النص المفهرس
صفحات 181-200
فيه ؛ فإنهم ينهون عن الشرك بهم . بل فيه منفعة، وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما يفعلونه حينئذ من نفع الخلق كلهم ، فإنهم فى دار العمل والتكليف ، وشفاعتهم فى الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة . وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التى لا يجب عليهم فعلها ليس واجباً على السائل ولا مستحباً ، بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل عليه . وسؤال الخلق فى الأصل محرم ، لكنه أبيح للضرورة ، وتركه توكلا على اللّه أفضل، قال تعالى: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب ) أى ارغب إلى اللّه لا إلى غيره، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْ مَآءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغْبُونَ) جعل الإيتاء لله والرسول لقوله تعالى: ( وَمَآ ءَانَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَمَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ ) فأمرهم بإرضاء الله ورسوله. وأما فى الحسب فأمرهم أن يقولوا (حَسْبُنَا اللَّهُ) لا يقولوا: حسبنا الله ورسوله. ويقولوا: ( إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ) لم يأمرهم أن يقولوا: إنا لله ورسوله راغبون، فالرغبة إلى اللّه وحده كما قال تعالى فى الآية الأخرى: (وَمَن يُطِعِاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ ) جعل الطاعة للّه والرسول ، وجعل الخشية والتقوى لله وحده . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس ((ياغلام! إنى معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما ١٨١ أنت لاق، فلو جهدت الخليقة على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه اللهعليك، فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فأفعل ، فإن لم تستطع فإن فى الصبر على ماتكره خيراً كثيراً)» ، وهذا الحديث معروف مشهور،ولكن قديروى مختصراً. وقوله ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)) هو من أصح ما روى عنه. وفى المسند لأحمد أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولنى إياه، ويقول: إن خليلى أمرنى أن لا أسأل الناس شيئاً . وفى صحيح مسلم عن عوف بن مالك أن النبى صلى الله عليه وسلم بايع طائفة من أصحابه وأسر إليهم كلة خفية : أن لا تسألوا الناس شيئا . قال عوف : فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولنى إياه . وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((يدخل من أمتى الجنة سبعون ألفاً بغير حساب))، وقال: ((هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكاون )) فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون، أى لا يطلبون من أحد أن يرقيهم. والرقية من جنس الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك . وقد روى فيه ((ولا يرقون)) وهو غلط ، فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقى نفسه وغيره ولم يكن يسترقى، فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء لنفسه ولغيره ، وهذا مأمور به ، فإن الأنبياء كلهم سألوا اللّه ودعوه كما ذكر الله ذلك فى قصة آدم وإبراهيم وموسی وغيرهم. ١٨٢ وما يروى أن الخليل لما ألقى فى المنجنيق قال له جبريل: سل، قال ((حسبى من سؤالى علمه بحالى )، ليس له إسناد معروف وهو باطل ، بل الذى ثبت فى الصحيح عن ابن عباس أنه قال (( حسبى الله ونعم الوكيل)) قال ابن عباس : قالها إبراهيم حين ألقى فى النار، وقالها محمد حين: (قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ ) وقد روى أن جبريل قال: هل لك من حاجة؟ قال ((أما إليك فلا)) وقد ذكر هذا الإمام أحمد وغيره. وأما سؤال الخليل لربه عز وجل فهذا مذكور فى القرآن فى غير موضع فكيف يقول حسبى من سؤالى علمه بحالى ، واللّه بكل شىء عليم، وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه ، لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسباباً لما يرتبه عليها من إثا بة العابدين، وإجابة السائلين . وهو سبحانه يعلم الأشياء على ماهى عليه، فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ينافى أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار ، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التى تقضى بها حاجته ، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التى بها ينال كرامته. ولكن العبد قد يكون مأموراً فى بعض الأوقات بما هو أفضل من الدعاء كما روى فى الحديث ((من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» وفى الترمذى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من شغله قراءة القرآن عن ذكرى ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ، قال الترمذی حدیث حسن غريب . وأفضل العبادات البدنية الصلاة ، وفيها القراءة والذكر والدعاء، وكل ١٨٣ واحد فى موطنه مأمور به ، ففى القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن ، وفى الركوع والسجود ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر بالتسبيح والذكر وفى آخرها يؤمر بالدعاء كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو فى آخر الصلاة ويأمر بذلك والدعاء فى السجود حسن مأمور