النص المفهرس

صفحات 81-100

ولا يحج إلا بيت اللّه، ولا يتوكل إلا على اللّه، ولا يخاف إلا الله ، ولا ينذر
إلا لله ، ولا يحلف إلا باللّه. وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله
أو ليصمت)). وفى السنن: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) وعن ابن مسعود
((لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلىّ من أن أحلف بغيره صادقاً)) لأن الحلف
بغير الله شرك، والحلف بالله توحيد. وتوحيد معه كذب ؛ خير من شرك معه
صدق؛ ولهذا كان غاية الكذب أن يعدل بالشرك ، كما قال النبى صلى الله عليه
وسلم: (( عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين أو ثلاثا)) وقرأ قوله
تعالى: (وَمَن يُشْرِكِ بِالَِّفَكَنَّمَا خَرَّمِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْتَهْوِىِهِ الرِّيحُ فِيمَكَانٍ
سَحِيقٍ ) وإذا كان الحالف بغير الله قد أشرك، فكيف الناذر لغير الله؟.
والنذر أعظم من الحلف ولهذا لونذر لغير الله فلا يجب الوفاء به ؛ باتفاق
المسلمين . مثل أن ينذر لغير الله صلاة؛ أو صوما؛ أو حجا ؛ أو عمرة ؛
أو صدقة .
ولو حلف ليفعلن شيئا ، لم يجب عليه أن يفعله ، قيل يجوز له أن يكفر
عن اليمين؛ ولا يفعل المحلوف عليه، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من حلف
على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذى هو خير ، وليكفر عن يمينه ،
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه نهى عن النذر
وقال : (إنه لا يأتى بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) فإذا كان النذر
لا يأتى بخير فكيف بالنذر للمخلوق ؟ ولكن النذر لله يجب الوفاء به إذا كان
فى طاعة ، وإذا كان معصية لم يجز الوفاء باتفاق العلماء، وإنما تنازعوا
٨١

هل فيه بدل ، أو كفارة يمين ، أم لا؟ لما رواه البخارى فى صحيحه ؛ عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر
أن يعصى الله فلا يعصه)).
فمن ظن أن النذر للمخلوقين يجلب له منفعة ، أو يدفع عنه مضرة ، فهو
من الضالين ، كالذين يظنون أن عبادة المخلوقين تجلب لهم منفعة ، أو تدفع
عنهم مضرة.
وهؤلاء المشركون قد تتمثل لهم الشياطين ؛ وقد تخاطبهم بكلام، وقد
تحمل أحدهم فى الهواء، وقد تخبره ببعض الأمور الغائبة ، وقد تأتيه بنفقة
أو طعام ؛ أوكسوة ؛ أو غير ذلك، كما جرى مثل ذلك لعباد الأصنام
من العرب وغير العرب، وهذا كثير ، موجود فى هذا الزمان ؛ وغير هذا
الزمان ؛ الضالين المبتدعين المخالفين للكتاب والسنة ، إما بعبادة غير الله،
وإما بعبادة لم يشرعها الله .
وهؤلاء إذا أظهر أحدهم شيئاً خارقاً للعادة لم يخرج عن أن يكون حالا
شيطانياً ، أو محالا بهثانياً خواصهم تقترن بهم الشياطين؛ كما يقع لبعض العقلاء
منهم ، وقد يحصل ذلك لغير هؤلاء ؛ لكن لا تقترن بهم الشياطين إلا مع نوع
من البدعة، إما كفر ، وإما فسق ، وإما جهل بالشرع . فإن الشيطان قصده
إغواء بحسب قدرته ، فإن قدر على أن يجعلهم كفاراً جعلهم كفاراً وإن لم يقدر
إلا على جعلهم فساقاً ، أوعصاة ، وإن لم يقدر إلا على نقص عملهم ودينهم ،
يبدعة يرتكبونها يخالفون بها الشريعة التى بعث الله بها رسوله صلى الله عليه
وسلم فينتفع منهم بذلك .!!
٨٢

