النص المفهرس
صفحات 41-60
= وقال: ((إياكم والدخول على النساء))، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: ((الحمو الموت))، فإذا كانت الخلوة محرمة، لما يخاف منها، فكيف بالمضاجعة؟! وأما قول القائل: إنه يفعل ذلك لله، فهذا أكثره كذب، وقد يكون الله مع هوى النفس، كما يدّعي من يدّعي مثل ذلك في صحبة النساء الأجانب، فيبقى كما قال تعالى في الخمر: ﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَاَ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقد روى الشعبي عن النبي ◌َّر أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ◌َّر، وكان فيهم غلام ظاهر الوضاءة، أجلسه خلف ظهره، وقال: ((إنما كانت خطيئة داود عليه السلام النظر))، هذا وهو رسول الله وَّل، وهو مزوج بتسع نسوة، والوفد قوم صالحون، ولم تكن الفاحشة معروفة في العرب. وقد روي عن المشايخ من التحذير عن صحبة الأحداث ما يطول وصفه، وليس لأحد من الناس أن يفعل ما يفضي إلى هذه المفاسد المحرمة، وإن ضم إلى ذلك مصلحة من تعليم أو تأديب، فإن المردان يمكن تعليمهم وتأديبهم بدون هذه المفاسد التي فيها مضرة عليهم وعلى من يصحبهم وعلى المسلمين بسوء الظن تارة، وبالشبهة أخرى، بل روي: أن رجلًا كان يجلس إليه المردان، فنهى عمر رضي الله عنه عن مجالسته، ولقي عمر بن الخطاب شابًّا، فقطع شعره، لميل بعض النساء إليه مع ما في ذلك من إخراجه من وطنه، والتفريق بينه وبين أهله، ومن أقر صبيًّا يتولاه، مثل ابنه وأخيه أومملوكه أو يتيم عند من يعاشره على هذا الوجه، فهو ديوث، ملعون، ((ولا يدخل الجنة ديوث))، فإن الفاحشة الباطنة ما يقوم عليها بيِّنة في العادة، وإنما تقوم على الظاهرة، وهذه العشرة القبيحة من الظاهرة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الرِّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ = ٤١ [حكم أكل الضفادع] وأمَّا أكلُ الضَّفادع، فالقولُ فيه كالقولِ في أكلِ الحَيَّاتِ نحو القُذَّةِ بالقُنَّةِ(١)؛ لاشتراكهما في كونهما من الخبائثِ. [حكم التهاون بأمر الله ونهيه وعدم تعظيم حرمات الله] : وأمَّا قوله: (ويتهاونونَ بكثيرٍ من أمرِ الله تعالى ونهيهِ، ولا يعظّمونَ كثيرًا من حرماتِ الله تعالى مما عظّمهُ). فهؤلاءِ لا يخرجونَ بذلك عن الإسلام والإيمانِ، إلّا أن يعتقدوا حلّ ما حرَّمَ الله، أو تحريم ما أحلَّ الله، فيخرجوا بذلك عن الإيمانِ والإسلام(٢). = [الإسراء: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، فلو ذكرنا ما حصل في مثل هذا من الضرر والمفاسد، وما ذكره العلماء، لطال، سواء كان الرجل تقيًّا أو فاجرًا، فإن التقي يعالج مرارة في مجاهدة هواه وخلاف نفسه، وكثيرًا ما يغلبه شيطانه ونفسه، بمنزلة من يحمل حملًا لا يطيقه، فيعذبه أو يقتله، والفاجر يكمل فجوره بذلك). (١) ذهب جمهور الفقهاء إلى حرمة أكل الضفدع. انظر: ((حاشية ابن عابدين)) (٣٠٤/٦)، و((تحفة المحتاج)) (٣٧٨/٩) لابن حجر الهيتمي، و((كشاف القناع)» (١٩٣/٦) البهوتي، بينما أباح المالكية أكله. انظر: ((شرح مختصر خليل)) (٣٦٤/٢) للخرشي، و((الفقه الإسلامي وأدلته)) (٢٧٩٩/٤ - ٢٨٠٠) للزحيلي. (٢) انظر: ((حاشية ابن عابدين)) (٢٢/٤)، و((شرح مختصر خليل)) = ٤٢ وأما كونهم لا يعظّمون كثيرًا من حرماتِ الله تعالى، فهو غفلةٌ وذهولٌ عن مراقبةِ الله سبحانه، لا يكفرونَ بهِ، إلَّا أن يقصدون(١) الاستخفافَ بحرماتِ الله تعالی(٢). نعم هوَ مع عدم القصدِ لذلك، ذنبٌ من جملةِ الذُّنوبِ، يُعاقبونَ عليه في الدُّنيا والآخرةِ على حسبٍ مراتبهم عندَ الله سبحانه وتعالى. [حكم إطعام الجائع ورة لهفة الملهوف وأفعال البر] وأما قوله: (ولهم مع ذلك إطعامُ الجائع، وردُّ لهفةِ الملهوفِ، وأشياءٌ كثيرةٌ من أفعالِ البِّ). فأمَّا إطعامُ الطَّعام، فهو سنّةٌ ثابتةٌ في الصَّحيح عن رسولِ الله وَله قولاً وفعلاً وتحضيضًا(٣). = (٦٤/٨ - ٦٥) للخرشي، و((تحفة المحتاج)) (٨٧/٩ - ٨٨) لابن حجر الهيتمي، و((كشاف القناع)) (١٧٢/٦ - ١٧٣) للبهوتي، و((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (٢٣٦/٣). (١) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: يقصدوا. (٢) (تعظيم ما عظّم الله متعيّن، واحتقار ذلك ربما كان كفرًا). قاله ابن زروق في «قواعد التصوف» (ص٤٢). (٣) انظر: ((الترغيب والترهيب)) (٣٣/٢ - ٤٤): الترغيب في إطعام الطعام وسقي الماء والترهيب من منعه. و (٢٤٩/٣ - ٢٥٣): الترغيب في الضيافة، وإكرام الضيف، وتأكيد حقه، وترهيب الضيف أن يقيم حتى يؤثم أهل المنزل، للمنذري. و((صحيح الترغيب والترهيب)) (١/ ٥٦٠ - ٥٦٩) = ٤٣ وقد ثبتَ في الصَّحيح أنَّ رسولَ الله سُئِلَ: أَيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ؟ فقال: (إطعَامُ الطَّعَامِ)(١) . وقد أثنى على الأنصارِ الذين أكرموا أضيافهم، ونزلت فيهم الآيةُ الكريمةُ في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ اٌلْمُفْلِحُونَ﴾(٢) (٣). = و(٢/ ٦٩٢ - ٦٩٦)، للألباني. قلتُ: وقد أفرد أهل العلم هذا الباب بالتصنيف، كابن أبي الدنيا في كتابه: ((قرى الضيف))، وإبراهيم الحربي في كتابه: ((إكرام الضيف))، وابن حجر الهيتمي في كتابه: («إتحاف ذوي المروة والإنافة بما جاء في الصدقة والضيافة)). (١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (١٢) كتاب: الإيمان، باب: إطعام الطعام من الإسلام؛ ومسلم في ((صحيحه)) (٣٩)، كتاب: الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبيِ وَّهِ: أيّ الإسلام خير؟ قال: «تُطعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتَ وَمَنْ لَم تَعرِف)). (٢) سورة الحشر: الآية (٩). (٣) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٣٧٩٨) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]؛ ومسلم في «صحيحه)) (٢٠٥٤)، كتاب: الأشربة، باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَبَعَثَ إلَى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا. فَانْطَلَقَ بِهِ إلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّ قُوتُ صِبْيَانِي .