النص المفهرس

صفحات 141-160

فلا يقسم على الله به كسائر الملائكة، والأنبياء، فإنا لا نعلم أحداً من السلف
والأئمة قال إنه يقسم به على اللّه؛ كما لم يقولوا إنه يقسم بهم مطلقاً؛ ولهذا
أفتى أبو محمد بن عبد السلام: أنه لا يقسم على الله بأحد من الملائكة
والأنبياء وغيرهم ؛ لكن ذكر له أنه روى عن النبى صلى الله عليه سلم
حديث فى الإقسام به فقال: إن صح الحديث كان خاصاً به ، والحديث
المذكور لا يدل على الإقسام به ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((من كان حالفاً فليحلف بالله وإلا فليصمت)) وقال: ((من حلف
بغير الله فقد أشرك)» والدعاء عبادة والعبادة مبناها على التوقيف والاتباع،
لا على الهوى والابتداع والله أعلم.
١٤١

وقال شيخ الإسلام قدس الآّ روج
بضح بض الرحمن الرحيم
الحمد لله نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على
الدین کله، وكفى بالله شهيداً .
أرسله بين يدى الساعة بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجامنيراً،
فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى ، وأرشد به من الغى، وفتح به أعيناً
عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا. فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة ،
وجاهد فى الله حق جهاده ، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه ، صلى الله عليه
وعلى آله وسلم تسليما .
ففرق بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، والرشاد والغى ، وطريق
أهل الجنة وطريق أهل النار ، وبين أوليائه وأعدائه . فالحلال ما حلله الله
ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ماشرعه الله ورسوله .
وقد أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس ، فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما
جاء به ويتبعه فى باطنه وظاهره. والإيمان به ومتابعته هو سبيل اللّه وهو دين الله
(١) تسمى قاعدة في التوسل والوسيلة .
١٤٢

وهو عبادة اللّه وهو طاعة الله وهو طريق أولياء الله وهو الوسيلة التى أمر الله
بها عباده فى قوله تعالى (٥: ٣٥): (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُواْ
إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) فابتغاء الوسيلة إلى اللّه إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان
بمحمد واتباعه .
وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد ، باطناً وظاهراً
فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته فى مشهده ومغيبه، لا يسقط
التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق فى حال من الأحوال بعد قيام
الحجة عليه ، ولا بعذر من الأعذار. ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة
من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته .
وهو صلى الله عليه وسلم شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذى يغبطه
به الأولون والآخرون. فهو أعظم الشفعاء قدراً وأعلاهم جاها عند الله، وقد
قال تعالى عن موسى ( وَكَانَ عِندَاللَّهِ وَجِيهًا ) وقال عن المسيح (وَجِيهًا فِ الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةِ ). ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم جاهاً من جميع الأنبياء والمرسلين؛
لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له ، فمن دعا له
الرسول وشفع له توسل إلى اللّه بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى
الله بدعائه وشفاعته. وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله تبارك وتعالى بدعائه
وشفاعته ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.
ولفظ ( التوسل) فى عرف الصحابة كانوا يستعملونه فى هذا المعنى .
والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به ، وأما بدون الإيمان به فالكفار
والمنافقون لا تغنى عنهم شفاعة الشافعين فى الآخرة .
١٤٣

ولهذا نهى عن الاستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار ، ونهىعن
الاستغفار للمنافقين وقيل له: (سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ
لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) ، ولكن الكفار يتفاضلون فى الكفر كما يتفاضل أهل
الإيمان فى الإيمان، قال تعالى: ( إِنَّمَا النَّسِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ).
فإذا كان فى الكفار من خف كفره بسبب نصرته ومعونته فإنه تنفعه
شفاعته فى تخفيف العذاب عنه لا فى إسقاط العذاب بالكلية ، كما فى صحيح مسلم
عن العباس بن عبد المطلب أنه قال : قلت يا رسول الله فهل نفعت أبا طالب
بشيء فإنہ کان يحوطك ویغضب لك؟ قال: « نعم هو فى ضحضاح من نار ،
ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار)) ، وفى لفظ : إن أبا طالب كان
يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك؟ قال «نعم ، وجدته فى غمرات
من نار فأخرجته إلى ضحضاح)) ، وفيه عن أبى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال ((لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل
فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منهما دماغه))، وقال ((إن أهون أهل النار
عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار يغلى منهما دماغه)).
وكذلك ينفع دعاؤه لهم بأن لا يعجل عليهم العذاب فى الدنيا كما كان
صلى الله عليه وسلم يحكى نبياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول ((اللهم اغفر
القومى فإنهم لا يعلمون)) . وروى أنه دعا بذلك أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم
العذاب فى الدنيا؛ قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَاتَرَكَ عَلَى
ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَ أَجَلٍ مُسَنَّى.
١٤٤