ولهذا قال الأئمة: لو رأيتم الرجل يطير فى الهواء أو يمشى على الماء ؛ فلا
تغتروا به ، حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهى ، ولهذا يوجد كثير من الناس
يطير فى الهواء وتكون الشياطين هى التى تحمله ، لا يكون من كرامات أولياء
الله المتقين.
ومن هؤلا : من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله
فيرده إلى مدينته تلك الليلة ، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله ،
ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة
إليه ؛ فإنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل ، لأن الحج الذى أمر الله به ورسوله
لابد فيه من الإحرام ، والوقوف بعرفة ، ولا بد فيه من أن يطوف بعد ذلك
طواف الإفاضة ، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به ؛ بل عليه أن يقف بمزدلفة ، ويرمى
الجمار ويطوف للوداع ، وعليه اجتناب المحظورات، والإحرام من الميقات .
إلى غير ذلك من واجبات الحج. وهؤلاء الضالون الذين يضلهم الشيطان يحملهم
فى الهواء، يحمل أحدهم بثيابه ؛ فيقف بعرفة ويرجع من تلك الليلة . حتى يرى
فى اليوم الواحد ببلده ويرى بعرفة .
ومنهم من يتصور الشيطان بصورته ويقف بعرفة ، فيراه من يعرفه واقفا ،
فيظن أنه ذلك الرجل وقف بعرفة !. فإذا قال له ذلك الشيخ أنا لم أذهب العام
إلى عرفة ؛ ظن أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ ، وإنما هو شيطان تمثل
على صورته، ومثل هذا وأمثاله يقع كثيرا ، وهى أحوال شيطانية ، قال تعالى :
وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًّا فَهُوَلَهُ فَرِينٌ). وذكر الرحمن
)
هو الذكر الذى أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا
٨٣

الذِّكْرَ وَإِنَّ لَهُ لَفِظُونَ) وقال تعالى: (فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدَّى - إلى قوله -
) ونسيانها هو ترك الإيمان
كَذَلِكَ أَنْتَكَءَ أَتُنَا فَسِنَها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَنُسَى
والعمل بها؛ وإن حفظ حروفها ، قال ابن عباس: ((تكفل الله لمن قرأ
القرآن وعمل بما فيه، أن لا يضل فى الدنيا ، ولا يشقى فى الآخرة » وقرأ
اتبع ما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم
هذه الآية ، فمن
من الكتاب والحكمة هداه الله وأسعده، ومن أعرض عن ذلك ضل وشقى،
وأضله الشيطان وأشقاه.
فالأحوال الرحمانية وكرامات أوليائه المتقين يكون سبه الإيمان ، فإن
هذه حال أوليائه. قال تعالى: (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ الهِلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ ) وتكون نعمة لله على عبده المؤمن فى دينه ودنياه ،
فتكون الحجة فى الدين والحاجة فى الدنيا للمؤمنين ، مثل ما كانت معجزات نينا
محمد صلى الله عليه وسلم : كانت الحجة فى الدين والحاجة للمسلمين ، مثل
البركة التى تحصل فى الطعام والشراب؛ كنبع الماء من بين أصابعه، ومثل
نزول المطر بالاستسقاء ، ومثل قهر الكفار وشفاء المريض بالدعاء ،
ومثل الأخبار الصادقة، والنافعة بما غاب عن الحاضرين، وأخبار الأنبياء
لا تكذب قط .
وأما أصحاب الأحوال الشيطانية ، فهم من جنس الكهان، يكذبون تارة
ويصدقون أخرى ، ولا بد فى أعمالهم من مخالفة للأمر. قال تعالى: ( هَلْ
أُنِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَاكِ أَشِمٍ ) الآيتين.
ولهذا يوجد الواحد من هؤلاء ملابسا الخبائث من النجاسات والأقذار ؛
٨٤

التى تحبها الشياطين ؛ ومرتكبا للفواحش ، أو ظالما للناس فى أنفسهم
وأموالهم، وغير ذلك واللّه تعالى قد حرم: ( الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَمِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ
وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِ كُوا بِاللَّهِ ) الآية.
وأولياء الله هم الذين يتبعون رضاه بفعل المأمور، وترك المحظور،
والصبر على المقدور ، وهذه جملة لها بسط طويل لا يتسع له هذا المكان.
والله أعلم.
٨٥

