النص المفهرس

صفحات 241-260

لا السائل الطالب من غيره أن يشفع له ، فإن هذا ليس هو الذى شفع، فحمد
صلى الله عليه وسلم هو الشفيع المشفع ، ليس المشفع الذى يستشفع به .
ولهذا يقول فى دعائه : يارب شفعنى، فيشفعه الله ، فيطلب من الله
سبحانه أن يشفعهلا أن يشفع طالبى شفاعته ، فكيف يقول : واستشفع
به فيشفعك الله ؟
وأيضاً فإن طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس
مشروعا عند أحد من أئمة المسلمين ، ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة
وأصحابهم القدماء ، وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين : ذكروا حكاية عن العتبى
أنه رأى أعرابياً أتى قبره وقرأ هذه الآية وأنه رأى فى المنام أن الله غفر له .
وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين . الذين يفتى الناس
بأقوالهم، ومن ذكرها لم يذكر عليها دليلا شرعياً .
ومعلوم أنه لو كان طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره مشروعا
لكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أعلم بذلك وأسبق إليه من غيرهم، ولكان
أئمة المسلمين يذكرون ذلك، وما أحسن ما قال مالك ((لا يصلح آخر هذه
الأمة إلا ما أصلح أولها)» قال: ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم
كانوا يفعلون ذلك.
فمثل هذا الإمام كيف يشرع دينا لم ينقل عن أحد السلف ، ويأمر الأمة
أن يطلبوا الدعاء والشفاعة والاستغفار - بعد موت الأنبياء والصالحين -
منهم عند قبورهم، وهو أمر لم يفعله أحد من سلف الأمة ؟
٢٤١

ولكن هذا اللفظ الذى فى الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين
يستعملون لفظ الشفاعة فى معنى التوسل ، فيقول أحدهم : اللهم إنا نستشفع
إليك بفلان وفلان أى نتوسل به . ويقولون لمن توسل فى دعائه بنى أو غيره
((قد تشفع به )) من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له ، بل وقد
يكون غائباً لم يسمع كلامه ولا شفع له، وهذا ليس هو لغة النبى صلى الله عليه
وسلم وأصحابه وعلماء الأمة ؛ بل ولا هو لغة العرب ، فإن الاستشفاع طلب
الشفاعة . والشافع هو الذى يشفع السائل فيطلب له ما يطلب من المسئول
المدعو المشفوع إليه .
وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد
لا يعلم بسؤاله ، فليس هذا استشفاعاً لا فى اللغة ولا فى كلام من يدرى
ما يقول: نعم هذا سؤال به، ودعاؤه ليس هو استشفاعاً به . ولكن هؤلاء
لما غيروا اللغة - كما غيروا الشريعة - وسموا هذا استشفاعاً أى سؤالا
بالشافع صاروا يقولون ((استشفع به فيشفعك)) أى يجيب سؤالك به ،
وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع واللغة وليس لفظها من
ألفاظ مالك .
نعم قد يكون أصلها صحيحاً ويكون مالك قد نهى عن رفع الصوت
فى مسجد الرسول اتباعاً للسنة كما كان عمر ينهى عن رفع الصوت فى مسجده،
ويكون مالك أمر بما أمر الله به من تعزيره وتوقيره ونحو ذلك مما يليق بمالك
أن يأمر به .
٢٤٢

ومن لم يعرف لغة الصحابة التى كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبى
صلى الله عليه وسلم، وعادتهم فى الكلام، وإلا حرف الكلم عن مواضعه ،
فإن كثيراً من الناس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم فى الألفاظ ثم يجد تلك
الألفاظ فى كلام اللّه أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله
أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد
الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك .
وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة
وغيرهم ، وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معانى أخر
مخالفة لمعانيهم، ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم ، ويقولون:
إنا موافقون للأنبياء! وهذا موجود فى كلام كثير من الملاحدة المتفلسفة
والإسماعيلية ومن ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة ، مثل من وضع
((الحدث)) و (المخلوق)» و «المصنوع » على ما هو معلول وإنكان عنده قديما
أزلياً ، ويسمى ذلك ((الحدوث الذاتى)) ثم يقول: نحن نقول إن العالم محدث،
وهو مراده. ومعلوم أن لفظ المحدث بهذا الاعتبار ليس لغة أحد من الأمم،
وإنما المحدث عندهم ما كان بعد أن لم يكن.
وكذلك يضعون لفظ ((الملائكة)) على ما يثبتونه من العقول والنفوس
وقوى النفس. ولفظ ((الجن)) و ((الشياطين)) على بعض قوى النفس ، ثم
يقولون : نحن تثبت ما أخبرت به الأنبياء وأقر به جمهور الناس من الملائكة
والجن والشياطين .
٢٤٣

ومن عرف مراد الأنبياء ومرادهم على بالاضطرار أن هذا ليس هو ذاك،
مثل أن يعلم مرادهم بالعقل الأول وأنه مقارن عندهم لرب العالمين أزلا وأبداً،
وأنه مبدع لكل ما سواه ، أو بتوسطه حصل كل ما سواه. والعقل الفعال عندهم
عنه يصدر كل ما تحت فلك القمر ، ويعلم بالاضطرار من دين الأنبياء أنه ليس
من الملائكة عندهم من هو رب كل ماسوى الله ، ولا رب كل ما تحت فلك
القمر ، ولا من هو قديم أزلى أبدى لم يزل ولا يزال.
ويعلم أن الحديث الذى يروى ((أول ما خلق الله العقل)) حديث باطل عن
النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لو كان حقاً لكان حجة عليهم فإن لفظه (أول
ما خلق الله العقل)) بنصب الأول على الظرفية ((فقال له : أقبل ، فأقبل . ثم
قال له: أدبر ، فأدبر. فقال: وعزتى ما خلقت خلقاً أكرم علىَّ منك، فبك
آخذ ، وبك أعطى، وبك الثواب، وبك العقاب)) وروى ((لما خلق الله
العقل ، فالحديث لو كان ثابتاً كان معناه أنه خاطب العقل فى أول أوقات خلقه،
وأنه خلق قبل غيره، وأنه تحصل به هذه الأمور الأربعة لا كل المصنوعات .
و ((العقل)) فى لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا ، يراد به القوة التى بها
يعقل ، وعلوم وأعمال تحصل بذلك، لا يراد بها قط فى لغة جوهر قائم بنفسه،
فلا يمكن أن يراد هذا المعنى بلفظ العقل . مع أنا قد بينا فى مواضع أخر فساد
ما ذكروه من جهة العقل الصريح ، وأن ما ذكروه من المجردات والمفارقات
ينتهى أمرهم فيه إلى إثبات النفس التى تفارق البدن بالموت، وإلى إثبات ما تجرده
النفس من المعقولات القائمة بها ؛ فهذا منتهى ما يثبتونه من الحق فى هذا الباب.
٢٤٤

والمقصودهنا أن كثيراً من كلام الله ورسوله يتكلم به من يسلك مسلكهم،
ويريد مرادهم لا مراد الله ورسوله، كما يوجد فى كلام صاحب (الكتب المضنون
بها) وغيره، مثل ما ذكره فى ((اللوح المحفوظ)» حيث جعله النفس الفلكية ،
ولفظ ((القلم)) حيث جعله العقل الأول، ولفظ ((الملكوت)) و((الجبروت))
و ((الملك)) حيث جعل ذلك عبارة عن النفس والعقل، ولفظ ((الشفاعة))
حيث جعل ذلك فيضا يفيض من الشفيع على المستشفع وإن كان الشفيع قد
لا يدرى ، وسلك فى هذه الأمور ونحوها مسالك ابن سينا كما قد بسط فى
موضع آخر.
والمقصودهنا ذكر من يقع ذلك منه من غير تدبر منه للغة الرسول صلى
الله عليه وسلم كلفظ القديم ، فإنه فى لغة الرسول التى جاء بها القرآن خلاف
الحديث وإن كان مسبوقا بغيره كقوله تعالى: ( حَّى عَدَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) وقال
تعالى عن إخوة يوسف : ( تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَذَلِكَ الْقَدِيمِ ) وقوله تعالى:
( أَفَيْتُمْقَاكُمْتَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ الْأَفْدَعُونَ ).
وهو عند أهل الكلام عبارة عما لم يزل أو عما لم يسبقه وجود غيره إن
لم يكن مسبوقا بعدم نفسه ، ويجعلونه - إذا أريد به هذا - من باب المجاز ،
ولفظ ((المحدث)) فى لغة القرآن يقابل للفظ ((القديم)) فى القرآن.
وكذلك لفظ ((الكلمة)) فى القرآن والحديث وسائر لغة العرب إنما
يراد به الجملة التامة، كقوله صلى اللّه عليه وسلم ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن،
٢٤٥

