النص المفهرس
صفحات 361-380
الذى يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام ، أو نفقة أو سلاح، أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه، وإنما ذلك كله من الشياطين . وهذا من أعظم الأسباب التى عبدت بها الأوثان. وقد قال الخليل عليه السلام: ( وَأَجْتُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَاُلْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ) كما قال نوح عليه السلام، ومعلوم أن الحجر لا يضل كثيراً من الناس إلا بسبب اقتضى ضلالهم ، ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السماوات والأرض ، بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب: منهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين . ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكوا كب والشمس والقمر. ومنهم من جعلها لأجل الجن. ومنهم من جعلها لاجل الملائكة. فالمعبود لهم فى قصدهم إنما هو الملائكة والأنبياء والصالحون أو الشمس ، أو القمر. وهم فى نفس الأمر يعبدون الشياطين فهى التى تقصد من الإنس أن يعبدوها وتظهر لهم ما يدعوهم إلى ذلك، كما قال تعالى: ( وَبَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعَاتُمَ يَقُولُ لِلْمَئِكَةِ أَهَُلَاء إِيَّاكُمُكَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْسُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّأَكْثُرُهُم بِهِم مُؤْمِنُونَ ) . وإذا كان العابد ممن لا يستحل عبادة الشياطين أوهموه أنه إنما يدعو ٣٦١ الأنبياء والصالحين والملائكة وغيرهم ممن يحسن العابد ظنه به، وأما إن كان ممن لا يحرم عبادة الجن عرفوه أنهم الجن . وقد يطلب الشيطان المتمثل له فى صورة الإنسان أن يسجد له أو أن يفعل به الفاحشة أو أن يأكل الميتة ويشرب الخمر ، أو أن يقرب لهم الميتة ، وأكثرهم لا يعرفون ذلك، بل يظنون أن من يخاطبهم إما ملائكة وإما رجال من الجن يسمونهم رجال الغيب ، ويظنون أن رجال الغيب أولياء الله غائبون عن أبصار الناس، وأولئك جن تمثلت بصور الإنس ، أو رؤيت فى غير صور الإنس ، وقال تعالى: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا) كان الإنس إذا نزل أحدهم بواد يخاف أهله قال : أعوذ بعظيم هذا الوادى من سفهائه، وكانت الإنس تستعيذ بالجن فصار ذلك سبباً لطغيان الجن ، وقالت: الإنس تستعيذ بنا! وكذلك الرقى ؛ والعزائم الأعجمية : هى تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون؛ ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك فى بعض الأمور. وهذا من جنس السحر والشرك قال تعالى: ( وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرُّ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ،بَيْنَ اُلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَاهُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَايَضُرُهُمْ ٣٦٢ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنْ أَشْتَرَنُ مَالَهُ، فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍّ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْابِهِ: أَنْفُسَهُمّ لَوْكَانُواْ يَعْلَمُونَ). وكثير من هؤلاء يطير فى الهواء وتكون الشياطين قد حملته وتذهب به إلى مكة وغيرها ، ويكون مع ذلك زنديقا يجحد الصلاة وغيرها مما فرض الله ورسوله ، ويستحل المحارم التى حرمها الله ورسوله ، وإنما يقترن به أولئك الشياطين لما فيه من الكفر والفسوق والعصيان ، حتى إذا آمن بالله ورسوله وتاب والتزم طاعة الله ورسوله، فارقته تلك الشياطين، وذهبت تلك الأحوال الشيطانية من الإخبارات والتأثيرات ؛ وأنا أعرف من هؤلاء عددا كثيرا بالشام ومصر والحجاز واليمن ، وأما الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها ، وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم . وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التى أسبابها الكفر والفسوق والعصيان بحسب ظهور أسبابها ، حيث قوى الإيمان والتوحيد ونور الفرقان والإيمان وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية ، وحيث ظهر الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية ، والشخص الواحد الذى يجتمع فيه هذا وهذا الذى تكون فيه مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق يكون فيه من هذا الحال وهذا الحال . والمشركون الذين لم يدخلوا فى الإسلام مثل البخشية والطونية والبدى ٣٦٣ ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من الترك والهند والخطا وغيرهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر ، ويصعد أحدهم فى الهواء ويحدثهم بأمور غائبة ، ويبقى الدف الذى يغنى لهم به يمشى فى