النص المفهرس
صفحات 201-220
وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به فى كلام الصحابة فیریدون به التوسل بدعائه وشفاعته . والتوسل به فى عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح. وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة. فأما المعنيان الأولان - الصحيحان باتفاق العلماء : - فأحدهما هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته. والثانى دعاؤه وشفاعته كما تقدم . فهذان جائزان بإجماع المسلمين، ومن هذا قول عمر بن الخطاب: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا » أى بدعائه وشفاعته وقوله تعالى: (وَأَبْتَغُوْإِلَيَّهِ الْوَسِيلَةَ) أى القربة إليه بطاعته؛ وطاعة رسوله طاعته قال تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ). فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين. وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما قال عمر - فإنه توسل بدعائه لا بذاته؛ ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس، ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس ، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل ٢٠١ بالعباس: علم أن ما يفعل فى حياته قد تعذر بموته ؛ بخلاف التوسل الذى هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائما . فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان :- (أحدها) التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به. و(الثانى) التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان فى حياته ، ویکون یوم القيامة يتوسلون بشفاعته . و(الثالث) التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته ، فهذا هو الذى لم تکن الصحابة يفعلونه فى الاستسقاء ونحوه، لا فی حیاته ولا بعد مماته ، لا عند قبره ولا غير قبره ، ولا يعرف هذا فى شىء من الأدعية المشهورة بينهم ، وإنما ينقل شىء من ذلك فى أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عمن ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. وهذا هوالذى قال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه حيث قالوا: لا يسأل بمخلوق ، ولا يقول أحد : أسألك بحق أنبيائك . قال أبو الحسين القدورى فى كتابه الكبير فى الفقه المسمى بشرح الكرخى فى باب الكراهة : وقد ذکر هذا غیر واحد من أصحاب أبى حنيفة . قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة : لا ينبغى لأحد أن يدعو الله إلا به. وأكره أن يقول ((بمعاقد العز من عرشك)) أو ((بحق ٢٠٢ خلقك)) . وهو قول أبى يوسف قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا ، وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام . قال القدورى : المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقا . وهذا الذى قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن اللّه لا يسأل بمخلوق له معنيان: أحدهما هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق ، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى . وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته كالليل إذا يغشى ، والنهار إذا تجلى، والشمس وضحاها ، والنازعات غرقا ، والصافات صفا ، فإن إقسامه بمخلوقاته يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن معه إقسامه، بخلاف المخلوق فإن إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها كما فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) وقد صححه الترمذى وغيره، وفى لفظ ((فقد كفر)، وقد صححه الحاكم . وقد ثبت عنه فى الصحیحین أنه قال (((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) وقال «لا تحلفوا بآبائكم فإن الله ينها كم أن تحلفوا بآبائكم، وفى الصحيحين عنه أنه قال ((من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله )). ٢٠٣ وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة، أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش، والكرسى، والكعبة ، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والملائكة، والصالحين، والملوك، وسيوف المجاهدين ، وترب الأنبياء والصالحين، وأيمان البندق، وسراويل الفتوة، وغير ذلك، لا ينعقد يمينه، ولا كفارة فى الحلف بذلك . والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبى حنيفة وأحد القولين فى مذهب الشافعى وأحمد، وقد حكى إجماع الصحابة على ذلك . وقيل هى مكروهة كراهة تنزيه ، والأول أصح حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى [ من] أن أحلف بغير الله صادقا. وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب. وإنما نعرف النزاع فى الحلف بالأنبياء ، فعن أحمد فى الحلف بالنبى صلى الله عليه وسلم روايتان. إحداهما لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور مالك وأبى حنيفة والشافعى. والثانية ينعقد اليمين به واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضى وأتباعه ، وابن المنذر وافق هؤلاء. وقصر أكثر هؤلاء النزاع فى ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم خاصة، وعدَّى ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء. وإيجاب الكفارة بالحلف بمخلوق وإن كان نيا قول ضعيف فى الغاية مخالف للأصول والنصوص، ٢٠٤ فالإقسام به على الله - والسؤال به بمعنى الإقسام - هو من هذا الجنس. وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم - وبينهما فرق - فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبرار القسم، وثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) قال ذلك لما قال أنس ابن النضر: أتكسر ثنية الربيع؟ قال: لا والذى بعثك بالحق لا تكسر سنها. فقال: (( يا أنس كتاب الله القصاص))، فرضى القوم وعفوا، فقال صلى اللّه عليه وسلم: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) وقال: ((رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره رواه مسلم وغيره، وقال: ((ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف ، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عتل جواظ مستكبر ) وهذا فى الصحيحين . وكذلك حديث أنس بن النضر والآخر من أفراد مسلم ، وقد روى فى قوله: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)» أنه قال: ((منهم البراء بن مالك)) وكان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون : يابراء أقسم على ربك . فيقسم على الله فتنهزم الكفار. فلما كانوا على قنطرة بالسوس قالوا : يا براء أقسم على ربك. فقال: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أ كتافهم وجعلتنى أول شهيد. فأبر اللّه قسمه فانهزم العدو واستشهد البراء بن مالك يومئذ. وهذا هو أخو أنس بن مالك ، قتل مائة رجل مبارزة غير من شرك فى دمه ، وحمل يوم مسيلمة على ترس ورمى به إلى الحديقة حتى فتح الباب. ٢٠٥ والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا فإن حنته ولم يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه عند عامة الفقهاء ، كما لو حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئاً ولم يفعله فالكفارة على الحالف الحانث. وأما قوله: ((سألتك بالله أن تفعل كذا )) فهذا سؤال وليس بقسم ، وفى الحديث ((من سألكم باللّه فأعطوه)) ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله. والخلق كلهم يسألون الله مؤمنهم وكافرهم، وقد يجيب اللّه دعاء الكفار، فإن الكفار يسألون اللّه الرزق فيرزقهم ويسقيهم ، وإذا مسهم الضر فى البحر ضل من يدعون إلا إياه، فلما نجاهم إلى البر أعرضوا وكان الإنسان كفوراً. وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون. فالسؤال كقول السائل لله: أسألك بأن لك الحمد أنت اللّه المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام . وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك . فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته ، وليس ذلك إِقساماً عليه ، فإن أفعاله هى مقتضى أسمائه وصفاته ، فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم ، وعفوه من مقتضى اسمه العفو؛ ولهذا لما قالت عائشة للنبى صلى الله عليه وسلم: ٢٠٦ إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال «قولى : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى )) . وهدايته ودلالته من مقتضى اسمه الهادى ، وفى الأثر المنقول عن أحمد ابن حنبل أنه أمر رجلا أن يقول: يادليل الحيارى دلنى على طريق الصادقين، واجعلنى من عبادك الصالحين . وجميع ما يفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب ، ولهذا يقال فى الدعاء: يارب! يارب! كما قال آدم: (رَبَّنَا ظَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْلَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ)، وقال نوح: (رَبِّ إِنِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَالَيْسَلِیبِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ) وقال إبراهيم: (زَّبَّنَآ إِّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ... ) وكذلك سائر الأنبياء. وقد كره مالك وابن أبى عمران من أصحاب أبى حنيفة وغيرهما أن يقول الداعی یاسیدی! یاسیدی! وقالوا : قل كما قالت الأنبياء: ربّ ! رب! واسمه الحى القيوم يجمع أصل معانى الأسماء والصفات كما قد بسط هذا فى غير هذا الموضع، ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقوله إذا اجتهد فى الدعاء. فإذا سئل المسئول بشىء - والباء للسبب - سئل بسبب يقتضى وجود المسئول. فإذا قال: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض كان كونه محموداً مناناً بديع السموات والأرض يقتضى أن يمن على عبده السائل ٢٠٧ وكونه محموداً هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه ، وحمد العبد له سبب إجابة دعائه؛ ولهذا أمر المصلى أن يقول: ((سمع الله لمن حمده)) أى استجاب الله دعاء من حمده، فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول كقوله صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن دعاء لا يسمع ، أى لا يستجاب. ومنه قول الخليل فى آخر دعائه ( إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) ومنه قوله تعالى : (وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ) وقوله: (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْأُسَفَعُونَ لِلْكَذِبِ سَفَعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْيَأْتُوَكَ ) أى يقبلون الكذب ، ويقبلون من قوم آخرين لم يأتوك ولهذا أمر المصلى أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله سبحانه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رآه يصلى ويدعو ولم يحمد ربه ولم يصل على نبيه فقال ((عجل هذا ) ثم دعاه فقال ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه وليصل على النبى صلى الله عليه وسلم وليدع بعد بما شاء)) أخرجه أبو داود والترمذى وصححه. وقال عبد الله بن مسعود: کنت أصلى والنی صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر معه ، فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم بالصلاة على نبيه ثم دعوت لنفسی فقال النبى صلى الله عليه وسلم « سل تعطه » رواه الترمذى وحسنه. فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت ، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك ، ٢٠٨ (وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم . قال تعالى : الَّأَسْمَعَهُمْ) ثم قال ( وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ) على هذه الحال التى هم عليها لم يقبلوا الحق ثم (لَنَوَلَواْوَّهُمْ مُعْرِضُونَ)، فذمهم بأنهم لا يفهمون القرآن ولو فهموه لم يعملوا به . وإذا قال السائل لغيره : أسأل بالله فإنما سأله بإيمانه بالله ، وذلك سبب لإعطاء من سأله به ، فإنه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق ، لا سما إن كان المطلوب كف الظلم، فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم ، وأمره أعظم الأسباب فى حض الفاعل ، فلا سبب أولى من أن يكون مقتضيا لمسببه من أمر الله تعالى . وقد جاء فى حديث رواه أحمد فى مسنده وابن ماجة عن عطية العوفى عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول فى دعائه: ((وأسألك بحق السائلين عليك وبحق مشاى هذا فإنى لم أخرج أشراً ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاء سخطك ، وابتغاء مرضاتك» . فإن كان هذا صحيحاً فحق السائلين عليه أن يجيبهم ، وحق العابدين له أن يشيهم، وهو حق أوجبه على نفسه لهم، كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذى جعله سبباً لإجابة الدعاء كما فى قوله تعالى: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ). وكما يسأل بوعده لأن وعده يقتضى إنجاز ما وعده، ومنه قول المؤمنين : ٢٠٩ (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيَا يُنَادِى لِلْإِيمَكِنِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَيَّكُمْ فَقَامَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِرْعَنَّا سَبِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ) وقوله: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْلَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى ١ ويشبه هذا مناشدة النبى صلى الله عليه وسلم يوم بدر حيث يقول: ((اللهم أنجزلى ما وعدتنى)) وكذلك ما فى التوراة أن الله تعالى غضب على بنى إسرائيل فجعل موسى يسأل ربه ويذكر ما وعد به إبراهيم فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم. ومن السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين أووا إلى غار ، فسأل كل واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله ، لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه محبة تقتضى إجابة صاحبه: هذا سأل بيره لوالديه ، وهذا سأل بعفته التامة ، وهذا سأل بأمانته وإحسانه . وكذلك كان ابن مسعود يقول وقت السحر ((اللهم أمرتنى فأطعتك، ودعو تنی فأجبتك ، وهذا سحر فاغفر لی))، ومنه حديث ابنعمر أنه كان يقول على الصفا: ((اللهم إنك قلت، وقولك الحق (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، ((إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيعَادَ )» ثم ذكر الدعاء المعروف عن ابن عمر أنه كان يقوله على الصفا. فقد تبين أن قول القائل ((أسألك بكذا)) نوعان: فإن الباء قد تكون ٢١٠ للقسم ، وقد تكون للسبب ، فقد تكون قسما به على اللّه ، وقد تكون سؤالا بسببه. فأما الأول: فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على الخالق؟. وأما الثانى وهو السؤال بالمعظم كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع، وقد تقدم عن أبى حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز ذلك ، ومن الناس من يجوز ذلك، فنقول: قول السائل لله تعالى: ((أسألك بحق فلان وفلان من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم ، أو بجاه فلان أو بحرمة فلان)) يقتضى أن هؤلاء لهم عند الله جاه، وهذا صحيح. فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة يقتضى أن يرفع الله درجاتهم ويعظم أقدارهم ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا ، مع أنه سبحانه قال: ( مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) . ويقتضى أيضاً أن من اتبعهم واقتدى بهم فيما سن له الاقتداء بهم فيه كان سعیداً ، ومن أطاع أمرهم الذی بلغوهعن الله كان سعيداً ، ولکن ليس نفس مجرد قدرهم وجاههم مما يقتضى إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك ، بل جاههم ينفعه أيضاً إذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به عن اللّه، أو تأسى بهم فيما سنوه للمؤمنين ، وينفعه أيضاً إذا دعوا له وشفعوا فيه. فأما إذا لم يكن منهم دعاء ولا شفاعة ، ولا منه سبب يقتضى الإجابة ، لم يكن متشفعاً بجاههم ولم يكن سؤاله باههم نافعاً له عند الله، بل يكون قد سأل ٢١١ بأمر أجنبى عنه ليس سبباً لنفعه. ولو قال الرجل لمطاع كبير: «أسألك بطاعة فلان لك ، وبحبك له على طاعتك ، وبجاهه عندك الذى أوجبته طاعته لك لكان قد سأله بأمر أجنبى لا تعلق له به، فكذلك إحسان الله إلى هؤلاء المقربين ومحبته لهم وتعظيمه لأقدارهم مع عبادتهم له وطاعتهم إياه ليس فى ذلك مايوجب إجابة دعاء من يسأل بهم، وإنما يوجب إجابة دعائه بسبب منه لطاعته لهم ، أو سبب منهم لشفاعتهم له، فإذا انتفى هذا وهذا فلا سبب . نعم لو سأل الله بإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم ومحبته له وطاعته له واتباعه لكان قد سأله بسبب عظيم يقتضى إجابة الدعاء بل هذا أعظم الأسباب والوسائل . والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن شفاعته فى الآخرة تنفع أهل التوحيد لا أهل الشرك، وهى مستحقة لمن دعاله بالوسيلة كما فى الصحيح أنه قال ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علىَّ فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا اللّه لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو ذلك العبد. فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة )) وفى الصحيح أن أبا هريرة قال له : أی الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال (( من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)). فبين صلى الله عليه وسلم أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم توحيداً وإخلاصاً ، لأن التوحيد جماع الدين والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ، فإذا شفع محمدا صلى الله عليه وسلم حد له ربه حداً فيدخلهم الجنة ، وذلك بحسب ٢١٢ ما يقوم بقلوبهم من التوحيد والإيمان. وذكر صلى الله عليه وسلم أنه من سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة، فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان، وبالدعاء الذى سن لنا أن ندعو له به. وأما السؤال بحق فلان فهو مبنى على أصلين : أحدهما ما له من الحق عند الله، والثانى هل نسأل الله بذلك كما نسأل بالجاه والحرمة؟. أما الأول فمن الناس من يقول : للمخلوق على الخالق حق يعلم بالعقل، وقاس المخلوق على الخالق ، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة وغيرهم. ومن الناس من يقول : لاحق للمخلوق على الخالق بحال ، لكن يعلم ما يفعله بحكم وعده وخبره، كما يقول ذلك من يقوله من أتباع جهم والأشعرى وغيرهما ممن ينتسب إلى السنة . ومنهم من يقول: بل كتب الله على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه حقاً لعباده المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه ، لم يوجب ذلك مخلوق علیه ولا يقاس بمخلوقاته ، بل هو بحكم رحمته وحكمته وعدله كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم كما قال فى الحديث الصحيح الإلهى: «يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)) . وقال تعالى: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ). وقال تعالى: (وَكَانَ حَقَّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) وفى الصحيحين عن معاذ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يا معاذ، أتدرى ماحق الله على ٢١٣ عباده؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. يا معاذ، أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت الله ورسوله أعلم قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم، فعلى هذا القول لأنبيائه وعباده الصالحين عليه سبحانه حق أوجبه على نفسه مع إخباره، وعلى الثانى يستحقون ما أخبر بوقوعه وإن لم یکن ثم سبب يقتضيه. فمن قال ليس للمخلوق على الخالق حق يسأل به - كما روى أن الله تعالى قال لداود : وأی حق لآ بائك علىّ ؟ - فهو صحيح إذا أريد بذلك أنه ليس للمخلوق عليه حق بالقياس والاعتبار على خلقه كما يجب للمخلوق على المخلوق ، وهذا كما يظنه جهال العباد من أن لهم على الله سبحانه حقاً بعبادتهم. وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعله يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق كالذين يخدمون ملوكهم وملاكهم فيجلبون لهم منفعة ويدفعون عنهم مضرة ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك ، ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه: ألم أفعل كذا ؟ يمن عليه بما يفعله معه ، وإن لم يقله بلسانه كان ذلك فى نفسه . وتخيل مثل هذا فى حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه ، ولهذا بين سبحانه أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه وأن الله غنى عن الخلق كما فى قوله تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا) وقوله تعالى: (مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا وقوله تعالى : فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَأُ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ) ٢١٤ ( إِن تَكْفُرُ واْ فَإِنَ اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ وَلَ يَرْضَى لِعِبَادِالْكُفْرَّوَإِن تَشْكُرُوَرَضَهُ لَكُمْ ) وقوله وقال تعالى : تعالى: (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّكَرِيمٌ ) فى قصة موسى عليه السلام: (لَيِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَىّ إِن تَكْفُرُواْأَنْثُمْ وَمَن فِ آلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ) وقال تعالى: (وَلَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا) وقال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَن كَفَرَ فَإِنَّاللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ). وقد بين سبحانه أنه المان بالعمل فقال تعالى: ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَىَ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْأَنْ هَدَنَكُمْ لِلإِيَمَنِ إِنَ كُمْ صَدِقِينَ) وقال تعالى: (وَأَعْلَمُوْأَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمِّلَعَنْتُمْ وَلَكِنَّاللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِمَنَ وَزَّتَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَإِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَلْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَّ أُوْلَكَ هُمُ اُلَّشِدُونَ * فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). وفى الحديث الصحيح الإلهى: ((يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضرونى ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى . يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً ولا أبالى ، فاستغفرونى أغفر لكم . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئاً . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان منهم ٢١٥ مسألته ما نقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)). وبين الخالق تعالى والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة. (منها) أن الرب تعالى غنى بنفسه عما سواه ، ويمتنع أن يكون مفتقراً إلى غيره بوجه من الوجوه. والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية. و(منها ) أن الرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة التائبين فهو الذى يخلق ذلك وييسره فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته. وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقرون بأن الله هو المنعم على عباده بالإيمان ، بخلاف القدرية . والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره. و (منها ) أن الرب تعالى أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم كما قال قتادة: إن اللّه لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا ينهاهم عما نهاهم عنه بخلا عليهم ، بل أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم . بخلاف المخلوق الذى يأمر غيره بما يحتاج إليه وينهاه عما ينهاه بخلا عليه . وهذا أيضا ظاهر على مذهب السلف وأهل السنة الذين يثبتون حكمته ورحمته ويقولون: إنه لم يأمر العباد إلا بخير ينفعهم ، ولم ينهم إلا عن شر يضرهم؛ بخلاف المجبرة الذين يقولون: إنه قد يأمرهم بما يضرهم وينهاهم عما ينفعهم. و (منها) أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وهو المنعم بالقدرة والحواس وغير ذلك مما به يحصل العلم والعمل الصالح، وهو الهادى لعباده، فلا حول ولا قوة إلا به. ولهذا قال أهل الجنة: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا ٢١٦ لِهَذَا وَمَاكُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَا ◌َللَّهُلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيِّنَابِا ◌َحَقّ ) وليس يقدر المخلوق على شىء من ذلك . و (منها) أن نعمه على عباده أعظم من أن تحصى، فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة لم تقم العبادة بشكر قليل منها ، فكيف والعبادة من نعمته أيضاً . و(منها) أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته ، فلن يدخل أحد الجنة بعمله ، وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة الله لها: (وَلَوْيُؤَاخِذُ الهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوْمَاتَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ ) وقوله صلى اللّه عليه وسلم ((لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله)) لا يناقض قوله تعالى: (جَزَآءً ◌ِمَا كَانُواْيَعْمَلُونَ ). فإن المنفى نفى بياء المقابلة والمعاوضة كما يقال بعت هذا بهذا ، وما أثبت أثبت بياء السبب ، فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سببا للجزاء، ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال ، كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لن يدخل أحد الجنة بعمله ، قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال ولا أنا، إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل)، وروى ((بمغفرته)) ومن هذا أيضاً الحديث الذى فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم. ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم ، الحديث . ومن قال: بل للمخلوق على الله حق فهو صحيح إذا أراد به الحق الذى أخبر ٢١٧ الله بوقوعه، فإن الله صادق لا يخلف الميعاد، وهو الذى أوجبه على نفسه بحكمته وفضله ورحمته ، وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله تعالى به يسأل الله تعالى إنجاز وعده، أو يسأله بالأسباب التى علق الله بها المسببات كالأعمال الصالحة ، فهذا مناسب ، وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك الشخص فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص ، وذلك سؤال بأمر أجنبى عن هذا السائل لم يسأله بسبب یناسب إجابة دعائه . وأما سؤال الله بأسمائه وصفاته التى تقتضى ما يفعله بالعباد من الهدى والرزق والنصر. فهذا أعظم ما يسأل الله تعالى به. فقول المنازع: لا يسأل بحق الأنبياء ، فإنه لا حق للمخلوق على الخالق : ممنوع ، فإنه قد ثبت فى الصحيحين حديث معاذ الذى تقدم إيراده، وقال تعالى: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (٤٧:٣٠): (وَكَانَ حَقَّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ). فيقال للمنازع : الكلام فى هذا فى مقامين : - أحدهما فى حق العباد على الله . والثانى فى سؤاله بذلك الحق . أما الأول فلا ريب أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيهم ووعد السائلين بأن يجيبهم، وهو الصادق الذى لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ قِيلًا)، (وَعْدَ اللَّهِ لَ يُخْلِفُ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ): (فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ) فهذا مما يجب وقوعه ٢١٨ بحكم الوعد باتفاق المسلمين . وتنازعوا : هل عليه واجب بدون ذلك؟ على ثلاثة أقوال - كما تقدم. قیل : لا يجب لأحد عليه حق بدون ذلك. وقيل : بل يجب عليه واجبات ويحرم عليه محرمات بالقياس على عباده. وقيل : هو أو جب على نفسه وحرم على نفسه ، فيجب عليه ما أوجبه على نفسه ، ويحرم عليه ما حرمه على نفسه ، كما ثبت فى الصحيح من حديث أبى ذر كما تقدم. والظلم ممتنع منه باتفاق المسلمين ، لكن تنازعوا فى الظلم الذى لا يقع فقيل: هو الممتنع وكل يمكن يمكن أن يفعله لا يكون ظلما، لأن الظلم إما التصرف فى ملك الغير، وإما مخالفة الأمر الذى يجب عليه طاعته وكلاهما ممتنع منه . وقيل : بل ما كان ظلما من العباد فهو ظلم منه : وقيل : الظلم وضع الشىء فى غير موضعه فهو سبحانه لا يظلم الناس شيئا قال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَاهَضْمًا ) قال المفسرون: هو أن يحمل عليه سيئات غيره ويعاقب بغير ذنبه ، والهضم أن يهضم من حسناته. وقال تعالى: (إِنَّاللََّ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ أَخْرًا عَظِيمًا)،: ( وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ). وأما المقام الثانى فإنه يقال : ما بین الله ورسوله أنه حق للعباد على الله فهو ٢١٩ حق ؛ لكن الكلام فى السؤال بذلك ، فيقال: إن كان الحق الذی سال به سييا لإجابة السؤال حسن السؤال به كالحق الذى يجب لعابديه وسائليه. وأما إذا قال السائل: بحق فلان وفلان ، فأولئك إذا كان لهم عند الله حق أن لا يعذبهم وأن يكرمهم بثوابه ويرفع درجاتهم - كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه - فليس فى استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله ما يكون سبباً المطلوب هذا السائل ، فإن ذلك استحق ما استحقه بما يسره الله له من الإيمان والطاعة . وهذا لا يستحق ما استحقه ذلك . فليس فى إكرام الله لذلك سبب يقتضى إجابة هذا . وإن قال : السبب هو شفاعته ودعاؤه فهذا حق إذا كان قد شفع له ودعا له، وإن لم يشفع له ولم يدع له لم يكن هناك سبب. وإن قال : السبب هو محتی له وإيمانى به وموالاتی له ، فهذا سبب شرعی وهو سؤال الله وتوسل إليه بإيمان هذا السائل ومحبته لله ورسوله؛ وطاعته لله ورسوله لكن يجب الفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله: فمن أحب مخلوقا كما يحب الخالق فقد جعله نداً لله، وهذه المحبة تضره ولا تنفعه، وأما من كان الله تعالى أحب إليه مما سواه، وأحب أنبياءه وعباده الصالحين له خبه لله تعالى هو أنفع الأشياء، والفرق بين هذين من أعظم الأمور. فإن قيل : إذا كان التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته على وجهين - تارة يتوسل بذلك إلى ثوابه وجنته ( وهذا أعظم الوسائل) ، وتارة يتوسل بذلك ٢٢٠