثة والمحدث المسبوق بالعدم ؛ بل قد يشك فى قدمها ، أو يعتقده . وهو يعلم فقرها ، وحاجتها إلى بارئها ، فلو لم يكن للفقر إلى الصانع علة إلا الإمكان أو ٩ الحدوث ، لما جاز العلم بالفقر إليه ؛ حتى تعلم هذه العلة ؛ إذ لا دليل عندهم على الحاجة إلى المؤثر إلا هذا . وحينئذ : فالعلم بنفس الذوات المفتقرة ، والإنيات المضطرة توجب العلم بحاجتها إلى بارئها، وفقرها إليه؛ ولهذا سماها اللّه آيات. فهذان مقامان: أحدهما : أنها مفتقرة إلى المؤثر الموجب أو المحدث : لهاتين العلتين . الثانى: أن كل مفتقر إلى المؤثر: الموجب، أو المحدِث؛ فلا بد له منه . وهو كلام صحيح فى نفسه ؛ لكن ليس الطريق مفتقرا إليه ، وفيه طول وعقبات ، تبعد المقصود . أما المقام الأول : فالعلم بفقرها غير مفتقر إلى دليل على ذلك من إمكان أو حدوث. وأما الثانى: فإن كونها مفتقرة إليه غير مفتقر إلى أن يستدل عليه بقياس کلی : من أن کل مکن فلا بد له من موجب ، وکل محدث فلابد له من محدث لأنها آية له يمتنع أن تكون دونه أو أن تكون غير آية له. والقلب بفطرته يعلم ذلك ؛ وإن لم يخطر بقلبه وصف الإمكان والحدوث. والنكتة: أن وصف الإمكان ، والحدوث ، لا يجب أن يعتبره القلب لا فى فقر ذواتها ، ولا فى أنها آية لباريها ؛ وإن كانا وصفين ثابتين . وهما أيضا دليل صحيح ؛ لكن أعيان الممكنات آية لعين خالقها الذى ليس كمثله شىء ؛ بحيث لا يمكن أن يقع شركة فيه . ١٠ وأما قولنا كل ممكن فله مرجح ، وكل محدَث فله محدث: فإنما يدل على محدث ، ومرجح، وهو وصف كلى يقبل الشركة؛ ولهذا القياس العقلى لا يدل على تعيين وإنما يدل على الكلى المطلق فلابد إذا من التعيين . فالقياس دليل على وصفية مطلقة كلية . وأيضا فإذا استدل على الصانع بوصف إمكانها، أو حدوثها، أوهما جميعالم يفتقر ذلك إلی قیاس کلی؛ بأن يقال : وكل محدث فلا بد له من محدث، أو كل يمكن فلا بد له من مرجح، فضلاعن تقرير هاتين المقدمتين ، بل علم القلب بافتقار هذا الممكن ، وهذا المحدَث كعلمه بافتقار هذا الممكن، وهذا المحدث. فليس العلم يحكم المعينات مستفادا من العلم الكلى الشامل لها ؛ بل قد يكون العلم بحكم المعين فى العقل قبل العلم بالحكم الكلى العام . كما أن العلم بأن العشرة ضعف الخمسة : ليس موقوفا على العلم بأن كل عدد له نصفية ، فهو ضعف نصفيه . وعلى هذا جاء قوله: ( أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِشَىْءٍ أَمَّهُمُ الْخَلِقُونَ )؟ قال جبير ابن مطعم: لما سمعتها أحسست بفؤادى قد تصدع. وهو استفهام إنكار ، يقول أ ◌ُجدوا من غير مبدع؟ فهم يعلمون أنهم لم يكونوا من غير مكوّن، ويعلمون أنهم لم يكونوا نفوسهم، وعلهم بحكم أنفسهم معلوم بالفطرة بنفسه ، لا يحتاج أن يستدل عليه : بأن كل كائن محدث ، أو كل ممكن لا يوجد بنفسه ، ولا يوجد من غير موجد ، وإن كانت هذه القضية العامة ، النوعية ، صادقة ؛ لكن العلم بتلك المعينة الخاصة ؛ إن لم يكن سابقا لها فليس متأخرا عنها ؛ ولا دونها فى الجلاء . ١١ وقد بسطت هذا المعنى فى غير هذا الموضع ؛ وذكرت دعوة الأنبياء ؛ عليهم السلام؛ أنه جاء بالطريق الفطرية كقولهم: ( أَفِ اَللَّهِ شَكٌّ فَاطِ السَّمَوَتِ وَلْأَرْضِ )؟ وقول موسى: (رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) وقوله فى القرآن: (أَعْبُدُ وارَبَّكُمُالَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَثَّقُونَ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا ) بين أن نفس هذه الذوات آية لله ؛ كما أشرنا إليه أولا من غير حاجة إلى ذينك المقامين ؛ ولما وبخهم بين حاجتهم إلى الخالق بنفوسهم ؛ من غير أن تحتاج إلى مقدمة كلية: هم فيها وسائر أفرادها سواء ؛ بل هم أوضح. وهذا المعنى قررته مبسوطا فى غير هذا . الوجه الثانى: فى مفارقة الطريقة القرآنية الكلامية ، ان الله أمر بعبادته التى هى كمال النفوس ، وصلاحها ، وغايتها ، ونهايتها ، لم