خفيفتان على اللسان، ثقيلتان فى الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم))
وقوله ((إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شئ ما خلا اللّه باطل»،
ومنه قوله تعالى: ( كَبِرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلََّكَذِبًا)، وقوله
تعالى: (قُلْ يَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْإِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُزُ ) الآية وقوله تعالى:
(وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْالسُّفْلَىَّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَأ) وأمثال ذلك؟
ولا يوجد لفظ الكلام فى لغة العرب إلا بهذا المعنى.
والنحاة اصطلحوا على أن يسموا (الاسم) وحده (والفعل) (والحرف)
كلمة، ثم يقول بعضهم: وقد يراد بالكلمة الكلام، فيظن من اعتاد هذا أن هذا هو
لغة العرب، وكذلك لفظ ((ذوى الأرحام)) فى الكتاب والسنة يراد به الأقارب
من جهة الأبوين فيدخل فيهم العصبة وذوو الفروض ، وإن شمل ذلك من
لا يرث بفرض ولا تعصيب ، ثم صار ذلك فى اصطلاح الفقهاء اسمالهؤلاء
دون غيرهم ، فيظن من لا يعرف إلا ذلك أن هذا هو المراد بهذا اللفظ فى كلام
الله ورسوله وكلام الصحابة، ونظائر هذا كثيرة.
ولفظ ((التوسل)) و ((الاستشفاع)) ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة
الرسول وأصحابه ما أوجب غلط من غلط عليهم فى دينهم ولغتهم.
والعلم يحتاج إلى نقل مصدق ونظر محقوق .
والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته،
كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله. فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية.
٢٤٦

ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة بأن الله أمرنا أن نصلى على النبى
ونسلم عليه فى كل مكان ؛ فهذا مما اتفق عليه المسلمون ، وكذلك رغبنا وحضنا
فى الحديث الصحيح على أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه مقاما
محمودا الذی وعده.
فهذه الوسيلة التى شرع لنا أن نسألها الله تعالى - كما شرع لنا أن نصلى عليه
ونسلم عليه - هى حق له، كما أن الصلاة عليه والسلام حق له صلى الله عليه وسلم.
والوسيلة التى أمرنا الله أن نبتغيها إليه هى التقرب إلى الله بطاعته، وهذا
يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله .
وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان
به وطاعته ، وهذا التوسل به فرض علی کل أحد.
وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما يسأله الناس يوم القيامة أن يشفع
لهم، وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته فى الاستسقاء وغيره، مثل توسل الأعمى
بدعائه حتی رد الله علیه بصره بدعائه وشفاعته - فهذا نوع ثالث هو من باب
قبول الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه ، فمن شفع له الرسول صلى الله عليه
وسلم ودعا له فهو بخلاف من لم يدع له ولم يشفع له .
ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون
به ويسألون به ، فظن هذا مشروعا مطلقا لكل أحد فى حياته ومماته ، وظنوا
٢٤٧

أن هذا مشروع فى حق الأنبياء والملائكة بل وفى الصالحين وفيمن يظن فيهم
الصلاح، وإن لم يكن صالحا فى نفس الأمر .
وليس فى الأحاديث المرفوعة فى ذلك حديث فى شىء من دواوين المسلمين
التى يعتمد عليها فى الأحاديث - لا فى الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد
المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره - وإنما يوجد فى الكتب التى عرف أن فيها
كثيرا من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التى يختلقها الكذابون ، بخلاف من
قد يغلط فى الحديث ولا يتعمد الكذب ، فإن هؤلاء توجد الرواية عنهم فى
السنن ومسند الإمام أحمد و نحوه، بخلاف من يتعمد الكذب فإن أحمد لم يرو
فى مسنده عن أحد من هؤلاء.
ولهذا تنازع الحافظ أبو العلاء الهمدانى والشيخ أبو الفرج بن الجوزى :
هل فى المسند حديث موضوع ؟ فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون فى المسند
حديث موضوع ، وأثبت ذلك أبو الفرج وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها
باطلة ؛ ولا منافاة بين القولين .
فإن الموضوع فى اصطلاح أبى الفرج هو الذى قام دليل على أنه باطل وإن
كان المحدث به لم يتعمد الكذب بل غلط فيه، ولهذا روى فى كتابه فى الموضوعات
أحاديث كثيرة من هذا النوع ، وقد نازعه طائفة من العلماء فى كثير مما ذكره
وقالوا إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل ، بل بينوا ثبوت بعض ذلك ، لكن
الغالب على ما ذكره فى الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء .
٢٤٨

وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع
الذى تعمد صاحبه الكذب ، والكذب كان قليلا فى السلف .
أما الصحابة فلم يعرف فيهم - ولله الحمد - من تعمد الكذب على النبى
صلى الله عليه وسلم ، كما لم يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع
الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ، فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق .
ولا كان فيهم من قال إنه أنّاه الخضر ، فإن خضر موسى مات كما بين هذا
فى غير هذا الموضع ، والخضر الذى يأتى كثيرا من الناس إنما هو جنى قصور
بصورة إنسى أو إنسى كذاب ، ولا يجوز أن يكون ملكا مع قوله أنا الخضر،
فإن الملك لا يكذب وإنما يكذب الجنى والإنسى. وأنا أعرف من أنّه الخضر
وكان جنيا مما يطول ذكره فى هذا الموضع . وكان الصحابة أعلم من أن يروج
عليهم هذا التلبيس .
وكذلك لم يكن فيهم من حملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف
بها كما فعلت ذلك بكثير من الجهال والعباد وغيرهم ، ولا كان فيهم من تسرق الجن
أموال الناس وطعامهم وتأتيه به فيظن أن هذا من باب الكرامات كما قد بسط
الكلام على ذلك فى مواضع.
وأما التابعون فلم يعرف تعمد الكذب فى التابعين من أهل مكة والمدينة
والشام والبصرة ، بخلاف الشيعة فإن الكذب معروف فيهم ، وقد عرف
الكذب بعد هؤلاء فى طوائف .
٢٤٩

وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس ، بل فى الصحابة من قد يغلط أحيانا
وفيمن بعدهم .
ولهذا كان فيما صنف فى الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط وإن كان جمهور
متون الصحیحین مما يعلم أنه حق .
فالحافظ أبو العلاء يعلم أنها غلط، والإمام أحمد نفسه قد بين ذلك وبين
أنه رواها لتعرف ، بخلاف ما تعمد صاحبه الكذب ؛ ولهذا نزه أحمد مسنده
عن أحاديث جماعة يروى عنهم أهل السنن كأبى داود والترمذى مثل مشيخة
كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنى عن أبيه عن جده ، وإن كان أبو
داود يروى فى سننه منها ، فشرط أحمد فى مسنده أجود من شرط أبى داود
فی سننه .
والمقصود أن هذه الأحاديث التى تروى فى ذلك من جنس أمثالها من
الأحاديث الغريبة المنكرة بل الموضوعة التى يرويها من يجمع فى الفضائل
والمناقب الغث والسمين، كما يوجد مثل ذلك فيما يصنف فى فضائل الأوقات،
وفضائل العبادات، وفضائل الأنبياء والصحابة، وفضائل البقاع، ونحوذلك، فإن
هذه الأبواب فيها أحاديث صحيحة وأحاديث حسنة وأحاديث ضعيفة وأحاديث
كذب موضوعة؛ ولا يجوز أن يعتمد فى الشريعة على الأحاديث الضعيفة التى
ليست صحيحة ولا حسنة ، لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن
يروى فى فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب.
٢٥٠

وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدلیل شرعی وروی فی فضله حديث
لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقا ، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز
أن يجعل الشىء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف ، ومن قال هذا فقد خالف
الإجماع.
وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شىء إلا بدليل شرعى ، لكن إذا علم
محريمه، وروى حديث فى وعيد الفاعل له ، ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه ،
فيجوز أن يروى فى الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب، لكن فيما علم أن
الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله.
وهذا كالإسرائيليات: يجوز أن يروى منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب
والترهيب فيما علم أن الله تعالى أمر به فى شرعنا ونهى عنه فى شرعنا. فأما أن
يثبت شرعا لنا بمجرد الإسرائيليات التى لم تثبت فهذا لا يقوله عالم، ولا كان أحمد
ابن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث فى الشريعة .
ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذى ليس بصحيح
ولا حسن فقد غلط عليه ، ولكن كان فى عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من
العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح، وضعيف . والضعيف عندهم
ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به، وإلى ضعيف حسن ؛ كما أن ضعف
الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال وإلى
ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك.
٢٥١

وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام - صحيح ، وحسن،
وضعيف ـ هو أبو عيسى الترمذى فى جامعه. والحسن عنده ماتعددت طرقه
ولم يكن فى رواته متهم وليس بشاذ . فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفاً
ويحتج به ، ولهذا مثل أحمد الحديث الضعيف الذى يحتج به بحديث عمرو
ابن شعيب وحديث إبراهيم الهجرى ونحوهما . وهذا مبسوط فى موضعه .
والأحاديث التى تروى فى هذا الباب - وهو السؤال بنفس المخلوقين -
هى من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة ، ولا يوجد فى أئمة الإسلام
من احتج بها ولا اعتمد عليها ، مثل الحديث الذى يروى عن عبد الملك
ابن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده أن أبا بكر الصديق أتى النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: إنى أتعلم القرآن ويتفلت منى . فقال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((قل: اللهم إنى أسألك بمحمد نيك، ويإبراهيم خليلك، وبموسى نجيك،
وعيسى روحك وكلمتك ،وبتوراة موسى وإنجيل عيسىوزبور داود وفرقان محمد،
وبكل وحى أوحيته وقضاء قضيته)) وذكر تمام الحديث.
وهذا الحديث ذكره رزين بن معاوية العبدرى فى جامعه و نقله ابن الأثير
فى جامع الأصول ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين ، لكنه
قد رواه من صنف فى عمل (اليوم والليلة) كابن السنى وأبى نعيم، وفى مثل هذه الكتب
أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الاعتماد عليها فى الشريعة باتفاق العلماء.
وقد رواه أبو الشيخ الأصبهانى فى كتاب فضائل الأعمال ، وفى هذا
٢٥٢
.... ....

الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة ورواه أبو موسى المدينى من حديث
زيد بن الحباب عن عبد الملك بن هارون بن عنترة وقال هذا حديث حسن مع
أنه ليس بالمتصل ، قال أبو موسى : ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك عن أبيه
عن جده عن الصديق رضى الله عنه ، وعبد الملك ليس بذاك القوى وكان بالرى ،
وأبوه وجده ثقتان .
قلت: عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب . قال يحيى
ابن معين: هو كذاب. وقال السعدى: دجال كذاب. وقال أبو حاتم بن حبان:
يضع الحديث. وقال النسائى: متروك. وقال البخارى: منكر الحديث. وقال
أحمد بن حنبل : ضعيف . وقال ابن عدى: له أحاديث لا يتابعه عليها أحد.
وقال الدار قطنى: هو وأبوه ضعيفان. وقال الحاكم فى (كتاب المدخل): عبد الملك
ابن هارون بن عنترة الشيبانى روى عن أبيه أحاديث موضوعة: وأخرجه
أبو الفرج بن الجوزى فى كتاب (الموضوعات) وقول الحافظ أبى موسى ((هو
منقطع)) يريد أنه لو كان رجاله ثقات فإن إسناده منقطع .
وقد روى عبد الملك هذه الأحاديث الأخر المناسبة لهذا فى استفتاح أهل
الكتاب به كما سيأتى ذكره وخالف فيه عامة مانقله المفسرون وأهل السير
وما دل عليه القرآن ، وهذا يدل على ما قاله العلماء فيه: من أنه متروك إما لتعمده
الكذب وإما لسوء حفظه، وتبين أنه لا حجة لا فى هذا ولا فى ذاك.
ومثل ذلك الحديث الذى رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه
٢٥٣

عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعا وموقوفاً عليه ((إنه لما اقترف آدم
الخطيئة قال: يارب أسألك بحق محمد لما غفرت لى، قال: وكيف عرفت محمداً؟
قال : لأنك لما خلقتنى بيدك ونفخت فىَّ من روحك رفعت رأسى فرأيت
على قوائم العرش مكتوباً : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف
إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم، ولو لا محمد ماخلقتك))
وهذا الحديث رواه الحاكم فى مستدركه من حديث عبد الله بن مسلم الفهرى
عن إسماعيل بن سلمة عنه. قال الحاكم: وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن
فى هذا الكتاب، وقال الحاكم: هو صحيح .
ورواه الشيخ أبو بكر الآجرى فى كتاب الشريعة موقوفاً على عمر من
حديث عبد الله بن إسماعيل بن أبى مريم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
موقوفاً ، ورواه الآجرى أيضاً من طريق آخر من حديث عبد الرحمن بن
أبى الزناد عن أبيه موقوفاً علیه ، وقال حدثنا هارون بن یوسف التاجر ، حدثنا
أبو مروان العثمانى ، حدثنى أبو عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبى الزناد
عن أبيه أنه قال؛ ((من الكلمات التى تاب الله بها على آدم قال: اللهم إنى أسألك
بحق محمد علیك. قال الله تعالی : وما يدريك ما محمد؟ قال : يارب رفعت رأسى
فرأيت مكتوباً على عرشك : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه
أكرم خلقك )) .
قلت : ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه ، فإنه نفسه قد قال فى
(كتاب المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم): عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
٢٥٤

روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة
أن الحمل فيها عليه .
قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيراً ، ضعفه
أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائى والدارقطنى وغيرهم، وقال
أبو حاتم بن حبان: کان یقلب الأخبار وهو لا يعلم ، حتى کثر ذلك من روايته
من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك.
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم
بالحديث وقالوا : إن الحاكم يصحح أحاديث وهى موضوعة مكذوبة عند أهل
المعرفة بالحديث ، كما صحح حديث زريب بن بر ثملى: الذى فيه ذكر وصى المسيح
وهو كذب باتفاق أهل المعرفة كما بين ذلك البيهقى وابن الجوزى وغيرهما ،
وكذلك أحاديث كثيرة فى مستدركه يصححها وهى عند أئمة أهل العلم بالحديث
موضوعة ، ومنها ما يكون موقوفا يرفعه .
ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم وإن
كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو فى المصححين بمنزلة الثقة الذی یکثر
غلطه وإن كان الصواب أغلب عليه . وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من
تصحيحه، بخلاف أبى حاتم بن حبان البستى فإن تصحيحه فوق تصحيح الحاكم
وأجل قدرا ، وكذلك تصحيح الترمذى والدار قطنى وابن خزيمة وابن مندة
وأمثالهم فيمن يصحح الحديث.
٢٥٥