وقال شيخ الإسلام
فصل جامع
قد كتبت فيما تقدم فى مواضع قبل بعض القواعد ، وآخر مسودة الفقه :
أن جماع الحسنات العدل ، وجماع السيئات الظلم؛ وهذا أصل جامع عظيم.
وتفصيل ذلك : أن الله خلق الخلق لعبادته، فهذا هو المقصود المطلوب
لجميع الحسنات، وهو إخلاص الدين كله لله، وما لم يحصل فيه هذا المقصود : فليس
حسنة مطلقة مستوجبة لثواب الله فى الآخرة؛ وإن كان حسنة من بعض الوجوه
له ثواب فى الدنيا ، وكل ما نهى عنه فهو زيغ وانحراف عن الاستقامة ، ووضع
للشىء فى غير موضعه: فهو ظلم .
ولهذا جمع بينهما سبحانه فى قوله: (قُلْ أَمَرَرَبٍ بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ
كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) فهذه الآية فى سورة الأعراف المشتملة
على أصول الدين ، والاعتصام بالكتاب ، وذم الذين شرعوا من الدين ما لم
يأذن به الله؛ كالشرك وتحريم الطيبات، أو خالفوا ما شرعه الله من أمور دينهم،
كإبليس ، ومخالفي الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون ، والذين بدلوا الكتاب
من أهل الكتاب ؛ فاشتملت السورة على ذم من أتى بدين باطل ككفار العرب،
ومن خالف الدين الحق كله كالكفار بالأنبياء؛ أو بعضه ككفار أهل الكتاب.
وقد جمع سبحانه فى هذه السورة وفى الأنعام وفى غيرهما ذنوب المشركين
فی نوعین .
٨٦

أحدهما أمر بما لم يأمر الله به كالشرك ونهى عما لم ينه الله عنه كتحريم
الطيبات فالأول شرع من الدين ما لم يأذن به الله .
والثانى تحريم لما لم يحرمه الله .
وكذلك فى الحديث الصحيح حديث عياض بن حمار : عن النبى صلى
الله عليه وسلم: عن اللّه تعالى: ((إنى خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين،
حرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا)).
ولهذا كان ابتداع العبادات الباطلة من الشرك ونحوه : هو الغالب على
النصارى ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة ، والمتصوفة ، وابتداع التحريمات
الباطلة هو الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة ، بل أصول دين
اليهود فيه آصار وأغلال من التحريمات؛ ولهذا قال لهم المسيح: ( وَلِأُحِلَّلَكُمْ
بَعْضَ اَلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) وأصل دين النصارى فيه تأله بألفاظ متشابهة ، وأفعال
مجملة ، فالذين فى قلوبهم زيغ اتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ،
قررته فى غير هذا الموضع: بأن توحيد الله الذى هو إخلاص الدين له ، والعدل
الذى نفعله نحن هو جماع الدين يرجع إلى ذلك ، فإن إخلاص الدين لله أصل
العدل ، كما أن الشرك بالله ظلم عظيم.
٨٧

وقال شيخ الإسلام :-
اعلم رحمك الله أن الشرك بالله أعظم ذنب عصى الله به. قال الله تعالى:
) وفى الصحيحين
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ
أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أى الذنب أعظم؟. قال: (( أن تجعل لله ندا وهو
خلقك)) !!. والند المثل. قال تعالى: (فَلَا تَجْعَلُواْلِلِّ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
وقال تعالى: (وَجَعَلَ لِلَّهِأَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبٍ
النَّارِ ) . فمن جعل لله ندا من خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية
فقد كفر بإجماع الأمة .
فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته: لأنه المألوه المعبود، الذى تألهه
القلوب وترغب إليه ، وتفزع إليه عند الشدائد ، وما سواه فهو مفتقر مقهور
بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون إلها!؟. قال الله تعالى: (وَجَعَلُواْ لَهُ،مِنْعِبَادِهِ،
) وقال تعالى: (إِن كُلُّ مَن فِىِ السَّمَوَتِ
جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورٌ مُبِينُ
وَاُلْأَرْضِ إِلَّ مَاِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا). وقال الله تعالى: (لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ
عَبْدَالِلّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْمُقْرَبُونَ). وقال تعالى: (وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ الَّهِ إِلَهَاءَ اخَرِّ إِنِىِ
). وقال تعالى: ( قُلّ إِنَّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهُمُخْلِصَ لَّهُالَذِينَ).
لَكُمْمِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
٨٨