= ٤٤ وقد أُمرَ النبيِ وَ﴿يباتباع إبراهيمَ بَّرُ (١)، وأخبرَ الله عن إبراهيمَ وَلد / إكرامه لضيفهِ من الملائكةِ وغيرهم(٢). [١/٣٢] وقد أُمرنا باتباعِهما صلى الله عليهما وسلم(٣)، وسؤالٍ ذلك من الله سبحانه وتعالى في كلِّ يوم وجوبًا سبعَ عشرةَ مرة، وندبًا ما لا يحصى في التَّطوعات وغيرها (٤)، لأنهما صلى الله عليهما وسلم من جُملةِ المنعَمِ عليهما . = فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءٌ. فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا، فَأَظْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: ((ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا))، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. (١) قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ أَِّعْ مِلَّةَ إِثْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. (٢) قال تعالى: ﴿هَلْ أَنَّكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ الْمُّكْرَمِينَ لَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَّا قَالَ فَقَرَّهُ: إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا ٢٦ سٌَ قَوْمٌ مُكَرُونَ ﴿ فَغَ إِلَ أَهْلِهِ، فَجَّةَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٧]. (٣) قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَأَنَّبِعُواْ مِنَّةَ إِنََّهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥]. (٤) يشير إلى قول الله تعالى في [سورة الفاتحة: الآيتان ٦ - ٧]: صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِمَ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٩٩/٢٢ - ٤٠٠): (وإنما فرض عليه من الدعاء الراتب الذي يتكرر بتكرر = ٤٥ وأمَّا ردُّ لهفةِ الملهوفِ، فهي سنَّةٌ ثابتةٌ عن رسولِ الله وَيه بأحاديثَ كثيرةٍ في الصَّحيح مشهورةٌ(١)، وتغني شهرتها عن ذكرها هنا، طلبًا للاختصارِ في الجوابِ(٢). = الصلوات، بل الركعات، فرضها ونفلها، هو الدعاء الذي تتضمنه أم القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ جَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ لأن كل عبد مضطر دائمًا إلى مقصود هذا الدعاء، وهو هداية الصراط المستقيم، فإنه لا نجاة من العذاب إلَّا بهذه الهداية، ولا وصول إلى السعادة إلَّا به، فمن فاته هذا الهدى، فهو إما من المغضوب عليهم، أو من الضالين، وهذا الاهتداء لا يحصل إلَّا بهدى الله: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]). (١) منها: ما أخرجه البخاري في صحيحه (١٤٤٥) كتاب: الزكاة، باب: على كل مسلم صدقة، فمن لم يجد، فليعمل بالمعروف؛ ومسلم في ((صحيحه)) (١٠٠٨)، كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي وكلتر قال: ((عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ صَدَقَةٌ))، قَالُوا: فَإِن لَم يَجِد؟ قَالَ: ((فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنفَعُ نَفسَهُ، وَيَتَصَّدَّقُ))، قَالُوا: فَإِن لَم يَسْتَطِعِ أَو لَم يَفْعَل؟ قَالَ: ((فَيُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلهُوفَ))، قَالُوا: فَإِن لَم يَفعَل؟ قَالَ: ((فَيَأْمُرُ بِالخَيرِ)) أَو قَالَ: «بِالْمَعرُوفِ)»، قَالُوا: فَإِن لَم يَفعَل؟ قَالَ: ((فَيُمسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ)). (٢) قد أفرد أهل العلم هذا الباب بالتصنيف، كابن أبي الدنيا في كتابَيه: ((قضاء الحوائج))، و((اصطناع المعروف))، وأبو الغنائم النرسي في جزئه: (ثواب قضاء حوائج الإخوان))، ومرعي الكرمي في كتابه: ((القول المعروف في فضل المعروف)). ٤٦ وأمَّا ما لهم من الأشياءِ الكثيرةِ من أفعال البرِّ؛ كالإيمانِ، وإقامةِ الصلاةِ، والصدقةِ، والتسبيحِ، والتهليلٍ، ومواصلةِ الإخوانِ والأقاربِ والفقراءِ، والصبرِ على الفقرِ، وغير ذلك من المؤلماتِ من التنقصٍ(١) في أعراضهم، وعدم نصيحتهم في وجوههم، والشَّناعة عليهم. فقد أخبرَ الله تعالى عنهم بأنهم صدقوا وهم المثَّقون(٢)، فلا يعِّرُ ارتكابهم ذنبًا أو ذنبين أو ذنوبًا على ما منحهم الله تعالى به، خصوصًا إن كانوا جهلةً بأحكامِ الشرعِ، ولم يوفَّق لهم رجلٌ مسلمٌ يُرشدهم من غير تأنيبٍ وتوبيخٍ وشناعةٍ . فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بسلوكِ طريق اللَّطفِ والسُّهولةِ، وأثنى على فعلِ ذلك(٣). (١) هكذا قرأتها. (٢) قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِّئْنَ وَءَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَعَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِىِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ أَلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. (٣) قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّْ فَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ٤٧ [الموقف الشرعي من اغترار الجاهل بهم] وأمَّا قوله: (فإذا اغترَّ بهم الجاهلُ، وأحبَّهم، وأرادَ أن يدخلَ في بدعهم بسببِ الشَّبهةِ التي قامت في نفسهِ منهم، من إكرامِ الضُّيفانِ، وأفعالِ البرِّ). فهذا كلامٌ لا تحقيقَ فيهِ؛ لأنه لا يُسمَّى إكرامُ الضِّيفانِ وأفعالُ البِّ شبهةً، فدخولُ الجاهلِ بسببٍ ما ذكر أنه شبهة في اعتقادهم بسببٍ أكلِ الحيَّاتِ ودخولِ النِّيرانِ، لا بسببٍ إكرام الصِّيفانِ وأفعال البرِّ، فهو مثابٌ على اعتقاده فيهم بسببِ الطاعةِ، ومعاقبٌ على اعتقاده فيهم بسببٍ المخالفةِ، إن كان عالمًا بذلك، ولا مقصِّرًا في التَّعلم والسُّؤالِ(١). فكيفَ يُنسب تقصيرُ الجاهلِ إلى قومٍ لم يشعروا بجهلهِ، ولا بسوءِ ظنِّ الخلقِ فيهم؟ (١) (إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس لا مستحقًّا للثواب فقط ولا مستحقًّا للعقاب فقط، وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضل رحمته، كما استفاضت بذلك السنة عن النبي ( 98). قاله ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٠٩/٢٨ - ٢١٠). ٤٨ بل يجبُ تعليمُ هؤلاء، وتعليمُ هؤلاء، أعني الفقراء المعتقَد فيهم، والمعتقِدين فيهم، وتعليمُ العلماءِ للطّائفتينِ ذلك إذا قُصد به وجهُ الله سبحانه وتعالى، لا للُّهرةِ، والسُّمعةِ، والرِّياءِ، والمكاثرةِ، والعُجبِ(١). وقد قال ◌َّه: ((مَن تَعَلَّمَ العِلمَ لِيُجارِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، أَو یُكَاثِرَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ)). (١) وههنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها، فإنها مهلكة، وهي أن العالِم يرى عند التعريف عزّ نفسه بالعلم، وذل غيره بالجهل، فربما يقصد بالتعريف الإذلال، وإظهار التمييز بشرف العلم، وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل، فإن كان الباعث