الهواء ، ويضرب رأس أحدهم إذا خرج عن طريقهم ، ولا يرون أحدا يضرب له ، ويطوف الإناء الذى يشربون منه عليهم ولا يرون من يحمله ، ويكون أحدهم فى مكان فمن نزل منهم عنده ضيفه طعاما يكفيهم، ويأتيهم بألوان مختلفة . وذلك من الشياطين تأتيه من تلك المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتى به . وهذه الأمور كثيرة عند من يكون مشركا أو ناقص الإيمان من الترك وغيرهم، وعند التتار من هذا أنواع كثيرة. وأما الداخلون فى الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول ، بل دعوا الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم ، فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضى الشيطان. ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل ، يحمل أحدهم فيوقف بعرفات مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى المواقيت ولا يبيت بمزدلفة ، ولا يطوف طواف الإفاضة ، ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة من كرامات الأولياء ، ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به . فإن مثل هذا الحج ليس مشروعا ولا يجوز باتفاق علماء المسلمين ، ومن ظن أن هذا عبادة وكرامة لأولياء الله فهو ضال جاهل . ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل بهم مثل هذا ، فإنهم أجل ٣٦٤ قدرا من ذلك ، وقد جرت هذه القضية لبعض من حمل هو وطائفة معه من الإسكندرية إلى عرفة ، فرأى ملائكة تنزل وتكتب أسماء الحجاج فقال : هل كتبتمونى؟ قالوا أنت: لم تحج كما حج الناس ، أنت لم تعب ولم تحرم ولم يحصل لك من الحج الذى يثاب الناس عليه ما حصل للحجاج . وكان بعض الشيوخ قد طلب منه بعض هؤلاء أن يحج معهم فى الهواء فقال لهم : هذا الحج لا يسقط به الفرض عنكم لأنكم لم تحجوا كما أمر الله ورسوله. ودين الإسلام مبنى على أصلين: على أن يعبد الله وحده لا يشرك به شىء، وعلى أن يعبد بما شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهذان هما حقيقة قولنا: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)). فالإله هو الذى تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظما وخوفا ورجاء وإجلالا وإكراما . والله عز وجل له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله، ولا يدعى إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يطاع إلا الله. والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن اللّه تعالى أمره ونهيه وتحليله وتحريمه، فالحلال ما حلله ، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه ؛ والرسول صلى الله عليه وسلم واسطة بين الله وبين خلقه فى تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وتحايله و تحريمه؛ وسائر ما بلغه من كلامه . وأما فى إجابة الدعاء، وكشف البلاء، والهداية والإغناء ، فالله تعالى هو الذى يسمع كلامهم ويرى مكانهم ويعلم سرهم ونجواهم ؛ وهو سبحانه قادر على ٣٦٥ إنزال النعم، وإزالة الضر والسقم ، من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده، أو يعينه على قضاء حوائجهم. والأسباب التى بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها . فهو مسبب الأسباب وهو الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد . (يَسْئَلُهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلّ يَوْمِ هُوَ فِ شَأَنٍ ) فأهل السموات يسألونه، وأهل الأرض يسألونه ، وهو سبحانه لا يشغله سمع كلام هذا عن سمع كلام هذا ، ولا يغلطه اختلاف أصواتهم ولغاتهم ، بل يسمع ضجيج الاصوات، باختلاف ٥ اللغات، على تفتن الحاجات، ولا يبرمه إلحاح الملحين، بل يحب الإلحاح في الدعاء. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن الأحكام أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجابتهم كما قال تعالى : (يَسْشَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ): (وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوُ): (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) إلى غير ذلك من مسائلهم. فلما سألوه عنه سبحانه وتعالى قال:( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) فلم يقل سبحانه ((فقل)) بل قال تعالى: (فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ). فهو قريب من عباده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث لما كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر والدعاء فقال: ((أيها الناس أربعوا على أنفسكم ٣٦٦ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعاً قريبا ، إن الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته » . