النص المفهرس
صفحات 161-180
وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نى الله ، يا رسول الله! ادع الله لى، سل اللّه لى، استغفر الله لى، سل الله لى أن يغفر لى أو يهدينى أو ينصرنى أو يعافيني، ولا يقول: أشكو إليك ذنوبى أو نقص رزقى أو قسلط العدو على ، أو أشكو إليك فلانا الذى ظلمنى ولا يقول: أنا نزيلك أنا ضيفك أنا جارك أو أنت بجير من يستجير ، أو أنت خير معاذ يستعاذ به . ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضراً أنه استجار بفلان ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر ، ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين ، كما يفعله النصارى فى كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو فى مغيهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام وبالنقل المتواترو بإجماع المسلمين أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يشرع هذا لأمته . و کذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئا من ذلك، بل أهل الكتاب ليس عندهم عن الانبياء نقل بذلك كما أن المسلين ليس عندهم عن نيهم نقل بذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم بإحسان ، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ، ولا ذكر أحد من الأمة لا فى مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته أو يشكو إليه مانزل بأمته من مصائب الدنيا والدين . وكان أصحابه يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته ، فتارة بالجدب ، وتارة بنقص الرزق ، وتارة بالخوف وقوة العدو ، وتارة بالذنوب والمعاصى، ١٦١ ولمْ يكن أحد منهم يأتى إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول : نشكوا إليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة الذنوب ، ولا يقول: سل اللّه لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم؛ بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التى لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين ، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين . وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهى بدعة سيئة وهى ضلالة باتفاق المسلمين ، ومن قال فى بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك اذا قام دليل شرعى أنها مستحبة ، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين إنها من الحسنات التى يتقرب بها إلى الله . ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمرَ إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسيله من سبيل الشيطان ، كما قال عبد الله ابن مسعود : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً وخط خطوطاً عن يمينه وشماله ثم قال « هذا سبیل الله، وهذه سبل علی کل سبیل منها شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْالسُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ). فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه، ولا يخالف السنة المعلومة ، وسييل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، باتباع من خالف السنة والإجماع القديم ، لاسيما وليس معه فى بدعته إمام من أئمة المسلمين ، ولا مجتهد يعتمد على قوله فى الدين ، ولا من ١٦٢ يعتبر قوله فى مسائل الإجماع والنزاع فلا ينخرم الإجماع بمخالفته، ولا يتوقف الإجماع على موافقته . ولو قدر أنه نازع فى ذلك عالم مجتهد لكان مخصوماً بما عليه السنة المتواترة وباتفاق الأئمة قبله ، فكيف إذا کان المنازع ليس من المجتهدين ولا معه دليل شرعى، وإنما اتبع من تكلم فى الدين بلا علم ، ويجادل فى اللّه بغير علم ولا هدى ولا کتاب منیر . بل إن النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه لم يشرع هذا فليس هو واجباً ولا مستحباً ، فإنه قد حرَّم ذلك وحرَّم ما يفضى إليه كما حرَّم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد : ففى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله أن النبى صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنها كم عن ذلك)) . وفى الصحيحين عن عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال قبل موته: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذر مافعلوا ، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً . واتخاذ المكان مسجداً هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد