النص المفهرس
صفحات 321-340
وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه نهى عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من يفعل ذلك، ونهى عن اتخاذ قبره عيدا ، وذلك لأن أول ما حدث الشرك فى بنى آدم كان فى قوم نوح. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. وثبت ذلك فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وقد قال الله تعالى عن قومه إنهم قالوا: (لَنَذَرُنََّالِهَتَّكُ وَلَ نَذَرُنَّ وَدَّاوَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْأَضَلُواْ كَثِيرًا ). قال غير واحد من السلف: هؤلاء كانوا قوما صالحين فى قوم نوح ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم ؛ وقد ذكر البخارى فى صحيحه هذا عن ابن عباس، وذكر أن هذه الآلهة صارت إلى العرب ، وسمى قبائل العرب الذين كانت فيهم هذه الأصنام. فلما علمت الصحابة رضوان الله عليهم أن النبى صلى الله عليه وسلم حسم مادة الشرك بالنهى عن اتخاذ القبور مساجد - وإن كان المصلى يصلى لله عز وجل ، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس لئلا يشابه المصلين للشمس؛ وإن كان المصلى إنما يصلى للّه تعالى، وكان الذى يقصد الدعاء بالميت أو عند قبره أقرب إلى الشرك من الذى لا يقصد إلا الصلاة لله عز وجل - لم يكونوا يفعلون ذلك. وكذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو التوسل بالإيمان به وطاعته ٣٢١ ومحبته وموالاته، أو التوسل بدعائه وشفاعته ، فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته مجردة عن هذا وهذا . فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئا من ذلك، ولا دعوا بمثل هذه الأدعية - وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله، وأعلم بما أمر الله به رسوله من الأدعية ، وما هو أقرب إلى الإجابة منا ، بل توسلوا بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبى صلى الله عليه وسلم - دل عدولهم عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكنا . وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه مالك فى موطئه ورواه غيره ، وفى سنن أبى داود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا تتخذوا قبری عیدا ، وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى ، وفى الصحيحين أنه قال فىمرض موته ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبورأنيائهم مساجد)» يحذر ما فعلوا ، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وفى صحيح مسلم عن جندب أن النبى صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس ((إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل، ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، فإن الله قد اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ، إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك، وفى الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه ٣٢٢ قال: (( لا قطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله )». وقد روى الترمذى حديثا صحيحاً عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه علم رجلا أن يدعو فيقول: «اللهم إنى أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبى الرحمة، يا محمد يا رسول الله! إنى أتوسل بك إلى ربى فى حاجتى ليقضيها لى ، اللهم شفعه فی » . وروی النسائى نحو هذا الدعاء . وفى الترمذى وابن ماجة عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: إن شئت دعوت، وإن شنت صبرت ، فهو خير لك. فقال: فادعه . فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء ((اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد فى الرحمة ، يا رسول الله! يا محمد! إنى توجهت بك إلى ربى فى حاجتى هذه لتقضى، اللهم فشفعه فی » قال الترمذى : هذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائى عن عثمان بن حنيف ولفظه أن رجلا أعمى قال : يا رسول اللّه! ادع الله أن يكشف لى عن بصرى. قال ((فانطلق فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قل : اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد فى الرحمة، يامحمد! إنى أتوجه بك إلى ربى أن يكشف عن بصرى ، اللهم فشفعه فى » قال فرجع وقد كشف الله عن بصره. وقال الإمام أحمد فى مسنده : حدثنا روح حدثنا شعبة عن عمير بن يزيد ٣٢٣ الخطمی المدینی قال : سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يافى الله! ادع الله أن يعافيني فقال ((إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك، وإن شئت دعوت لك)) قال: لا ! بل ادع الله لى ، فأمره أن يتوضأ ، وأن يصلى ركعتين ، وأن يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة، يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربى فى حاجتى هذه فتقضى، اللهم فشفعنى فيه وشفعه فى )) . قال ففعل الرجل فبرأ . فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله فى الدعاء . فمن الناس من يقول : هذا يقتضى جواز التوسل به مطلقاً حيا وميتاً . وهذا يحتج به من يتوسل بذاته