النص المفهرس

صفحات 121-140

سئل شيخ الإسلام .. قدس اللهروحه-
عن رجلين تناظرا فقال أحدهما : لا بد لنا من واسطة بيننا وبين اللّه ، فإنا
لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك.
فأجاب :-
الحمد لله رب العالمين. إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله:
فهذا حق . فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه،
وما أعده لأوليائه من كرامته ، وما وعد به أعداءه من عذابه ، ولا يعرفون
ما يستحقه الله تعالى من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا" التى تعجز العقول عن
معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل ؛ الذين أرسلهم الله إلى عباده.
فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ، ويرفع
درجاتهم، ويكرمهم فى الدنيا والآخرة . وأما المخالفون للرسل: فإنهم
ملعونون، وهم عن ربهم ضالون محجوبون. قال تعالى: (يَبَنِىّءَآدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ
رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُضُّونَ عَلَيْكُمْءَيَِّى فَمَنِ أَنَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ
كَذَّبُواْبِثَايَئِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْعَنْهَا أُوْ لَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ) وقال تعالى:
فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن
(١) تسمى هذه الرسالة الواسطة بين الخلق والحق.
١٢١

ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبٍ لِمَحَشَرْتَفِىّ
أَعْمَ وَقَدَكُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُّنَا فَنَسَِها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَنُنسَى ) قال ابن
عباس : تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل فى الدنيا ،
ولا يشقى فى الآخرة.
وقال تعالى عن أهل النار: (كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَهُمْ خَُها أَلَمْيَأْتِّكُمْنَذِيرٌ *
قَالُوْبَ قَدْ جَاءَنَا نَذِيْرٌ فَكَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلِ كَبِيرٍ ) وقال تعالى:
(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرَا حَتَّى إِذَاجَآءُ وهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ
خَزَنَُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمٍ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْءَايَتِ رَبِكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُواْبَلَ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ) وقال تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ
اٌلْمُرْسَلِينَ إِلَّمُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ *
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) وقال تعالى: ( إِنَّا أَوْحَيْنَآَ
إِلَيْكَ كَمَا أَوْ حَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ وَاُلْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوْبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَّيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا
وَرُسُلَا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى
تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِتَلَايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِ ).
ومثل هذا فى القرآن كثير .
وهذا ما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلين؛ واليهود ؛ والنصارى ؛
فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله
١٢٢

أمره وخبره. قال تعالى: ( اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًّاً وَمِنَ النَّاسِ ) ومن
أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل .
والسور التى أنزلها الله بمكة: مثل: الأنعام؛ والأعراف؛ وذوات:
(الّر) و: (حَمّ) و: (طس) ونحو ذلك : هى متضمنة لأصول الدين،
کالإيمان بالله ورسله واليوم الآخر.
وقد قص الله قصص الكفار الذين كذبوا الرسل ، وكيف أهلكهم ؛
ونصر رسله، والذين آمنوا. قال تعالى: ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ
لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَ نَالَهُ الْغَلِبُونَ). وقال: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُ سُلَنَا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ).
فهذه الوسائط: قطاع وتتبع ويقتدى بها. كما قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) وقال تعالى: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ )
وقال تعالى: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَاللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وقال: (فَالَّذِينَ
ءَامَنُواْبِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
7
وقال تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْاللَّهَ وَاَلْيَوْمَ
اُلْأَخِرَ وَذَكَرَاللَّهَ كَثِيرًا).
وإن أراد بالواسطة: أنه لا بدمن واسطة فى جلب المنافع ، ودفع المضار،
مثل: أن يكون واسطة فى رزق العباد ، ونصرهم ، وهداهم ؛ يسألونه ذلك،
ويرجون إليه فيه: فهذا من أعظم الشرك ، الذى كفّر اللّه به المشركين ؛ حيث
اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء ؛ يحتلبون بهم المنافع ويحتذبون المضار.
لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها، حتى قال: (اُللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
١٢٣

وَاُلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّاُ سْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَإٍِ وَلَا شَفِيْعٌ
أَفَلَا نَتَذَكَّرُونَ)؟ وقال تعالى: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ
قُلِ أَدْعُوْ الَّذِينَ زَعَمْتُرِمِّن دُونِهِ،فَلَا
) وقال: (
لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعٌ
يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ
الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) وقال:
(قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِى
اُلْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرَاءٍ وَمَالَهُ مِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَتَنَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ
أَذِنَ لَهُ ).
وقالت طائفة من السلف : كان أقوام يدعون المسيح ، والعزير ،
والملائكة: فبين اللّه لهم أن الملائكة والأنبياء: لا يملكون كشف الضر عنهم
ولا تحويلا ، وأنهم يتقربون إلى اللّه ويرجون رحمته ويخافون عذابه.
وقال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ
لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادَا لِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُنُوْرَبَِّنِِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ
وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُ واْلَئِكَةَ وَالنَّبِّتِنَ أَرْبَابًا أَيَأْ مُرَّكُمْ بِالْكُفٍْ
بَعْدَ إِذْ أَ نْتُ مُسْلِمُونَ)؟
فبين سبحانه : أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر.
فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ، ويتوكل عليهم، ويسالهم
جلب المنافع ودفع المضار ، مثل أن يسألهم غفران الذنب ، وهداية القلوب،
وتفريج الكروب ، وسد الفاقات: فهو كافر بإجماع المسلمين .
وقد قال تعالى : (وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَ أْسُبْحَنَّهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَ مُونَ
١٢٤

لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَابَيْنَ أَيْدِ يهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشَْتِهِ، مُشْفِقُونَ * * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِلّ إِلَهٌ
مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيِهِ جَهَنَّةٌ كَذَلِكَ نَجْزِى الَّالِمِينَ) وقال تعالى: (لَّنْ يَسْتَنْكِفَ
الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاللَّهِ وَلَ الْمَلَبِكَةُ الْمُقَرَّبُونَّ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْعِبَادَیِّهِ،
وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) وقال تعالى: (وَقَالُواْ أَتَّخَذَالرَّحْمَنُ وَلَدًا *
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًاإِذَّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ
هَذَّا * أَنْ دَعَوْلِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَايَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَنْ فِىِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَإِ الزَّْمَنِ عَبْدًا * لَغَدْ أَحْصَنْهُ وَعَدَّهُمْ عَذَّا * وَكُلُّهُمْ
ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)! وقال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ
وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَوُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى
) وقال تعالى :
السَّمَوَتِ وَلَا فِ اُلْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ
(وَكَ مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَاتُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَبَرْضَىّ)
وقال تعالى: ( مَن ذَالَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ). وقال (وَإِن يَمْسَسْكَ
اَللَّهُبِضُرٍ فَلَ كَا شِفَ لَهُ وَإِلَّا هُوَ وَ إِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآَ لِفَضْلِهِ ). وقال تعالى:
(مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)
وقال تعالى: (قُلْ أَفَرَّهَيْتُمِ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِّ هَلْ هُنَّ
كَشِفَتُ ضُرِّوِةٍ أَوْأَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ
يَتَوَكَّلُ الْمُنَّوَّكِلُونَ ) .
ومثل هذا كثير فى القرآن .
ومن سوَى الأنبياء - من مشايخ العلم والدين - فمن أثبتهم وسائط بين
١٢٥

الرسول وأمته ، يبلغونهم ؛ ويعلمونهم ؛ ويؤدبونهم؛ ويقتدون بهم؛ فقد
أصاب فى ذلك.
وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة ، لا يجتمعون على ضلالة ، وإن
تنازعوا فى شىء ردوه إلى الله والرسول؛ إذ الواحد منهم ليس بمعصوم
على الإطلاق ؛ بل كل أحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((العلماء ورثة الأنبياء،
فإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم! فمن أخذه فقد
أخذ بحظ وافر » .
وإن أثتم وسائط بين الله وبين خلقه - كالحجاب الذين بين الملك
ورعيته - بحيث يكونون هم يرفعون إلى اللّه حوائج خلقه ؛ فالله إنما يهدى
عباده ويرزقهم بتوسطهم ؛ فالخلق يسألونهم ، وهم يسألون الله؛ كما أن
ء
الوسائط عند الملوك: يسألون الملوك الحوامج للناس ؛ لقربهم منهم، والناس
يسألونهم ؛ أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك ؛ أو لأن طلبهم من
الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك ؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب
للحوانج . فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك ، يجب
أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل .
وهؤلاء مشبهون لله ، شبهوا المخلوق بالخالق ، وجعلوا لله أندادا . وفى
القرآن من الرد على هؤلاء : مالم تتسع له هذه الفتوى .
فإن الوسائط التى بين الملوك وبين الناس: يكونون على أحد وجوه ثلاثة :-
إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه .
١٢٦

