النص المفهرس

صفحات 101-120

سئل الشيخ - رحمه الله-
عمن قال : يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فى كل
ما يستغاث اللّه تعالى فيه: على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى -
فى طلب الغوث ، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين فى كل ما يستغاث
الله تعالى فيه .
وأما من توسل إلى الله تعالى بنبيه فى تفريج كربة فقد استغاث به ، سواء
كان ذلك بلفظ الاستغاثة ، أو التوسل ، أو غير هما مما هو فى معناهما ، وقول
القائل: أتوسل إليك يا إلهى برسولك! أو أستغيث برسولك عندك، أن تغفر
لى، استغاثة بالرسول حقيقة فى لغة العرب وجميع الأمم.
قال : ولم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص ، قديما وحديثا،
وأنه يصح إسنادها للمخلوقين ، وأنه يستغاث بهم على سبيل التوسل ، وأنها
مطلقة على كل من سأل تفريج الكربة بواسطة التوسل به ، وأن ذلك صحيح
فى أمر الأنبياء والصالحين.
قال: وفيما رواه الطبرانى : عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: أن بعض
الصحابة رضى الله عنهم قال: استغيثوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا
المنافق ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنه لا يستغاث بى وإنما يستغاث بالله))
١٠١

إن النبي صلى الله عليه وسلم لو نفى عن نفسه أنه يستغاث به، ونحو ذلك، يشير
به إلى التوحيد، وإفراد البارى بالقدرة : لم يكن لنا نحن أن ننفى ذلك ، ونجوز
أن نطلق أن النبى صلى الله عليه وسلم والصالح يستغاث به ، يعنى فى كل ما يستغاث
فيه بالله تعالى، ولا يحتاج أن يقول على سبيل أنه وسيلة وواسطة، وأن القائل
لا يستغاث به مننقصا له ، وأنه كافر بذلك ؛ لكنه يعذر إذا كان جاهلا . فإذا
عرف معنى الاستغاثة ثم أصر على قوله بعد ذلك ؛ صار كافرا .
والتوسل به استغاثة به كما تقدم ، فهل يعرف أنه قال أحد من علماء
المسلمين : إنه يجوز أن يستغاث بالنبى صلى الله عليه وسلم والصالح ، فى كل
ما يستغاث به الله تعالى؟ وهل يجوز إطلاق ذلك؟ كما قال القائل،
وهل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ أو الصالح أو غيرهما إلى الله
تعالى فى كل شىء؛ استغاثة بذلك المتوسل به؟ كما نقله هذا القائل عن جميع اللغات
وسواء كان التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصالح استغاثة به، أو لم يكن،
فهل يعرف أن أحدا من العلماء قال: إنه يجوز التوسل إلى الله بكل بى وصالح؟
فقد أفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام فى فتاويه المشهورة : أنه لا يجوز
التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم، إن صح الحديث فيه، فهل
قال أحد: خلاف ما أفتى به الشيخ المذكور؟
وبتقدير أن يكون فى المسئلة خلاف ، فمن قال لا يتوسل بسائر الأنبياء
والصالحين . كما أفتى الشيخ عز الدين؟ هل يكفر كما كفره هذا القائل؟ ويكون
ما أفتى به الشيخ كفرا ، بل نفس التوسل به لو قال قائل : لا يتوسل به ؛
١٠٢

ولا يستغاث به ؛ إلا فى حياته وحضوره، لا فى مو ته ومغيبه ، هل يكون ذلك
كفرا؟ أو يكون تنقصا؟
ولو قال : ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى لا يستغاث فيه إلا بالله ، أى:
لا يطلب إلا من اللّه تعالى هل يكون كفرا. أو يكون حقا؟ وإذا نفى الرسول
صلى الله عليه وسلم عن نفسه أمرا من الأمور لكونه من خصائص الربوبية،
هل يحرم عليه أن ينفيه عنه أم يجب، أم يجوز نفيه؟ أفتونا رحمكم الله - بجواب
شاف كاف ، موفقين مثابين - إن شاء اللّه تعالى.
الجواب: الحمد لله رب العالمين، لم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه
يستغاث بشىء من المخلوقات ؛ فى كل ما يستغاث فيه بالله تعالى، لا بنى،
ولا بملك ، ولا بصالح ، ولا غير ذلك . بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين
الإسلام ؛ أنه لا يجوز إطلاقه .
ولم يقل أحد: إن التوسل بنى؛ هو استغاثة به ، بل العامة الذين يتوسلون
فى أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان، أو بحرمته،
أو أتوسل إليك باللوح والقلم ، أو بالكعبة ، أو غير ذلك ، مما يقولونه
فى أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور؛ فإن المستغيث بالنبي صلى
الله عليه وسلم طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا
يسأل، وإنما يطلب به ، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به.
والاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة ، كالاستنصار طلب النصر ،
والاستعانة طلب العون ، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه
١٠٣

منها، كما قال تعالى: (وَإِنِ أَسْتَنَصَرُوَكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) وكما قال:
(فَاسْتَغَتَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِىِ مِنْ عَدُوِّهِ ) وكما قال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ
عَلَى الْبِّوَالنَّقْوَى).
وأما مالا يقدر عليه إلا اللّه ؛ فلا يطلب إلا من الله؛ ولهذا كان المسلمون
لا یستغینون بالنی صلی الله عليه وسلم ویستسقون به، ویتوسلون به ، کما فى صحيح
البخارى : أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه استسقى بالعباس وقال :
اللهم إنا كنا إذا أجد بنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نينا
فاسقنا فيسقون .
وفى سنن أبى داود : أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نستشفع
بالله عليك، ونستشفع بك على الله؛ فقال: ((شأن اللّه أعظم من ذلك، إنه
لا يستشفع به على أحد من خلقه)) فأقره على قوله نستشفع بك على الله ،
وأنكر عليه قوله نستشفع بالله عليك.
وقد اتفق المسلمون على أن نينا شفيع يوم القيامة وأن الخلق يطلبون منه
الشفاعة ، لكن عند أهل السنة أنه يشفع فى أهل الكبائر ، وأما عند الوعيدية
فإنما يشفع فى زيادة الثواب .
وقول القائل: إن من توسل إلى الله بنى. فقال: أتوسل إليك برسولك فقد
استغاث برسوله حقيقة ، فى لغة العرب وجميع الأمم قد كذب عليهم،
فما يعرف هذا فى لغة أحد من بنى آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسئول
به مدعو ، ويفرقون بين المسئول والمسئول به ، سواء استغاث بالخالق
١٠٤

أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على النصر فيه. والنبى
صلى الله عليه وسلم أفضل مخلوق يستغاث به فى مثل ذلك.
ولو قال قائل لمن يستغيث به : أسألك بفلان، أو بحق فلان ، لم يقل أحد
إنه استغاث بما توسل به ، بل إنما استغاث بمن دعاه ؛ وسأله ، ولهذا قال
المصنفون فى شرح أسماء الله الحسنى: إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة
أخص بالأفعال ، والإجابة أخص بالأقوال .
والتوسل إلى الله بغير نبينا صلى الله عليه وسلم - سواء سمى استغاثة
أو لم يسم - لا نعلم أحدا من السلف فعله. ولا روى فيه أثراً، ولا نعلم فيه
إلا ما أفتى به الشيخ من المنع ، وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ففيه
حديث فى السنن ، رواه النسائي والترمذى وغيرهما : أن أعرابياً أتى النبى
صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله: إنى أصبت فى بصرى فادع الله لى،
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( توضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم أسألك
وأتوجه الیك بنبيك محمد ، یا محمد إنى أتشفع بك فى رد بصرى . اللهم شفع نبيك
فى)) وقال: ((فإن كانت لك حاجة فمثل ذلك)) فرد الله بصره. فلأجل هذا الحديث
استثنى الشيخ التوسل به .
وللناس فى معنى هذا قولان :
أحدهما: أن هذا التوسل هو الذى ذكر ((عمر بن الخطاب)) رضى الله
عنه، لما قال: كنا إذا أجد بنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك
بعم نینا فاسقنا ، فقد ذکر عمر - رضى الله عنه - : أنهم كانوا يتوسلون به فى
حياته فى الاستسقاء ، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته ، وتوسلهم
١٠٥