وأيضا فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أو يرزقه،
كما دعا لأم أبى هريرة حتى هداها الله، وكما دعا لدوس فقال «اللهم اهد دوسا
وائت بهم، فهداهم الله ، وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين
لما طلبوا منه أن يستسقي لهم فاستسقى لهم، وكان ذلك إحساناً منه إليهم يتألف
به قلوبهم كما كان يتألفهم بغير ذلك .
وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاهاً عند الله،
لا جاه لمخلوق عند اللّه أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته. لكن
دعاء الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم ، فإن الإيمان بهم
وطاعتهم يوجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقا وعاما ، فكل من
مات مؤمنا بالله ورسوله مطيعاً لله ورسوله كان من أهل السعادة قطعا ، ومن
مات كافرا بما جاء به الرسول كان من أهل النار قطعاً .
وأما الشفاعة والدعاء فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع،
فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر
لا تنفعهم - ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاها - فلا شفيع أعظم من محمد صلى
الله عليه وسلم ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما
قال تعالى عنه (رَبَّنَا أَغْفِرْلِ وَلَوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ). وقد كان
صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبى طالب اقتداء بإبراهيم وأراد بعض
المسلمين أن يستغفر لبعض أقار به فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ
يَسْتَغْفِرُواْلِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْكَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَاتَبَّنَ لَهُمْ أَهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ).
١٤٥

ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: (وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَنْ
مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ , أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّةُ حَلِيمٌ * وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْهَدَنُهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَايَتَّقُونَ )، وثبت فى صحيح البخارى
عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «يلقى إبراهيم أباه
آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر فترة وغبرة ، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك
لا تعصنى ؟ فيقول له أبوه : فاليوم لا أعصيك . فيقول إبراهيم: يارب أنت
وعدتنى أن لا تخزنى يوم يبعثون ، وأى خزى أخزى من أبى الأبعد؟ فيقول
الله عز وجل: إنى حرمت الجنة على الكافرين ، ثم يقال: انظر ما تحت
رجليك فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى فى النار)) فهذا لما مات
مشركا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين :
(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىَ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَالُواْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَءَ وَأْمِنكُمْ وَمِمَاتَعْبُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُالْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِهِ
لَأَسْتَغْفِرَنَّلَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ رَبَّنَعَلَيَّكَ تَوَلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَ
فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَأَغْفِرْلَنَا رَبَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُالْحَكِيمُ).
فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا فى قول
إبراهيم لأبيه ((لأستغفرن لك)) فإن الله لا يغفر أن يشرك به.
وكذلك سيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم ، ففى صحيح مسلم عن أبى
هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((استأذنت ربى أن أستغفر لأى فلم يأذن
لى، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لى)). وفى رواية أن النبى صلى الله عليه وسلم
١٤٦

زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال ((استأذنت ربى أن أستغفر لأمى فلم
يأذن لى ، واستأذنته فى أن أزور قبرها فأذن لى ، فزوروا القبور فإنها تذكر
الموت)) وثبت عن أنس فى الصحيح أن رجلا قال: يارسول اللّه أين أبى؟ قال
((فى النار)). فلما قفى دعاه فقال ((إن أبي وأباك في النار)). وثبت أيضا فى
الصحيح عن أبى هريرة لما أنزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْعَشِيرَتَكَ الْأَقْرِنَ) دعا
رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فاجتمعوا فعم وخص فقال: (( يا بنى كعب
ابن لؤى، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بنى مرة بن كعب ، أنقذوا أنفسكم من
النار . يا بنى عبد شمس ، أنقذوا أنفسكم من النار . يا بنى عبد مناف ، أنقذوا
أنفسكم من النار . يا بنى عبد المطلب ، أنقذوا أنفسكم من النار . يا فاطمة،
أنقذى نفسك من النار. فإنى لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحما
سأبلها بيلالها)). وفى رواية عنه (( يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله؛
فانى لا أغنى عنكم من الله شيئا. يا بنى عبد المطلب. لا أغنى عنكم من الله شيئا .
يا عباس بن عبد المطلب، لا أغنى عنك من الله شيئا. يا صفية - عمة رسول
الله - لا أغنى عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت رسول اللّه، سلينى من مالى
ما شئت، لا أغنى عنك من الله شيئا)). وعن عائشة لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الْأَقْرَبِنَ ) قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( يا فاطمة بنت محمد، يا صفية
بنت عبد المطلب. لا أملك لكم من الله شيئا. سلوبى من مالى ما شتم)).
وعن أبى هريرة قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا ذات
يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: ((لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة
على رقبته بعیر له رغاء يقول: يا رسول الله. أغثنى. فأقول: لا أملك لك شيئا
١٤٧

قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول:
يا رسول الله أغثنى. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم یحیء
يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء ، فيقول : يا رسول الله، أغثنى. فأقول:
لا أملك لك شيئا ، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع
يخفق فيقول: يا رسول الله، أغثنى. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أ بلغتك.
لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يارسول الله ، أغثنى.
فأقول: لا أملك لك شيئا ، قد أبلغتك)) أخرجاه فى الصحيحين وزاد مسلم
((لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح ، فيقول :
يا رسول الله، أغثنى. فأقول: لا أملك لك شيئا ، قد أ بلغتك)). وفى البخارى
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ولا يأتى أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها
على رقبته لها يُعار فيقول : يا محمد، فأقول : لا أملك لك شيئا ، قد بلغت .
ولا يأتى أحدكم ببعير يحمله على رقبته له زغاء فيقول: يا محمد ، فأقول: لا أملك
لك شيئا ، قد بلغت)) . وقوله هنا صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله شيئا
كقول إبراهيم لأبيه (لَأَسْتَغْفِرَنَّلَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اَلّهِ مِن شَىْءٍ ).
وأما شفاعته ودعاؤه للمؤمنين فهى نافعة فى الدنيا والدين باتفاق المسلمين ،
وكذلك شفاعته للمؤمنين يوم القيامة فىزيادة الثواب ورفع الدرجات متفق عليها
بين المسلمين ، وقد قيل إن بعض أهل البدعة ينكرها .
وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم
بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم ، وأنكرها كثير من أهل البدع
من الخوارج والمعتزلة والزيدية ، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها
١٤٨

لا بشفاعة ولا غيرها ، وعند هؤلاء ما ثم إلا من يدخل الجنة فلا يدخل النار ،
ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة ، ولا يجتمع عندهم فى الشخص الواحد ثواب
وعقاب. وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة وغيرهم
فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم أن
الله يخرج من النار قوما بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة
محمد صلى الله عليه وسلم ، ويخرج آخرين بشفاعة غيره ، ويخرج قوما
بلا شفاعة .
واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى :
(وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) وبقوله:
( وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا نَنَفَعُهَا شَفَعَةٌ ) وبقوله: (مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌفِيهِ
وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ) وبقوله: (مَا لِلّالِمِينَ مِنْ حَمِمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ )
وبقوله: ( فَمَانَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ ).
وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان:
أحدهما: أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى فى نعتهم: (مَاسَلَك ◌ُ
فِي سَقَرَ * قَالُواأَرْنَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَوْنَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَُّوضُ مَعَ
اٌلْخَيِضِينَ * وَكَتُ كَذِّبُ بِيَوْمِالدِّينِ * خَّ أَتَنَا الْيَقِينُ *فَانَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ )
فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفاراً.
والثانى: أنه يراد بذلك نفى الشفاعة التى يثبتها أهل الشرك، ومن شابههم
من أهل البدع : من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن الخلق عند الله
من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه ، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل
١٤٩

المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة ، وكما يعامل المخلوق
المخلوق بالمعاوضة .
فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين،
ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن تتوسل
إلى اللّه بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم لكونهم
أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع
أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة.
فأنكر الله هذه الشفاعة فقال تعالى: (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ.)
(وَكَوْ مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُ هُمْ شَيْئًا إِلَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ
وقال :
(وَقَالُواْتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَ أْسُبْحَتَ.
وقال عن الملائكة :
وَيَرْضَّ )،
يَعْلَمُ مَابَيْنَ
بَلْ عِبَادُ شُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ .
وقال :
أَيْدِ هِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ)
(قُلِ آَدْعُواٌْلَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللّهِلَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ
وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرَاءٍ وَ مَّهُمِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَ تَنَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِينَ لََّّ)
(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
وقال تعالى :
هَؤُلَاءِ شُفَعَوْنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَثْنَبِقُونَ اَللَّه ◌ِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِ سُبْحَنَهُ,
( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ
وقال تعالى :
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)
يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِن دُونِهِ، وَإِىٌّ وَلَا شَفِيعُ لَّعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ) وقال تعالى:
( اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّاُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْمِّن
دُونِهِ، مِن وَإِنٍ وَلَا شَفِيَّعَ أَفَلَ نَتَذَّكَّرُونَ )،
١٥٠

( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفْعَةَ إِلََّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ
وقال تعالى :
وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وقال تعالى: ( وَلَقَدْجِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كَمَا خَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَكّتُم
مَّا خَوَّلْتَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِِكُمْ وَمَانَرَىْ مَعَكُمْ شُفَعَآءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْفِيَكُمْ شُرَّكَوْ لَقَد تَّقَطَّعَ
بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَّاكُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) وقال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ.
شُفَعَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًاً لَّهُ مُلْكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَاذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)
وقال تعالى :
( وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّهَمْسًا * يَوْمَيِدٍلَّا تَنْفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِينَ لَهُ
الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا)
( وَمَالِىَ
وقال صاحب يس :
ءَأَشَّخِذُ مِن دُونِهِ،َالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ
لَا أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *
لَّاتُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِ إِذَا لَّفِى ضَلَلِ مُبِينٍ * إِنَّءَامَنْتُ
بِرَبِكُمْ فَاسْمَعُونِ ) .
فهذه الشفاعة التى أثبتها المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين حتى
صوروا تماثيلهم وقالوا : استشفاعنا بتماثيلهم استشفاع بهم ، وكذلك قصدوا
قبورهم وقالوا : نحن نستشفع بهم بعد مماتهم ليشفعوا لنا إلى الله، وصوَّروا
تماثيلهم فعبدوهم كذلك ، وهذه الشفاعة أبطلها الله ورسوله وذم المشركين عليها
وكفرهم بها . قال الله تعالى عن قوم نوح:
(وَقَالُواْ لَنَذَرُنََّالَِّكُوَلَا نَذَرُنَّ وَذَا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْأَ ضَلُوا كَثِيرًا). قال
ابن عباس وغيره: هؤلاء قوم صالحون كانوا فى قوم نوح ، فلما ماتوا عكفوا
على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم، وهذا مشهور فى كتب التفسير والحديث
١٥١

وغيرها كالبخارى وغيره، وهذه أبطلها النبى صلى الله عليه وسلم وحسم مادتها
وسد ذريعتها ، حتى لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى فيها
وإن كان المصلى فيها لا يستشفع بهم ، ونهى عن الصلاة إلى القبور وأرسل علىّ
ابن أبى طالب فأمره أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه ، ولا تمثالا إلا طمسه
ومحاه، ولعن المصورين . وعن أبى الهياج الأسدى: قال لى على بن أبى طالب:
«لأبعثك على ما بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تدع تمثالا
إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)). وفى لفظ: ((ولا صورة
إلا طمستها)) . أخرجه مسلم .
١٥٢