لذلك ، والمكان المتخذ مسجداً إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين . حرم صلى الله عليه وسلم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده ، لأن ذلك ١٦٣ ذريعة إلا أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله . والفعل إذا كان يفضى إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه ؛ كما نهى عن الصلاة فى الأوقات الثلاثة لما فى ذلك من المفسدة الراجحة : وهو التشبه بالمشركين الذى يفضى إلى الشرك . وليس فى قصد الصلاة فى تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع فى غير ذلك من الأوقات. ولهذا تنازع العلماء فى ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم فى هذه الأوقات، وهو أظهر قولى العلماء لأن النهى إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه فى هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت مصلحتها ، فأييحت لما فيها من المصلحة الراجحة ؛ بخلاف مالا سبب له فإنه يمكن فعله فى غير هذا الوقت فلا تفوت بالهى عنه مصلحة راجحة ، وفيه مفسدة توجب الهی عنه . فإذا كان نهيه عن الصلاة فى هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك لثلا يفضى ذلك إلى السجود للشمس ودعايها وسؤالها - كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها - كان معلوما أن دعوة الشمس ، والسجود لها هو محرم فى نفسه، أعظم تحريما من الصلاة التى نهى عنها لئلا يفضى الى دعاء الكواكب. كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنياء والصالحين مساجد - قنهى عن ١٦٤ قصدها للصلاة عندها لئلا يفضى ذلك إلى دعائهم والسجود لهم - كان دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد. ولهذا كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين : زيارة شرعية ، وزيارة بدعية . فالزيارة الشرعية أن يكون مقصود الزائر الدعاء للبيت ؛ كما يقصد بالصلاة على جنازته الدعاء له . فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه ، قال الله تعالى فى المنافقين: ( وَلَ تُصَلّ عَلَ أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًّا وَلَانَقُمْ عَلَى قَبْرِهِة ) فهى نبيه عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون . فلما نهى عن هذا وهذا لأجل هذه العلة وهى الكفر دل ذلك على انتفاء هذا النهى عند انتفاء هذه العلة . ودل تخصيصهم بالنهى على أن غيرهم يصلى عليه ويقام على قبره، إذلو كان هذا غير مشروع فى حق أحد لم يخصوا بالنهى ولم يعلل ذلك بكفرهم. ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة ، فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلى على موتى المسلمين وشرع ذلك لأمته، وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره ويقول («سلوا له التثبيت فإنه الآن يسئل » رواه أبو داود وغيره. وكان يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأحد، ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم» وفى صحيح ١٦٥ مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون)) والأحاديث فى ذلك صحيحة معروفة . فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء لهم . وهذه غير الزيارة المشتركة التى تجوز فى قبور الكفار كما ثبت فى صحيح مسلم وأبى داود والنسائى وابن ماجة عن أبى هريرة أنه قال : أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال ((استأذنت ربى فى أن أستغفرلها فلميأذن لى، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لى فزوروا القبورفإنها تذكركم الآخرة)) فهذه الزيارة التى تتفع فى تذكير الموت تشرع ولو كان المقبور كافراً، بخلاف الزيارة التى يقصد بها الدعاء للبيت فتلك لا تشرع إلا فى حق المؤمنين . وأما الزيارة البدعية فهى التى يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج ، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء . فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبى صلى الله عليه وسلم ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره، وهى من جنس الشرك وأسباب الشرك. ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم مثل أن يتخذ قبورهم مساجد لكان ذلك محرما منهياً عنه ولكان صاحبه متعرضاً لغضب الله ولعنته كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ((اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وقال (( قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)» يحذر ماصنعوا. وقال «إن من كان قبلكم كانوا ١٦٦ يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنها كم عن ذلك)). فإذا كان هذا محرما ، وهو سبب لسخط الرب ولعنته ، فكيف بمن يقصد دعاء الميت والدعاء عنده وبه واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطلبات وقضاء الحاجات!؟ وهذا كان أول أسباب الشرك فى قوم نوح وعبادة الأوثان فى الناس ، قال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم ظهر الشرك بسبب تعظيم قبور صالحيهم. وقد استفاض عن ابن عباس وغيره فى صحيح البخارى وفى كتب التفسير وقصص الأنبياء فى قوله تعالى: (وَقَالُواْلَنَذَرُنَّ ◌َالِهَّكُ وَلَنَذَرُنَّ وَدَّا وَلَ سُوَاعًا وَلَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) أن هؤلاء كانوا قوما صالحين فى قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم ، قال ابن عباس: ثم صارت هذه الأوثان فى قبائل العرب . وقد أحدث قوم من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئاً آخر ذكروه فى زيارة القبور كما ذكر ذلك ابن سينا ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره، ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم ، فإنهم لا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، ولا أنه يعلم الجزئيات ، ويسمع أصوات عباده، ويجيب دعاءهم. فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه ؛ كما أن ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم . بل هم يزعمون أن المؤثر فى حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات ١٦٧ الفلكية أو القوى الطبيعية، فيقولون : إن الإنسان إذا أحب رجلا صالحاً قد مات لا سيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية، يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشىء من ذلك - بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك - ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس ، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة ، وإن قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك المرآة ، فهكذا الشفاعة عندهم ، وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم . وفى هذا القول من أنواع الكفر مالا يخفى على من تدبره. ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وقصرفهم ما هو من أسباب ضلال بنى آدم، وجعل القبور أو ثانا هو أول الشرك، ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت وقد يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه وعانقه، وهذا يرى عند قبور الأنبياء وغيرهم ، وإنما هو شيطان ، فإن الشيطان يتصور بصور الإنس ويدعى أحدهم أنه النبى فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذباً فى ذلك. وفى هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره ، وهى كثيرة جداً ، والجاهل يظن أن ذلك الذى رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور أو النبى أو الصالح وغيرهما ، والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان ويتبين ذلك بأمور : ١٦٨ (أحدها ): أن يقرأ آية الكرسى بصدق ، فإذا قرأها تغيب ذلك الشخص أو ساخ فى الأرض أو احتجب . ولو كان رجلا صالحاً أوملكا أو جنياً مؤمناً لم تضره آية الكرسى وإنما تضر الشیاطین ، کما ثبت فى الصحيح من حديث أبى هريرة لما قال له الجنى : اقرأ آية الكرسى إذا أويت إلى فراشك فإنه لا يزال عليك من اللّه حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح . فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((صدقك وهو كذوب)). و(منها) أن يستعيذ بالله من الشياطين. و(منها) أن يستعيذ بالعوذ الشرعية، فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء فى حياتهم وتريد أن تؤذيهم وتفسد عبادتهم ، كما جاءت الجن إلى النبى صلى الله عليه وسلم بشعلة من النار تريد أن تحرقه فأتاه جبريل بالعوذة المعروفة التى تضمنها الحديث المروى عن أبى التياح أنه قال سأل رجل عبد الرحمن بن حييش وكان شيخاً كبيراً قد أدرك النبى صلى الله عليه وسلم: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كادته الشياطين؟ قال : تحدرت عليه من الشعاب والأودية ، وفيهم شيطان معه شعلة من نار یرید أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فرعب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد ((قل)) قال ((ما أقول؟)) قال قل (أعوذ بكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، من شر ما خلق وذرأ وبرا ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ، ومن شر ما يخرج من الأرض ومن شر ما ينزل فيها ، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق ، إلا طارقا یطرق بخير يارحمن » قال فطفئت نارهم وهزمهم الله عز وجل . ١٦٩ وثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن عفريتاً من الجن جاء يفتك بى البارحة ليقطع على صلاتى، فأمكنى الله عز وجل منه فذعته فأردت أن آخذه فأربطه إلى سارية من المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه، ثم ذكرت قول سليمان عليه السلام (رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَالَّا يَتْبَغِ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىّ ) فرده الله تعالى خاسئاً)). وعن عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى فأتاه الشيطان فأخذه صلى الله عليه وسلم فصرعه فقه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((حتى وجدت برد لسانه على يدى، ولولا دعوة سليمان لأصبح موثقاً حتى يراه الناس)) أخرجه النسائى وإسناده على شرط البخارى كما ذكر ذلك أبو عبد الله المقدسى فی محتاره الذىهو خیر من صحیح الحاكم. وعن أبى سعيد الخدری أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فالتبست عليه القراءة ، فلما فرغ من صلاته قال «لو رأيتمونى وإبليس ، فأهويت بيدى فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعى هاتين - الإبهام والتى تليها - ولولا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة ، فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل ) رواه الإمام أحمد فى مسنده وأبو داود فى سننه . وفى صحيح مسلم عن أبى الدرداء أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى فسمعناه يقول ((أعوذ بالله منك)) ثم قال ((ألعنك بلعنة اللّه ثلاثا)) وبسط يده كأنه يتناول شيئاً ، فلما فرغ من صلاته قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول شيئاً فى الصلاة لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك. قال ((إن عدو الله ١٧٠ إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله فى وجهى ، فقلت : أعوذ بالله منك ثلاث مرات ، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فاستأخر. ثم أردت أن آخذه ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان المدينة )). فإذا كانت الشياطين تأتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لتؤذيهم وتفسد عبادتهم ، فيدفعهم الله تعالى بما يؤيد به الأنبياء من الدعاء والذكر والعبادة ومن الجهاد باليد ؛ فكيف من هو دون الأنبياء؟. فالنبي صلى الله عليه وسلم قمع شياطين الإنس والجن بما أيده الله تعالى من أنواع العلوم والأعمال ومن أعظمها الصلاة والجهاد . وأكثر أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فى الصلاة والجهاد، فمن كان متبعا للأنبياء نصره الله سبحانه بما نصر به الأنبياء. وأما من ابتدع دينا لم يشرعوه ، فترك ما أمروا به من عبادة الله وحده لا شريك له واتباع نيه فيما شرعه لأمته ، وابتدع الغلو فى الأنبياء والصالحين والشرك بهم فإن هذا تتلعب به الشياطين، قال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَنُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَلَى رَبِهِمْ يَتَوَ كَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَّوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ) وقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّ مَنِ أَتَبَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ). و (منها) أن يدعو الرائى بذلك ربه تبارك وتعالى ليبين له الحال. و(منها) أن يقول لذلك الشخص: أأنت فلان ؟ ويقسم عليه بالأقسام المعظمة ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى غير ذلك من الأسباب التى تضر الشياطين . وهذا كما أن كثيراً من العباد يرى الكعبة قطوف به ، ويرى عرشا عظيما ١٧١ وعليه صورة عظيمة ، ويرى أشخاصاً تصعد وتنزل فيظنها الملائكة ويظن أن تلك الصورة هى الله - تعالى وتقدس - ويكون ذلك شيطانا . وقد جرت هذه القصة لغير واحد من الناس ، فمنهم من عصمه الله وعرف أنه الشيطان كالشيخ عبد القادر فى حكايته المشهورة حيث قال : كنت مرة فى العبادة فرأيت عرشا عظيما وعليه نور ، فقال لى: يا عبد القادر! أنا ربك وقد حللت لك ما حرمت على غيرك . قال : فقلت له أنت الله الذى لا إله إلا هو ؟ اخسأ يا عدو الله . قال : فتمزق ذلك النور وصار ظلمة ، وقال يا عبد القادر نجوت منى بفقهك فى دينك وعلمك وبمنازلاتك فى أحوالك . لقد فتنت بهذه القصة سبعين رجلا. فقيل له : كيف علمت أنه الشيطان ؟ قال بقوله لى ((حللت لك ما حرمت على غيرك، وقد علمت أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا تنسخ ولا تبدل، ولأنه قال أنا ربك ، ولم يقدر أن يقول أنا الله الذى لا إله إلا أنا. ومن هؤلاء من اعتقد أن المرئى هو الله، وصار هو وأصحابه يعتقدون أنهم يرون اللّه تعالى فى اليقظة ، ومستندهم ما شاهدوه. وهم صادقون فيما يخبرون به ولكن لم يعلموا أن ذلك هو الشيطان . وهذا قد وقع كثيراً لطوائف من جهال العباد ، يظن أحدهم أنه يرى الله تعالى بعينه فى الدنيا لأن كثيراً منهم رأى ماظن أنه اللّه وإنما هو شيطان. وكثير منهم رأى من ظن أنه نبى أو رجل صالح أو الخضر وكان شيطاناً . وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من رآنى فى ١٧٢ المنام فقد رآنى حقاً فإن الشيطان لا يتمثل فى صورتى «فهذا فى رؤية المنام لأن الرؤية فى المنام تكون حقاً وتكون من الشيطان فمنعه الله أن يتمثل به فى المنام، وأما فى اليقظة فلا يراه أحد بعينه فى الدنيا . فن ظن أن المرئى هو الميت فإنما أتى من جهله ، ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وبعض من رأى هذا - أو صدق من قال إنه رآه - اعتقد أن الشخص الواحد يكون بمكانين فى حالة واحدة تخالف صريح المعقول. ومنهم من يقول هذه رقيقة ذلك المرئى أو هذه روحانيته أو هذا معناه تشكل ، ولا يعرفون أنه جنی قصور بصورته. ومنهم من يظن أنه ملك ، والملك يتميز عن الجنى بأمور كثيرة ، والجن فيهم الكفار والفساق والجهال وفيهم المؤمنون المتبعون لمحمد صلى الله عليه وسلم تسليما ، فكثير ممن لم يعرف أن هؤلاء جن وشياطين يعتقدهم ملائكة. وكذلك الذين يدعون الكوا كب وغيرها من الأوثان تتنزل على أحدهم روح يقول هى روحانية الكوا كب ويظن بعضهم أنه من الملائكة وإنما هو من الجن والشياطين يغوون المشركين . والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان. فتارة خبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها . وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل وتمريض ونحو ذلك. ١٧٣ وتارة يجلبون له من يريده من الإنس . وتارة يسرقون له ما يسرقونه من أموال الناس من نقد وطعام وثياب وغير ذلك ، فيعتقد أنه من كرامات الأولياء وإنما يكون مسروقاً . وتارة يحملونه فى الهواء فيذهبون به إلى مكان بعيد. فمنهم من يذهبون به إلى مكة عشية عرفة ويعودون به فيعتقد هذا كرامة ، مع أنه لم يحج حج المسلمين : لا أحرم ولا لى ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، ومعلوم أن هذا من أعظم الضلال . ومنهم من يذهب إلى مكة ليطوف بالبيت من غير عمرة شرعية فلا يحرم إذا حاذى الميقات . ومعلوم أن من أراد نسكاً بمكة لم يكن له أن يجاوز الميقات إلا محرماً ولو قصدها لتجارة أو لزيارة قريب له أو طلب علم كان مأموراً أيضاً بالإحرام من الميقات، وهل ذلك واجب أو مستحب ؟ فيه قولان مشهوران للعلماء . وهذا باب واسع. ومنه السحر والكهانة، وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع. وعند المشركين عباد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى ومبتدعة هذه الأمة فى ذلك من الحكايات ما يطول وصفه ، فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبياً كان أو غير نى إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلاله ؛ كما أن الذين يدعونهم فى مغيبهم ويستغيثون بهم فيرون من يكون فى صورتهم أو يظنون أنه فى صورتهم ويقول أنا فلان ويكلمهم ويقضى بعض حوائجهم ، فإنهم يظنون أن الميت المستغاث به هو الذى كلهم وقضى مطلوبهم وإنما هو من الجن والشياطين . ١٧٤ ومنهم من يقول هو ملك من الملائكة، والملائكة لا تعين المشركين وإنما هم شياطين أضلوهم عن سبيل الله . وفى مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التى يعرفها من هنالك ومن وقعت له ما يطول وصفه . وأهل الجاهلية فيها نوعان : نوع یکذب بذلك كله . ونوع يعتقد ذلك كرامات الأولياء الله. فالأول يقول إنما