هذا، فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه، ومثال هذا المحتسب مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو غاية في الجهل، وهذه مزلة عظيمة وغائلة هائلة وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان إلا من عرفه الله عيوب نفسه وفتح بصيرته بنور هدايته، فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة من وجهين: أحدهما من جهة العلم، والآخر من جهة دالة الاحتكام والسلطنة، وذلك يرجع إلى الرياء وطلب الجاه، وهو الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي، وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن المحتسب به نفسه، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه، فإن كانت الحسبة شاقة عليه، ثقيلة على نفسه، وهو يود أن يكفى بغيره، فليحتسب، فإن باعثه هو الدين، وإن كان اتعاظ ذلك العاصي بوعظه وانزجاره بزجره أحب إليه من اتعاظه بوعظ غيره، فما هو إلا متبع هوى نفسه ومتوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة حسبته، فليتق الله تعالى فيه، وليحتسب أولًا على نفسه). قاله الغزالي في ((الإحياء)) (٣٣٠/٢). ٤٩ وفي رواية: ((لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ)) (١). ورُوي في حديثٍ مرفوعٍ وموقوفٍ(٢). [وقال](٣) ابن مسعود(٤): (كَفَى بِالمَرءِ إثمًا أَن يُعجَبَ بِعِلمِهِ) (٥). والنُّصوصُ في ذلك أشهر من أن تُشهر، وأكثر من أن تُذكر(٦). (١) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٢٦٥٤)، أبواب العلم، باب ما جاء فيمن يطلب بعلمه الدنيا، من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا، وقال: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وإسحاق بن يحيى بن طلحة: ليس بذاك القوي عندهم، تُكلّم فيه من قبل حفظه)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٢٦٥٤)، وقال العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (١٣٠/٢): (في هذا الباب أحاديث عن جماعة من أصحاب النبي ◌َّه لَيِّنة الأسانيد كلها عن النبي ◌َّ). (٢) انظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) (١ / ٦٤٨ - ٦٦٤) لابن عبد البر. (٣) هنا بياض في الأصل بمقدار كلمة، ولعلَّ الصَّواب ما أثبتُّه بين معقوفتين. (٤) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: مسروق، كما سيأتي. (٥) أخرج أبو خيثمة في كتاب العلم (٤٦) عن التابعي الجليل مسروق أنه قال: ((بِحَسبِ المَرهِ مِنَ العِلمِ أَن يَخشَى اللهَ، وَبِحَسبِهِ جَهلًا أَن يُعجَبَ بِعِلمِهِ))، وصحّح إسناده الألباني. (٦) انظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) (٦٤٨/١ - ٦٧٧): باب ذم الفاجر من العلماء وذم طلب العلم للمباهاة والدنيا، لابن عبد البر، وجامع الأصول (٥٣٨/٤ - ٥٤٦): الكتاب الرابع: في الرياء، لابن الأثير، و((الترغيب والترهيب)) (٦٥/١ - ٦٧): الترهيب من تعلّم العلم لغير وجه الله، للمنذري، و((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٥٣/١ - ١٥٥) للألباني. [موقف العلماء في دفع الشبهات] وأمَّا قوله: (فهل يجبُ على العلماءِ دفعُ هذه الشَّبهةِ عن قلوبهم، كي لا يغترُّوا بها، أم لا؟). فإن قصد بذلك الإبلاغُ، وإظهارُ أمرِ الله سبحانه