النص المفهرس
صفحات 21-40
أَدْ عُواْالَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللّهِلَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِهِمَا مِن ◌ِشِرَاءٍ وَ مَالَّهُمِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرِ * وَلَا نَفَعُ الشَّفَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وقال تعالى: (قُلِ آَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنَكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَبَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ * عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) وقال تعالى: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَّلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّكُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ اْشُكْرُ وَإِلَيْهِ ثُرْجَعُونَ). وقال تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا * الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَا) الآية. وقال تعالى: (وَمَآ أُمِرُ وَّا إِلَّا لِيَعْبُدُواْاللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُالَّذِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ) الآية. ونظائر هذا فى القرآن كثير ، وكذلك فى الأحاديث، وكذلك فى إجماع الأمة لا سما أهل العلم والإيمان منهم ، فإن هذا عندهم قطب رحى الدين كما هو الواقع . ونبين هذا بوجوه نقدم قبلها مقدمة . وذلك أن العبد بل كل حى بل وكل مخلوق سوى الله هو فقير محتاج إلى جلب ما ينفعه ، ودفع ما يضره ، والمنفعة للحى هى من جنس النعيم واللذة؛ والمضرة هى من جنس الألم والعذاب ؛ فلا بد له من أمرين : - أحدهما : هو المطلوب المقصود المحبوب الذى ينتفع ويلتذ به . والثانى : هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع من دفع المكروه. وهذان هما الشيئان المنفصلان الفاعل والغاية فهنا أربعة أشياء : - أحدها : أمر هو محبوب مطلوب الوجود . ٢١ والثانى: أمر مكروه مبغض مطلوب العدم. والثالث: الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب. والرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه، فهذه الأربعة الأمور ضرورية للعبد بل ولكل حى لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها ؛ وأما ماليس بحى فالكلام فيه على وجه آخر . إذا تبين ذلك فبیان ماذ کرته من وجوه : - أحدها : أن الله تعالى هو الذى يحب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب ، وهو المعين على المطلوب وما سواه هو المكروه، وهو المعين على دفع المكروه؛ فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قوله: ( إِنَّكَ نَعْبُدُ وَإِنََّكَ نَسْتَعِينُ ) فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب؛ لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذى يستعان به على المطلوب ؛ فالأول من معنى الألوهية . والثانى من معنى الربوبية ؛ إذ الإله : هو الذى يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالا وإكراماً والرب: هو الذى يربى عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها ؛ وكذلك قوله تعالى: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِأَبِيبٌ). وقوله: ( فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ). وقوله: (عَلَيْكَ تَوََّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ). وقوله تعالى: ( وَتَوَكَلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِحْ بِحَمْدِهِ). وقوله تعالى : (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ )، وقوله: (وَبَتَّلْ إِلَيْهِبَبْنِیلاً * رَبُّ اَْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَفَاتَّخِذْهُوَكِيلًا) فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعین . ٢٢ الوجه الثانى : أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته والإخلاص له فبذكره تطمئن قلوبهم ؛ وبرؤيته فى الآخرة تقر عيونهم ولا شىء يعطيهم فى الآخرة أحب إليهم من النظر إليه ؛ ولا شىء يعطيهم فى الدنيا أعظم من الإيمان به. وحاجتهم إليه فى عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم فى خلقه لهم وربوبيته إياهم ؛ فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم ؛ وبذلك يصيرون عاملين متحركين ، ولا صلاح لهم ولا فلاح؛ ولا نعيم ولا لذة ؛ بدون ذلك بحال . بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى . ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ، ولهذا كانت لا إله إلا الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول: لا إله إلا اللّه؛ رأس الأمر. فأما توحيد الربوبية الذى أقر به الخلق ، وقرره أهل الكلام ؛ فلا يكفى وحده، بل هو من الحجة عليهم ، وهذا معنى مايروى: (( يا ابن آدم ، خلقت كل شىء لك، وخلقتك لى ، فبحقى عليك ألا تشتغل بما خلقته لك، عما خلقتك له . واعلم أن هذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، كما فى الحديث الصحيح ، الذى رواه معاذ عن النبى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: « أتدرى ماحق الله على عباده؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدرى ماحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ . قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقهم ألا يعذبهم)). ٢٣ وهو يحب ذلك ، ويرضى به ؛ ويرضى عن أهله، ويفرح بتوبة من عاد إليه ؛ كما أن فى ذلك لذة العبد وسعادته ونعيمه ؛ وقد بينت بعض معنى محبة الله لذلك وفرحه به فى غير هذا الموضع . فليس فى الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به ، ويتنعم بالتوجه إليه ؛ إلا الله سبحانه؛ ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة فى الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم (لَوْكَانَ فِيهِمَآءَإِهُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَنَ اللهِرَبِّالْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) فإن قوامهما بأن تأله الإله الحق فلو كان فيهما آلهة غير اللّه لم يكن إلهاً حقاً ؛ إذ اللّه لا سمى له ولا مثل له ؛ فكانت تفسد لانتفاء مابه صلاحها هذا من جهة الإلهية . وأما من جهة الربوبية فشىء آخر ؛ كما نقرره فى موضعه . واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئاً ، ليس له نظير فيقاس به ؛ لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب ؛ وبينهما فروق كثيرة . فإن حقيقة العبد قلبه وروحه ، وهى لا صلاح لها إلا بالهها اللّه الذى لا إله إلا هو : فلا تطمئن فى الدنيا إلا بذكره: وهى كادحة إليه كدحا فلاقيته ولا بد لها من لقائه، ولاصلاح لها إلا بلقائه . ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك ، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص ، ويتنعم بهذا فى وقت وفى بعض الأحوال، وتارة أخرى يكون ذلك الذى يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له ، بل قد ٢٤ يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ، ويضره ذلك . وأما إلهه فلا بد له منه فى كل حال وكل وقت ، وأينما كان فهو معه ؛ ولهذا قال إمامنا (إبراهيم) الخليل صلى اللّه عليه وسلم (لَآَ أُحِبُّ الْآَفِينَ) . وكان أعظم آية فى القرآن الكريم: ( اُللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّالْقَيُّومُ). وقد بسطت الكلام فى معنى القيوم فى موضع آخر ، وبينا أنه الدائم الباقى الذى لا يزول ولا يعدم ، ولا يفنى بوجه من الوجوه . واعلم أن هذا الوجه مبنى على أصلين : أحدهما : على أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان ، وكما دل عليه القرآن : لاكما يقول من يعتقد من أهل الكلام ويحوهم : إن عبادته تكليف ومشقة ! . وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار ؛ أولاً جل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم ؛ فإنه وإن كان فى الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس - والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌ) الآية، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة: أجرك على قدر نصبك - فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعى ، وإنما وقع ضمنا وتبعا لأسباب ليس هذا موضعها ، وهذا يفسر فى موضعه . ولهذا لم يجئ فى الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح: أنه تكليف كما يُطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهه؛ وإنما جاء ذكر التكليف فى موضع النفى؛ كقوله: (لَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). ٢٥ (لَا تُكَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) (لَا يُكَلِفُ اللَّهُنَفْسًا إِلَّمَآءَاتَهَا ) أى وإن وقع فى الأمر تكليف ؛ فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه يسمى جميع الشريعة تكليفاً ، مع أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب؛ ولذات الأرواح وكمال النعيم ، وذلك لإرادة وجه اللّه والإنابة إليه، وذكره وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق الذى تطمئن إليه القلوب ، ولا يقوم غيره مقامه فى ذلك أبداً. قال الله تعالى: (فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَيِرْ لِعِبَّدَتِهِ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ؟) فهذا أَصْل. ( الأصل الثانى): النعيم فى الدار الآخرة أيضاً مثل النظر إليه لا كما يزعم طائفة من أهل الكلام ونحوهم، أنه لا نعيم ولا لذة إلا بالمخلوق : من المأكول والمشروب والمنكوح وبحو ذلك ، بل اللذة والنعيم التام فى حظهم من الخالق سبحانه وتعالى ، كما فى الدعاء المأثور: (اللهم إنى أسألك لذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك فى غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة . رواه النسائي، وغيره وفى صحيح ((مسلم)) وغيره، عن ((صهيب)) عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة ؛ إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه. فيقولون: ما هو؟! ألم يبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة , ويجرنا من النار؟! قال : فيكشف الحجاب ؛ فينظرون إليه - سبحانه . فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ، وهو الزيادة. فبين النبى صلى الله عليه وسلم: أنهم مع كال تتعمهم بما أعطاهم الله فى الجنة لم يعطهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ؛ وإنما يكون أحب إليهم لأن تنعمهم وتلذذهم به أعظم من التنعم والتلذذ بغيره . فإن اللذة تتبع الشعور بالمحبوب ، فكلما كان الشىء أحب إلى الإنسان كان حصوله ألذ له، وتنعمه به أعظم . ٢٦ وروى أن يوم الجمعة يوم المزيد ، وهو يوم الجمعة من أيام الآخرة ، وفى الأحاديث والآثار ما يصدق هذا، قال اللّه تعالى فى حق الكفار: (كَلَآ إِنَّهُمْ عَنْ تَِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لََّحْجُوبُونَ ◌ُمَّإِنَّهُمْ لَصَالُواْالْجَحِيمِ ). فعذاب الحجاب أعظم أنواع العذاب. ولذة النظر إلى وجهه أعلى اللذات ؛ ولا تقوم حظوظهم من سائر المخلوقات مقام حظهم منه تعالى. وهذان الأصلان ثابتان فى الكتاب والسنة؛ وعليهما أهل العلم والإيمان ويتكلم فيهما مشايخ الصوفية العارفون ؛ وعليهما أهل السنة والجماعة ؛ وعوام الأمة ؛ وذلك من فطرة الله التى فطر الناس عليها . وقد يحتجون على من ينكرها بالنصوص والآثار تارة ؛ وبالذوق والوجد أخرى - إذا أنكر اللذة - فإن ذوقها ووجدها ينفى إنكارها. وقد