يقتصر على مجرد الإقرار به ، كما هو غاية الطريقة الكلامية ، فلا وافقوا لا فى الوسائل ، ولا فى المقاصد ، فإن الوسيلة القرآنية قد أشرنا إلى أنها فطرية قريبة ، موصلة إلى عين المقصود ، وتلك قياسية بعيدة ؛ ولا توصل إلا إلى نوع المقصود ، لا إلى عينه . وأما المقاصد ، فالقرآن أخبر بالعلم به والعمل له ، تجمع بين قوتى الإنسان العلمية، والعملية: الحسية، والحركية، الإرادية الإدراكية، والاعتمادية: القولية، والعملية ، حيث قال: ( اعْبُدُ وارَبَّكُمُ) فالعبادة لا بد فيها من معرفته ، والإنابة إليه ، والتذلل له، والافتقار إليه ؛ وهذا هو المقصود ؛ والطريقة الكلامية ؛ إنما تفيد مجرد الإقرار؛ والاعتراف بوجوده. ١٢ وهذا إذا حصل من غير عبادة وإنابة : كان وبالا على صاحبه؛ وشقاء له ، كما جاء فى الحديث: ((أشد الناس عذابا يوم القيامة: عالم لم ينفعه اللّه بعلمه)» كإبليس اللعين ؛ فإنه معترف بربه ، مقر بوجوده ؛ لكن لما لم يعبده كان رأس الأشقياء، وكل من شقى فباتباعه له. كما قال: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَّبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) . فلا بد أن يملأ جهنم منه ومنن أتباعه، مع أنه معترف بالرب ؛ مقر بوجوده وإنما أبى واستكبر عن الطاعة ؛ والعبادة ؛ والقوة العلمية مع العملية بمنزلة الفاعل ، والغاية؛ ولهذا قيل العلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر ، والمراد بالعمل هنا عمل القلب الذى هو إنابته إلى الله، وخشيته له ، حتى يكون عابدا له . فالرسل والكتب المنزلة : أمرت بهذا وأوجبته ، بل هو رأس الدعوة . ومقصودها ، وأصلها ، والطريقة السماعية ، العملية الصوتية المنحرفة ؛ توافق على المقصود العملى ؛ لكن لا بعلم ؛ بل بصوت مجرد أو بشعر مهيج؛ أو بوصف حب مجمل . فكما أن الطريقة الكلامية فيها على ناقص بلا عمل . فهذه الطريقة فيها عمل ناقص بلا علم . والطريقة النبوية ، القرآنية السنية الجماعية فيها العلم ، والعمل كاملين . ففاتحة دعوة الرسل : الأمر بالعبادة. قال تعالى: ( يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ) وقال صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن ١٣ أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله)) وذلك يتضمن الإقرار به، وعبادته وحده ، فإن الإله هو المعبود، ولم يقل حتى يشهدوا أن لا رب إلا الله؛ فإن اسم اللّه أدل على مقصود العبادة له، التى لها خلق الخلق ، وبها أمروا . وكذلك قوله لمعاذ: ((إنك تأتى قوما من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول اللّه)) وقال نوح عليه السلام: ( أَنِ اعْبُدُواْاللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) وكذلك الرسل فى سورة الأعراف وغيرها . وقال: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ) وقال للرسل جميعاً: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوْمِنَ الطَِّنَتِ وَأَعْمَلُوا صَلِحًا إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ وقال تعالى : عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَارَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ ) (لإِيلَفِ قُرَيْشِ * إَِفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُ وارَبَّ هَذَا الْبَيْتِ اٌلَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ) وقال: ( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ * هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ) وقال: (قُلْ يَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ * لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ) وقال فى الفاتحة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وقال: (فَأُعْبُدْهُ وَتَوَ كَّلْ عَلَيْهِ) وقال: (فَاعْبُدُهُ وَأَصْطَيِرْ لِعِبَدَتٍِّ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) وقال: (وَمَآ أُمِرُ وَاْإِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ). ١٤ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه فصل (١) في تمهير الأوائل، وتقدير الدلائل وذلك بيان، وتحرير أصل العلم والإيمان - كما قد كتبته أولا فى بيان أصل العلم الإلهى ، والذى أكتبه هنا : - بيان الفرق بين المنهاج النبوى، الإيمانى ، العلمى، الصلاحى، والمنهاج الصائ الفلسفى ، وما تشعب عنه من المنهاج الكلامى والعبادى ، المخالف لسبيل الأنبياء وستتهم . وذلك أن الأنبياء عليهم السلام : دعوا الناس إلى عبادة الله أولا بالقلب واللسان ، وعبادته متضمنة لمعرفته ، وذكره. فأصل علهم وعملهم : هو العلم بالله، والعمل لله ؛ وذلك فطرى كما قد قررته فى غير هذا الموضع ، فى موضعين أو ثلاثة ، وبينت أن أصل العلم الإلهى فطرى ضرورى ، وأنه أشد رسوخاً فى النفوس من مبدأ العلم الرياضى كقولنا : إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعى. كقولنا : إن الجسم (١) كتب المؤلف رحمه الله قبل كلمة ((فصل)) ما يأتي: (هذا عظيم القدر جداً)). ١٥ لا يكون فى مكانين ، لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهى : فما يتصور أن تعرض عنه فطرة وبسط هذا له موضع غير هذا. وإنما الغرض هنا: أن الله - سبحانه - لما كان هو الأول الذى خلق الكائنات والآخر الذى إليه تصير الحادثات ؛ فهو الأصل الجامع؛ فالعلم به أصل کل علم وجامعه، وذ کره أصل كل كلام وجامعه، والعمل له أصل كل عمل وجامعه . وليس للخلق صلاح إلا فى معرفة ربهم وعبادته . وإذا حصل لهم ذلك : فما سواه إما فضل نافع وإما فضول غير نافعة ؛ وإما أمر مضر. ثم من العلم به : تتشعب أنواع العلوم ، ومن عبادته وقصده : تتشعب وجوه المقاصد الصالحة، والقلب بعبادته والاستعانة به : معتصم مستمسك، قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادى ، والبرهان الوثيق ؛ فلا يزال إما فى زيادة العلم والإيمان، وإما فى السلامة عن الجهل والكفر. وبهذا جاءت النصوص الإلهية ، فى أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات إلى النور ؛ وضرب مثل المؤمن - وهو المقر بربه علماً، وعملا - بالحى، والبصير، والسميع، والنور ، والظل . وضرب مثل الكافر بالميت ، والأعمى، والأصم ، والظلمة، والحرور . وقالوا فى الوسواس الخناس: هو الذى إذا ذكر الله خنس، وإذا غفل عن ذكر الله وسوس. ١٦ فتبين بذلك: أن ذكر الله أصل لدفع الوسواس الذى هو مبدأ كل كفر وجهل، وفسق وظلم. وقال اللّه تعالى: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) وقال: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَرُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَكَّلُونَ ) وقال: (وَمَنْ يَعْنَصِمْ بِاللَّهِ فَقَّدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمٍ ) ونحو ذلك من النصوص. وفى الدعاء الذى عليه الامام أحمد لبعض أصحابه : يادليل الحيارى ! دلنى على طريق الصادقين واجعلنى من عبادك الصالحين. ولهذا: كان عامة أهل السنة من أصحابنا وغیرهم على أن الله یسمی دليلا ، ومنع ابن عقيل، وكثير من أصحاب الأشعرى أن يسمى دليلا ؛ لاعتقادهم أن الدليل هو مايستدل به ، وأن الله هو الدال ، وهذا الذى قالوه بحسب ماغلب فى عرف استعمالهم من الفرق بين الدال ، والدليل . وجوابه من وجهين : - أحدهما : أن الدليل معدول عن الدال ، وهو ما يؤكد فيه صفة الدلالة ، فكل دلیل دال ، وليس كل دال دليلا، وليس هو من أسماء الآلات التى يفعل بها، فإن فعيل ليس من أبنية الآلات كمفعل ، ومفعال . وإنما سمى ما يستدل به من الأقوال والأفعال والأجسام أدلة : باعتبار أنها تدل من يستدل بها ، كما يخبر عنها بأنها تهدى ، وترشد، وتعرف، وتعلم، وتقول، وتجيب ، وتحكم، و تفتی ، وتقص ، وتشهد، وإن لم يكن لها فى ذلك قصد وإرادة، ولا