به هو استقاؤهم به ، بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله ،
وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا فى مغيبه ، والنبى صلى الله عليه وسلم كان
فى مثل هذا شافعا لهم ، داعيالهم ، ولهذا قال فى حديث الأعمى: اللهم فشفعه
فى. فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له، فسأل الله أن يشفعه فيه.
والثانى: أن التوسل یکون فى حياته ، وبعد موته، وفى مغيه وحضر ته ،
ولم يقل أحد: إن من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره ، فإن هذه
مسألة خفية ، ليست أدلتها جلية ظاهرة ، والكفر إنما يكون بإنكار ما على
من الدين ضرورة ، أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها ، ونحو ذلك .
واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا يشرع ، كاختلافهم هل تشرع
الصلاة عليه عند الذبيح؛ وليس هو من مسائل السب عند أحد من المسلمين .
وأما من قال : إن من نفى التوسل الذى سماه استغاثة بغيره كفر ،
وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله ، فأظهر من أن يحتاج
إلى جواب ؛ بل المكفر بمثل هذه الأمور ، يستحق من غليظ العقوبة والتعزير
ما يستحقه أمثاله، من المفترين على الدين، لا سيما مع قول النبى صلى الله عليه وسلم:
((من قال لأخيه : كافر فقد باء بها أحدهما)).
وأما من قال: ما لا يقدر عليه إلا اللّه لا يستغاث فيه إلا به ، فقد قال الحق ،
بل لو قال كما قال أبو يزيد : استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق ،
وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشى استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة
المسجون بالمسجون لكان قد أحسن. فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة
١٠٦

المطلقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس ((إذا سألت فاسأل
الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله)).
وإذا نفى الرسول وَّل عن نفسه أمرا كان هو الصادق المصدوق فى ذلك، كما
هو الصادق المصدوق فى كل ما يخبر به من نفى، وإثبات ، وعلينا أن نصدقه
فى كل ما أخبر به ، من نفى ، وإثبات ، ومن رد خبره تعظيما له ، أشبه
النصارى ، الذين كذبوا المسيح فى إخباره عن نفسه بالعبودية ، تعظيما له ،
ويجوز لنا أن ننفى ما نفاه ، وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك ألبتة.
والله أعلم.
١٠٧

وسئل شيخ الإسلام:
( تقى الدين بن تيمية رضي الله عنه )
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وفقهم الله لطاعته فيمن يقول: لا يستغاث
برسول الله صلى الله عليه وسلم، هل يحرم عليه هذا القول، وهل هو كفر
أم لا؟ وإن استدل بآيات من كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم
هل ينفعه دليله أم لا ؟ وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة فما يجب على من
يخالف ذلك؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب :-
الحمد لله : قد ثبت بالسنة المستفيضة ، بل المتواترة ، واتفاق الأمة :
أن نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأنه يشفع فى الخلائق يوم القيامة
وأن الناس يستشفعون به يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم وأنه يشفع لهم .
ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع فى أهل الكبائر، وأنه لا يخلد
فى النار من أهل التوحيد أحد.
وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر ، ولم ينكروا
شفاعته للمؤمنين ؛ وهؤلاء مبتدعة ضلال وفى تكفيرهم نزاع وتفصيل .
١٠٨