فالله - سبحانه - هو المستحق أن يعبد لذاته. قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ
اَلْعَلَمِينَ) فذكر (الحمد) بالألف واللام التى تقتضى الاستغراق لجميع المحامد ،
فدل على أن الحمد كله لله، ثم حصره فى قوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). فهذا
تفصيل لقوله: (الْحَمْدُ لِلِّرَبِّ الْعَلَمِينَ). فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله،
وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه ، فقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إشارة إلى عبادته
بما اقتضته إلهيته: من المحبة، والخوف، والرجاء، والأمر، والنهى. ( وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِيرُ) إشارة إلى ما اقتضته الربوبية؛ من التوكل والتفويض والتسليم، لأن
الرب - سبحانه وتعالى - هو المالك، وفيه أيضا معنى الربوبية والإصلاح، والمالك
الذی یتصرف فی ماکه كما يشاء .
فإذا ظهر للعبد من سر الربوبية أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى،
قال تعالى: ( تَبَكَ الَّذِىِ بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّشَىْءٍ قَدِيَّ): فلا يرى
نفعا ، ولا ضرا ، ولا حركة ، ولا سكونا ، ولا قبضا، ولا بسطا ،
ولا خفضا ، ولا رفعا، إلا والله - سبحانه وتعالى - فاعله، وخالقه ،
وقابضه ، وباسطه ، ورافعه ، وخافضه ، فهذا الشهود هو سر الكلمات
الكونيات ... وهو علم صفة الربوبية . والأول هو علم صفة الإلهية وهو
كشف سر الكلمات التكليفيات .
فالتحقيق بالأمر والنهى ، والمحبة والخوف والرجاء ؛ يكون عن كشف على
الإلهية .
والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم : يكون بعد كشف علم الربوبية
٨٩

٠
وهو علم التدبير السارى فى الأكوان ؛ كما قال عز وجل: ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ
إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْتَقُولَ لَهُوَكُنْ فَيَكُونُ ). فإذا تحقق العبد لهذا المشهد ، ووفقه
لذلك؛ بحيث لا يحجبه هذا المشهد عن المشهد الأول فهو الفقيه فى عبوديته؛
فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين ، فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف
والكرم، والجمال : داخل فى مشهد الربوبية .
ولهذا قيل: إن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن: (إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِيرُ) لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهى، والمحبة والخوف، والرجاء
كما ذكرنا ؛ وآخرها اقتضى عبوديته بالتفويض والتسليم ، وترك الاختيار،
وجميع العبوديات داخلة فى ذلك.
ومن غاب عن هذا المشهد وعن المشهد الأول. ورأى قيام الله عز وجل
على جميع الأشياء، وهو القيام على كل نفس بما كسبت ، وتصرفه فيها ، وحكمه
عليها ؛ فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه ، وإرادته القدرية ؛ فغاب
بما لاحظ عن التمييز والفرق ، وعطل الأمر والنهى والنبوات، ومرق من
الإسلام مروق السهم من الرمية .
وإن كان ذلك المشهد قد أدهشه وغيب عقله ؛ لقوة سلطانه الوارد ،
وضعف قوة البصيرة ؛ أن يجمع بين المشهدين ، فهذا معذور منقوص إلا من
جمع بين المشهدين: الأمر الشرعى ، ومشهد الأمر الكونى الإرادى ، وقد زلت
فى هذا المشهد أقدام كثيرة من السالكين ؛ لقلة معرفتهم بما بعث الله به المرسلين
وذلك لأنهم عبدوا الله على مرادهم منه، ففنوا بمرادهم عن مراد الحق
- عز وجل - منهم، لأن الحق يغنى بمراده ومحبوبه، ولو عبدوا الله على
٩٠