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم إلى صلاته فلا يبصقن قبل وجهه فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا، ولكن عن يساره أو تحت قدمه » وهذا الحديث فى الصحيح من غير وجه . وهوسبحانه فوق سماواته علىعرشه بائن من خلقه ليس فىمخلوقاته شیءمن ذاته ولا فى ذاته شىءمن مخلوقاته. وهو سبحانه غنى عن العرش وعن سائر المخلوقات لا يفتقر إلى شىء من مخلوقاته ، بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة العرش. وقد جعل تعالى العالم طبقات ، ولم يجعل أعلاه مفتقرا إلى أسفله ، فالسماء لا تفتقر إلى الهواء والهواء لا يفتقر إلى الأرض، فالعلى الأعلى رب السموات والأرض وما بينهما الذى وصف نفسه بقوله تعالى: ( وَمَا قَدَرُ واْاللَّهَ حَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِقَتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر إلى شىء بحمل أو غير حمل، بل هو الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد ، الذى كل ما سواه مفتقر إليه ، وهو مستغن عن كل ما سواه. وهذه الأمور مبسوطة فى غير هذا الموضع ، قد بين فيه التوحيد الذى بعث الله به رسوله قولا وعملا، فالتوحيد القولى مثل سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والتوحيد العملى (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) ولهذا كان النبى ٣٦٧ صلى الله عليه وسلم يقرأ بهاتين السورتين فى ركعتى الفجر وركعتى الطواف وغير ذلك. وقد كان أيضاً يقرأ فى ركعتى الفجر وركعتى الطواف: (قُولُواْ ءَامَنَا بِلَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا ) الآية. وفى الركعة الثانية بقوله تعالى: (قُلْ يَأَهْلَ اَلْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُ واْبِأَنَا مُسْلِمُونَ ). فإن هاتين الآيتين ؛ فيهما دين الإسلام ، وفيهما الإيمان القولى والعملى، فقوله تعالى (ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أَنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ) إلى آخرها يتضمن الإيمان القولى والإسلام. ) - الآية وقوله: ( قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءِبَيْنَنَا وَبَيْنَگُ إلى آخرها - يتضمن الإسلام والإيمان العملى، فأعظم نعمة أنعمها الله على عباده الإسلام والإيمان، وهما فى هاتين الآيتين ، والله سبحانه وتعالى أعلم. فهذا آخر السؤال والجواب الذى أحببت إيراده هنا بألفاظه ؛ لما اشتمل عليه من المقاصد المهمة ، والقواعد النافعة فى هذا الباب ، مع الاختصار. فإن التوحيد هو سر القرآن، ولب الإيمان، وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور وأنفعها للعباد، فى مصالح المعاش والمعاد، والله أعلم. ٣٦٨ قال شيخ الإسلام فى قول القائل : أسألك بحق السائلين عليك وما فى معناه؟. الجواب : أما قول القائل أسألك بحق السائلين عليك : فإنه قدروى فى حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجة؛ لكن لا يقوم بإسناده حجة ؛ وإن صح هذا عن النبى صلى اللّه عليه وسلم كان معناه: أن حق السائلين على الله أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو كتب ذلك على نفسه. كما قال: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الذَّاعِ إِذَا دَعَانِ). فهذا سؤال اللّه بما أوجبه على نفسه كقول القائلين: (رَبَّنَاوَءَإِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ). وكدعاء الثلاثة: الذين أووا إلى الغار لما سألوه بأعمالهم الصالحة ، التى وعدهم أن يثيهم عليها . اهـ ٣٦٩ ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد فناظرهم ، وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار ، وما هم على الذى كان عليه إبراهيم والمسيح. فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ، ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة ، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك، فقال لهم وأى من فعل ذلك ففيه شبه منكم ، وهذا ما هو دين إبراهيم الذى كان عليه ، فإن الدين الذى كان عليه إبراهيم عليه السلام : أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له ، ولا ند له، ولا صاحبة له ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكا، ولا شمساً ولا قراً ولا كوكباً ، ولا نشرك معه نبياً من الأنبياء ولا صالحاً (إِن كُلُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا). وأن الأمور التى لا يقدر عليها غير اللّه لا تطلب من غيره، مثل إنزال المطر وإنبات النبات، وتفريج الكربات والهدى من الضلالات، وغفران الذنوب؛ فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك ولا يقدر عليه إلا الله. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام: نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ٣٧٠ ونصدقهم فى جميع ما جاءوا به، ونطيعهم. كماقال نوح؛ وصالح، وهود، وشعيب: ( أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) جعلوا العبادة والتقوى لله وحده؛ والطاعة ؛ فإن طاعتهم من طاعة الله. فلو كفر أحد بنى من الأنبياء وآمن بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي ؛ وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر یکتاب كان كافراً حتى يؤمن بذلك الكتاب، وكذلك الملائكة واليوم الآخر فلا سمعوا ذلك منه قالوا : الدین الذی ذ کر ته خير من الدین الذی نحن وهؤلاء عليه . ثم انصرفوا من عنده. ٣٧١ سئل - رحم الله- عمن يبوس الأرض دائما هل يأثم ؟ وعمن يفعل ذلك لسبب أخذ رزق وهو مکره كذلك؟. فأجاب : أما تقبيل الأرض ، ورفع الرأس ، ونحو ذلك مما فيه السجود ، مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك : فلا يجوز ؛ بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضا ، كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل منا يلقى أخاه أينحنى له؟ قال: ((لا)) ولما رجع معاذ من الشام سجد للنى صلى الله عليه وسلم. فقال: ((ما هذا يا معاذ ؟)) قال يا رسول الله رأيتهم فى الشام يسجدون لأساقفتهم ، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم . فقال: (( كذبوا عليهم لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من أجل حقه عليها يا معاذ إنه لا ينبغى السجود إلا لله)). وأما فعل ذلك تديناً وتقرباً فهذا من أعظم المنكرات ، ومن اعتقد مثل هذا قربة ، وتديناً فهو ضال مفتر ، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة ، فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلاقتل . وأما إذا أكره الرجل على ذلك ، بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه ٣٧٢ أو حبسه ، أو أخذ ماله أو قطع رزقه الذى يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من الضرر، فإنه يجوز عند أكثر العلماء ، فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه ، وهو المشهور عن أحمد وغيره؛ ولكن عليه مع ذلك أن يكرههه بقلبه ، ويحرص على الامتناع منه بحسب الإمكان ، ومن على اللّه منه الصدق أعانه الله تعالى، وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك !. وذهب طائفة إلى أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال: ویروی ذلك عن ابن عباس ونحوه ، قالوا إنما التقية باللسان ، وهو الرواية الأخرى عن أحمد. وأما فعل ذلك لأجل فضول الرياسة والمال فلا ، وإذا أكره على مثل ذلك ونوى بقلبه أن هذا الخضوع للّه تعالى: كان حسناً ، مثل أن يكره كلمة الكفر وينوى معنى جائزاً والله أعلم . ٣٧٣ وسئل الإمام العالم العامل الربانى، والحبر النورانى؛ أبو العباس: أحمد بن تيمية-رحمه الله تعالى :- عن («النهوض والقيام الذى يعتاده الناس ، من الإكرام عند قدوم شخص معين معتبر ، هل يجوز أم لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل، أو يتأذى باطناً ، وربما أدى ذلك إلى بغض وعداوة ومقت ، وأيضاً المصادفات فى المحافل وغيرها ، وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض ، هل يجوز ذلك أم يحرم ؟ فإن فعل ذلك الرجل عادة وطبعاً ليس فيه له قصد، هل يحرم عليه أم لا يجوز ذلك فى حق الأشراف والعلماء، وفيمن يرى مطمئناً بذلك دائماً هل يأثم على ذلك أم لا ؟ وإذا قال سجدت لله هل يصح ذلك أم لا ؟. فأجاب :- الحمد لله رب العالمين. لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين : أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام ؛ كما يفعله كثير من الناس ؛ بل قد قال أنس بن مالك: لم يكن شخص أحب إليهم من النبى صلى الله عليه وسلم ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له ، لما يعلمون من كراهته ٣٧٤ لذلك؛ ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقياً له، كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قام لعكرمة، وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: ((قوموا إلى سيدكم ، وكان قد قدم ليحكم فى بنى قريظة لأنهم نزلوا على حكمه. والذى ينبغى للناس : أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام اللّه، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يعدل أحد عن هدى خير الورى ، وهدى خير القرون إلى ما هو دونه . وينبغى للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا فى اللقاء المعتاد. وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له حسن . وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائى بالقيام ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصدخفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له، لأن