وأما من أنكر ماثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة ، وسواء
سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه .
وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به
والاستشفاع به؛ كما رواه البخارى فى صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب كان
إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ، وقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك
بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نينا فاسقنا فيسقون . وفى سنن أبى داود
وغيره أن أعرابياً قال للنى صلى الله عليه وسلم: جهدت الأنفس وجاع العيال
وهلك المال فادع الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فسبح
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك فى وجوه أصحابه وقال: «ويحك
إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك)، وذكر تمام
الحديث فأنكر قوله نستشفع بالله عليك ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله
بل أقره عليه فعلم جوازه، فمن أنكر هذا فهو ضال مخطئ مبتدع ؛ وفى تكفيره
نزاع وتفصيل .
وأما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل
به ونحو ذلك ، ولكن قال لا يدعى إلا الله وأن الأمور التى لا يقدر عليها
إلا الله لا تطلب إلا منه، مثل غفران الذنوب، وهداية القلوب وإنزال
المطر ، وإنبات النبات ونحو ذلك : فهذا مصيب فى ذلك بل هذا مما لانزاع فيه
بين المسلمين أيضاً. كما قال الله تعالى: (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ ) وقال:
) وكما قال تعالى :
إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ
)
وَأَيُّهَا النَّاسُ أَذَّكُرُ وْنِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُرْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرٌلَّهِيَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)
)
١٠٩

وكما قال تعالى: ( وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ
عِندِ اللَّهِ) وقال: ( إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَ خْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
ثَانِىَ آَتْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).
فالمعانى الثابتة بالكتاب والسنة : يجب إثباتها ، والمعانى المنفية بالكتاب
والسنة ، يجب نفيها ، والعبارة الدالة على المعانى نفياً وإثباتاً إن وجدت فى كلام
الله ورسوله ويلة: وجب إقرارها. وإن وجدت فى كلام أحد وظهر مراده
من ذلك رتب علیه حكمه ، وإلا رجع فيه إليه .
وقد يكون فى كلام الله ورسوله ويسير عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس
يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله مثله، فهذا يرد عليه فهمه. كما روى الطبرانى
فى معجمه الكبير أنه كان فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم منافق يؤذى المؤمنين
فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا لنستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم
من هذا المنافق فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنه لا يستغات بى وإنما يستغاث
بالله)) فهذا إنما أراد به النبى صلى الله عليه وسلم المعنى الثانى. وهو أن يطلب
منه مالا يقدر عليه إلا الله ، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء
ویستسقون به، كما فى صحيح البخارى عن ابن عمر قال: ربما ذكرت قول
الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبى صلى الله عليه وسلم، يستسقى فما ينزل حتى
یحیش له ميزاب :
ثمال اليتامى عصمة للأرامل !
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
وهو قول أبى طالب، ولهذا قال العلماء المصنفون فى أسماء الله تعالى: يجب
على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وأن كل
١١٠

غوث فمن عنده، وإن كان جعل ذلك على يدى غيره فالحقيقة له سبحانه وتعالى
ولغيره مجاز .
قالوا : من أسمائه تعالى المغيث والغيات ، وجاء ذكر المغيث فى حديث
أبى هريرة ، قالوا واجتمعت الأمة على ذلك .
وقال أبو عبد الله الحليمى: الغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال غياث
المستغيثين ، ومعناه المدرك عباده فى الشدائد إذا دعوه ، ومجيبهم ومخلصهم،
وفى خبر الاستسقاء فى الصحيحين: ((اللهم أغثنا اللهم أغثنا)» يقال أغاثه إغاثة
وغياثا وغوثا ، وهذا الاسم فى معنى المجيب والمستجيب قال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ
رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال،
وقد يقع كل منهما موقع الآخر .
قالوا الفرق بين المستغيث والداعى ، أن المستغيث ينادى بالغوث . والداعى
ينادى بالمدعووالمغيث. وهذا فيه نظر، فإن من صيغة الاستغاثة يالله للمسلمين،
وقد روى عن معروف الكرخى أنه كان يكثر أن يقول واغوثاه، ويقول
إنى سمعت الله يقول: (إِذْتَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) وفى الدعاء المأثور:
ياحي ياقيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لى شأنى كله ولا تكلنى إلى نفسى
طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك)).
والاستغاثة برحمته استغاثة به فى الحقيقة ، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة
به فى الحقيقة ، وكما أن القسم بصفاته قسم به فى الحقيقة ، ففى الحديث :
((أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق)) وفيه ((أعوذ برضاك من سخطك،
وبمعافاتك من عقوبتك ، وبك منك لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت
على نفسك )» .
١١١

ولهذا استدل الأئمة فما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: ((أعوذ
بكلمات الله التامة)» قالوا : والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق .
وكذلك القسم قد ثبت فى الصحيحين أن النبى صلى اللّه عليه وسلم قال:
( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)) وفى لفظ ((من حلف بغير الله فقد
أشرك)) رواه الترمذى وصححه. ثم قد ثبت فى الصحيح: الحلف ((بعزة الله))
و((لعمر الله)) ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذى
نهى عنه، والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ويتي ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع
فيها مسلم ، ومن نازع فى هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما
مخطئ صال.
وأما بالمعنى الذى نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهو أيضاً مما يجب
نفيها ، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضاً كافر إذا قامت عليه
الحجة التى يكفر تاركها .
ومن هذا الباب قول أبى يزيد البسطامى: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة
الغريق بالغريق ، وقول الشيخ أبى عبد الله القرشى المشهور بالديار المصرية:
استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون .
وفى دعاء موسى عليه السلام: ((اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت
المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك )) ولما كان
هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق وكان مختصاً بالله: صح إطلاق نفیه عما
سواه، ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة
بغير الله، ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله.
١١٢

وكذلك الاستغاثة أيضاً فيها ما لا يصلح إلا لله ، وهى المشار إليها بقوله:
(إِنَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَاكَ نَسْتَعِيرٌ) فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله،
وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار. قال الله تعالى: ( وَإِنِ
اُسْتَنَصَرُوَكُمْ فِ الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) والنصر المطلق هو خلق ما به يغلب العدو
ولا يقدر عليه إلا الله .
ومن خالف ما ثبت بالكتاب والسنة: فإنه يكون إما كافراً، وإما فاسقا،
وإما عاصياً ، إلا أن يكون مؤمناً مجتهداً مخطئاً فيثاب على اجتهاده ، ويغفر له
خطؤه ، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذى تقوم عليه به الحجة ، فإن الله
يقول: ( وَمَا كُنَامُعَذِّبِينَ حَّ ◌َبْعَثَ رَسُولًا). وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة
بالكتاب والسنة خالفها: فإنه يعاقب بحسب ذلك إما بالقتل وإما بدونه
والله أعلم.
١١٣

وقال شيخ الإسلام :-
فصل
سمی الله آلهتهم التى عبدوها من دونه شفعاء ، كما سماها شركاء، فی غیر
موضع، فقال فى يونس: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ
وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَسُنَبِئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِ
سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وقال: ( أَمِ أَتَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا
يَعْقِلُونَ * قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا ) (وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ اَلْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنَ
لَّهُم مِّنْ شُرَّكَا بِهِمْ شُفَعَؤُا ).
منے
وجمع بين الشرك والشفاعة فى قوله: ( قُلِ آَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الَّهِلَا
يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِهِمَا مِن شِرْءٍ وَ مَالَهُمِنْهُمْ مِّنْ
ظَهِيرٍ * وَلَفَعُ الشَّفَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ). فهذه الأربعة
هى التى يمكن أن يكون لهم بها تعلق. الأول: ملك شىء ولو قل ، الثانى : شركهم
فى شىء من الملك. فلا ملك ولا شركة ولا معاونة يصير بها نداً . فإذا انتفت
الثلاثة : بقيت الشفاعة فعلقها بالمشيئة .
١١٤