يحتجون بالقياس فى الأمثال تارة ، وهى الأقيسة العقلية . الوجه الثالث : أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرر؛ ولا عطاء ولا منع؛ ولا هدى ولاضلال؛ ولانصر ولا خذلان ؛ ولاخفض ولارفع ؛ ولا عز ولا ذل ؛ بل ربه هو الذى خلقه ورزقه ؛ وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمه ؛ فإذا مسه اللّه بضر فلا يكشفه عنه غيره؛ وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه؛ وأما العبد فلا ينفعه ولا يضره إلا بإذن الله؛ وهذا الوجه أظهر للعامة من الأول؛ ولهذا خوطبوا به فى القرآن أكثر من الأول؛ لكن إذا تدبر اللبيب طريقة القرآن؛ وجد أن اللّه يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأول. فهذا الوجه يقتضى ؛ التوكل على الله، والاستعانة به. ودعاءه. ومسألته، دون ما سواه. ويقتضى أيضاً : محبة الله وعبادته لإحسانه إلى عبده ، وإسباغ ٢٧ نعمه عليه؛ وحاجة العبد إليه فى هذه النعم ، ولكن إذا عبدوه وأحبوه؛ وتوكلوا عليه من هذا الوجه ؛ دخلوا فى الوجه الأول ؛ ونظيره فى الدنيا من نزل به بلاء عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق ؛ فجعل يدعو الله ويتضرع إليه حتى فتح له من لذة مناجاته ما كان أحب إليه من تلك الحاجة التى قصدها أولا؛ ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه . والقرآن ملوء من ذكر حاجة العباد إلى الله دون ما سواه ، ومن ذكر نعمائه عليهم ؛ ومن ذكر ما وعدهم فى الآخرة من صنوف النعيم واللذات وليس عند المخلوق شىء من هذا ؛ فهذا الوجه يحقق التوكل على الله والشكر له ومحبته على إحسانه . الوجه الرابع: أن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه؛ إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته فى عبادة اللّه؛ فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته؛ ضره وأهلكه ؛ وكذلك من النكاح واللباس ؛ وإن أحب شيئاً حباً تاماً بحيث يخالله فلا بد أن يسأمه؛ أو يفارقه. وفى الأثر المأثور: أحبب ماشئت فإنك مفارقه . واعمل ماشئت فإنك ملاقیه . و کن کما شئت فكما تدين تدان. واعلم أن كل من أحب شيئاً لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه ؛ ويكون ذلك سبباً لعذابه ، ولهذا كان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله يمثل لأحدهم كنزه يوم القيامة شجاعاً أقرعَ يأخذ بلهزمته. يقول: أنا كنزك. أنا مالك. وكذلك نظائر هذا فى الحديث : يقول الله يوم القيامة: ( يا ابن آدم؟ أليس عدلا منى أن أولى كل رجل منكم ما كان يتولاه فى الدنيا؟): وأصل التولى ٢٨ الحب ؛ فكل من أحب شيئاً دون الله ولاه الله يوم القيامة ماتولاه؛ وأصلاه جهنم وساءت مصيراً ؛ فمن أحب شيئاً لغير الله فالضرر حاصل له إن وجد؛ أو فقد ؛ فإن فقد عذب بالفراق وتألم ؛ وإن وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر بما يحصل له من اللذة ؛ وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء؛ وكل من أحب شيئاً دون الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته ؛ فصارت المخلوقات وبالا عليه إلا : ما كان لله وفى الله؛ فإنه كمال وجمال للعبد، وهذا معنى مايروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الدنيا ملعونة ملعون مافيها، إلا ذكر الله وما والاه)) . رواه الترمذى ؛ وغيره. الوجه الخامس : أن اعتماده على المخلوق وتوكله عليه يوجب الضرر من جهته ؛ فإنه يخذل من تلك الجهة ؛ وهو أيضاً معلوم بالاعتبار والاستقراء ؛ ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة؛ ولا استنصر بغير الله إلا خذل. وقد قال الله تعالى: (وَأَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِءَ الِهَةً لِّيَكُونُواْلَهُمْ عِزَّا * كَلَّسَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيِهِمْ ضِدًّا ). وهذان الوجهان فى المخلوقات