فصل
ولفظ ( التوسل ) قد يراد به ثلاثة أمور . يراد به أمران متفق عليهما
بين المسلمين :-
أحدهما هو أصل الإيمان والإسلام ، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته.
والثانى دعاؤه وشفاعته ، وهذا أيضاً نافع یتوسل به من دعا له وشفع
فيه باتفاق المسلمين . ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد
يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً. ولكن التوسل بالإيمان به وبطاعته هو
أصل الدين، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام الخاصة والعامة ، فمن
أنكر هذا المعنى فكفره ظاهر الخاصة والعامة .
وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضاً كافر،
لكن هذا أخفى من الأول ، فمن أنكره عن جهل ◌ُرِّف ذلك؛ فإن أصر على
إنكاره فهو مرتد.
أما دعاؤه وشفاعته فى الدنيا فلم ينكره أحد من أهل القبلة.
وأما الشفاعة يوم القيامة فذهب أهل السنة والجماعة - وهم الصحابة
والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم - أن له شفاعات
يوم القيامة خاصة وعامة، وأنه يشفع فيمن يأذن الله له أن يشفع فيه من أمته
من أهل الكبائر. ولا ينتفع بشفاعته إلا أهل التوحيد المؤمنون؛ دون أهل
١٥٣

الشرك، ولو كان المشرك محباً له معظماً له لم تنقذه شفاعته من النار، وإنما ينجيه
من النار التوحيد والإيمان به ، ولهذا لما كان أبو طالب وغيره يحبونه ولم يقروا
بالتوحيد الذى جاء به لم يمكن أن يخرجوا من النار بشفاعته ولا بغيرها .
وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة أنه قال: قلت يا رسول الله أى الناس
أسعد بشفاعتك يوم القيامة فقال ((أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال
لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)». وعنه فى صحيح مسلم قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((لكل فى دعوة مستجابة، فتعجل كل نى دعوته، وإنى
اختبأت دعوتى شفاعة يوم القيامة فهى نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتى
لا يشرك بالله شيئاً)) وفى السنن عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله
((أمانى آت من عند ربى غير نى بين أن يدخل نصف أمتى الجنة وبين الشفاعة،
فاخترت الشفاعة ، وهى لمن مات لا يشرك بالله شيئاً)) وفى لفظ قال ((ومن
لقى الله لا يشرك به شيئاً فهو فى شفاعتى)).
وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذى لا يقبل اللّه من الأولين
والآخرين ديناً غيره ، وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى:
(وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَ الِهَةَ يُعْبَدُونَ)
وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِأَنَهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا أَنْ فَاعْبُدُونِ)
وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْاللّهَ وَاجْتَنِبُواْالطَّاغُوتٌ
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ ).
وقد ذكر الله عز وجل عن كل من الرسل أنه افتح دعوته بأن قال لقومه:
( أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُر ).
١٥٤

وفى المسندعن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بعثت
بالسیف بین یدی الساعة حتی یعبد الله وحده لاشريك له ، وجعل رزقی تحت
ظل رمحى ، وجعل الذل والصغار على من خالف أمرى . ومن تشبه بقوم
فهو منهم» .
والمشركون من قريش وغيرهم - الذين أخبر القرآن بشركهم واستحل
النبى صلى الله عليه وسلم دماءهم وأموالهم وسبى حريمهم وأوجب لهم النار .-
كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض كما قال: (وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم
مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّاللّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
وقال :
(وَلَيِنِ سَأَلْتُهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخََّالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَُّونَ )
وقال: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
* قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ اللَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ *
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِإِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ
لِلَّهَّقُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَنََّهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ * مَاتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَاكَانَ
مَعَهُ مِنْ إِلَ إِذَا لَذَهَبَ كُلّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ).
وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة ،
ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه كما قال تعالى:
(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِنْدَ الَهِ
قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اَللَّهَبِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)
١٥٥

