النص المفهرس
صفحات 1-20
جَهُوَ فَتَاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة ((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ)) جَمْعْ وَتَرَتِبُ عَبَدِ الرَّحمن بنْمُحَمَّد بْقَاسْم «رَحَمَهُ لّه) وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللّه)» المجلّد الأوّل طُبعَ بِأمْر خَادِمْ الَّهَيْ الشِِّفَيْ المَلِك ◌َهَ دِرْ عَبْدِ الْعَز ◌َلُودُ أَجْزَل اللَّه مَتُوبِتَه طبعَت هذه الفتَاوى في مُجَعُ المَلِ فَهَدِ لُطبَاعَةِ المُصَحِفِ الشَّرِيف في المدينة المنورة تحت إشراف وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإسْلامِيَّةِ وَالْأَوْقَافِةِ وَاللَّحْوَةَ وَالْإِنْشَارِ بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م ٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٥ هـ. فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ابن تيمية ، أحمد بن عبد الحليم فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية . ٤٦٤ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم ردمك ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( مجموعة) ٤-٢١ -٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ١) أ - العنوان ١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي ١٥/٢٠٠٩ دیوي ٢٥٨,٤ رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩ ردمك : ٦-٢٠ - ٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة) ٤-٢١ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (ج ١) جُعِ فَتَّاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة ((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ)) ابدالرحمن الرحيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمِ مقدمة بقلم معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد المشرف العام على مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الحمد لله الذي جعل في كل زمانٍ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم، يَدْعون مَنْ ضَلُّ إِلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى. يُحْيُون بكتاب الله الموتى، ويُبَصِّرون بكتاب الله أهل العمى. فكم منْ قتيل لإِبليسَ قد أَحْيَوْه، وكم من تائه ضال قد هَدَوه. ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. فما أحسن أثرهم في الناس، وما أقبح أثر الناس فيهم !!. والصلاة والسلام على رسول الله إِمام العلماء وسيد الحنفاء، وعلى آله وصحبه ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد : فهذا مجموعٌ فيه فتاوى ورسائلُ الإِمام العلاَّمة شيخ الإِسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي رحمه الله. -أ- جمعها الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم بتوجيه من مفتي المملكة العربية السعودية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمهما الله- فبذل فيها جهداً ووقتاً، واقتضى الأمر سفراً إلى جهات كثيرة، جمع فيها مخطوطات كتب ورسائل وفتاوى لم تكن منشورةقبل ذلك، فرتَّبها وألْف بينها، وأحسن نَظْمها، وجعل لها فهارس دقيقةً. وقد ساعده ابنه الشيخ محمد، فخرج هذا المجموع شاملاً نافعاً قيماً مفيداً. وهذا المجموع قد حوى أنواع العلوم الشرعية على مختلف فنونها في الأصول والفروع والتفسير والحديث واللغة والتاريخ وغيرها. ومع هذا فإن الناظر يجد فيه من الإيضاح والبسط وعزو الأقوال وذكْرِ الخلاف، مع التحقيق والتحرير وقوة الترجيح، ما لا يكاد يجده في الكتب المصنفة في هذه الفنون. ولا غرو فقد ذُكر عن شيخ الإِسلام أنه ما تكلم في فن إِلا