وَكَمَ مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَاتُغْنِ شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا) وقال :
وقال: (
(
قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا
)
الآيتين. وقال فى اتخاذهم قربانا: ( مَا نَعْبُدُ هُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ). وقال:
(فَلَوْلَا نَصَرَ هُمُ الَّذِينَ أَتَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْ بَانَاءَالِهَذَّ بَلْ ضَلُواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ ).
١١٥

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
فى الشفاعة المنفية فى القرآن: كقوله تعالى: ( وَأَتَّقُواْيَوْمًا لَا تَجْرِى نَفْسُ عَن
) . وقوله تعالى:
نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ
(وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَاتَنَفَهُ هَاشَفَعَةٌ) وقوله: (مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِ يَوْمٌ لَا بَيْعُ فِيهِ
وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ) وقوله: ( فَمَالَنَا مِن شَفِعِينَ * وَلَ صَدِيقٍ حَمِيرٍ ) وقوله :
(مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا سَفِيعِ يُطَاعُ). وقوله: (يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ
نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقٍّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْنُرَدُ فَتَعْمَلَ غَيْرَ
الَّذِى كُنَّانَعْمَلُ ) وأمثال ذلك.
واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر ،
إذ منعوا أن يشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يخرج من النار من يدخلها ،
ولم ينفوا الشفاعة لأهل الثواب فى زيادة الثواب.
ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة : إثبات الشفاعة
لأهل الكبائر ، والقول بأنه يخرج من النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وأيضاً : فالأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الشفاعة :
فيها - استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم ، وفيهم المؤمن والكافر ، وهذا فيه
١١٦

نوع شفاعة للكفار . وأيضاً : ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال:
يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشىء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال:
((نعم هو فى ضحضاح من نار ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار))
وعن عبد الله بن الحارث قال : سمعت العباس يقول : قلت يا رسول الله
إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ، فهل نفعه ذلك ؟ قال : نعم ؛ وجدته
فى غمرات من نار فأخر جته إلى ضحضاح.
وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: ((لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل
فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه)).
فهذا نص صحيح صريح لشفاعته فى بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب ،
بل فى أن يجعل أهون أهل النار عذاباً ، كما فى الصحيح أيضاً عن ابن عباس :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وهو
منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه )) .
وعن أبى سعيد الخدرى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أدنى
أهل النار عذاباً منتعل بنعلين من نار يغلى دماغه من حرارة فعليه » وعن النعمان
بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أهون أهل
النار عذاباً يوم القيامة لرجل يوضع فى أخمص قدميه جمرتان يغلى منهما دماغه »
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أهون أهل النار عذابا
من له نعلان وشراكان من نار يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل مايرى أن أحداً
أشد منه عذاباً وإنه لأهونهم عذاباً .
١١٧

وهذا السؤال الثانى يضعف جواب من تأول نفى الشفاعة على الشفاعة
للكفار، وإن الظالمين هم الكافرون(١) .
فيقال: الشفاعة المنفية هى الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق،
وهى أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته ، فأما إذا أذن له فى أن
يشفع فشفع ؛ لم يكن مستقلا بالشفاعة ، بل يكون مطيعاً له أى تابعاً له فى
الشفاعة ، وتكون شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسئول.
وقد ثبت بنص القرآن فی غیر آية : أن أحداً لا يشفع عنده إلا یاذته .كما
قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ): وقال: ( وَلَتَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ:
إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وقال: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلََّ لِمَنْ أَرْتَضَى ) وأمثال ذلك . والذى
يبين أن هذه هى الشفاعة المنفية: أنه قال: ( وَأَنذِرَ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى
) وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِى
رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّاُ سْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَالَكُمْمِّندُونِ،
) ؛ فأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولىّ ولا شفيع.
مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيع
وأما نفى الشفاعة بدون إذنه : فإن الشفاعة إذا كانت بإذنه لم تكن من
دونه ، كما أن الولاية التى يإذنه ليست من دونه؛ كما قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَءَامَنُوْلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ * وَمَنْ يَنَوَلَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ,
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ).
وأيضاً فقد قال: (أَمِ أَشَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ
(١) بياض بالأصل.
١١٨

شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) فذم
الذين اتخذوا من دون الله شفعاء وأخبر أن يتِهِ الشفاعة جميعاً ؛ فعلم أن الشفاعة
منتفیة عن غيره ، إذ لا يشفع أحد إلا بإذنه ، وتلك فهی له.
وقد قال: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
هَؤُلَاءِ شُفَعَؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَبُونَ اَللَّهَبِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَاتِ وَلَا فِ اُلْأَرْضَِّ
سُبْحَنَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وبما يوضح ذلك: أنه نفى يومئذ الخلة بقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّ بَيْعٌ فِيهِ
&
) ومعلوم أنه إنما نفى الخلة
وَلَآَ خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
المعروفة، ونفعها المعروف كما ينفع الصديق الصديق فى الدنيا ، كما قال: ( وَمَآ
أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الَّذِينِ * ثُمَّمَا أَدْرَتِكَ مَايَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لَنَفْسِ شَيْئاً وَاَلْأَمْرُ
يَوْمَيِدٍ لِلَّهِ) وقال: (لِيُنْذِرَيَوْمَ النَّلَاقِ * يَوْمَ هُمْ بَرِزُونَ لَ يَخْنَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ
لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لَّهِالْوَحِدِ الْقَهَّارِ).
لم ينف أن يكون فى الآخرة خلة نافعة بإذنه، فإنه قد قال: (الْأَخِلَّاءُ
يَوْمَيِمٍ بَعْضُهُمْ لِيَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * بَعِبَادِ لَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اَلْيَّوْمَ وَلَا أَنْتُمْ
تَحْزَنُونَ) الآيات وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: ((حقت
محبتى للمتحابين فى)) ويقول الله تعالى: ((أين المتحابون بجلالى؟ اليوم أظلهم
فى ظلى يوم لاظل إلا ظلى».
فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا ينفع أحد ولا يضر
إلا بإذن الله ، وأنه لا يجوز أن يعبد أحد غير الله ، ولا يستعان به من دون
الله، وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله لله، ويتبرأ كل مدع من
١١٩

دعواه الباطلة ، فلا يبقى من يدعى لنفسه معه شركا فى ربوبيته ، أو إلهيته ، ولا
من يدعى ذلك لغيره بخلاف الدنيا : فإنه وإن لم يكن رب ولا إله إلا هو فقد
اتخذ غیره رباً وإلها ، وادعى ذلك مدعون .
وفى الدنيا يشفع الشافع عند غيره ، وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن
له فى الشفاعة ، ويكون خليله ، فيعينه ويفتدى نفسه من الشر ، فقد ينتفع
بالنفوس والأموال فى الدنيا ، النفوس ينتفع بها تارة بالاستقلال ، وتارة
بالإعانة وهى الشفاعة ، والأموال بالفداء ، فنفى الله هذه الأقسام الثلاثة.
قال تعالى: (لَا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدُلٌ)
وقال: ( لَّا بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ) كما قال: (لَّا يَجْزِى وَالِدُّ عَنْ وَلَدِهِ،
وَلَمَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَنِ وَالِدِهِ شَيْئًا). فهذا هذا والله أعلم.
وعاد ما نفاه اللّه من الشفاعة ، إلى تحقيق أصلى الإيمان ، وهى الإيمان
باللّه وباليوم الآخر ، التوحيد والمعاد، كما قرن بينهما فى مواضع كثيرة. كقوله:
( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِالَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ) وقوله: (الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم
مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّ لَّهِ وَإِنَّإِلَيْهِ رَجِعُونَ ) وقوله: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْإِلَّ كَنَفْسِ
وَحِدَةٍ ) وقوله: (وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِبِيكُمْ
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ). وأمثال ذلك.
١٢٠