ذلك أصلح لذات البين ، وإزالة التباغض والشحناء ؛ وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة : فليس فى ترك ذلك إيذاء له ، وليس هذا القيام المذكور فى قوله صلى الله عليه وسلم: (( من سره أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار )) فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد، ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذاجاء؛ ولهذا فرقوا بين أن يقال قمت إليه وقمت له ، والقائم للقادم ساواه فى القيام، بخلاف القائم للقاعد. وقد ثبت فى صحيح مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم قاعداً ٣٧٥ فى مر ضه صلوا قياماً أمرهم بالقعود. وقال: لا تعظمونى كما يعظم الأعاجم بعضها بعضاً، وقد نهاهم عن القيام فى الصلاة وهو قاعد، لئلا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود. وجماع ذلك كله الذى يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم ، والاجتهاد عليه بحسب الإمكان . فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة وكان فى ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما . ٣٧٦ فصل وأما الانحناء عند التحية فينهى عنه ، كما فى الترمذى عن النى صلى الله عليه وسلم أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحنى له؟ قال: ((لا، ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل ؛ وإن کان هذا على وجه التحية فی غیر (وَخَرُواْلَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَكَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ شريعتنا ، كما فى قصة يوسف : رُوْ يَنَىَ مِن قَبْلُ ) وفى شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله، بل قد تقدم نهيه عن القيام كما يفعله الأعاجم بعضها لبعض، فكيف بالركوع والسجود؟ وكذلك ماهو ر کوع ناقص يدخل فى النهى عنه . ســ ٣٧٧ وقال شيخ الإسلام: فصل كان المشركون يُعبدون أنفسهم وأولادهم لغير اللّه؛ فيسمون بعضهم عبد الكعبة ، كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف ، وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبى هريرة ، واسم عبد شمس بن عبد مناف ، وبعضهم عبد اللات ، وبعضهم عبدالعزى وبعضهم عبد مناة وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله ، من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله. ونظير تسمية النصارى عبد المسيح . فغير النبى صلى الله عليه وسلم ذلك وعبدهم لله وحده، فسمى جماعات من أصحابه: عبد الله وعبد الرحمن ، كما سمى عبد الرحمن بن عوف ونحو هذا ، وكما سمى أبا معاوية وكان اسمه عبد العزی فسماه عبد الرحمن ، وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبد القيوم . ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع فى الغالية من الرافضة ومشابههم الغالين فى المشايخ، فيقال هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس أو غلام ابن ٣٧٨ الرفاعى أو الحريرى ونحو ذلك ما يقوم فيه للبشر نوع تأله،كماقد يقوم فى نفوس النصارى من المسيح ، وفى نفوس المشركين من آلهتهم رجاء وخشية ، وقد يتوبون لهم، كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة ، والنصارى للمسيح أو لبعض القديسين . وشريعة الإسلام الذى هو الدين الخالص لله وحده: تعبيد الخلق لربهم كما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية ، وعامة ماسمى به النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله وعبد الرحمن. كما قال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْاللَّهَ أَوَادْعُواْ الرَّحْمَنْ أَيَّامَّاتَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) فإن هذين الإسمين هما أصل بقية أسماء اللّه تعالى. وكان شيخ الإسلام الهروى قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى، وكذلك أهل بيتنا : غلب على أسمائهم التعبيد الله ، كعبد اللّه؛ وعبد الرحمن؛ وعبد الغنى ؛ والسلام؛ والقاهر ؛ واللطيف؛ والحكيم ؛ والعزيز؛ والرحيم ؛ والمحسن ؛ والأحد ؛ والواحد ؛ والقادر ؛ والكريم ؛ والملك ؛ والحق . وقد ثبت فى صحيح مسلم عن نافع عن عبد الله بن عمر : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة » وكان من شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه فى الحروب :یا بنی عبد الرحمن ! یا بنی عبد الله! يا بنى ٣٧٩ عبيد الله! كما قالوا ذلك يوم بدر؛ وحنين، والفتح؛ والطائف ؛ فكان شعار المهاجرين يا بنى عبد الرحمن ! وشعار الخزرج يا بنى عبد الله! وشعار الأوس يا بنى عبيد الله!؟. آخر ما وجد الآن من كتاب توحيد الإلهية ) ويليه كتاب توحيد الربوبية ٣٨٠