مراده منهم لم ينلهم شىء من ذلك ؛ لأن العبد إذا شهد عبوديته ولم يكن مستيقظاً
لأمر سيده ، لا يغيب بعبادته عن معبوده، ولا بمعبوده عن عبادته ، بل يكون
له عينان ينظر بأحدهما إلى المعبود كأنه يراه ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم لما سئل
عن الإحسان: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) والأخرى
ينظر بها إلى أمر سيده، ليوقعه على الأمر الشرعى الذى يحبه مولاه ويرضاه.
فإذا تقرر هذا ؛ فالشرك إن كان شركا يكفر به صاحبه. وهو نوعان : -
شرك فى الإلهية ، وشرك فى الربوية .
فأما الشرك فى الإلهية فهو: أن يجعل لله نداً -أى: مثلا فى عبادته، أو محبته،
أو خوفه ، أورجائه ، أوإنا بته ، فهذا هو الشرك الذى لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.
قال تعالى: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوْ إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْلَهُم مَّاقَدْ سَلَفَ) وهذا هو الذى قاتل
عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركى العرب، لأنهم أشركوا فى الإلهية، قال
اللّه تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ) الآية (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ) الآية (أَجَعَلَ
) وقال تعالى: ( أَلْقِيَافِى جَهَنَّكُلَّ كَفَّارٍ
أَِّهَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىِّ ثُجَابٌ
عَنِيدٍ - إلى قوله - الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَأَلِيَاءُ فِى الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين: ((كم تعبد))؟ قال: ستة فى الأرض
وواحدا فى السماء. قال: ((فمن الذى تعد لرغبتك ورهبتك))؟ قال : الذى
فى السماء. قال: ((ألا تسلم فأعلمك كلمات،؟ فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
((قل : اللهم ألهمنى رشدى ، وقنى شر نفسى)).
وأما الربوبية فكانوا مقرين بها، قال الله تعالى: (وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ
٩١

السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ) وقال: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
* سَيَقُولُونَ لِلّهِ) إلى قوله: (فَّى تُسْحَرُونَ) وما اعتقد أحد منهم
قط أن الأصنام هى التى تنزل الغيث ، وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم
كما ذكرنا، اتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كب الله، وهذا المعنى يدل
على أن من أحب شيئاً من دون الله ، كما يحب الله تعالى فقد أشرك ، وهذا
كقوله: (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * ثَاللَّهِإِنْ كُنَّا لَفِىِ ضَلٍ مُّبِينٍ * إِذْ ◌ُوِّيِكُمْ بِرَبِّ
اُلْعَلَمِينَ ). وكذا من خاف أحدا كما يخاف الله، أو رجاه كما يرجو الله،
وما أشبه ذلك .
وأما النوع الثانى: فالشرك فى الربوبية ، فإن الرب سبحانه هو المالك
المدبر ، المعطى المانع ، الضار النافع ، الخافض الرافع ، المعز المذل، فمن شهد
أن المعطى أو المانع ، أو الضار أو النافع، أو المعز أوالمذل غيره، فقد أشرك
بربوبيته .
ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك، فلينظر إلى المعطى الأول مثلا ،
فيشكره على ما أولاه من النعم ، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافيه
عليه، لقوله عليه السلام: (( من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا
ما تكافئونه فادعوا له ، حتى تروا أنكم قد كافأ تموه)) لأن النعم كلها لله تعالى، كما
قال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) وقال تعالى: ( كُلَّا نُّمِدُ هَؤُلَاءٍ
وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَيِّكَ ) فالله سبحانه هو المعطى على الحقيقة فإنه هو الذى
خلق الأرزاق وقدرها ، وساقها إلى من يشاء من عباده ؛ فالمعطى هو الذى
أعطاه، وحرك قلبه لعطاء غيره. فهو الأول والآخر .
٩٢