ومن قال إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بتلك بعض الملائكة
أو الأنبياء أو غيرهم: فهو كافر ، بل هو - سبحانه - يعلم السر وأخفى ، لاتخفى
عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ). يسمع ضجيج
الأصوات باختلاف اللغات على تفتن الحاجات ، لا يشغله سمع عن سمع ،
ولا تغلطه المسائل . ولا يتبرم بإلحاح الملحين .
الوجه الثانى: أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته ، ودفع أعدائه ۔
إلا بأعوان يعينونه - فلا بد له من أنصار وأعوان، لذله وعجزه.
والله - سبحانه - ليس له ظهير، ولا ولى من الذل. قال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْ
الَّذِينَ زَعَمْتُمِن دُونِ اللَّهِلاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا
لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرَاءٍ وَ مَا لَهُمِنْهُمْ مِنْ ظَهِرٍ) وقال تعالى: ( وَقُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى لَمْيَّخِذْ
وَيَكُنْ لَهُ شَرِكٌ فِ الْمُلْكِ وَوْيَكُن لَّهُوَلِ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِهُتَكْبِرَا).
وكل ما فى الوجود من الأسباب : فهو خالقه ، وربه ومليكه ، فهو الغنى
عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه ؛ بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهراًئهم
وهم - فى الحقيقة - شركاؤهم فى الملك.
والله تعالى: ليس له شريك فى الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك
له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .
والوجه الثالث : أن يكون الملك ليس مريدا لنفع رعيته ، والإحسان
إليهم ورحمتهم : إلا بمحرك يحركه من خارج . فإذا خاطب الملك من ينصحه ،
ويعظمه، أو من يدل عليه ؛ بحيث يكون يرجوه ويخافه : محركت إرادة الملك
١٢٧

وهمته، فى قضاء حوائج رعيته ، إما لما حصل فى قلبه من كلام الناصح الواعظ
المشير ، وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه .
والله تعالى هو رب كل شىء ومليكه ، وهو أرحم بعباده من الوالدة
بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ،
وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على بعض جعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو
له ويشفع فيه ويحو ذلك ، فهو الذى خلق ذلك كله ، وهو الذى خلق فى قلب
هذا المحسن الداعى الشافع إرادة الإحسان ، والدعاء والشفاعة ، ولا يجوز
أن يكون فى الوجود من يكرهه على خلاف مراده ، أو يعلمه مالم يكن يعلم ،
أو من يرجوه الرب ويخافه .
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يقولن أحدكم اللهم اغفرلى إن
شئت ، اللهم ارحمنى إن شئت؛ ولكن ليعزم المسألة ؛ فإنه لا مكره له)).
والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه، كما قال: ( مَن ذَا
الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) وقال تعالى: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمِنْ أَرْتَضَى)
وقال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللّهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةِفِى
السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَّهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَا نَنفَعُ
الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلََّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ).
فبين أن كل من دعى من دونه ليس له ملك ولا شرك فى الملك ، ولا هو
ظهير . وأن شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له .
وهذا بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك ، وقد يكون
شريكا لهم فى الملك ، وقد يكون مظاهراً لهم معاونا لهم على ملكهم ، وهؤلاء
١٢٨

يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك هم وغيرهم ، والملك يقبل شفاعتهم تارة
بحاجته إليهم ، وتارة لخوفه منهم ، وتارة لجزاء إحسانهم إليه ومكافأتهم
ولإنعامهم عليه ؛ حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك ، فإنه محتاج إلى
الزوجة وإلى الولد ؛ حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك ، ويقبل
شفاعة مملوكه ؛ فإذا لم يقبل شفاعته ، يخاف ألا يطيعه ، أو أن يسعى فى ضرره
وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس. فلا يقبل أحد شفاعة
أحد إلا لرغبة أو رهبة .
واللّه تعالى لا يرجو أحداً، ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغنى
قال تعالى: (أَلَآ إِنّا لِلَّهِ مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضُِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءٍ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) إلى
قوله: (قَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَأْ سُبْحَنَةٌ هُوَ الْغَنِىِّ لَهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ).
والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة . قال
تعالى: (. وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ
شُفَعَكُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ,
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وقال تعالى: (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْ بَانًا
ءَإِمَةٌّ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوْيَفْتَرُونَ) .
وأخبر عن المشركين أنهم قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ)
وقال تعالى: (وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْالْكَتِكَةَ وَالنَّبِِّنَ أَرْبَابًا أَيَأْ مُؤَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَ نتُمُ
مُسْلِمُونَ ) وقال تعالى: (قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُممِّنِ دُونِهِ،فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ
اُلُّعَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْأَقْرَبُ
١٢٩

وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا).
فأخبر أن ما يدعى من دونه لا يملك كشف ضر ولا محويله ، وأنهم
یر جون رحمته ، ويخافون عذابه ، ويتقربون إليه . فهو - سبحانه - قد نفى ما من
الملائكة والأنبياء ؛ إلا من الشفاعة بإذنه ، والشفاعة هى الدعاء .
ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع، والله قد أمر بذلك، لكن
الداعى الشافع : ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له فى ذلك فلا يشفع
شفاعة نهى عنها؛ كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة. قال تعالى: (مَا كَانَ
لِلنَّبِيّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُ واْلِلْمُشْرِ كِينَ وَلَوْ كَانُواْأُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَاتَ
لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيَ لِأَبِهِ إِلَّا عَنْ مَّوْعِدَةٍ
وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَمَّانَبَيِّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌ لِلَّهِ تَبَرَّاَمِنْهُ). وقال تعالى فى حق المنافقين:
(سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْلَمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).
وقد ثبت فى الصحيح: أن الله نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين والمنافقين،
وأخبر أنه لا يغفر لهم. كما فى قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ موَ يَغْفِرُ مَادُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) وقوله: (وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَاتَ أَبَدًّا وَلَانَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ: إِنَّهُمْ
كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَانُواْوَهُمْ فَسِقُونَ ) وقد قال تعالى: (أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) - فى الدعاء - ومن الاعتداء فى الدعاء:
ج
أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله. مثل: أن يسأله منازل الأنبياء وليس
منهم ، أو المغفرة للمشركين ، ونحو ذلك . أو يسأله ما فيه معصية الله، كإعانته
على الكفر والفسوق والعصيان.
١٣٠

فالشفيع الذى أذن الله له فى الشفاعة : شفاعته فى الدعاء الذى ليس
فيه عدوان.
ولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه ؛ فإنهم معصومون أن يقروا
على ذلك . كما قال نوح: (إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِى وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَعْكُمُ الْحَكِينَ)
الحاكمين قال تعالى: ( يَننُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَِحٍ فَلَا تَسْتَلْنِ مَالَيْسَ
لَكَ بِهِ، عِلْمٌ إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ
لِ بِهِ، عِلْمٌّ وَإِلَّا تَغْفِرْلِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُنْ مِّنَ الْخَسِرِينَ).
وكل داع شافع دعا الله - سبحانه وتعالى - وشفع: فلا يكون دعاؤه
وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته، وهو الذى يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة
فهو الذى خلق السبب والمسبب ، والدعاء من جملة الأسباب التى قدرها الله
- سبحانه وتعالى - .
وإذا كان كذلك: فالالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد ، ومحو
الأسباب أن تكون أسباباً نقص فى العقل ، والإعراض عن الأسباب بالكلية
قدح فى الشرع ، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله
- سبحانه وتعالى - والله يقدر له من الأسباب - من دعاء الخلق وغيرهم -
ما شاء.
والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى للأدنى ، والأدنى للأعلى : فطلب
الشفاعة والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون يستشفعون بالنبى صلى الله عليه
وسلم فى الاستسقاء ، ويطلبون منه الدعاء ؛ بل وكذلك بعده استسقى عمر
والمسلمون بالعباس عمه ، والناس يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء،
١٣١