نظير العبادة والاستعانة فى المخلوق ؛ فلما قال: ( إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِنََّكَ نَسْتَعِينُ ) كان صلاح العبد فى عبادة الله واستعانته. وكان فى عبادة ماسواه ؛ والاستعانة بما سواه ؛ مضرته وهلا كه وفساده. الوجه السادس: أن الله سبحانه غنى. حميد. كريم. واجد. رحيم، فهو سبحانه محسن إلى عبده مع غناه عنه ؛ يريد به الخير ويكشف عنه الضر ؛ لا لجلب منفعة إليه من العبد ؛ ولا لدفع مضرة ؛ بل رحمة وإحسانا ؛ والعباد لا يتصور أن يعملوا إلا لحظوظهم؛ فأكثر ماعندهم للعبد أن يحبوه ويعظموه ؛ ويحلبوا ٢٩ له منفعة ويدفعوا عنه مضرة ما . وإن كان ذلك أيضاً من تيسير اللّه تعالى فإنهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد إذا لم يكن العمل لله . فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته سواء أحبوه لجماله الباطن أو الظاهر فإذا أحبوا الأنبياء والأولياء طلبوا لقاءهم فهم يحبون المتع برؤيتهم ؛ وسماع كلامهم؛ ونحو ذلك. وكذلك من أحب إنسانا لشجاعته أو رياسته ؛ أو جماله أو كرمه ؛ فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة ؛ ولولا التذاذه بها لما أحبه ؛ وإن جلبوا له منفعة كخدمة أو مال؛ أو دفعوا عنه مضرة كمرض وعدو - ولو بالدعاء أو الثناء - فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل لله ؛ فأجناد الملوك ؛ وعبيد المالك؛ وأجراء الصانع؛ وأعوان الرئيس ؛ كلهم إنما يسعون فى نيل أغراضهم به؛ لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم؛ إلا أن يكون قد علم وأدب من جهة أخرى ؛ فيدخل ذلك فى الجهة الدينية ؛ أو يكون فيها طبع عدل ؛ وإحسان من باب المكافأة والرحمة ؛ .. وإلا فالمقصود بالقصد الأول هو منفعة نفسه؛ وهذا من حكمة الله التى أقام بها مصالح خلقه؛ وقسم ينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا ؛ ورفع بعضهم فوق بعض درجات ؛ : ليتخذ بعضهم بعضا سخريا. إذا تبين هذا ظهر أن المخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول ؛ بل إنما يقصد منفعته بك وإن كان ذلك قد يكون عليك فيه ضرر إذا لم يراع العدل ؛ فإذا دعوته ؛ فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه . والرب سبحانه يريدك لك؛ ولمنفعتك بك؛ لا لينتفع بك. وذلك منفعة عليك بلا مضرة. فتدبر هذا؛ فملاحظة هذا الوجه يمنعك أن ترجو المخلوق أو ٣٠ تطلب منه منفعة لك ، فإنه لا يريد ذلك بالقصد الأول؛ كما أنه لا يقدر عليه. ولا يحملنك هذا على جفوة الناس ؛ وترك الاحسان إليهم ؛ واحتمال الأذى منهم؛ بل أحسن إلیہم لله لا لرجائهم، وكما لا يخفهم فلا ترجهم ؛ وخف الله فى الناس ولا يخف الناس فى الله؛ وارج الله فى الناس ولا ترج الناس فى الله؛ وکن من قال الله فيه: (وَسَيُجَتَّبُهَا الْأَنْقَى * الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزََّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزَ * إِلَّا أَبْشِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِالْأَعْلَى). وقال فيه: (إِنََّا تُطِعِمُكُلِوَجْهِ اللهِلَ تُرِدُ مِنْكُجَزَآءُ وَلَا شُكُورًا ). الوجه السابع: أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجاتهم بك وإن كان ذلك ضرراً عليك ؛ فإن صاحب الحاجة أعمى لا يعرف إلا قضاءها . الوجه الثامن : أنه إذا أصابك مضرة كالخوف والجوع والمرض ؛ فإن الخلق لا يقدرون على دفعها إلا بإذن الله؛ ولا يقصدون دفعها إلا لغرض لهم فى ذلك. الوجه التاسع: أن الخلق لو اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه الله لك؛ ولو اجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بأمر قد كتبه الله عليك؛ فهم لا ينفعونك إلا بإذن اللّه؛ ولا يضرونك إلا بإذن اللّه؛ فلا تعلق بهم رجاءك . قال الله تعالى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنُدٌ لَّكُمْ يَنْصُرُكُ مِّن دُونِ الرَّْمَنَّ إِ اَلْكَفِرُونَ إِلَّا فِى غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْإِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُواْ فِي عُنُوِّ وَنَفُورٍ ). والنصر يتضمن دفع الضرر؛ والرزق يتضمن حصول المنفعة ٣١ قال الله تعالى: (فَلْيَعْبُدُ واْرَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ). وقال تعالى: ( أَوَلَمْ نُمَكِن لَّهُمْ حَرَمَاءَ امِنَّايُحْبَّ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍرِزْ قَامِّنْ لَّدُنَا). وقال الخليل عليه السلام: (رَبِّ أُجْعَلْ هَذَا بَلَدَّاءَاِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ. مِنَ الثَّعَرَتِ) الآية. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم)»: بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم؟. ٣٢ فصل جماع هذا أنك أنت إذا كنت غير عالم بمصلحتك ؛ ولا قادر عليها ؛ ولا مريد لها كما ينبغى ؛ فغيرك من الناس أولى ألا يكون عالماً بمصلحتك ؛ ولا قادرا عليها؛ ولا مريدا لها؛ واللّه - سبحانه - هو الذى يعلم ولا تعلم؛ ويقدر ولا تقدر ؛ ويعطيك من فضله العظيم؛ كما فى حديث الاستخارة: ((اللهم إنى أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم ؛ فإنك تقدر ولا أقدر ؛ وتعلم ولا أعلم ؛ وأنت علام الغيوب)) . ٣٣ فصل وهو مثل المقدمة لهذا الذى أمامه ، وهو أن كل إنسان فهو همام حارث حساس متحرك بالإرادة ، بل كل حى فهو كذلك له علم وعمل بإرادته . والإرادة هى المشيئة والاختيار، ولا بد فى العمل الإرادى الاختيارى من مراد وهو المطلوب ، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ، ووسائل تحصله ، فإن حصل بفعل العبد فلا بد من قدرة وقوة ؛ وإن كان من خارج فلا بد من فاعل غيره ؛ وإن كان منه ومن الخارج فلا بد من الأسباب ، كالآلات ونحو ذلك ، فلا بد لکل حی من إرادة ، ولا بد لکل مرید من عون يحصل به مراده . فصار العبد مجبولا على أن يقصد شيئاً ويريده ؛ ويستعين بشىء ويعتمد عليه فى تحصيل مراده هذا أمر حتم لازم ضرورى فى حق كل إنسان يجده فى نفسه . لكن المراد والمستعان على قسمين : منه ما يراد لغيره، ومنه مايراد لنفسه. والمستعان: منه ماهو المستعان لنفسه، ومنه ماهو تبع للمستعان وآلة له ، فمن المراد ما يكون هو الغاية المطلوب، فهو الذى يذل له الطالب ويحبه ، وهو الإله المقصود ، ومنه مايراد لغيره، وهو بحيث يكون المراد هو ذلك الغير ، فهذا مراد بالعرض . ومن المستعان ما يكون هو الغاية التى يعتمد عليه العبد ؛ ويتوكل عليه ؛ ويعتضد به ؛ ليس عنده فوقه غاية فى الاستعانة ومنه ما يكون تبعاً لغيره، بمنزلة الأعضاء مع القلب ؛ والمال مع المالك؛ والآلات مع الصانع. ٣٤ فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال جميع الناس ؛ وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين: لا بد للنفس من شىء تطمئن إليه وتنتهى إليه محبتها ؛ وهو إلهها . ولا بدلها من شىء تثق به وتعتمد عليه فى نيل مطلوبها هو مستعانها ؛ سواء كان ذلك هو اللّه أو غيره وإذاً فقد يكون عاماً وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقاً ، وسأل غير الله مطلقاً . مثل : عباد الشمس والقمر وغير ذلك الذين يطلبون منهم الحاجات ، ويفزعون إليهم فى النوائب. وقد يكون خاصاً فى المسلمين ، مثل: من غلب عليه حب المال، أو حب شخص، أو حب الرياسة ، حتى صار عبد ذلك ، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((تعس عبد الدرهم! تعس عبد الدينار! تعس عبد الخيصة! تعس عبد الخميلة !: إن أعطى رضى، وإن منع سخط ! تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش » وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله، بحيث يكون عنده مخدومه من الرؤساء ونحوهم، أو خادمه من الأعوان والاجناد ونحوهم، أو أصدقائه أو أمواله، هى التى تجلب المنفعة الفلانية وتدفع المضرة الفلانية، فهو معتمد عليها ومستعين بها والمستعان هو مدعو ومسؤول. وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة ، فمن اعتمد عليه القلب فى رزقه ونصره ونفعه وضره ؛ خضع له وذل ؛ وانقاد واحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته ، وينسى مقصوده منه ؛ كما يصيب كثيرا ممن يحب المال أو يحب من يحصل له به العز والسلطان . وأما من أحبه القلب وأراده وقصده ؛ فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا ٠٠ استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه ؛ كاستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله ٣٥ فإذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه استعانه ؛ وإلا فلا ؛ فالأقسام ثلاثة فقد يكون محبوباً غير مستعان، وقديكون مستعانا غير محبوب؛ وقد يجتمع فيه الأمران. فإذا علم أن العبد لا بد له فى كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو إله ، ومنتهى يطلب منه هو مستعانه ؛ - وذلك هو صمده الذى يصمد إليه فى استعانته وعبادته - تبين أن قوله: ( إِيَّكَ نَعْبُهُ وَإِنََّكَ نَسْتَعِينُ ) كلام جامع محيط أولا وآخرا، لا يخرج عنه شىء، فصارت الأقسام أربعة . إما أن يعبد غير الله ويستعينه - وإن كان مسلما - فالشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل . وإما أن يعبده ويستعين غيره ، مثل كثير من أهل الدين ، يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لاشريك له، ويخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم؛ ورزقهم، وهدايتهم ، من جهته: من الملوك والأغنياء والمشايخ. وإما أن يستعينه - وإن عبد غيره - مثل كثير من ذوى الأحوال؛ وذوى القدرة وذوى السلطان الباطن أو الظاهر، وأهل الكشف والتأثير ؛ الذين يستعينونه ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجأون إليه ؛ لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله؛ وغير اتباع دينه وشريعته التى بعث الله بها رسوله. والقسم الرابع: الذين لا يعبدون إلا إياه ؛ ولا يستعينون إلا به ؛ وهذا القسم الرباعى قد ذكرفيما بعد أيضا ؛ لكنه تارة يكون بحسب العبادة والاستعانة وتارة يكون بحسب المستعان؛ فهنا هو بحسب المعبود والمستعان ؛ لبيان أنه لا بد لكل عبد من معبود مستعان، وفيما بعد بحسب عبادة اللّه واستعانته ؛ فإن الناس فيها على أربعة أقسام . حـ ٣٦ و قالشيخ الإسلام : - فصل فى وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه : فلا يعمل إلا له ، ولا يرجى إلا هو ، هو سبحانه الذى ابتدأك بخلقك والإنعام عليك ، بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلا ؛ وما فعل بك لا يقدر عليه غيره . ثم إذا احتجت إليه فى جلب رزق أو دفع ضرر : فهو الذى يأتى بالرزق لا يأتى به غيره ، وهو الذى يدفع الضرر لا يدفعه غيره. كما قال تعالى: ( أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَجُنٌُ لَّكُمْ يَنصُرُّكُم مِّنِ دُونِ الَّحْمَنِّ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِغُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِ يَرْزُقُكُمْإِنْ أَمْسَكَ رِزْقَةُ بَل لَّجُواْ فِى عُنُرٍ وَنُفُورٍ ) . وهو سبحانه ينعم عليك ، ويحسن إليك بنفسه ؛ فإن ذلك موجب ماتسمى به ، ووصف به نفسه ؛ إذ هو الرحمن الرحيم ؛ الودود المجيد ؛ وهو قادر بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته ، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته: لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه؛ بل هو الغنى عن العالمين (وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّرَبِ غَنِىُّكَرِيمٌ)! (وَإِذْتَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيْنِ شَكَرْ تُمْلَأَ زِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ وَقَالَ مُوسَىّ إِن تَكْفُرُواْأَنْتُمْ وَ مَنْ فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا * فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ ). وفى الحديث الصحيح الإلهى: ((ياعبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ٣٧ وجنكم كانوا على أنخر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئاً ؛ ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك فى ملكى شيئاً ؛ ولو قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندى شيئاً » إلى آخر الحديث. فالرب سبحانه غنی بنفسه ، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه. واجب له من لوازم نفسه ، لا يفتقر فى شىء من ذلك إلى غيره ؛ بل أفعاله من كماله : كمل ففعل ؛ وإحسانه وجوده من كماله ، لا يفعل شيئاً لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه ؛ بل كلما يريده فعله؛ فإنه فعال لما يريد. وهو سبحانه بالغ أمره؛ فكلما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد ، ولا يعوقه أحد، لا يحتاج فى شىء من أموره إلى معين، وما له من المخلوقين ظهير ؛ وليس له ولی من الذل . ٣٨ فصل والعبد كما كان أذل لله وأعظم افتقارآً إليه وخضوعاً له: كان أقرب إليه، وأعزله ، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله. وأما المخلوق فكما قيل : احتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل : - بين التذلل والتدلل نقطة فى رفعها تتحير الأفهام ذاك التذلل شرك فافهم يا فتى بالخلف (١) فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم: كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم- ولو فى شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله ، ولا يشرك به شىء. ولهذا قال حاتم الأصم: لما سئل فيم السلامة من الناس ؟ قال: أن يكون شيئك لهم مبذولا وتكون من شيئهم آيساً ، لكن إن كنت معوضاً لهم عن ذلك وكانوا محتاجين ، فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين ليس لأحدهما فضل على الآخر ، وإن كانوا إليك أحوج خضعوا لك . فالرب سبحانه: أكرم ماتكون عليه أحوج ماتكون إليه . وأفقر ماتكون (١) هكذا بالاصل . ٣٩ إليه . والخلق: أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم ، لأنهم كلهم محتاجون فى أنفسهم، فهم لا يعلمون حوابجك ، ولا يهتدون إلى مصلحتك ، بل هم جهلة بمصالح أنفسهم ، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم؟! فإنهم لا يقدرون عليها ، ولا يريدون من جهة أنفسهم ، فلا علم ولا قدرة ولا إرادة. والرب تعالى يعلم مصالحك ويقدر عليها ، ويريدها رحمة منه وفضلا ، وذلك صفته من جهة نفسه ، لاشىء آخر جعله مريداً راحماً ، بل رحمته من لوازم نفسه ، فإنه كتب على نفسه الرحمة ، ورحمته وسعت كل شىء ، والخلق كلهم محتاجون ، لا يفعلون شيئاً إلا لحاجتهم ومصلحتهم، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة ، ولا ينبغى لهم إلا ذلك، لكن السعيد منهم الذى يعمل لمصلحته التى هى مصلحة ، لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك . فهم ثلاثة أصناف : ظالم. وعادل. ومحسن . فالظالم : الذى يأخذ منك مالا أو نفعاً ولا يعطيك عوضه ، أو ينفع نفسه بضررك . والعادل: المكافئ . كالبايع لا لك ولا عليك كل به يقوم الوجود، وكل منهما محتاج إلى صاحبه ، كالزوجين ، والمتبايعين ، والشريكين . والمحسن الذى يحسن لا لعوض يناله منك . فهذا إنما عمل لحاجته ومصلحته ، وهو انتفاعه بالإحسان ، وما يحصل له بذلك مما يحبه نفسه من الأجر، أو طلب مدح - الخلق، وتعظيمهم ، أو التقرب إليك، إلى غير ذلك. وبكل حال: ما أحسن إليك إلا لما يرجو من الانتفاع. وسائر الخلق ، إنما يكرمونك ويعظمونك لحاجتهم إليك ، وانتفاعهم بك ، إما بطريق ٤٠