وقال تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ أَنْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ
فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الذِينَ * أَلَاَ لِلَّهِالذِينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِنْ دُونِهِ، أَوْلِيَاءُ
مَا نَعْبُدُ هُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىَ إِنَّالَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِ مَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَُ إِنَّاللَّهُ لَا يَهْدِى
مَنْ هُوَّكَذِبٌ كَفَّارُ ) وكانوا يقولون فى تلبيتهم:
لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك
(ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْهَل لَّكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُم
وقال تعالى :
مِّنْ شُرَكَآءَ فِ مَارَزَقْنَ كُمْ فَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌتَّخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ
نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * بَلِ أَتَّبَعَ الَِّنَ ظَلَمُوْأَهْوَآءَ هُم بِغَيْرِ عِلٍَّ فَمَنْ يَهْدِى مَنْ
أَضَلَّ اللَّهُ وَمَالَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ الَّهِالَّتِى فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الْذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *
مُنِينَ إِلَيْهِ وَتَّقُوهُ وَأَقِيِعُواْ الصَّلَوَةَ وَلَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ
دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).
بين سبحانه بالمثل الذى ضربه لهم أنه لا ينبغى أن يجعل مملوكه شريكه فقال:
(هَل ◌َّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ فِ مَارَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ) يخاف أحدكم
ملوكه كما يخاف بعضكم بعضا ، فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه
فكيف ترضونه لأنفسكم؟.
وهذا كما كانوا يقولون: له بنات، فقال تعالى: ( وَيَجْعَلُونَ اللَّهِ مَايَكْرَهُونَ
وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْمُسْنِى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ )
وقد قال تعالى: (وَإِذَابُشِّرَأَحَدُهُمْ بِلْأُ نَ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَنَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ
مِن سُوَّةٍ مَا بُشِّرَبٍِ: أَيُّمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْيَدُ مُّهُ فِ اَلُّابِ أَلَسَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
١٥٦

بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٍ وَلِلّهِالْمَثَلُ اُلْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان:
قوم نوح. وقوم إبراهيم: فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور
الصالحين ، ثم صوروا تماثيلهم ، ثم عبدوهم.
وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر.
وكل من هؤلاء يعبدون الجن ، فإن الشياطين قد تخاطبهم وتعينهم على
أشياء ، وقد يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا فى الحقيقة إنما يعبدون
الجن فإن الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ
◌َيْعَاتُمَ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِإِيَّاكُرْكَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْسُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلَ كَانُواْ
يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَ كْثَرُهُمْ بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ).
والملائكة لا تعينهم على الشرك لا فى المحيا ولا فى المات ولا يرضون
بذلك ، ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصور لهم فى صور الآدميين فيرونهم
بأعينهم ويقول أحدهم: أنا إبراهيم، أنا المسيح، أنا محمد ، أنا الخضر،
أنا أبو بكر، أنا عمر، أنا عثمان، أنا على، أنا الشيخ فلان . وقد يقول
بعضهم عن بعض : هذا هو التى فلان أو هذا هو الخضر ويكون أولئك كلهم
جنا يشهد بعضهم لبعض . والجن كالإنس فمنهم الكافر ومنهم الفاسق ومنهم
العاصى وفيهم العابد الجاهل ، فمنهم من يحب شيخا فيتزيا فى صورته ويقول:
أنا فلان. ويكون ذلك فى برية ومكان قفر فيطعم ذلك الشخص طعاما ويسقيه
شرابا أو يدله على الطريق أو يخبره ببعض الأمور الواقعة الغائبة فيظن ذلك
١٥٧