فإن هؤلاء وإن كان فى بعض ما ينقلونه نزاع فهم أتقن فى هذا الباب من
الحاكم ، ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم ، ولا يبلغ
تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخارى ، بل كتاب البخارى أجل ما صنف فى هذا
الباب ؛ والبخارى من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه ، وقد ذکر
الترمذى أنه لم ير أحدا أعلم بالعلل منه، ولهذا كان من عادة البخارى إذا روى
حديثا اختلف فى إسناده أو فى بعض ألفاظه أن يذكر الاختلاف فى ذلك لثلا
يغتر بذكره له بأنه إنما ذكره مقرونا بالاختلاف فيه.
وهذا كان جمهور ما أنکر على البخاری مما صححه یکون قوله فيه راجحا
على قول من نازعه. بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع فى عدة أحاديث مما
خرجها وكان الصواب فيها مع من نازعه ، كما روى فى حديث الكسوف أن
النبى صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات كما روى أنه
صلى بركوعين.
والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين ، وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة
واحدة يوم مات إبراهيم ، وقد بين ذلك الشافعى ، وهو قول البخارى وأحمد
ابن حنبل فى إحدى الروايتين عنه ، والأحاديث التى فيها الثلاث والأربع فيها
أنه صلاها يوم مات إبراهيم. ومعلوم أنه لم يمت فى يومى كسوف، ولا كان له
إبراهيمان. ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب، وكذلك روى مسلم («خلق
الله التربة يوم السبت)) ونازعه فيه من هو أعلم منه كيحيى بن معين والبخارى
وغيرهما فبينوا أن هذا غلط ليس هذا من كلام النى صلى الله عليه وسلم.
٢٥٦

والحجة مع هؤلاء، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن اللّه تعالى
خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، وأن آخر ما خلقه هو آدم وكان خلقه
يوم الجمعة ، وهذا الحديث المختلف فيه يقتضى أنه خلق ذلك فى الأيام السبعة ،
وقد روى إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد ، وكذلك روى
أن أبا سفيان لما أسلم طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بأم حبيبة
وأن يتخذ معاوية كاتباً وغلطه فى ذلك طائفة من الحفاظ .
ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث تلقوها
بالقبول وأجمعوا عليها وهم يعلمون علماً قطعياً أن النبى صلى الله عليه وسلم قالها.
وبسط الكلام فى هذا له موضع آخر .
وهذا الحديث المذكور فى آدم يذكره طائفة من المصنفین بغير إسناد وما
هو من جنسه مع زيادات أخر، كما ذكر القاضى عياض قال: وحكى أبو محمد
المكى وأبو الليث السمر قندى وغيرهما ((أن آدم عند معصيته قال: اللهم بحق
محمد اغفر لى خطيئى - قال ويروى تقبل توبتى - فقال الله له: من أين عرفت
محمداً؟ قال رأيت فى كل موضع من الجنة مكتوباً : لا إله إلا الله محمد رسول الله))
قال ويروى: ((محمد عبدى ورسولى، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك ؛ فتاب عليه
وغفر له )) .
ومثل هذا لا يجوز أن تبنى عليه الشريعة ولا يحتج به فى الدين باتفاق
المسلمين ؛ فإن هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها التى لا تعلم صحتها إلا بنقل
٢٥٧

ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب
ابن منبه وأمثالهما ممن ينقل أخبار (المبتدأ ، وقصص المتقدمين) عن أهل الكتاب
لم يجز أن يحتج بها فى دين المسلمين باتفاق المسلمين ؛ فكيف إذا نقلها من لا ينقلها
لا عن أهل الكتاب ولا عن ثقات علماء المسلمين ؟ بل إنما ينقلها عمن هو
عند المسلمين مجروح ضعيف لا يحتج بحديثه ، واضطرب عليه فيها اضطراباً
يعرف به أنه لم يحفظ ذلك .
ولا ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحد من ثقات علماء المسلمين الذين يعتمد
على نقلهم، وإنما هى من جنس ماينقله إسحاق بن بشر وأمثاله فى (كتب المبتدأ)،
وهذه لو كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعا لهم ، وحينئذ فكان الاحتجاج بها
مبنياً على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا ؟ والنزاع فى ذلك مشهور .
لكن الذى عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا
بخلافه، وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا من نقل ثابت عن نبينا صلى
الله عليه وسلم، أو بما تواتر عنهم لا بما يروى على هذا الوجه فإن هذا لا يجوز
أن يحتج به فى شرع المسلمين أحد من المسلمين .
ومن هذا الباب حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعانى صاحب
التفسير بإسناده عن ابن عباس مرفوعا أنه قال: ((من سره أن يوعيه الله حفظ
القرآن وحفظ أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء فى إناء نظيف أو فى صحف
قوارير بعسل وزعفران وماء مطر وليشربه على الريق، وليصم ثلاثة أيام وليكن
إفطاره عليه، ويدعو به فى أدبار صلواته : اللهم إنى أسألك بأنك مسئول لم يسأل
٢٥٨