فاق أهل زمانه فيه. قال الحافظ أبو الفتح بن سيد الناس عن ابن تيمية: (( ... فألفيتُه ممن أدرك من العلوم حظاً، وكاد أن يستوعب السنن والآثار حفظاً، إِن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكَرَ في الحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضَرَ بالملل والنحل لم يُرَ أوسعَ مِنْ نِحْلته في ذلك ولا أرفعَ من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عينُ مَنْ رَآه مثلَه، - ب - ولا رأت عينُه مثلَ نفسه. كان يتكلم في التفسير فيحضر مجلسه الجَمُّ الغفير، ويَردون من بحره العذب النمير ... )) إِلخ. فالناظر في هذا المجموع يقف على علوم عليّة وتحقيقات كثيرة وسماتٍ قد لا يجدها عند غيره. ومن أبرز سمات هذا الإِمام تعظيمه للكتاب والسنة فلا يُقَدِّم على قول الله ولا قول رسوله ◌َظُلّهِ قولَ أحد كائناً من كان؛ ولذا لما سُئل أن يشرح العقيدة الأصفهانية أجاب إِلى ذلك، واعتذر بأنه لابُدَّ عند شرح ذلك الكلام منْ مخالفة بعض مقاصد المصنف؛ لما توجبه قواعد الإِسلام فإِن الحق أحق أن يتبع ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ وَ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿وَمَآ ءَاتَئِكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ ﴾ [الحشر: ٧]، ﴿فَإِن تَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنٌ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، فالحق غايته الأولى ومطلوبه الأعظم، لا يتركه لقول إمام، ولا يرجع لإِنكار أهل الزمان؛ ولأجل ذلك جاهد ونافح لإظهار الحق وإِعلاء السنة والذب عنها، فكتب في ذلك الكتب الطوال نصرةً للسنة، وإِيضاحاً للحق، ورداً للشبه والأهواء. يبسط الأدلة، ويؤصل للمذهب الحق، وينقض أصول المخالفين، فردَّ على الملاحدة والمناطقة والفلاسفة والمتكلمين ونقض أصول الرافضة وأهل التصوف، وجرى على هذا المنهج في تقرير مسائل الفروع وإِن خالف مشهور المذهب أو نص - ج - الإِمام، فرفع راية الإِنصاف ودفع التعصب، فلم يتعصب لقول ولا مذهب ولا إِمام، فضعُّف الأقوال الضعيفة، وبيِّن الراجح بالدليل والبرهان. وهو مع هذا مُعَظِّمٌ لأهل العلم من السلف والخلف، عارفٌ بقدرهم وفضلهم؛ ولذا قرر في مواضع كثيرة وجوب محبتهم وموالاتهم ومعرفة حقهم وفضلهم، ونهى عن الوقيعة في أعراضهم، أو انتقاص أحد منهم، أو عدم المعرفة بمقاديرهم وفضلهم أو محادَّتهم وعداوتهم؛ ولذا تجد أنه يذبَّ عنهم ما وجد لذلك سبيلاً، بل قرر أن دين الإِسلام إنما يتمَّ بمعرفة فضل الأئمة وحقوقهم ومقاديرهم وترك كل ما يجر إِلى ثلمهم، وله رسالة عظيمة في ذلك اسمها ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)). وإِن مما يجعل لهذا المجموع رفعة وتقدمة عنايةً شيخ الإِسلام الفائقة بالمذاهب وأقوالها، فتراه يحيط بالروايات في مذهب أحمد وأقوال أصحابه متقدمهم ومتأخرهم، مع تحرير الأقوال بقيودها واستثناءاتها. وتراه يحفظ أقوال أبي حنيفة وصاحبيه وقول زفر ومَنْ جاء بعدهم من أهل مذهبهم، ويعلم أقوال مالك وما نقله ابن القاسم وسحنون، وما قرره ابن الماجشون والقاضي عبدالوهاب، ويقرر قول الشافعي الجديد والقديم وقول المزني وابن سريج، وأقوال الظاهرية وغيرهم، مع المعرفة التامة بأدلتهم وأقيستهم وجريانها على قواعد مذاهبهم وأصول إِمامهم. ولم يكتف بذلك حتى جمع - د . أقوال الصحابة والتابعين والسلف والمخالفين، فجمع بين سعة الاطلاع ووفرة المعلومات والتحقيق والتدقيق. فهو بحر لا ساحل له؛ ولذا اشتهر عنه أنه إذا تكلم مع صاحب فن من الفنون أفاده بأشياء لم تكن عنده. فإِذا تكلم مع الفقهاء أفادهم بأشياء، وإِذا ناقش المتكلمين أو المتصوفة أفادهم بأشياء لم تكن عندهم