ومما يقوى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضى الله عنهما:
(واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله
لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.
رفعت الأقلام وجفت الصحف )) قال الترمذى: هذا حديث صحيح . فهذا
يدل على أنه لا ينفع فى الحقيقة إلا الله، ولا يضر غيره، وكذا جميع ما ذكرنا
فى مقتضى الربوبية .
فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم،
وأراح الناس من لومه وذمه إياهم ، وتجرد التوحيد فى قلبه ، فقوى إيمانه
وانشرح صدره وتنور قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه ولهذا قال الفضيل
ابن عياض - رحمه الله: من عرف الناس استراح. يريد - والله أعلم - أنهم
لا ينفعون ولا يضرون.
وأما الشرك الخفى : فهو الذى لايكاد أحد أن يسلم منه، مثل :
أن يحب مع الله غيره .
فإن كانت محبته للّه مثل حب النبيين والصالحين، والأعمال الصالحة
فليست من هذا الباب ، لأن هذه تدل على حقيقة المحبة ، لأن حقيقة المحبة
أن يحب المحبوب وما أحبه، ويكره مايكرهه ، ومن صحت محبته امتنعت مخالفته
لأن المخالفة إنما تقع لنقص المتابعة ، ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى :
( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُرْذُنُوبَكُمْ ) الآية ...
فليس الكلام فى هذا .
٩٣

إنما الكلام فى محبة تتعلق بالنفوس لغير الله تعالى، فهذا لاشك أنه نقص
فى توحيد المحبة لله ، وهو دليل على نقص محبة الله تعالى إذ لو كملت محبته ،
لم يحب سواه .
ولا يرد علينا الباب الأول . لأن ذلك داخل فى محبته . وهذا ميزان
لم يجر عليك كلما قويت محبة العبد لمولاه ، صغرت عنده المحبوبات وقلت ،
وكلما ضعفت ، كثرت محبوباته وانتشرت .
وكذا الخوف والرجاء ، وما أشبه ذلك ، فإن كمل خوف العبد
من ربه لم يخف شيئاً سواه ، قال الله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَاتِ
اللَّهِ وَخْشَوْنَهُ, وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهَ) وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق،
وعلى قدر نقص الخوف وزيادته . يكون الخوف كما ذكرنا
فى المحبة ، وكذا الرجاء وغيره . فهذا هو الشرك الخفى ، الذى لا يكاد
أحد أن يسلم منه ، إلا من عصمه الله تعالى . وقد روى أن الشرك
فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل .
وطريق التخلص من هذه الآفات كلها : الإخلاص لله عز وجل .
قال الله تعالى: (فَ كَانَ يَرَّجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِ حًا وَلَا يُشْرِبِعِبَادَةِ رَبِّ أَحَدَا ) ولا
يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة
الأمر والنهى .
٩٤

فصل
ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل ، فتعتصم
به ؛ فتقل آفاتها ، أو تذهب عنها بالكلية ؛ بحول الله وقوته .
فنقول إعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة، والخوف
والرجاء . وأقواها المحبة ، وهى مقصودة تراد لذاتها، لأنها تراد فى الدنيا
والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول فى الآخرة، قال الله تعالى: (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ
اللَّهِلَخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ) والخوف المقصود منه: الزجر والمنع
من الخروج عن الطريق ، فالمحبة تلقى العبد فى السير إلى محبوبه ، وعلى قدر
ضعفها وقوتها يكون سيره إليه ، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب،
والرجاء يقوده ؛ فهذا أصل عظيم ، يجب على كل عبد أن يتنبه له ، فإنه لا تحصل
له العبودية بدونه ، وكل أحد يجب أن يكون عبداً لله لا لغيره.
فإن قيل فالعبد فى بعض الأحيان ؛ قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب
محبوبه ، فأى شىء يحرك القلوب ؟ قلنا يحركها شيئان : -
أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب، لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به ، ولهذا
أمر الله عز وجل بالذكر الكثير، فقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًاً
كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُبُّكْرَةً وَأَصِيلًا ) الآية ..
والثانى: مطالعة آلائه ونعمائه، قال الله تعالى: (فَاذْكُرُوَاْءَ الَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ
٩٥