الرجل أن نفس الشيخ الميت أو الحى فعل ذلك، وقد يقول : هذا سر الشيخ
وهذه رقيقته وهذه حقيقته أو هذا ملك جاء على صورته . وإنما يكون ذلك
جنياً ، فإن الملائكة لا تعين على الشرك والإفك والإثم والعدوان.
وقد قال الله تعالى: (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ اُلُّرِّ
عَنَكُمْ وَلَا تَّحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَنْهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا )
قال
طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح فبين الله
تعالى أن الملائكة والأنبياء عباد الله، كما أن الذين يعبدونهم عباد الله، وبين
أنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر
عباده الصالحين .
والمشركون من هؤلاء قد يقولون : إنا نستشفع بهم أى نطلب من
الملائكة والأنبياء أن يشفعوا، فاذا أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا ، فإذا
صورنا تمثاله - والتماثيل إما مجسدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى فى
كنائسهم - قالوا : فمقصودنا بهذه التماثيل تذكر أصحابها وسيرهم ونحن نخاطب
هذه التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى الله . فيقول أحدهم:
يا سيدى فلان أو يا سيدى جرجس أو بطرس أو ياستى الحنونة مريم أو
يا سيدى الخليل أو موسى بن عمران أو غير ذلك، اشفع لى إلى ربك.
وقد يخاطبون الميت عند قبره: سل لى ربك . أو يخاطبون الحى وهو غائب
کما یخاطبو نه لو كان حاضرا حیا وينشدون قصائد يقول أحدهم فيها : يا سيدى
فلان! أنا فى حسبك، أنا فى جوارك، اشفع لى إلى اللّه، سل اللّه لنا أن ينصرنا
١٥٨

على عدونا، سل الله أن يكشف عنا هذه الشدة ، أشكو إليك كذا ، وكذا، فسل
الله أن يكشف هذه الكربة. أو يقول أحدهم: سل الله أن يغفر لى.
ومنهم من يتأول قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَظَلَمُوَاْأَنْفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُواْ
اللَّهَ وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْاللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا) ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار
بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة ، ويخالفون بذلك إجماع
الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين ، فإن أحدا منهم لم يطلب من
النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئا ولا ذكر ذلك
أحد من أئمة المسلمين فى كتبهم ، وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخرى الفقهاء
وحكوا حكاية مكذوبة على مالك رضى الله عنه سيأتى ذكرها وبسط الكلام
عليها إن شاء الله تعالى.
فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند
قبورهم وفى مغيبهم ، وخطاب تماثيلهم ، هو من أعظم أنواع الشرك الموجود
فى المشركين من غير أهل الكتاب ، وفى مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين
أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى. قال الله تعالى: (أَمْ لَهُمْ
شُرَكَوْا شَرَعُواْلَهُم مِّنَ الّذِينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ).
فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفى مغيبهم وسؤالهم والاستغاثة
بهم والاستشفاع بهم فى هذه الحال ونصب تما ثيلهم - بمعنى طلب الشفاعة منهم - هو
من الدين الذى لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولا ولا أنزل به كتاباً ، وليس
هو واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين ، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين
لهم بإحسان، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين ، وإن كان ذلك مما يفعله كثير
١٥٩

من الناس ممن له عبادة وزهد ، ويذكرون فيه حكايات ومنامات، فهذا كله
من الشيطان .
وفيهم من ينظم القصائد فى دعاء الميت ، والاستشفاع به ، والاستغاثة ،
أو يذكر ذلك فى ضمن مديح الأنبياء والصالحين ، فهذا كله ليس بمشروع ،
ولا واجب ، ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين ، ومن تعبد بعبادة ليست واجبة
ولا مستحبة ؛ وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة
لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين ، فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب.
وكثير من الناس يذكرون فى هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح ،
ويحتجون عليها بحجج من جهة الرأى أو الذوق ، أو من جهة التقليد والمنامات
ونحو ذلك.
وجواب هؤلاء من طريقين :
أحدهما الاحتجاج بالنص والإجماع .
والثانى القياس والذوق والاعتبار ببيان ما فى ذلك من الفساد ، فإن فساد
ذلك راجح على ما يظن فيه من المصلحة .
أما الأول فيقال : قد علم بالاضطرار والتواتر من دين الإسلام ويإجماع
سلف الأمة وأتمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب .
وعلم أنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا أحد من الأنبياء قبله
شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين ولا يستشفعوا بهم، لا بعد
مماتهم ولا فى مغيبهم ، فلا يقول أحد : يا ملائكة الله اشفعوا لى عند اللّه ، سلوا
الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا.
١٦٠