ومحمد صلى اللّه عليه وسلم وهو سيد الشفعاء، وله شفاعات يختص بها - ومع
هذا - فقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا سمعتم
المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على ؛ فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه
عشراً ، ثم سلوا الله لى الوسيلة؛ فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من
عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد! فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه
شفاعتي يوم القيامة)) وقد قال لعمر لما أراد أن يعتمر وودعه: (( يا أخى
لا تنسنی من دعائك » .
فالنبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من أمته أن يدعوا له ؛ ولكن ليس
ذلك من باب سؤالهم ، بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات التى يثابون
عليها ، مع أنه صلى الله عليه وسلم له مثل أجورهم فى كل ما يعملونه ، فإنه قد صح
عنه أنه قال: « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه
من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان علیه من الوزر
مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً)) وهو داعى الأمة
إلی کل هدى ، فله مثل أجورهم فى كل ما اتبعوه فيه .
وكذلك إذا صلوا عليه فإن الله يصلى على أحدهم عشراً، وله مثل أجورهم
مع ما يستجيبه من دعائهم له ، فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه ، وصار
ما حصل له به من النفع نعمة من الله عليه، وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال :
((ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكاً، كما
دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به : آمين ولك مثل ذلك)) وفى حديث
آخر: ((أسرع الدعاء دعوة غائب الغائب .
١٣٢

فالدعاء للغیر ینتفع به الداعی ، والمدعو له وإن كان الداعی دون المدعو
له ، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعى والمدعو له . فمن قال لغيره ادع لى
وقصد انتفاعهما جميعاً بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى ، فهو
نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما ، والمسئول فعل ما ينفعهما ، بمنزلة من يأمر
غيره بير وتقوى ؛ فيئاب المأمور على فعله ، والآمر أيضاً يثاب مثل ثوابه ؛
لكونه دعا إليه، لاسيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد، كما قال تعالى:
(وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ) فأمره بالاستغفار ثم قال: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ
إِذَ ◌ّظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُ واْاللَّهَ وَاسْتَغْفَكَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَ جَدُواْاللَّهَ تَوَابًا
رَّحِيمًا).
فذكر - سبحانه - استغفارهم ، واستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به
الرسول ، حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ، ولم يأمر الله مخلوقاً
أن يسأل مخلوقاً شيئاً لم يأمر الله المخلوق به ، بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب،
أو استحباب؛ ففعله هو عبادة لله وطاعة وقربة إلى الله، وصلاح لفاعله وحسنة
فيه ، وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه، وإنعامه عليه . بل أجل نعمة
أنعم الله بها على عباده أن هداه للإيمان.
والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة والحسنات ، وكلما ازداد العبد عملا
للخير. ازداد إيمانه. هذا هو الإنعام الحقيقي المذكور فى قوله: (صِرَطَ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) وفى قوله: (وَمَن يُطِعِاللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم ).
بل نعم الدنيا بدون الدين هل هى من نعمه أم لا؟ فيه قولان مشهوران للعلماء
من أصحابنا وغيرهم.
١٣٣

والتحقيق : أنها نعمة من وجه وإن لم تكن نعمة تامة من وجه،
وأما الإنعام بالدين الذى ينبغى طلبه فهو ما أمر الله به من واجب ومستحب ،
فهو الخير الذى ينبغى طلبه باتفاق المسلمين، وهو النعمة الحقيقية عند أهل السنة
إذ عندهم أن الله هو الذى أنعم بفعل الخير. والقدرية عندهم إنما أنعم بالقدرة
عليه ، الصالحة للضدين فقط .
والمقصودهنا : أن الله لم يأمر مخلوقا أن يسأل مخلوقا إلا ما كان مصلحة
لذلك المخلوق، إما واجب أو مستحب . فإنه سبحانه لا يطلب من العبد إلا ذلك،
فكيف يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك؟ بل قد حرم على العبد أن يسأل العبد
ماله إلا عند الضرورة .
وإن كان قصده مصلحة المأمور أو مصلحته ومصلحة المأمور ، فهذا يثاب
على ذلك ، وإن كان قصده حصول مطلوبه من غير قصد منه لانتفاع المأمور ،
فهذا من نفسه أتى ، ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط ، بل قد نهى عنه ،
إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته ، والله يأمرنا
أن نعبده ونرغب إليه ، ويأمرنا أن يحسن إلى عباده ، وهذا لم يقصد لا هذا
ولا هذا ، فلم يقصد الرغبة إلى الله ودعائه، وهو الصلاة. ولا قصد الإحسان
إلى المخلوق الذى هو الزكاة ، وإن كان العبد قد لا يأم بمثل هذا السؤال ؛ لكن
فرق مابين ما يؤمر به العبد وما يؤذن له فيه ، ألا ترى أنه قال فى حديث
السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب : إنهم لا يسترقون . وإن كان
الاسترقاء جائزاً . وهذا قد بسطناه فى غير هذا الموضع .
والمقصودهنا: أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التى
١٣٤