من العلوم، حتى إنه حقق في مسائل نحوية كان قوله فيها هو الصواب. وجمع شيخ الإِسلام مع ذلك العلم بنشأة هذه العلوم وتطورها وتتابع أزمانها ومؤلفاتها حتى في غير العلوم الشرعية كعلم الفلسفة وعلم الفلك وبعض العلوم الأخرى؛ مما جعل له نظراً أكثر دقة وأبلغ تصوراً ونقداً لمقارنته بين أقوال متأخريهم مع متقدميهم وإِبراز فروقها. ويبرز هذا في مناقشة المناطقة، وهو أكثر في أقوال الفقهاء، فكثيراً ما يَرُدُّهم إِلى قول إِمامهم ومتقدمي أصحابهم، أو يعترض عليهم بقواعدهم. وهذه درجة في العلم رفيعة ومنزلة في الفقه عالية. وإِن مما تميز به تأليف شيخ الإِسلام في كتبه وفتاواه كثرةَ الاستدلال، ووفرة اعتماده على أدلة القرآن باستدلالات مستفيضة. وربما أسندها بذِكْرِ بعض القراءات التي تزيد الاستدلال وضوحاً، كما يستدل بالسنن، فيورد ما في الصحاح والسنن والمسانيد باستدلالات ظاهرة وخفية يبين عنها ويجليها، وربما لم يسبقه - هــ - أحد إِلى هذا الاستدلال بهذه الأدلة على المسألة. وهو مع ذلك إِذا عرض للأدلة من السنة يُعقبها بالكلام على صحة الأحاديث ونقد أسانيدها، والكلام على رجالها وبيان العلل في متونها بنظر مجتهد متمكن. ويزيد شيخ الإِسلام استدلالاته بنظره في مقاصد الشريعة واستدلاله بها في تقرير المسائل وإظهار محاسنها، وجَعْلها محوراً للترجيح، وهو في ذلك على أصول السلف. وهذا مرتقى صعب لا و يُستطاع إِلا بجَمْعٍ وتمحيص وبحث دقيق في أدلة الشريعة وفروع المسائل، تتجلى معه المقاصد، وينتفي التضادُّ والتناقض. وهذه سمةٌ بارزة وعلامةٌ ظاهرة في مؤلفات هذا الإِمام. كما اعتنى شيخ الإِسلام بأصول الفقه وبناء المسائل التي يقررها على تلك القواعد، فيعرض للمحكم والمتشابه والمطلق والمقيد والعام والخاص وغير ذلك. وله في هذا الفن اجتهادات وتقريرات جياد. أمَّا القواعد الفقهية سواء القواعد العامة بين المذاهب أو القواعد الخاصة بالمذهب، فتلك سمة في فتاويه وتقريراته؛ مما يجعل ترجيحاته منسجمة منضبطة، ليس بينها اختلاف أو تضادًّ؛ ولذا يذيل المسألة التي يقررها بالمسائل التي تماثلها المندرجة معها تحت تلك القواعد مما يستدعي استطرادا في بعض المسائل. - و - وإِن من السمات التي تبرز في مؤلفات شيخ الإِسلام إِتقانه لعلوم الآلة والإفادة منها في توضيح استدلال أو رد أو تأييد كاستعماله لعلم النحو وأوجه الإِعراب ومقدمات المناطقة أو علوم البلاغة وغيرها، كما استعمل مصطلحات أهل الفنون إِذا بحث فيها، وهي التي يسميها العلماء اللغة العرفية. فإِذا تكلم في مسألة فقهية استعمل لغة الفقهاء، وإذا تكلم في مسألة عقدية استخدم لغة أهل ذلك العلم، وإِذا ناقش أهل السلوك والتصوف استخدم لغتهم. وهذا يحفظ العالم من الخلط؛ لأن كل أهل فن لهم اصطلاحات. ولذا فإن شيخ الإِسلام إِذا ورد عليه كلام مجمل أو لفظ مشترك أو كلمة محتملة تراه يفصل المراد بها ولا يجملها كما أجملها غيره فيقول: ((هذه الكلمة تحتمل كذا وكذا فإن أريد كذا فهو صحيح ... )). ومما تميز به أيضاً أنه يكثر النقول، ويسهب في النقل عن أهل العلم. وهذا الإِسهاب في النقل للتدليل على أنَّ ما ذهب إِليه ليس متفرِّداً به، أو ليس غريباً، كما أكثر من النقول في الحموية، وكما أكثر من النقول في مواضع في درء التعارض وفي رده على الرازي، إلى آخر كتبه رحمه الله. إِن ما ظهر في تأليفات هذا الإِمام في التيسير والتسهيل المنضبط المعتمد على الأدلة الشرعية لواضحٌ لمن طالع كتبه، فلا تجده يضيق مسألة جاء الشرع بالتوسيع فيها، كما أنه لا يقتحم - ز - حداً جاء الشرع بتحريمه والتحذير منه؛ ولذا تجد باب التيسير في اختيارات هذا الإِمام وتقريراته أمراً جاوز به بعض متعصبة المذاهب والمقلدة في المسائل. وهذا واضح جليّ في المعاملات والربا وضابط الغرر والمقامرات وغيرها وفي كثير من القيود والضوابط التي يذكرها بعضهم بدون زمام ولا خطام، ويحصل به من الحرج شيء كثير. إِن هذا المجموع القيم لحقيق بالعناية وجدير بالطباعة والنشر. وإِن تجسيد هذا الاهتمام من هذه الدولة المباركة جارٍ على سياستها في تعظيم العلم وتقدير أهله وبث العلم ونشره. ولأهمية هذا المجموع كانت المبادرة الملكية عام ١٣٨٠ هـ بطباعة هذا المجموع طبعته الأولى على نفقة الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود. ولم يزل قادة هذه البلاد على الاهتمام بهذا المجموع وطباعته كلما احتيج إلى ذلك، حتى جاءت هذه الطبعة بتوصية من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود أجزل الله له المثوبة وجعله رفعة له في الدرجة. نفع الله بهذا المجموع وجزى الله ولاة أمر هذه البلاد خير الجزاء على نصرتهم لعقيدة السلف وحمايتهم لها، ونشرهم لعلوم أئمة الفقه والدين. والله الموفق وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. -ح - بِسْمِالهِلَالرَّحْيَةِ * تصدير من نعم الله على عباده أن جعل العلماء ورثة الأنبياء يعلمون الناس الخير وينيرون لهم طريق الحق وسبل الرشاد يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر يبينون لهم الحلال من الحرام والحق من الباطل والسنة من البدعة . وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨) رحمه الله ورفع درجاته في عليين أحد هؤلاء العلماء الذين نفوا عن كتاب اللّه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. لقد بارك الله في أوقاته ونفع بعلومه في حياته وبعد مماته فترك من بعده آثارا عظيمة وعلوما جمة استفاد منها من بعده وتلقاها الناس بالقبول وصارت منهلا عذبا ومعينا صافيا ومرجعا معتمدا للعلماء والباحثين أثنى عليه العلماء وذكروا عن قوة حفظه وذكائه شيئا عجبا لا يتسع المقام لبسطه ولكن نذكر إشارات خفيفة ونكتا لطيفة مما نقل لنا عنه تلامذته : وأنه كان يمر بالكتاب مطالعة مرة فينتقش في ذهنه وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه . قال عنه الحافظ أبو حفص البزار في كتابه (الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية) إنه لما أخذ وسجن في مصر وحيل بينه وبين كتبه صنف عدة كتب صغارا وكبارا وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم وذكر أسماء الكتب التي ذلك فيها وفي أي موضع هو منها كل ذلك بديهة من حفظه لأنه لم يكن عنده تصدير الطبعة الأولى ( ١) حينئذ كتاب يطالعه وقد نقيت كتبه ومحصت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغير ومن جملتها كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول . اهـ. وذكر عنه أنه كتب العقيدة الحموية في جلسة واحدة . وقال عنه الذهبي : قرأ القرآن والفقه وناظر واستدل وهو دون البلوغ وبرع في العلم والتفسير وأفتَى ودرس وهو دون العشرين وصنف التصانيف وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه. وتصانيفه نحو أربعة آلاف كراسة أو أكثر. قال الشوكاني : وقد وقع له مع أهل عصره قلاقل وزلازل وامتحن مرة بعد أخرى وحبس حبسا بعد حبس إلى أن قال : وهذه قاعدة مطردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة فإنه لابد أن يستنكره المقصرون ويقع له معهم محنة ثم يكون أمره الأعلى وقوله الأولى ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين ويكون لعلمه حظْ لا يكون لغيره وهكذا حال هذا الإمام فإنه بعد موته عرف الناس مقداره واتفقت الألسن بالثناء عليه إلا من لا يعتد به وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته . اهـ. وكان رحمه اللّه زاهداً في الدنيا