حس وإدراك كما هو مشهور فى الكلام العربى وغيره . فما ذكروه من الفرق والتخصيص : لا أصل له فى كلام العرب . ١٧ الثانى: أنه لو كان الدليل من أسماء الآلات التى يفعل بها، فقد قال الله تعالى فيما روى عنه نبيه فى عبده المحبوب: «فى يسمع وبى يبصر، وبى يعقل، وبى ينطق، وبى يبطش، وبى يسعى)) والمسلم يقول: استعنت بالله واعتصمت به . وإذا كان ماسوى الله من الموجودات: الأعيان، والصفات ، يستدل بها، سواء كانت حية أو لم تكن ؛ بل ويستدل بالمعدوم ؛ فلأن يستدل بالحى القيوم أولى وأحرى، على أن الذى فى الدعاء المأثور: «يادليل الحيارى دلنى على طريق الصادقين ، واجعلنى من عبادك الصالحين)) : يقتضى أن تسميته دليلا باعتبار أنه دال لعباده، لا بمجرد أنه يستدل به ، كما قد يستدل بما لا يقصد الدلالة والهداية، من الأعيان، والأقوال، والأفعال. ومن أسمائه الهادى ، وقد جاء أيضاً البرهان ؛ ولهذا يذكر عن بعضهم أنه قال: عرفت الأشياء بربى، ولم أعرف ربى بالأشياء. وقال بعضهم هو الدليل لى على كل شىء؛ وإن كان كل شىء - لئلا يعذبنى - عليه دليلا . وقيل لابن عباس: بماذا عرفت ربك؟ فقال : من طلب دينه بالقياس: لم يزل دهره فى التباس ، خارجاً عن المنهاج، ظاعنا فى الاعوجاج: عرفته بما عرف به نفسه ، ووصفته بما وصف به نفسه ؛ فأخبر أن معرفة القلب حصلت بتعريف اللّه ، وهو نور الإيمان، وأن وصف اللسان حصل بكلام الله ، وهو نور القرآن . ١٨ وقال آخر للشيخ : قالوا ائتنا ببراهين فقلت لهم أنى يقوم على البرهان برهان؟ وقال الشيخ العارف للمتكلم : اليقين عندنا واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها، فأجابه : بأنه ضرورى. وقال الشيخ إسماعيل الكورانى للشيخ المتكلم: أنتم تقولون: إن الله يعرف بالدليل. ونحن نقول: إنه تعرف إلينا فعرفناه: يعنى أنه تعرف بنفسه، وبفضله. مع أن كلام هذين الشيخين فيه إشارة إلى الطريقة العبادية ، وقد تكلمت عليها فى غير هذا الموضع . فإذا كان الحق . الحی. القیوم، الذى هو ربكل شىء، ومليكه ومؤصل كل أصل ، ومسبب كل سبب وعلة: هو الدليل والبرهان والأول والأصل ، الذى يستدل به العبد، ويفزع إليه ، ويرد جميع الأواخر إليه فى العلم : كان ذلك سبيل الهدى وطريقه ، كما أن الأعمال والحركات لما كان الله مصدرها، وإليه مرجعها : كان المتوكل عليه فى عمله ، القائل أنه لا حول ولا قوة إلا بالله مؤيدا منصورا . جماع الأمر: أن الله هو الهادى وهو النصير، (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ). وكل علم فلا بد له من هداية، وكل عمل فلا بد له من قوة . فالواجب ١٩ أن يكون هو أصل كل هداية وعلم، وأصل كل نصرة وقوة ، ولا يستهدى العبد إلا إياه، ولا يستنصر إلا إياه. والعبد لما كان مخلوقا مربوبا ، مفطوراً، مصنوعا : عاد فى علمه وعمله إلى خالقه، وفاطره، وربه ، وصافعه ، فصار ذلك ترتيباً مطابقاً للحق، وتأليفاً موافقاً للحقيقة ؛ إذ بناء الفرع على الأصل ، وتقديم الأصل على الفرع : هو الحق ، فهذه الطريقة الصحيحة ، الموافقة لفطرة الله وخلقته ولكتابه وسنته . وقد ثبت فى صحيح مسلم عن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا قام إلى صلاة الليل يقول: ((اللهم رب جبرائيل، وميكائيل ، وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة ؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون: اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)). وأما الطريقة الفلسفية الكلامية : فإنهم ابتدءوا بنفوسهم، جعلوها هى الأصل الذى يفرعون عليه ، والأساس الذى يبنون عليه ، فتكلموا فى إدراكهم للعلم : أنه تارة يكون بالحس ، وتارة بالعقل ، وتارة بهما . وجعلوا العلوم الحسية، والبديهية ونحوها: هى الأصل الذى لا يحصل علم إلا بها. ثم زعموا أنهم إنما يدركون بذلك الأمور القريبة منهم ، من الأمور الطبيعية ، والحسابية ، والأخلاق، جعلوا هذه الثلاثة هى الأصول ٢٠