تكون بين الملوك والرعية ، فهو مشرك ؛ بل هذا دين المشركين عباد الأوثان
كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى
الله؛ وهو من الشرك الذى أنكره الله على النصارى حيث قال: (التَّخَذُوّا
أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوَّا إِلََّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا
وَحِدًّاً لََّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَا يُشْرِكُونَ) وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِى عَنّى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الذَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْلِى وَلْيُؤْمِنُواْبِى لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ ) أى فليستجيبوا لى إذا دعوتهم بالأمر والنهى، وليؤمنوا بى
أن أجيب دعاءهم لى بالمسألة والتضرع.
) وقال تعالى :
وقال تعالى: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَنصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب
( وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُهُ فِ الْبَحْرِضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ) وقال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ
اُلْمُضْطَرَّ إِذَادَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ). وقال تعالى :
(يَسْثَلُهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِ شَأْنِ ).
وقد بين الله هذا التوحيد فى كتابه، وحسم مواد الإشراك به حتى لايخاف
أحد غير الله، ولا يرجو سواه، ولا يتوكل إلا عليه. وقال تعالى: ( فَلَاَ
تَخْشَوُاْالنَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْبِثَايَتِى ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ (إِنَّمَاذَ لِكُمُ الشَّيْطُ
يُغَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ ) أى يخوفكم أولياءه ( فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنَّكُمُؤْمِينَ)
وقال تعالى: (أَلَتَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَمْ كُقُواْأَيَدِيَّكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَانُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَا كُتِبَ عَلَيْهِمُ
اُلْفِنَالُ إِذَا فِقٌّ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْأَشَدَّ خَشْيَةً )
وقال تعالى: ( إِنَّمَايَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ
١٣٥

وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ) وقال تعالى: (وَمَن يُطِعِاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ
وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ ).
فبين أن الطاعة لله ورسوله، وأما الخشية فلله وحده .
وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْ مَآءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْحَسْبُنَا اللَّهُ
سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ ) ونظيره قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ).
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم: يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنهم
مواد الشرك ؛ إذ هذا تحقيق قولنا لا إله إلا الله ، فإن الإله هو الذى تألهه
القلوب؛ لكمال المحبة والتعظيم ، والإجلال والإكرام ، والرجاء والخوف،
حتى قال لهم: ((لا تقولوا ما شاء اللّه وشاء محمد؛ ولكن قولوا ماشاء الله ثم شاء
محمد)) وقال له رجل: ما شاء اللّه وشئت. فقال: ((أجعلتنى لله ندا؟ بل ما شاء
الله وحده)) وقال: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) وقال: (( من
حلف بغير الله فقد أشرك)) وقال لابن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا
استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما أنت لاق؛ فلو جهدت الخليقة على أن
تنفعك لم تنفعك إلا بشىء كتبه الله لك ، ولو جهدت أن تضرك لم تضرك إلا
بشىء كتبه الله عليك))! وقال أيضاً: ((لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى
ابن مريم، وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) وقال: ((اللهم لا يجعل قبرى
وثنا يعبد)) وقال: ((لا تتخذوا قبری عیدا، وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى
حيث ما كنتم» وقال فى مرضه: (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور
١٣٦