هذا خيال فى أنفسهم لا حقيقة له فى الخارج، فإذا قالوا ذلك لجماعة بعد جماعة فمن رأى ذلك وعاينه موجوداً أو تواتر عنده ذلك عمن رآه موجوداً فى الخارج وأخبره به من لا ير تاب فى صدقه كان هذا من أعظم أسباب ثبات هؤلاء المشركين المبتدعين المشاهدين لذلك ، والعارفين به بالأخبار الصادقة . ثم هؤلاء المكذبون لذلك متى عاينوا بعض ذلك خضعوا لمن حصل له ذلك وانقادوا له واعتقدوا أنه من أولياء الله، مع كونهم يعلمون أنه لا يؤدى فرائض الله حتى ولا الصلوات الخمس، ولا يجتنب محارم الله؛ لا الفواحش ولا الظلم؛ بل يكون من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى التى وصف الله بها أولياءه فى قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَآَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُوايَتَّقُونَ ). فيرون من هو من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى له من المكاشفات ١٧٥ والتصرفات الخارقات ما يعتقدون أنه من كرامات أولياء الله المتقين. فمنهم من يرتد عن الإسلام وينقلب على عقبيه ، ويعتقد فيمن لا يصلى، بل ولا يؤمن بالرسل ؛ بل يسب الرسل ، ويتنقصهم ، أنه من أعظم أولياء اللّه المتقين . ومنهم من يبقى حائراً متردداً شاكا مرتاباً يقدم إلى الكفر رجلا وإلى الإسلام أخرى، وربما كان إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان. وسبب ذلك أنهم استدلوا على الولاية بما لا يدل عليها ، فإن الكفار والمشركين والسحرة والكهان معهم من الشياطين من يفعل بهم أضعاف أضعاف ذلك قال تعالى: (هَلْ أُنِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَُّ عَلَى كُلِّ أَفَاءٍ أَشِعٍ ). وهؤلاء لا بد أن يكون فيهم كذب وفيهم مخالفة للشرع ، ففيهم من الإثم والإفك بحسب ما فارقوا أمر الله ونهيه الذى بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم. وتلك الأحوال الشيطانية نتيجة ضلالهم وشركهم وبدعتهم وجهلهم وكفرهم وهى دلالة وعلامة على ذلك . والجاهل الضال يظن أنها نتيجة إيمانهم وولايتهم للّه تعالى ، وأنها علامة ودلالة على إيمانهم وولايتهم لله سبحانه ، وذلك أنه لم يكن عنده فرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كما قد تكلمنا على ذلك فى مسئلة (الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)، ولم يعلم أن هذه الأحوال التى جعلها دليلا على الولاية تكون للكفار - من المشركين وأهل الكتاب - أعظم مما تكون للمنتسبين إلى الإسلام ، والدليل مستلزم للمدلول مختص به لا يوجد بدون مدلوله ، فإذا ١٧٦ وجدت للكفار والمشركين وأهل الكتاب لم تكن مستلزمة للإيمان فضلا عن الولاية ولا كانت مختصة بذلك، فامتنع أن تكوندليلا عليه. وأولياء اللّه هم المؤمنون المتقون، وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم لا ثمرة الشرك والبدعة والفسق . وأكابر الأولياء إنما يستعملون هذه الكرامات بحجة للدين أو لحاجة للمسلمين . والمقتصدون قد يستعملونها فى المباحات . وأما من استعان بها فى المعاصى فهو ظالم لنفسه ، متعد حد ربه ، وإن كان سببها الإيمان والتقوى . فمن جاهد العدو فغنم غنيمة فأنفقها فى طاعة الشيطان فهذا المال وإن ناله بسبب عمل صالح فإذا أنفقه فى طاعة الشيطان كان وبالا عليه ، فكيف إذا كان سبب الخوارق الكفر والفسوق والعصيان وهی تدعو إلى كفرآخر وفسوق وعصيان . ولهذا كان أئمة هؤلاء معترفين بأن أكثرهم يموتون على غير الإسلام. ولبسط هذه الأمور موضع آخر . والمقصود هنا أن من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان كإخبار عن غائب أو أمر يتضمن قضاء حاجة ونحو ذلك ، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق وخرج منه شيخ بهى عانقه أو كله ظن أن ذلك هو النبى المقبور، أو الشيخ المقبور، والقبر لم ينشق ؛ وإنما الشيطان مثل له ذلك، ١٧٧ كما يمثل لأحدهم أن الحائط انشق وأنه خرج منه صورة إنسان ويكون هو الشيطان تمثل له فى صورة إنسان وأراه أنه خرج من الحائط . ومن هؤلاء من يقول لذلك الشخص الذى رآه قد خرج من القبر : نحن لا نبقى فى قبورنا ، بل من حين يقبر أحدنا يخرج من قبره ويمشى بين الناس . ومنهم من يرى ذلك الميت فى الجنازة يمشى ويأخذ بيده، إلى أنواع أخرى معروفة عند من يعرفها . وأهل الضلال إما أن يكذبوا بها وإما أن يظنوها من كرامات أولياء الله، ويظنون أن ذلك الشخص هو نفس النى أو الرجل الصالح أو ملك على صورته وربما قالوا هذه روحانیته أو رقيقته أو سره أو