بعد موته وفى مغيبه ، ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة فى حياته كان بمعنى الإقسام به على اللّه أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته أن يقضى حوائجهم، ويظنون أن التوسل به لايحتاج الى أن يدعو هو لهم، ولا إلى أن يطيعوه، فسواء عند هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يدع ، الجميع عندهم توسل به ، وسواء أطاعوه أو لم يطيعوه، ويظنون أن اللّه تعالى يقضى حاجة هذا الذى توسل به بزعمهم ولم يدع له الرسول ، كما يقضى حاجة هذا الذى توسل بدعائه ودعاله الرسول صلى الله عليه وسلم، إذكلاهما متوسل به عندهم، ويظنون أن كل من سأل الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى ، وأن ما أمر به الأعمى مشروع لهم . وقول هؤلاء باطل شرعا وقدرا، فلا هم موافقون لشرع الله، ولا ما يقولونه مطابق لخلق الله. ٣٢٤ ومن الناس من يقولون : هذه قضية عين يثبت الحكم فى نظائرها التى قشبها فى مناط الحكم ، لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها، والفرق ثابت شرعا وقدراً بين من دعا له النبى صلى الله عليه وسلم وبين من لم يدع له ، ولا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر . وهذا الأعمى شفع له النبي صلى الله عليه وسلم فلهذا قال فى دعائه ((اللهم فشفعه فى)). فعلم أنه شفيع فيه، ولفظه: ((إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك)) فقال: ادع لى ؛ فهو طلب من النبى صلى اللّه عليه وسلم أن يدعو له ، فأمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يصلى ويدعو هو أيضاً لنفسه ويقول فى دعائه ((اللهم فشفعه فى)) فدل ذلك على أن معنى قوله: ((أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد)) أى بدعائه وشفاعته كما قال عمر ((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا )) . فالحديثان معناهما واحد ، فهو صلى الله عليه وسلم علم رجلا أن يتوسل به فى حياته ، كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا ، ثم إنهم بعد موته انما كانوا يتوسلون بغيره بدلا عنه . فلو كان التوسل به حياً وميتاً سواء، والمتوسل به الذى دعا له الرسول، كمن لم يدع له الرسول ، لم يعدلوا عن التوسل به - وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ، وأقربهم إليه وسيلة - إلى أن يتوسلوا بغيره ممن لیس مثله . ٣٢٥ وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى ، فعدو لهم عن هذا إلى هذا - مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله ، وبحقوق الله ورسوله، وما يشرع من الدعاء وينفع ، وما لم يشرع ولا ينفع ، وما يكون أنفع من غيره ، وهم فى وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات ، وتيسير العسير ، وإنزال الغيث بكل طريق يمكن - دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه. ولهذا ذكر الفقهاء فى كتبهم فى الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه، وذلك أن التوسل به حياً هو الطلب لدعائه وشفاعته وهو من جنس مسألته أن يدعو لهم ، وهذا مشروع ؛ فما زال المسلمون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فی حیاته أن يدعو لهم . وأما بعد موته، فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء ، لا عند قبره ولا عند غير قبره، كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين ؛ يسأل أحدهم الميت حاجته ، أو يقسم على الله به ونحو ذلك. وإن كان قد روى فى ذلك حكايات عن بعض المتأخرين ؛ بل طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن ، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر لما استأذنه فى العمرة: ((لا تنسنا يا أخى من دعائك) - إن صح ٣٢٦ الحديث - وحتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب من أويس القرنى أن يستغفر للطالب وإن كان الطالب أفضل من أويس بكثير (١). وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح (( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول: ، ثم صلوا علىَّ فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشراً ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة)، مع أن طلبه من أمته الدعاء ليس هو طلب حاجة من المخلوق، بل هو تعليم لأمته ما ينتفعون به فى دينهم ، وبسبب ذلك التعليم والعمل بما عليهم يعظم الله أجره: فإنا إذا صلينا عليه مرة صلى الله علينا عشرا، وإذا سألنا الله له الوسيلة، حلت علينا شفاعته يوم القيامة ، وكل ثواب يحصل لنا على أعمالنا فله مثل أجر نا من غير أن ينقص من أجرناشىء ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)، وهو الذى دعا أمته إلى كل خير، وكل خير تعمله أمته له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شىء. ولهذا لم يكن الصحابة والسلف يهدون إليه ثواب أعمالهم ولا يحجون عنه (١) عبارة الرسالة المفردة (( حتى أنه أمر عمر أن يطلب من أويس القرني أن يستغفر له مع أن عمر رضي الله عنه أفضل من أويس بكثير وقد أمر أمته أن يسألوا الله له الوسيلة وأن يصلوا عليه ». ٣٢٧ ولا يتصدقون ولا يقرءون القرآن ويهدون له ، لأن كل ما يعمله المسلمون من صلاة وصيام وحج وصدقة وقراءة له صلى الله عليه وسلم مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شىء؛ بخلاف الوالدين ، فليس كل ما عمله المسلم من الخير يكون لوالديه مثل أجره ، ولهذا يهدى الثواب لوالديه وغيرهما. ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مطيع لربه عز وجل فى قوله ) فهو صلى الله عليه وسلم تعالى: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب لا يرغب إلى غير الله، وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال: «يدخل من أمتى الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ، هم الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون )) . فهؤلاء من أمته وقد مدحهم بأنهم لا يسترقون ، والاسترقاء أن يطلب من غيره أن يرقيه، والرقية من نوع الدعاء، وكان هو صلى الله عليه وسلم يرقى نفسه وغيره ، ولا يطلب من أحد أن يَرقيه ، ورواية من روى فى هذا: ((لا يُرقون)) ضعيفة غلط؛ فهذا مما يبين حقيقه أمره لأمته بالدعاء أنه ليس من باب سؤال المخلوق للمخلوق الذى غيره أفضل منه ؛ فإن من لا يسأل الناس - بل لا يسأل إلا الله - أفضل ممن يسأل الناس، ومحمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم. ودعاء الغائب للغائب ، أعظم إجابة من دعاء الحاضر، لأنه أكمل إخلاصاً وأبعد عن الشرك ، فكيف يشبه دعاء من يدعو لغيره بلا سؤال منه ، إلى دعاء ٣٢٨ من يدعو الله بسؤاله وهو حاضر؟ وفى الحديث: ((أعظم الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب)) وفى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله(١))). وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه ، والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته ، فلهذا كان طلب الدعاء جائزا، كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه والأفعال التى يقدر عليها . فأما ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى ، فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه، لا يطلب ذلك لا من الملائكة ، ولا من الأنبياء، ولا من غيرهم ، ولا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لى، واسقنا الغيث، وانصرنا على القوم الكافرين ، أو اهد قلوبنا ، ونحو ذلك ؛ ولهذا روى الطبرانى فى معجمه أنه كان فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذى المؤمنين ، فقال الصديق: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، جاءوا إليه فقال ((إنه لا يستغاث بى، وإنما يستغاث بالله)) وهذا فى الاستعانة مثل ذلك. فأما ما يقدر عليه البشر ، فليس من هذا الباب ، وقد قال سبحانه : (١) وفي الرسالة المفردة زيادة وهي مابين القوسين [ فالطالب للدعاء من غيره نوعان : أحدهما أن يكون سؤاله على وجه الحاجة إليه فهو بمنزلة أن يسأل الغائب قضاء حوائجه ، والثاني أن يطلب منه الدعاء لينتفع الداعى بدعائه له وينتفع هو فينتفع به هذا، وهذا بذلك الدعاء كمن يطلب من المخلوق ] . ٣٢٩ (إِذْتَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) وفى دعاء موسى عليه السلام ((اللهم لك الحمد ، وإليك المشتكى، وإليك المستعان، وبك المستغاث ، وعليك التكلان ؛ ولا حول ولا قوة إلا بك)) وقال أبو يزيد البسطامى : استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق. وقال أبو عبد الله القرشى: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، وقال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ). قال طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فقال الله تعالى : هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادى كما أتم عبادى، يرجون رحمتی كما ترجون رحمتی، ويخافون عذابى كما تخافون عذابى ويتقربون إلى كما تتقربون إلى فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء ، مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون، ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم. وكذلك الأنبياء والصالحون، وإن كانوا أحياء فى قبورهم ، وإن قدر أنهم يدعون للأحياء وإن وردت به آثار فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك ، ولم يفعل ذلك أحد من السلف ، لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى؛ بخلاف الطلب من أحدهم فى حياته ، فإنه لا يفضى إلى الشرك ؛ ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكونى ٣٣٠ فلا يؤثر فيه سؤال السائلين ، بخلاف سؤال أحدهم فى حياته فإنه يشرع إجابة السائل ، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم. وقال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّىِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَِّنِِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُّرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْالْمْلَئِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابًا أَيَأْ مُرَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنْتُ مُسْلِمُونَ ). فبين سبحانه أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر ، وقال