نُفْلِحُونَ ) وقال تعالى: (وَمَابِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ). وقال تعالى: (وَأَسْبَغَ
عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةَ وَبَاطِنَةً) وقال تعالى: (وَإِن تَعُدُّ وانِعْمَتَ اللهِ لَا تُخْصُوهَاً).
فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه ، من تسخير السماء والأرض ، وما فيها
من الأشجار والحيوان ، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة ، من الإيمان وغيره،
فلا بد أن يثير ذلك عنده باعثا ، وكذلك الخوف ؛ تحركه مطالعة آيات الوعيد،
والزجر ، والعرض ، والحساب ونحوه ؛ وكذلك الرجاء ؛ يحركه مطالعة الكرم ؛
والحلم ؛ والعفو ؛ وما ورد فى الرجاء والكلام فى التوحيد واسع.
وإنما الغرض مبلغ التنبيه على قضمنه الاستغناء بأدنى إشارة. والله -
سبحانه وتعالى - أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
٩٦

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله أنه قال لمناظريه من المشركين الظالمين:
(وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَ كْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَ كْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ
سُلْطَِّنََّ فَتِىّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ
أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ تُهْتَدُونَ ) .
وفى الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن النبى صلى الله عليه وسلم
فسر الظلم بالشرك وقال: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: (إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمُ
عَظِيمٌ )؛ فأنكر أن نخاف ما أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العلويات
والسلفيات، وعدم خوفهم من إشراكهم باللّه شريكا لم ينزل الله به سلطاناً،
وبين أن القسم الذى لم يشرك هو الآمن المهتدى .
وهذه آية عظيمة تنفع المؤمن الحنيف فى مواضع ؛ فإن الإشراك فى هذه
الأمة أخفى من دبيب النمل ؛ دع جليله، وهو شرك فى العبادة والتأله ، وشرك
فى الطاعة والانقياد، وشرك فى الإيمان والقبول .
فالغالية من النصارى والرافضة وضلال الصوفية والفقراء والعامة :
يشركون بدعاء غير الله تارة، وبنوع من عبادته أخرى ، وبهما جميعاً تارة ،
ومن أشرك هذا الشرك أشرك فى الطاعة .
٩٧

وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك، وأتباع القضاة، والعامة المتبعة لهؤلاء،
يشركون شرك الطاعة ؛ وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: لعدى بن حاتم
لما قرأ: ( أَتَّخَذُواْأَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)
فقال: يارسول الله ماعبدوهم، فقال: ((ماعبدوهم؛ ولكن أحلوا لهم الحرام
فأطاعوهم، وحرمو عليهم الحلال فأطاعوهم)).
فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه ، والحرام ماحرمه،
والحلال ماحلله، والدين ماشرعه إما ديناً ، وإما دنيا، وإما دنيا ، ودينا .
ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك، وهو لايخاف أنه أشرك به شيئاً فى طاعته
بغير سلطان من الله ؛ وبهذا يخرج من أوجب الله طاعته من رسول ، وأمير
وعالم ووالد وشيخ وغير ذلك.
وأما الشرك الثالث: فكثير من أتباع المتكلمة، والمتفلسفة ؛ بل وبعض
المتفقهة والمتصوفة ؛ بل وبعض أتباع الملوك والقضاة ، يقبل قول متبوعه فما
•٠
يخبر به من الاعتقادات الخبرية، ومن تصحيح بعض المقالات وإفساد بعضها ،
ومدح بعضها ، وبعض القائلين وذم بعض ، بلا سلطان من اللّه . ويخاف
ما أشركه فى الإيمان والقبول ، ولا يخاف إشراكه باللّه شخصاً فى الإيمان به ،
وقبول قوله بغير سلطان من الله .
وبهذا يخرج من شرع الله تصديقه من المرسلين، والعلماء المبلغين، والشهداء
الصادقين ، وغير ذلك . فباب الطاعة والتصديق ينقسم إلى مشروع فى حق البشر
وغير مشروع.
وأما العبادة والاستعانة والتأله: فلا حق فيها للبشر بحال، فإنه كما قال القائل
ما وضعت يدى فى قصعة أحد إلا ذللت له !. ولا ريب أن من نصرك ورزقك
٩٨