مثاله أو روحه تجسدت ، حتى قد يكون من يرى ذلك الشخص فى مكانين فيظن أن الجسم الواحد يكون فى الساعة الوحدة فی مکانین ، ولا يعلم أن ذلك حین قصور بصورته : ليس هو ذلك الإنسى . وهذا ونحوه مما يبين أن الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وغير قبورهم: هم من المشركين الذين يدعون غير الله ، كالذين يدعون الكوا كب والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، قال تعالى: ( مَاكَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادَّالِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُنُوْ رَبِِّنِِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَتَّخِذُ واْلَئِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْ بَابًا أَيَأْمُؤَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَ نْتُمْ مُسْلِمُونَ) وقال تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ، فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا ١٧٨ تَحْوِيلاً * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْأَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ. وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) وقال تعالى: ( قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِلَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى صى السَمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن ◌ِشِرُّاءٍ وَمَالَهُمِنْهُمْ مِنْ ظَهِرٍ * وَلَ نَفَعُ الشَّفَعَةُ ◌ِنْدَهُ إِلََّ لِمَنْ أَذِينَ لَهُ). ومثل هذا كثير فى القرآن : ينهى أن يدعى غير الله لا من الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم ؛ فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك ، بخلاف ما يطلب من أحدهم فى حياته من الدعاء والشفاعة فإنه لا يفضى إلى ذلك ؛ فإن أحداً من الأنبياء والصالحين لم يعبد فى حياته بحضر ته ، فإنه ينهى من يفعل ذلك ؛ بخلاف دعائهم بعد موتهم فإن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم ، وكذلك دعاؤهم فى مغيهم هو ذريعة إلى الشرك. فمن رأى نياً أو ملكا من الملائكة وقال له («ادع لى)) لم يفض ذلك إلى الشرك به، بخلاف من دعاه فى مغيبه فإن ذلك يفضى إلى الشرك به كما قد وقع، فإن الغائب والميت لاينهى من يشرك ، بل إذا تعلقت القلوب بدعائه وشفاعته أفضى ذلك إلى الشرك به فدعى وقصد مكان قبره أو تمثاله أو غير ذلك كما قد وقع فيه المشركون ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين . ومعلوم أن الملائكة تدعوا للمؤمنين وتستغفر لهم كما قال تعالى : ( الَّذِينَ يَحْلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ ١٧٩ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْرَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْحِمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ اُلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّبِّئَاتِ ج وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَبِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) وقال تعالى: ج ( تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَبِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِىِ الْأَرْضِ أَلَا إِنَّاللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ= أَوْلِيَآءَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَ مَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ). فالملائكة يستغفرون للمؤمنين من غير أن يسألهم أحد . وكذلك ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والصالحين يدعو ويشفع للأخيار من أمته هو من هذا الجنس ، هم يفعلون ما أذن الله لهم فيه بدون سؤال أحد. وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة وإن كانوا يدعون ويشفعون ، لوجهين : أحدهما : أن ما أمرهم الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم ، وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم ، فلا فائدة فى الطلب منهم . الثانى : أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم فى هذه الحال يفضى إلى الشرك بهم ففيه هذه المفسدة فلو قدّر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة ، فكيف ولا مصلحة فيه ، بخلاف الطلب منهم فى حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة ١٨٠