مقبلا على الآخرة . يقول عنه تلميذه البزار : لم يسمع أنه رغب في زوجة حسناء ولا سرية حوراء ولا دار قوراء ولا جوار ولا بساتين ولا عقار ولا شدّ على دينار ولا درهم ولا رغب في دواب ولا نعم ولا ثياب فاخرة ولا حشم ولا زاحم في طلب الرياسات ولا رئي ساعيا في تحصيل المباحات. وقال أيضاً ما رأيناه يذكر شيئا من ملاذ الدنيا ونعيمها ولا كان يخوض في شيء من حديثها ولا يسأل عن شيء من معيشتها بل جل همته وحديثه في طلب الآخرة وما يقرب إلى الله تعالى. ( ب) وقال عنه تلميذه ابن القيم : سمعت ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول في الحبس : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة . قال وقال لي مرة : ما يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنتي في قلبي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني. أنا حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة. وكان في حبسه يقول : لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة . أو قال : ما جزيتهم على ما تسببوا لي من الخير. وقال مرة : المحبوس من حبس قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه . ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال : ( فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍلَّهُبَبُّ بَاِنُ وفِهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ). وحرصه رحمه الله على نشر السنة وقمع البدعة ومجادلة أهل الباطل ودفع شبههم وبيان زيفها وتناقضها معلوم لدى الجميع . قال عنه الطوفي : سمعته يقول : من سألني مستفيدا حققت له ومن سألني متعنتا نقضته فلا يلبث أن ينقطع فأكفى مؤنته. والمطالع لمؤلفات شيخ الإسلام يجد أكثرها ردودا على أهل البدع والإلحاد كالدهرية والقدرية والجهمية والمعتزلة والقائلين بوحدة الوجود والفلاسفة وغيرهم من أهل الملل والنحل المختلفة . قال الحافظ أبو حفص عمر البزار : قد سألته عن سبب ذلك والتمست منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته ليكون عمدة في الإفتاء فقال لي ما معناه : الفروع أمرها قريب فإذا قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلدين جاز له ( جـ ) العمل بقوله مالم يتيقن خطأه وأما الأصول فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء كالمتفلسفة والباطنية والملاحدة والقائلين بوحدة الوجود والدهرية والقدرية والنصيرية والجهمية والحلولية والمعطلة والمجسمة والمشبهة والراوندية والكلابية والسلمية وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال وبان لي أن كثيرا منهم إنما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية الظاهرة على كل دين وأن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم ولهذا قَلَّ أن سمعت أو رأيت معرضا عن الكتاب والسنة مقبلا على مقولاتهم إلا وقد تزندق أو صار على غير يقين في دينه أو اعتقاده فلما رأيت الأمر على ذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم وزيف دلائلهم ذبا عن الملة الحنيفية والسنة الصحيحة الجلية ، ولا والله ما رأيت فيهم أحدا ممن صنف في هذا الشأن وادعى علو المقام إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام. وسبب ذلك إعراضه عن الحق الواضح المبين وعما جاءت به الرسل الكرام عن رب العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها بزعمهم حكميات وعقليات وإنما هي جهالات وضلالات . فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جل همي إلى الأصول وألزمني أن أوردت مقالاتهم وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة العقلية والنقلية . ا هـ . وسأله يهودي