كان له سلطان عليك، فالمؤمن يريد أن لا يكون عليه سلطان إلا لله ولرسوله،
ولمن أطاع الله ورسوله، وقبول مال الناس فيه سلطان لهم عليه ، فإذا قصد دفع
هذا السلطان وهذا القهر عن نفسه : كان حسناً محموداً، يصح له دينه بذلك؛
وإن قصد الترفع عليهم والترأس والمراءاة بالحال الأولى كان مذموماً ، وقد
يقصد بترك الأخذ غنى نفسه عنهم ويترك أموالهم لهم .
فهذه أربعة مقاصد صالحة : غنى نفسه وعزتها حتى لا تفتقر إلى الخلق ولا
تذل لهم، وسلامة مالهم ودينهم عليهم حتى لا تنقص عليهم أموالهم؛ فلا يذهبها
عنهم، ولا يوقعهم بأخذها منهم فيما يكره لهم من الاستيلاء عليه ، ففى ذلك منفعة
له ألا يذل ولا يفتقر إليهم، ومنفعة لهم أن يبقى لهم مالهم ودينهم، وقد يكون
فى ذلك منفعة بتأليف قلوبهم بإبقاء أموالهم لهم ؛ حتى يقبلوا منه، ويتألفون
بالعطاء لهم ؛ فكذلك فى إبقاء أموالهم لهم ، وقد يكون فى ذلك أيضاً حفظ دينهم
فإنهم إذا قبل منهم المال قد يطمعون هم أيضاً فى أنواع من المعاصى ، ويتركون
أنواعاً من الطاعات ، فلا يقبلون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفى ذلك
منافع ومقاصد أخر صالحة .
وأما إذا كان الأخذ يفضى إلى طمع فيه حتى يستعان به فى معصية أو يمنع
من طاعة ؛ فتلك مفاسد أخر ؛ وهى كثيرة ترجع إلى ذله وفقره لهم ؛ فإنهم
لا يتمكنون من منعه من طاعة إلا إذا كان ذليلا أو فقيراً إليهم، ولا يتمكنون
هم من استعماله فى المعصية إلا مع ذله أو فقره، فإن العطاء يحتاج إلى جزاء
ومقابلة ؛ فإذا لم تحصل مكافأة دنيوية من مال أو نفع لم يبق إلا ما ينتظر من
المنفعة الصادرة منه إليهم .
٩٩

وللرد وجوه مكروهة مذمومة، منها: الرد مراءاة بالتشبه بمن يردغنى وعزة
ورحمة للناس فى دينهم ودنياهم ، ومنها : التكبر عليهم ، والاستعلاء حتى
يستعبدهم، ويستعلى عليهم بذلك، فهذا مذموم أيضاً. ومنها: البخل عليهم فإنه
إذا أخذ منهم احتاج أن ينفعهم، ويقضى حوائجهم؛ فقد يترك الأخذ بخلا عليهم
بالمنافع. ومنها : الكسل عن الإحسان إليهم، فهذه أربعة مقاصد فاسدة فى الرد
للعطاء : الكبر ، والرياء ، والبخل ، والكسل .
فالحاصل : أنه قد يترك قبول المال لجلب المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة
عنها ، أو لجلب المنفعة للناس أو دفع المضرة عنهم، فإن فى ترك أخذه غنى نفسه
وعزها ، وهو منفعة لها ، وسلامة دينه ودنياه مما يترتب على القبول من أنواع
المفاسد، وفيه نفع الناس بإبقاء أموالهم ودينهم لهم، ودفع الضرر المتولد عليهم
إذا بذلوا بذلا قد يضرهم ، وقد يتركه لمضرة الناس ، أو لترك منفعتهم ؛ فهذا
مذموم كما تقدم ، وقد يكون فى الترك أيضاً مضرة نفسه؛ أو ترك منفعتها،
إما بأن يكون محتاجاً إليه فيضره تركه ، أو يكون فى أخذه وصرفه منفعة له
فى الدين والدنيا ، فيتركها من غير معارض مقاوم . فلهذا فصلنا هذه المسألة؛
فإنها مسألة عظيمة ، ويإزامها مسألة القبول أيضاً ، وفيها التفصيل لكن الأغلب
أن ترك الأخذ كان أجود من القبول، ولهذا يعظم الناس هذا الجنس أكثر،
وإذا صح الأخذ: كان أفضل أعنى الأخذ والصرف إلى الناس .
١٠٠