أنبيائهم مساجد)» يحذر ما صنعوا قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن
كره أن يتخذ مسجدا . وهذا باب واسع.
ومع علم المؤمن أن الله رب كل شىء ومليكه : فإنه لا ينكر ما خلقه الله
من الأسباب، كما جعل المطر سبباً لإنبات النبات. قال الله تعالى: ( وَمَا أَنزَلَ اللهُ
وكما جعل
مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّاءٍ فَأَخْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِ دَآبَّةٍ )
الشمس والقمر سبباً لما يخلقه بهما ، وكما جعل الشفاعة والدعاء سبباً لما يقضيه
بذلك، مثل صلاة المسلمين على جنازة الميت، فإن ذلك من الأسباب التى ير حمه الله
بها، ويثيب عليها المصلين عليه؛ لكن ينبغى أن يعرف فى الأسباب ثلاثة أمور:
أحدها : أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب ، بل لابد معه من أسباب
أخر ، ومع هذا فلها موانع . فإن لم يكمل الله الأسباب ، ويدفع الموانع :
لم يحصل المقصود ، وهو - سبحانه - ما شاء كان - وإن لم يشأ الناس -
وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.
الثانى : أن لا يجوز أن يعتقد أن الشىء سبب إلا بعلم ، فمن أثبت شيئاً
سبباً بلا علم أو يخالف الشرع : كان مبطلا ، مثل من يظن أن النذر سبب فى
دفع البلاء وحصول النعماء .
وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن النذر
وقال: ((إنه لا يأتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل)) .
الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شىء سبباً إلا أن تكون
مشروعة ؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف ؛ فلا يجوز للإنسان أن يشرك
بالله، فيدعو غيره - وإن ظن أن ذلك سبب فى حصول بعض أغراضه -
١٣٧

وكذلك لا يعبد اللّه بالبدع، المخالفة للشريعة - وإن ظن ذلك - فإن الشياطين
قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق
والعصيان بعض أغراض الإنسان ، فلا يحل له ذلك ؛ إذ المفسدة الحاصلة
بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به إذ الرسول صلى الله عليه وسلم: بعث
بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، فما أمر الله به :
فمصلحته راجحة ، وما نهى عنه : فمفسدته راجحة ، وهذه الجمل : لها بسط
لا تحتمله هذه الورقة. والله أعلم .
١٣٨

وسئل رحمه اللّه :-
قال السائل: إن اللّه يسمع الدعاء بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه
الوسيلة والواسطة .
فأجاب : -
الحمد لله، إن أراد بذلك أن الإيمان بمحمد، وطاعته، والصلاة والسلام
عليه وسيلة للعبد فى قبول دعائه وثواب دعائه فهو صادق؛ وإن أراد أن الله
لا يجيب دعاء أحد حتى يرفعه إلى مخلوق ، أو يقسم عليه به ، أو أن أنفس
الأنبياء بدون الإيمان بهم وطاعتهم وبدون شفاعتهم وسيلة فى إجابة الدعاء :
فقد كذب فى ذلك والله أعلم.
١٣٩

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى :-
هل يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ .
فأجاب:
الحمد لله. أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته، والصلاة والسلام
عليه ، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك ، مما هو من أفعاله ، وأفعال العباد المأمور
بها فى حقه. فهو مشروع باتفاق المسلمين ، وكان الصحابة رضى الله عنهم
يتوسلون به فی حیاته . وتوسلوا بعد موته بالعباس عنه، كما كانوا يتوسلون به .
وأما قول القائل : اللهم إنى أتوسل إليك به. فللعلماء فيه قولان كمالهم
فى الحلف به قولان: وجمهور الأئمة كمالك؛ والشافعى؛ وأبى حنيفة على أنه
(١)
لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء، والملائكة ولا تنعقد اليمين بذلك باتفاق
العلماء ، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ، والرواية الأخرى تنعقد اليمين به
خاصة دون غيره ؛ ولذلك قال أحمد فى منسكه الذى كتبه للمروذى صاحبه: إنه
يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فى دعائه ؛ ولكن غير أحمد قال: إن هذا
إقسام على الله به ، ولا يقسم على الله بمخلوق ، وأحمد فى إحدى الروايتين قد
جوز القسم به ، فلذلك جوز التوسل به .
ولكن الرواية الأخرى عنه هى قول جمهور العلماء، أنه لا يقسم به ؛
(١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب ( لا يسوغ الحلف به ولا بغيره ........... )
١٤٠