عن مسألة في القدر قد نظمها شعرا في ثمانية أبيات يقول فيها : تخير دُلُوهُ بأعظم حجة أيا علماء الدين ذِمِيُّ دِينِكم ولم يرضه مني فما وجه حيلتي إذا ما قضَى ربي بكفري بزعمكم ( د ) فلما وقف عليها الشيخ فكر لحظة يسيرة وأنشأ يكتب جوابها في مجلسه وتلامذته يظنون أنه يكتب نثرا فلما فرغ تأمله من حضر من أصحابه وإذا هو نظم في بحر أبيات السؤال وقافيتها إجابة تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتا بدأها بقوله : سؤالك ياهذا سؤال معاند يخاصم رب العرش باري البرية وقد أبرز فيها من العلوم ما لو شرح لجاء شرحه مجلدين كبيرين. ولذلك تجد هذه الفتاوى طافحة بالرد على أهل الحلول والاتحاد وبيان تناقضهم وقلة علومهم ونذكر طرفا مما نقل عن القوم ليعلم فساد مذهبهم وحرص الشيخ على رد دعاويهم وكشف شبههم وأن ضلالهم عظيم وإفكهم كبير ثمن ذلك (٣٤٢/٢) ما نقل عن ابن عربي أنه دخل على مريد له في الخلوة وقد جاءه الغائط فقال: ما أبصر غيره أبول عليه فقال له شيخه : فالذي يخرج من بطنك من أين هو؟ فقال فرجت عني. وذكر أنه مر التلمساني والشيرازي على كلب أجرب ميت فقال الشيرازي للتلمساني: هذا أيضا من ذاته فقال التلمساني: هل ثم شيء خارج عنها ؟. وذكر أيضا من أقوالهم (٣٦٥/٢) إن وجود الأصنام هووجود الله وإن عباد الأصنام ماعبدوا شيئا إلا الله. ويقولون: إن الحق يوصف بجميع ما يوصف به المخلوق من صفات النقص والذم . ويقولون: إن عُبَّاد العجل ما عبدوا إلا اللّه وإن فرعون كان صادقا في قوله أنا ربكم الأعلى . ويقول أعظم محققيهم: إن القرآن كله شرك لأنه فرق بين الرب والعبد وليس التوحيد إلا كلامنا . يقول الشيخ في هذه الفتاوى في معرض رده على هؤلاء وأمثالهم: إن رؤوسهم أئمة كفر يجب قتلهم ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة ( هـ ) فإنه من أعظم الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويبطنون أعظم الكفر. إلى أن قال: ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو ذب عنهم أو أثنَى عليهم أو عظم كتبهم أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم أو كره الكلام فيهم أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدري ما هو أو من قال : إنه صنف هذا الكتاب وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق . بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم ولم يعاون على القيام عليهم فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء وهم يسعون في الأرض فسادا ويصدون عن سبيل الله . فضررهم في الدين أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم ويترك دينهم كقطاع الطريق وكالتتار الذين يأخذون منهم الأموال ويبقون لهم دينهم ولا يستهين بهم من لم يعرفهم فضلالهم وإضلالهم أعظم من أن يوصف وهم أشبه الناس بالقرامطة الباطنية. ويقول في موضع آخر من فتاويه : ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا وهم عند كثير من الناس سادات الأنام ومشايخ الإسلام وأهل التوحيد والتحقيق وأفضل أهل الطريق حتَّى فضلوهم على الأنبياء والمرسلين وأكابر مشايخ الدين لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال - وإيضاح هذا الضلال. ولكن ليعلم أن الضلال لا حدّ له وأن العقول إذا فسدت لم يبق لضلالها حد معقول فسبحان من فرق بين نوع الإنسان فجعل منه من هو أفضل العالمين وجعل منه من هو شر من الشياطين فهذا هو الذي أوجب جهاد هؤلاء الذين يسقون الناس شراب الكفر والإلحاد في آنية أنبياء الله وأوليائه ويلبسون ثياب المجاهدين في سبيل الله وهم في الباطن من المحاربين الله ورسوله ويظهرون كلام الكفار والمنافقين في قوالب ألفاظ أولياء الله ( و )