تعالى: (قُلِ آَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللّهِلَ يَعْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِى اُلْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَا لَهُمِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَا ◌َنَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلََّ لِمَنْ (مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّ بِإِذْنِهِ ) وقال وقال تعالى : أَذِنَ لَهُ ) تعالى: (مَامِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) وقال تعالى: ( مَالَكُمْمِندُونِهِ،مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعِ) وقال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى اُلْأَرْضِ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وقال تعالى عن صاحب يس: (وَمَالِىَ لَا أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *،َأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ=َالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْعِذُونِ * إِّإِذَالَّفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ * إِنَّ ءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَأَسْمَعُونِ) وقال تعالى: ( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِنْدَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وقال تعالى: (يَوْمَئِذٍلَّا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ، قَوْلًا) وقال تعالى: ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمِنْ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ). ٣٣١ فالشفاعة نوعان :- أحدهما : الشفاعة التى نفاها اللّه تعالى كالتى أثبتها المشركون، ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة ، وضلالهم؛ وهى شرك. والثانى: أن يشفع الشفيع بإذن الله. وهذه التى أثبتها اللّه تعالى لعباده الصالحين ، ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتى ويسجد. قال: ((فأحمد ربى بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن ، فيقال: أى محمد ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فإذا أذن له فى الشفاعة شفع صلى الله عليه وسلم لمن أراد الله أن يشفع فيه. قال أهل هذا القول : ولا يلزم من جواز التوسل والاستشفاع به - بمعنى أن يكون هو داعياً للمتوسل به - أن يشرع ذلك فى مغيبه ، وبعد موته ؛ مع أنه هو لم يدع للمتوسل به، بل المتوسل به أقسم به أو سأل بذاته ، مع كون الصحابة فرقوا بين الأمرين ؛ وذلك لأنه فى حياته يدعو هو لمن توسل به ، ودعاؤه هو لله سبحانه أفضل دعاء الخلق، فهو أفضل الخلق وأكرمهم على اللّه، فدعاؤه لمن دعا له وشفاعته له أفضل دعاء مخلوق لمخلوق ، فكيف يقاس هذا بمن لم يدع له الرسول ، ولم يشفع له؟ ومن سوى بين من دعا له الرسول، وبين من لم يدع له الرسول، وجعل هذا التوسل كهذا التوسل ، فهو من أضل الناس . وأيضاً فإنه ليس فى طلب الدعاء منه ودعاته هو والتوسل بدعائه ضرر ، ٣٣٢ بل هو خير بلاشر، وليس فى ذلك محذور ولا مفسدة ، فإن أحداً من الأنبياء عليهم السلام لم يعبد فى حياته بحضوره ، فإنه ینهی من يعبده و يشرك به ولو كان شركا أصغر، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم من سجد له عن السجود له ، وكما قال ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ماشاء الله ثم شاء محمد)) وأمثال ذلك . وأما بعد موته ، فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح، والعزير ، وغيرهما عند قبورهم،. ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ((لا قطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)) أخرجاه فى الصحيحين وقال ((اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد)) وقال ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، يحذر ما فعلوا . وبالجملة فمعنا أصلان عظمان ، أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثانى : أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة . وهذان الأصلان هما تحقیق (( شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول اللّه)) كما قال تعالى (لِيَبْلُوَ كُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا). قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا على ما أخلصه وأصوبه؟ قال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً . والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وذلك تحقيق قوله تعالى: (فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَبِِّ أَحَدًا ) . ٣٣٣ وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول فى دعائه : اللهم اجعل عملى كله صالحا ، واجعله لوجهك خالصاً ، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً . وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَتُؤْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) . وفى الصحيحين عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) وفى لفظ فى الصحيح ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد )) وفى الصحيح وغيره أيضاً يقول الله تعالى: « أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملا أشرك فيه غيرى فأنا منه برىء؛ وهو كله للذى أشرك)) . ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف كما فى الصحيحين عن عمر ابن الخطاب أنه قبل الحجر الأسود وقال ((والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك)) والله سبحانه أمرنا باتباع الرسول وطاعته. وموالاته ومحبته. وأن يكون الله ورسوله أحبَّ إلينا مما سواهما ، وضمن لنا بطاعته ومحبته محبة الله وكرامته . فقال تعالى: ( قُلّ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْذُنُوبَكُمْ) وقال تعالى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ) وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِيعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. يُدْخِلْهُ جَنَتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَ ذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ)، وأمثال ذلك فى القرآن كثير . ولا ينبغى لأحد أن يخرج فى هذا عما مضت به السنة ، وجاءت به الشريعة ٣٣٤ ودل عليه الكتاب والسنة ، وكان عليه سلف الأمة ، وما عليه قال به ، وما لم يعلمه أمسك عنه ، ولا يقفو ما ليس له به علم ، ولا يقول على الله ما لم يعلم ، فإن الله تعالى قد حرَّم ذلك كله . وقد جاء فى الأحاديث النبوية ذكر ماسأل الله تعالى به، كقوله صلى الله عليه وسلم ((اللهم إنى أسألك بأن لك الحمد ، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإ كرام، یا حی ،یاقيوم» رواه أبو داود وغيره ، وفى لفظ: (اللهم إنى أسألك بأنى أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)، رواه أبو داود والنسائى وابن ماجة. وقد اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى ، وهو الحلف بالمخلوقات؛ فلو حلف بالكعبة ، أو بالملائكة ؛ أو بالأنبياء ، أو بأحد من الشيوخ، أو بالملوك لم تنعقد يمينه، ولا يشرع له ذلك؛ بل ینهى عنه، إما نهى تحريم ؛ وإما نهى تنزيه. فإن للعلماء فى ذلك قولين. والصحيح أنه نهى تحريم. ففى الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((من كان حالفاً فليحلف بالله ، أو ليصمت )» وفى الترمذى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) ولم يقل أحد من العلماء المتقدمين أنه تنعقد اليمين بأحد من الأنبياء إلا فی نینا صلى الله عليه وسلم؛ فإن عن أحمدروایتین فی أنه تنعقد اليمين به، وقد طرد بعض أصحابه - كابن عقيل - الخلاف فى سائر الأنبياء وهذا ضعيف. وأصل القول بانعقاد اليمين بالنى ضعيف شاذ ولم يقل به أحد من العلماء ٣٣٥ فيما نعلم ، والذى عليه الجمهور كمالك والشافعى وأبى حنيفة أنه لا تنعقد اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد ، وهذا هو الصحيح . وكذلك الاستعاذة بالمخلوقات ، بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته، ولهذا احتج السلف - كأحمد وغيره - على أن كلام الله غير مخلوق فيما احتجوا به بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بكلمات الله التامات)) قالوا : فقد استعاذ بها ، ولا يستعاذ بمخلوق. وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا )، فنهى عن الرقى التى فيها شرك ، كالتى فيها استعاذة بالجن. كما قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا). ولهذا نهى العلماء عن التعازيم، والإقسام التى يستعملها بعض الناس فى حق المصروع وغيره ، التى تتضمن الشرك ؛ بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك ، بخلاف ما كان من الرقى المشروعة ، فإنه جائز . فإذا لا يجوز أن يقسم لا قسما مطلقاً، ولا قسما على غيره إلا بالله عز وجل ، ولا يستعيذ إلا بالله عز وجل. والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسما عليه، وإما أن يكون طالباً بذلك السبب كما توسل الثلاثة فى الغار بأعمالهم؛ وكما يتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين . ٣٣٦ فإن كان إقساماً على الله بغيره فهذا لا يجوز. وإن كان سؤالا بسبب يقتضى المطلوب كالسؤال بالأعمال التى فيها طاعة الله ورسوله، مثل السؤال بالإيمان بالرسول ومحبته ، وموالاته ونحو ذلك فهذا جائز. وإن كان سؤالا بمجرد ذات الأنبياء والصالحين فهذا غير مشروع، وقد نهى عنه غير واحد من العلماء وقالوا : إنه لا يجوز، ورخص فيه بعضهم والأول أرجحكما تقدم، وهو سؤال بسبب لا يقتضى حصول المطلوب، بخلاف من كان طالباً بالسبب المقتضى لحصول المطلوب ، كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين ، وبالأعمال الصالحة ، فهذا جائز ؛ لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذى دعوا به ، وكذلك الأعمال الصالحة ، سبب لثواب الله لنا ، وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة ، كما قال تعالى: (يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْاللَّهَ وَابْتَغُوْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) والوسيلة هى الأعمال الصالحة ، وقال تعالى: ( أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ). وأما إذا لم تتوسل إليه سبحانه بدعائهم ، ولا بأعمالنا ، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم لم يكن نفس ذواتهم سبباً يقتضى إجابة دعائنا ، فكنا متوسلين بغير وسيلة ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا صحيحاً، ولا مشهوراً عن السلف . وقد نقل فى ( منسك المروزى) عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبى صلى الله عليه وسلم ، وهذا قد يخرج على إحدى الروايتين عنه فى جواز القسم به، ٣٣٧ وأكثر العلماء على النهى فى الأمرين ، ولا ريب أن لهم عند الله الجاه العظيم - كما قال تعالى فى حق موسى وعيسى عليهما السلام ، وقد تقدم ذكر ذلك۔ لكن ما لهم عند الله من المنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ونحن نتفع من ذلك باتباعنا لهم ومحبتنا لهم ؛ فإذا توسلنا إلى الله تعالى بإيماننا بنبيه ومحبته وموالاته واتباع سنته فهذا من أعظم الوسائل. وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته فلا يجوز أن يكون وسيلة ، فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل بالإيمان بالمتوسل به ولا بطاعته فبأى شىء يتوسل؟. والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك ، مثل أن يقال لأبى الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عنده، وهذا جائز. وإما أن يقسم عليه ، كما يقول بحياة ولدك فلان ، وبتربة أبيك فلان وبحرمة شيخك فلان ونحو ذلك والإقسام على اللّه تعالى بالمخلوقين لا يجوز ، ولا يجوز الإقسام على مخلوق بمخلوق . وإما أن يسأل بسبب يقتضى المطلوب، كما قال الله تعالى: (وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى قَسَاءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامَ ) وسيأتى بيان ذلك. وقد تبين أن الإقسام على الله سبحانه بغيره لا يجوز، ولا يجوز أن يقسم بمخلوق أصلا ، وأما التوسل إليه بشفاعة المأذون لهم فى الشفاعة بجائز، والأعمى كان قد طلب من النبى صلى الله عليه وسلم أن يدعو له كما طلب الصحابة منه ٣٣٨ الاستسقاء، وقوله ((أتوجه إليك بنبيك محمد فى الرحمة)) أى بدعائه وشفاعته لى ، ولهذا تمام الحديث ((اللهم فشفعه فى)). فالذى فى الحديث متفق على جوازه، وليس هو ما نحن فيه، وقد قال تعالى ( وَأَتَّقُواٌْللَّهَ الَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامَ). فعلى قراءة الجمهور بالنصب : إنما يسألون بالله وحده ، لا بالرحم ، وتساؤلهم بالله تعالى يتضمن إقسام بعضهم على بعض بالله، وتعاهدهم بالله. وأما على قراءة الخفض ، فقد قال طائفة من السلف : هو قولهم أسألك بالله وبالرحم، وهذا إخبار عن سؤالهم، وقد يقال إنه ليس بدليل على جوازه، فإن كان دليلا على جوازه ، فمعنى قوله أسألك بالرحم ليس إقساما بالرحم - والقسم هنا لا يسوغ - لكن بسبب الرحم، أى لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقا، كسؤال الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة ، وكسؤالنا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته. ومن هذا الباب ما روى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب أن ابن أخيه عبد الله بن جعفر كان إذا سأله بحق جعفر أعطاه، وليس هذا من باب الإقسام؛ فإن الإقسام بغير جعفر أعظم، بل من باب حق الرحم ، لأن حق الله إنما وجب بسبب جعفر ، وجعفر حقه على علىّ . ومن هذا الباب : الحديث الذى رواه ابن ماجة عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم فى دعاء الخارج إلى الصلاة ((اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، وبحق مشاى هذا ، فإنى لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة ، ٣٣٩ ولكن خرجت اتقاء سخطك ، وابتغاء مرضاتك. أسألك أن تنقذنى من النار ، وأن تغفر لى ذنوبى ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)). وهذا الحديث فى إسناده عطية العوفى وفيه ضعف ، فإن كان من كلام النى صلى الله عليه وسلم فهو من هذا الباب لو جهین : (أحدهما) لأن فيه السؤال لله تعالى بحق السائلين ، وبحق الماشين فى طاعته ، وحق السائلين أن يجيبهم ، وحق الماشين أن يثيهم ، وهذا حق أوجبه اللّه تعالى، وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق تعالى شيئا. ومنه قوله تعالى: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وقوله تعالى: (وَكَانَ حَقَّا عَلَيْنَا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ) وقوله تعالى (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّافِي التَّوْرَكَةِ وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اْللَّهِ). وفى الصحيح فى حديث معاذ (( حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم)). وفى الصحيح عن أبى ذر عن التی صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال « يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما. فلا تظالموا )) . وإذا كان حق السائلين والعابدين له هو الإجابة والإثابة ؛ بذلك فذاك سؤال لله بأفعاله؛ كالاستعاذة بنحو ذلك فى قوله صلى الله عليه وسلم ((أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك، ٣٤٠