به ويجوز الدعاء فى القيام أيضاً وفى الركوع ، وإن كان جنس القراءة والذكر أفضل فالمقصود أن سؤال العبد لربه السؤال المشروع حسن مأمور به . وقد سأل الخليل وغيره ، قال تعالى عنه: (رَبَّنَآ إِنِّى أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٌ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِيٍإِلَيْهِمْ وَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا تُخْفِى وَمَا نُعْلِقٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اَللَّهِ مِن شَىْءٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقّ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِ مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِىَّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا أَغْفِرْلِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ اُلْحِسَابُ ) وقال تعالى: (وَ إِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَانَقَبَّلْ مِنََّإِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّقِنَآَ أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَّكَ صلى وَأَرِنَا مَنَا سِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآَ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَنِبِزُ الْحَكِيمُ ). وكذلك دعاء المسلم لأخيه حسن مأمور به ، وقد ثبت فى الصحيح عن أبى الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما من رجل يدعو ١٨٤ لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله » أى بمثل ما دعوت لأخيك به . وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضى حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به ؛ بخلاف سؤال العلم فإن الله أمر بسؤال العلم كما فى قوله تعالى: (فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وقال تعالى: (فَإِنَكُنْتَ فِي شَكٍ مِّمَّا أَنَزَلْنَآَ ، وقال تعالى : إِلَيْكَ فَسَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُ ونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ) (وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن ◌ُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ) وهذا لأن العلم يجب بذله، فمن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة . وهو يزكو على التعليم ، لا ينقص بالتعليم كما تنقص الأموال بالبذل، ولهذا يشبه بالمصباح. وكذلك من له عند غيره حق من عين أو دين كالأمانات مثل الوديعة والمضاربة ، لصاحبها أن يسألها ممن هى عنده، وكذلك مال الفيء وغيره من الأموال المشتركة التى يتولى قسمتها ولىُ الأمر ، للرجل أن يطلب حقه منه كما يطلب حقه من الوقف والميراث والوصية ؛ لأن المستولى يجب عليه أداء الحق إلى مستحقه . ومن هذا الباب سؤال النفقة لمن تجب عليه ، وسؤال المسافر الضيافة لمن تجب عليه كما استطعم موسى والخضر أهل القرية . وكذلك الغريم له أن يطلب دينه ممن هو عليه. وكل واحد من المتعاقدين له أن يسأل الآخر أداء حقه إليه : ١٨٥ فالبائع يسأل الثمن، والمشترى يسأل المبيع. ومن هذا الباب قوله تعالى: (وَأَتَّقُواْ اللّهُ الَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمَ). ومن السؤال مالا يكون مأموراً به، والمسئول مأمور بإجابة السائل. قال تعالى: ( وَأَمَّاُلسَّآئِلَ فَلَ غَنْهَرْ) وقال تعالى: ( وَاُلَّذِينَ فِيَّ أَمَّوَلِهِمْ حَقٌ مَعَلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ ) وقال تعالى: (فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) ومنه الحديث (إن أحدكم ليسألنى المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا)، وقوله ((اقطعوا عنى لسان هذا)) وقد يكون السؤال منهياً عنه نهى تحريم أو تنزيه ، وإن كان المسئول مأمورا يإجابة سؤاله. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان من كماله أن يعطى السائل، وهذا فى حقه من فضائله ومناقبه ، وهو واجب أو مستحب ، وإنكان نفس سؤال السائل منهياً عنه. ولهذا لم يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئاً من ذلك، ولا سألوه أن يدعو لهم وإن كانوا يطلبون منه أن يدعو للمسلمين ، كما أشار عليه عمر فى بعض مغازيه لما استأذنوه فى نحر بعض ظهرهم فقال عمر : يارسول الله كيف بنا إذا لقينا العدو غداً رجالا جياعا ولكن إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها ثم تدعو الله بالبركة فإن الله يبارك لنا فى دعوتك. وفى رواية: فإن اللّه سيغيثنا بدعائك. وإنما كان سأله ذلك بعض المسلمين كما سأله الأعمى أن يدعو الله له ليردعليه بصره، وكما سألته أم سليم أن يدعو الله لخادمه أنس، وكما سأله أبو هريرة أن يدعو الله أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين ، ونحو ذلك. وأما الصديق فقد قال اللّه فيه وفى مثله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى * الَّذِى يُؤْتِى ١٨٦ مَالَهُ يَتَزَّكَى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُمِن نِعْمَةٍ تُجْرَ * إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِرَبِّهِالْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى) وقد ثبت فى الصحاح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم ((ان أمَنَّ الناس علينا فى صحبته وذات يده أبو بكر ، ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) فلم يكن فى الصحابة أعظم منه من الصديق فى نفسه وماله . وكان أبو بكر يعمل هذا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من مخلوق، فقال تعالى ( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى * الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزََّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْرَىَ * إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِرَبِهِآلْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) فلم يكن لأحد عند الصديق نعمة تجزى ؛ فإنه كان مستغنيا بكسبه وماله عن كل أحد ، والنبى صلى الله عليه وسلم كان له على الصديق وغيره نعمة الإيمان والعلم ، وتلك النعمة لا تجزى ، فإن أجر الرسول فيها على اللّه كما قال تعالى: (وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّإِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ). وأما على وزيد وغيرهما فإن النبى صلى الله عليه وسلم كان له عندهم نعمة تجزى، فإن زيداً كان مولاه فأعتقه. قال تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَاللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) وعلى كان فى عيال النبى صلى الله عليه وسلم لجدب أصاب أهل مكة فأراد النبى صلى الله عليه وسلم والعباس التخفيف عن أبى طالب من عياله، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم علياً إلى عياله وأخذ العباس جعفراً إلى عياله، وهذا مبسوط فى موضع آخر . والمقصود هنا أن الصديق كان أمن الناس فى صحبته وذات يده لأفضل ١٨٧ الخلق رسول الله صلىالله عليه وسلم ؛ لكونه کان ینفق ماله فى سبيل الله كاشترائه المعذبين. ولم يكن النبى صلى الله عليه وسلم محتاجاً فى خاصة نفسه لا إلى أبى بكر ولا غيره ، بل لما قال له فى سفر الهجرة : إن عندى راحلتين نفذ إحداهما ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((بالثمن)) فهو أفضل صديق لأفضل نبى، وكان من كماله أنه لا يعمل ما يعمله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاء من أحد من الخلق ، لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم. ومن الجزاء أن يطلب الدعاء ، قال تعالى عمن أثنى عليهم: (إِنَّمَفْطِعِمُكُمْلِوَجْهِ اللَّهِلَا نُرِيِدُ مِنكُوْ جَزَةَ وَلَا شَكُورًا ) والدعاء جزاء كما فى الحديث (( من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه)). وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل مادعوا لنا ويبقى أجرنا على الله. وقال بعض السلف : إذا قال لك السائل : بارك الله فيك ، فقل : وفيك بارك الله، فمن عمل خيراً مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبياً أو رجلا صالحاً أو ملكا من الملوك أو غنياً من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصا لله يبتغى به وجه الله ، لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره، لا من ني ولا رجل صالح ولا من الملائكة ، فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصین له الدین . وهذا هو دين الإسلام الذى بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل ١٨٨ فلا يقبل من أحد ديناً غيره ، قال تعالى: (وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ اُلْإِسْلَكِمِ دِينًا فَلَنْ وكان نوح وإبراهيم وموسى يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ) والمسيح وسأثر أتباع الأنبياء عليهم السلام على الإسلام ، قال نوح : (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) وقال عن إبراهيم : (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدٍ أَصْطَفَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى اَلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ * إِذْقَالَ لَهُرَبُّهُ: أَسْلِمَّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ * وَوَصَّى بِهَآ إِبَهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّإِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِنْ كُمْ ءَامَنُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَلُواْإِن كُنُم مُّسْلِمِينَ ) وقالت السحرة: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفََّا مُسْلِمِينَ) وقال يوسف: (تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ)، وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيَهَا هُدَّى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ج الَّذِينَ أَسْلَمُواْلِلَّذِينَ هَادُواْ) وقال عن الحواريين: (وَإِذْأَوَحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبْكِنَ أَنْ ءَامِنُواْبِى وَبِرَسُولِى قَالُواْءَامَنَا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ). ودين الإسلام مبنى على أصلين : أن نعبد الله وحده لا شريك له ، وأن نعبده بما شرعه من الدين وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب، فيعبد فى كل زمان بما أمر به فى ذلك الزمان . فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان العاملون بها مسلمين ، وكذلك شريعة الإنجيل . وكذلك فى أول الإسلام لما كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى إلى بيت المقدس كانت صلاته إليه من الإسلام ، ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة كانت الصلاة إليها من الإسلام ، والعدول عنها إلى الصخرة خروجاً عن دين ١٨٩ الإسلام . فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بما شرعه الله من واجب ومستحب فليس بمسلم . ولا بد فى جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصة لله رب العالمين ؛ كما قال تعالى: ( وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ فُهُمُ الْبَيْنَةُ * وَمَا أُمِرُوّاً إِلَّا لِيَعْبُدُواْاللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) وقال تعالى: ( تَنزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الّذِينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ). فكل ما يفعله المسلم من القرَب الواجبة والمستحبة ، كالإيمان بالله ورسوله والعبادات البدنية والمالية ومحبة الله ورسوله والإحسان إلى عباد الله بالنفع والمال هو مأمور بأن يفعله خالصاً لله رب العالمين ، لا يطلب من مخلوق عليه جزاء: لا دعاء ولا غير دعاء ، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء ، لادعاء ولا غيره. وأما سؤال المخلوق غير هذا فلا يجب بل ولا يستحب إلا فى بعض المواضع، ويكون المسئول مأموراً بالإعطاء قبل السؤال ، وإذا كان المؤمنون ليسوا مأمورين بسؤال المخلوقين فالرسول أولى بذلك صلى الله عليه وسلم، فإنه أجل قدراً وأغنى باللّه عن غيره. فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد : مفسدة الافتقار إلى غير اللّه وهى من نوع الشرك. ومفسدة إيذاء المسئول وهى من نوع ظلم الخلق. ١٩٠ وفيه ذل لغير اللّه وهو ظلم للنفس. فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة، وقد نزه الله رسوله عن ذلك كله . وحيث أمر الأمة بالدعاء له فذاك من باب أمرهم بما ينتفعون به كما يأمرهم بسائر الواجبات والمستحبات، وإن كان هو ينتفع بدعائهم له فهو أيضاً ينتفع بما يأمرهم به من العبادات والأعمال الصالحة ، فإنه ثبت عنه فى الصحيح أنه قال: « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شىء))، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الداعى إلى ما تفعله أمته من الخيرات ، فما يفعلونه له فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شىء. ولهذا لم تجر عادة السلف بأن يهدوا إليه ثواب الأعمال ، لأن له مثل ثواب أعمالهم بدون الإهداء من غير أن ينقص من ثوابهم شىء. وليس كذلك الأبوان ، فإنه ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره ، وإنما ينتفع الوالد بدعاء الولد ونحوه مما يعود نفعه إلى الأب، كما قال فى الحديث الصحيح: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له)) . فالنبي صلى الله عليه وسلم - فيما يطلبه من أمته من الدعاء - طلبه طلب أمر وترغيب ليس بطلب سؤال . فمن ذلك أمره لنا بالصلاة والسلام عليه، فهذا أمر الله به فى القرآن بقوله: (صَلُّواْعَلَيْهِ وَسَلِّمُواتَسْلِيمًا ). والأحاديث عنه فى الصلاة والسلام معروفة. ١٩١ ومن ذلك أمره بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود كما ثبت فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على ، فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة)) ، وفى صحيح البخارى عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قال حين سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة ، وابعثه مقاماً محموداً الذى وعدته إنك لا تخلف الميعاد . حلت له شفاعتي يوم القيامة )) فقد رغب المسلمين فى أن يسألوا الله له الوسيلة، وبين أن من سألها له حلت له شفاعته يوم القيامة؛ كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشراً، فإن الجزاء من جنس العمل . ومن هذا الباب الحديث الذى رواه أحمد وأبو داود والترمذى وصححه وابن ماجة أن عمر بن الخطاب استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فى العمرة فأذن له ثم قال ((لا تنسنا يا أخى من دعائك)) فطلب النبى صلى الله عليه وسلم من عمر أن يدعو له كطلبه أن يصلى عليه، ويسلم عليه ، وأن يسأل الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة ، وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات ، فمقصوده نفع المطلوب منه والإحسان إليه . وهو صلى الله عليه وسلم أيضاً ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به ، وينتفع أيضاً بالخير الذى يفعلونه من الأعمال الصالحة ومن دعائهم له . ١٩٢ ومن هذا الباب قول القائل : إنى أكثر الصلاة عليك ، فكم أجعل لك من صلاتى؟ قال ((ما شئت)) قال: الربع؟ قال: ((ماشئت، وإن زدت فهو خير لك)) قال: النصف؟ قال ((ما شئت، وإن زدت فهو خير لك)) قال: الثلثين؟ قال (( ما شئت، وإن زدت فهو خير لك )) قال : أجعل لك صلاتى كلها ؟ قال «إذا تکفی همك ويغفر لك ذنبك » رواه أحمد فى مسنده والترمذى وغيرهما . وقد بسط الكلام عليه فى ( جواب المسائل البغدادية ) . فإن هذا كان له دعاء يدعو به ، فإذا جعل مكان دعائه الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم كفاه الله ما أهمه من أمر دنياه وآخرته ، فإنه كلما صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة ((آمين، ولك بمثله)) فدعاؤه للنبى صلى الله عليه وسلم أولى بذلك. ومن قال لغيره من الناس: ادع لى - أو لنا - وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضا بأمره ويفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل الخير فهو مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤتم به ليس هذا من السؤال المرجوح. وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه ، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به فى ذلك ، بل هذا هو من السؤال المرجوح الذى تركه إلى الرغبة إلى الله ورسوله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله. وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع. ١٩٣ وأما سؤال الميت فليس بمشروع ، لا واجب ولا مستحب ؛ بل ولا مباح ؛ ولم يفعل هذا قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة ، لأن ذلك فيه مفسدة راجحة وليس فيه مصلحة راجحة ، والشريعة إنما تأمر بالمصالح الخالصة أو الراجحة ، وهذا ليس فيه مصلحة راجحة بل إما أن يكون مفسدة محضة أو مفسدة راجحة ، وكلاهما غير مشروع . فقد تبين أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الدعاء من غيره: هو من باب الإحسان إلى الناس الذى هو واجب أو مستحب. وكذلك ما أمر به من الصلاة على الجنائز ومن زيارة قبور المؤمنين والسلام عليهم والدعاء لهم هو من باب الإحسان إلى الموبى الذى هو واجب أو مستحب، فإن الله تعالى أمر المسلمين بالصلاة والزكاة، فالصلاة حق الحق فى الدنيا والآخرة ، والزكاة حق الخلق، فالرسول أمر الناس بالقيام بحقوق الله وحقوق عباده ، بأن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئا . ومن عبادته الإحسان إلى الناس حيث أمرهم الله سبحانه به كالصلاة على الجنائز وكزيارة قبور المؤمنين ، فاستحوذ الشيطان على أتباعه جعل قصدهم بذلك الشرك بالخالق وإيذاء المخلوق ، فإنهم إذا كانوا إنما يقصدون بزيارة قبور الأنبياء والصالحين سؤالهم أو السؤال عندهم أو أنهم لا يقصدون السلام عليهم ولا الدعاء لهم كما يقصد بالصلاة على الجنائز كانوا بذلك مشركين ، مؤذين ظالمين لمن يسألونه ، وكانوا ظالمين لأنفسهم. فجمعوا بين أنواع الظلم الثلاثة. ١٩٤ فالذى شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد فى المعاش والمعاد ، وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد فى المعاش والمعاد. فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى: (وَأَعْبُدُ واْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ ) وهذا أمر بمعالى الأخلاق، وهو سبحانه يحب معالى الأخلاق ويكره سفسافها. وقد روى عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((إنما بعثت لأتم مكارم الأخلاق )) رواه الحاكم فى صحيحه ، وقد ثبت عنه فى الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى))، وقال: ((اليد العليا هى المعطية ، واليد السفلى السائلة )) وهذا ثابت عنه فى الصحيح. فأين الإحسان إلى عباد الله من إيذائهم بالسؤال والشحاذة لهم ؟ وأين التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له والتوكل عليه والحب له من الإشراك به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه وأن يحب كما يحب الله؟ وأين صلاح العبد فى عبودية اللّه والذل له والافتقار إليه من فساده فى عبودية المخلوق والذل له والافتقار إلیه؟. فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التى تصلح أمور أصحابها فى الدنيا والآخرة ، ونهى عن الأنواع الثلاثة التى تفسد أمور أصحابها . ١٩٥ ولكن الشيطان يأمر بخلاف ما يأمر به الرسول، قال تعالى: ( أَلَمْ أَعْهَذْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّءَادَمَ أَنْ لَّ تَعْبُدُواْالشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّمُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِيُّ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمُ * وَلَقَدْأَضَلَّ مِنْكُمْ جِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوْتَعْقِلُونَ ) وقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلَّا مَنِ اتََّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) وقال تعالى : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَ كَلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ ) وقال تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَا فَهُوَ لَهُ فَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمُهْتَدُونَ)، وذكر الرحمن: هو الذكر الذى أنزل الله على رسوله الذى قال فيه : ( إِنَّانَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّ ◌َهُ لَفِظُونَ ) وقال تعالى: (فَإِمَّا يَأَنِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدِّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاءَ فَلَا يَضِلُ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةٌ ضَنْكَا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْ تَنِى أَعْمَى وَقَذْكُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَنُنسَى) وقد قال تعالى: (الْمَصّ * كِتَبَّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءٌ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ) وقد قال * تعالى: ( كِتَبُّ أَنَزَ لْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضُِ وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحَا مِّنْ أَمْرِنَاً مَاكُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَأْ وَإِنَّكَ ١٩٦ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اَللَّهِالَّذِى لَهُ, مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ أَلَّإِلَى اُللَّهِ تَصِيرُالْأُمُورُ ). فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمداً صلى اللّه عليه وسلم بفعل ما أمر، وترك ماحظر، وتصديقه فيما أخبر، ولا طريق إلى الله إلا ذلك، وهذا سبيل أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند اللّه الغالبين. وكل ما خالف ذلك فهو من طرق أهل الغى والضلال، وقد نزه الله تعالى نبيه عن هذا وهذا فقال تعالى ( وَالنَّحْمِ إِذَاهَوَى * مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول فى صلاتنا عَنِ الْمَوَّ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى) ( أَهْدِنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ). وقد روى الترمذى وغيره عن عدى بن حاتم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)) قال الترمذى حديث صحيح . وقال سفيان بن عيينة : كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى . وكان غير واحد من السلف يقول : احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل ، فان فتتهما فتنة لكل مفتون. فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِنَبُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ). ١٩٧ ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله فيهم: ( يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ غَيْرَ اُلْحَقٍ وَلَا تَتَّبِعُوْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْعَن سَوَآءِ السَّبِيلِ). فالأول من الغاوين ، والثانى من الضالين . فإن الغى اتباع الهوى، والضلال عدم الهدى. قال تعالى: ( وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَلَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَهَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْتَتْرُكْهُ يَلْهَثَّ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِعَايَئِنَا فَأَقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وقال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبِّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوَأْكُلَّ ءَايَةٍ لََّيُؤْمِنُواْ بِهَا وَ إِن يَرَوْسَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ الْفَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَهُمْ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ ). ومن جمع الضلال والغی ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء. نسأل الله أن يهدينا وسائر إخواننا صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً . ١٩٨ فصل إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ ((الوسيلة)) و((التوسل)) فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه ، ويعطى كل ذى حق حقه . فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه . وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك . ويعرف ما أحدثه المحدثون فى هذا اللفظ ومعناه . فإن كثيرا من اضطراب الناس فى هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك فى الألفاظ ومعانيها حتى بجد أكثرهم لا يعرف فى هذا الباب فصل الخطاب . فلفظ الوسيلة مذ كور فى القرآن فى قوله تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُوْاْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) وفى قوله تعالى: (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ. فَلَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ اُلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) . فالوسيلة التى أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هى ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبات . فهذه الوسيلة التى ١٩٩ أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب ، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل فى ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا . فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول . بنجماع الوسيلة التى أمر اللهالخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك. والثانى لفظ ((الوسيلة)) فى الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم ((سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة)) وقوله ((من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاماً محموداً الذى وعدته إنك لا تخلف الميعاد ، حلت له الشفاعة )) . فهذه الوسيلة للنى صلى الله عليه وسلم خاصة. وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله وهو يرجو أن يكون ذلك العبد ، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل ، فلما دعوا للنبى صلى الله عليه وسلم استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء كما قال إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا. ٢٠٠