مثلك ولا يسأل ، وأسألك بحق محمد نيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك
وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك ، وذكر تمام الدعاء .
وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين ، قال أبو أحمدبن عدى فيه :
منكر الحديث. وقال أبو حاتم بن حبان : دجال يضع الحديث ، وضع على
ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتاباً فى التفسير جمعه من كلام الكلى ومقاتل،
ويروى نحو هذا - دون الصوم - عن ابن مسعود من طريق موسى بن إبراهيم
المروزى حدثنا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود وموسى بن إبراهيم
هذا قال فيه يحيى بن معين : كذاب ، وقال الدار قطنى : متروك ، وقال
ابن حبان : كان مغفلا يلقن فيتلقن فاستحق الترك . ويروى هذا عن عمر
ابن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود بطريق أضعف من الأول.
ورواه أبو الشيخ الأصبهانى من حديث أحمد بن إسحاق الجوهرى: حدثنا
أبو الأشعث ، حدثنا زهير بن العلاء العتبى حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهرى
ورفع الحديث قال (( من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام وليكن إفطاره فى
آخر الأيام السبعة على هؤلاء الكلمات)) . قلت : وهذه أسانيد مظلة
لا يثبت بها شىء.
وقد رواه أبو موسى المدينى فى أماليه وأبو عبد الله المقدسى على عادة
أمثالهم فى رواية ما يروى فى الباب سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً كما اعتاده أكثر
المتأخرين من المحدثين أنهم يرون ما روى به الفضائل ويجعلون العهدة
٢٥٩

فى ذلك على الناقل كما هى عادة المصنفين فى فضائل الأوقات والأمكنة
والأشخاص والعبادات .
كما يرويه أبو الشيخ الأصبهانى فى فضائل الأعمال وغيره حيث يجمع
أحاديث كثيرة لكثرة روايته ، وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة ،
وأحاديث كثيرة ضعيفة موضوعة وواهية .
وكذلك ما يرويه خيثمة بن سلمان فى فضائل الصحابة ، وما يرويه
أبو نعيم الأصبهانى فى (فضائل الخلفاء) فى كتاب مفرد وفى أول (حلية الأولياء)،
وما يرويه أبو الليث السمر قندى وعبد العزيز الكنانى ، وأبو على بن البناء
وأمثالهم من الشيوخ ، وما يرويه أبو بكر الخطيب ، وأبو الفضل بن ناصر ،
وأبو موسى المدينى ، وأبو القاسم بن عساكر ، والحافظ عبد الغنى ، وأمثالهم
ممن لهم معرفة بالحديث ؛ فإنهم كثيراً ما يروون فى قصانيفهم ما روى مطلقاً على
عادتهم الجارية ؛ ليعرف ما روى فى ذلك الباب لا ليحتج بكل ما روى ، وقد
يتكلم أحدهم على الحديث ويقول: غريب، ومنكر، وضعيف؛ وقد لا يتكلم.
وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به ، ويبنون عليه دينهم ؛ مثل
مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن
مهدى ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والشافعى
وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وعلى بن المدينى، والبخارى ، وأبى زرعة
وأبى حاتم ، وأبى داود، ومحمد بن نصر المروزى ، وابن خزيمة وابن المنذر ،
وداود بن على ، ومحمد بن جرير الطبرى ، وغير هؤلاء ؛ فإن هؤلاء الذين
٢٦٠