وتعالى/، وعدمُ (٣٢/ ب] التَّنَقصِ بالجهالِ لجهلهم، فهو واجبٌ(١). وإن لم يقصد بذلك ذلك، فهو واجبٌ للإبلاغ، ومحرمٌ لقصد الشُّهرةِ والتكثيرِ وتوبيخ الجهلةِ، بل يجبُ تعليمُهم وإرشادُهم بلطفٍ(٢). (١) (ينبغي أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متواضعًا، رفيقًا فيما يدعو إليه، شفيقًا، رحيمًا، غير فظ، ولا غليظ القلب، ولا متعنتًا، حرًّا، ويتوجه أن العبد مثله، وإن كان الحر أكمل، عدلًا، فقيهًا، عالمًا بالمأمورات والمنهيات شرعًا، دينًا، نزهًا، عفيفًا، ذا رأي وصرامة وشدة في الدين، قاصدًا بذلك وجه الله عز جل، وإقامة دينه، ونصرة شرعه، وامتثال أمره، وإحياء سننه، بلا رياء، ولا منافقة، ولا مداهنة، غير متنافس، ولا متفاخر، ولا ممن يخالف قوله فعله، ويسن له العمل بالنوافل والمندوبات والرفق، وطلاقة الوجه، وحسن الخلق عند إنكاره، والتثبيت والمسامحة بالهفوة عند أول مرة). قاله ابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (١٩١/١). (٢) (من أقدم على منكر جاهلًا أنه منكر، ولو علم أنه منكر رجع عنه، يجب أن يعلّم بلطف، ورفق، وسياسة .. ليحصل المقصود من إرشاده وتعليمه من غير أن يحصل له أذى في باطنه، فإن إيذاء المسلم حرام إذا أمكن الوصول إلى إرشاده بدونه). قاله ابن النحاس في ((تنبيه الغافلين)) (ص٣٣). ٥١ وأمَّا الإرشادُ على العموم في الأوصافِ لا في الأشخاصِ، فينبغي أن يكونَ بتفخيم وتعظيم وغلظةٍ، تُناسبُ الزَّجرَ عن ذلك(١). وقد كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يأمرُ النَّاسَ بالخيراتِ، ويَعظمهم (٢) كأنَّهُ مُنذِرُ جَيشٍ(٣). ولما رأى ◌َ﴿ القومَ الذين تلوحُ أعقابهم من تركِ الوضوءِ، نادى بأعلى صوتهِ: ((وَيلٌ لِلأَعقَابِ مِنَ النَّارِ))(٤). فهذا ليسَ من التَّأْنيبِ المذمومِ، بل هو من الأمرِ المطلوبِ للشَّرعِ، خصوصًا إذا قصد به دخولُ الحقِّ في قلوبِ السَّامعين. (١) قال ابن بطال في شرح ((صحيح البخاري)) (٢٨٦/٩): (إنما كان عليه السلام لا يواجه الناس بالعتاب يعني على ما يكون فى خاصة نفسه، كالصبر على جهل الجاهل، وجفاء الأعرابي، ألا ترى أن ترك الذى حبذ البردة من عنقه حتى أثرت حبذته فيه؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه .. فأما أن تنتهك من الدين حرمة، فإنه كان لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها، ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها، ويقتص منه، سواء كان حقًّا لله، أو من حقوق العباد). (٢) هكذا ورد في الأصل، ولعل الصَّواب: ويعظهم. (٣) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٨٦٧)، كتاب: الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة . (٤) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٦٠) كتاب: العلم، باب: من رفع صوته بالعلم، ومسلم في ((صحيحه)) (٢٤١)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما . ٥٢ وخوفُ الغرورِ على العوامِّ، لا يُوجب ارتكابَ المنهياتِ فيمن اغترَّ بهم(١). [الموقف من حجج بعض العلماء في دفع الشبهات] وأمَّا قوله: (وإذا دفعَ بعضُ العلماءِ هذه الشُّبهة عن قلوبِ الجهلةِ بحجج من جملتها: أنَّ إكرامَ الضَّيفِ شيءٌ يشتركُ [فيه](٢) الكفَّارُ والمسلمونَ، فليس مجرَّد الإطعام حجّة). فيا لله العجب، كيف تُدفع الشُّبهات بتقبيح للطّاعاتِ؟! بل تُدفع الشُّبهات بِوجهها الشَّرعية من تبيينِ تحريم أكل الحيَّاتِ، والضَّفادع، ودخول النِّيرانِ، ومضاجعة النساءِ الأجانبِ، والأقاربِ غير الزَّوجات والإماء، وعدم التَّهاونِ في أمرِ الله تعالى، وتركٍ مناهیه. وكيفَ يحلُّ أن يجعل ما هو من أفضل الطَّاعاتِ أو أفضلها شيئًا يشترك فيه الكفّار والمسلمون؟ وأيُّ اشتراكٍ بين الفعلين؟ (١) (فإن إيذاء المسلم حرام محذور، كما أن تقريره على المنكر محذور، وليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول، ومَن اجتنب محذور السكوت على المنكر، واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه، فقد غسل الدم بالبول على التحقيق). قاله الغزالي في ((الإحياء)) (٣٣٠/٢). (٢) سقطت من الأصل، واستدركتها من السؤال. ٥٣ فإنَّ شرط قبول أفعال الكفَّارِ الإيمانُ، وهو مفقودٌ فيهم(١)، وشرط قبول أفعال المؤمنينَ الإيمانُ، وهو موجودٌ فيهم(٢)؛ فلا اشتراكَ بینهما . والمراد نفي الاشتراك في الحكم الشَّرعي لا في الصُّورة، ولا يحلُّ ذلك، ويأثمُ من شاركَ بينهما في الصُّورة، ويستغفرُ الله سبحانه من ذلك. وأمَّا إضافته ذلك إلى فعل الجاهليةِ، فحاشَ الله تعالى أن يُضاف فعلُ الإسلام إلى التَّشبيه بفعلِ الجاهليةِ. بل هذا سوءُ أدبٍ واعتقادٍ في المسلمين، فيستغفرُ الله سبحانه وتعالى من ذلك، ويتوبُ إليه، وليحقِّق ما أطلقه من العبارة تحقيقًا خالصًا من الحطّ والشَّناعة يحلُّ الخيرُ إن شاء الله تعالى. وأمَّا قوله: (فهل لقائلٍ أن ينقض عليه حجَّته، ويقول: إنَّ إطعام الطّعام سُنَّة الخليلِ، وهو مما جاء به الإسلام). فهذه عبارةٌ ركيكةٌ من كونه جعل أن ذلك له، إلَّا أن يريد بأن له بمعنى عليه، فيُغتفر ذلك منه، وقد بيَّنا الفرق بين المقامَين، فلا حاجةً (١/٣٣] إلى إعادته / في هذا الموطن. (١) قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآلْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِ اَلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِينَ﴾ [المائدة: ٥]. (٢) قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. ٥٤ وأما قوله: (نعم هو لا يُنكر أن الإسلام أقرَّ ما كانت الجاهلية تفعله من الخیرِ). فحاشَ لله سبحانه وتعالى(١) أن يعتقد في أن شارع الإسلام شرع ذلك إقرارًا لفعل الجاهلية، بل إقرارًا لما جاءت به رُسُلُ الله سبحانه وتعالى. كيفَ وقواعدُ الشَّرِع [و](٢) إجماعُ أهل السُّنَّةِ على أن العقل لا يُحسِّنُ ولا يُقبِّحُ، بل التَّحسينُ والتَّقبيحُ للشَّرِع فقط(٣). (١) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَيْنِ رَبِ إِلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمَا مِلَّهَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]. وأخرج ابن أبي الدنيا في ((قرى الضيف)) (ص١٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَيَّفَ الضَّيْفَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ))، وحسَّنه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (٧٢٥). (٢) سقطت من الأصل. (٣) قال الشاطبي في ((الاعتصام)) (٤٦٠/٣ - ٤٦١): (رأي أهل التحسين والتقبيح العقليين، فإن محصول مذهبهم تحكيم عقول الرجال دون الشرع، وهو أصل من الأصول التي بنى عليها أهل الابتداع في الدين، بحيث إن الشرع إن وافق آراءهم قبلوه، وإلا ردوه. فالحاصل مما تقدم أن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعي المطلوب شرعًا ضلال، ولا توفيق إلا بالله، وإن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره، ثم نقول: إن هذا هو مذهب أصحاب رسول الله بَله، ومن رأى سيرهم والنقل عنهم وطالع أحوالهم، علم ذلك علمًا يقينًا). وقال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى (( (٦٧٧/١١): (ولهذا كان للناس = ٥٥ وإضافةُ فعل شارع الإسلام إلى إقرار الجاهلية، دون إضافته إلى الله. وإلى رُسُله، سوءُ أدبٍ عليه وعليهم صلى الله عليه(١) وسلم. فعلى من أضاف ذلك على هذا الوجه، سلوكُ طريق معرفته في ذلك، وتأدبه، وفعلُ ما يجب عليه في ذلك. كيف وهو قد رقى نفسه إلى أن لا يذكرها إلَّا بأسماءِ الإشاراتِ والغيباتِ، فلينظر في ذلك نظر مستفيد التَّربيةِ لا بنظر نفسٍ قائمةٍ(٢). = في الشرك والظلم والكذب والفواحش ونحو ذلك، ثلاثة أقوال: قيل: إن قبحهما معلوم بالعقل، وأنهم يستحقون العذاب على ذلك في الآخرة، وإن لم يأتهم الرسول، كما يقوله المعتزلة، وكثير من أصحاب أبي حنيفة، وحكوه عن أبي حنيفة نفسه، وهو قول أبي الخطاب وغيره، وقيل: لا قبح ولا حسن ولا شر فيهما قبل الخطاب، وإنما القبيح ما قيل فيه لا تفعل، والحسن ما قيل فيه افعل، أو ما أذن في فعله، كما تقوله الأشعرية ومن وافقهم من الطوائف الثلاثة، وقيل: إن ذلك سيء وشر وقبيح قبل مجيء الرسول، لكن العقوبة إنما تستحق بمجيء الرسول، وعلى هذا عامة السلف وأكثر المسلمين، وعليه يدل الكتاب والسنة، فإن فيهما بيان أن ما عليه الكفار هو شر وقبيح وسيء قبل الرسل وإن كانوا لا يستحقون العقوبة إلَّا بالرسول). (١) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: عليهم. (٢) (وليحذر كل الحذر من طغيان ((أنا))، و((لي))، و((عندي))، فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتُلي بها إبليس، وفرعون، وقارون، (فأنا خير منه) لإبليس، و(لي ملك مصر) لفرعون، و(إنما أوتيته على علم عندي) لقارون، وأحسن ما وضعت ((أنا)) في قول العبد: (أنا العبد المذنب، المخطئ، المستغفر، المعترف) ونحوه، و((لي))، في قوله: (لي الذنب، ولي الجرم، = ٥٦ فنسألُ الله تعالى أن يوفِّقنا لامتثالِ الطَّاعاتِ، واجتناب المنهياتِ، وسلوكِ الآدابِ المرضياتِ لربِّ الأرضِ والسَّماواتِ. وكم من مُنقطع في البيوتِ، مُنقطع عن اتِّباع الشَّريعةِ. وكم من مثَّصلٍ بالدَّكاكين، متبع للشَّريعةِ والآدابِ الشَّریفةِ والصِّلةِ بربِّ الأرضِ والسَّماواتِ. وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا، وآدابًا ظاهرةً، وسلوكًا بيِّنَا، وآفتهُ من الفهمِ السَّقيم(١). وأمَّا قوله: (لكن هو يقولُ: إنَّ مجرَّد ذلك مع الفسقِ لا يكفي، كما أن مجرَّد ذلك [في الجاهليةِ](٢) مع الكفر لا يكفي). فهذه مقالةُ المعتزلةِ(٣)، إلّا أن (٤) يريد بلا يكفي عدم: رفع الدَّرجات والمنازل العليّات؛ فيُعتذر عنه(٥) بذلك. = ولي المسكنة، ولي الفقر والذل)، و((عندي)) في قوله: (اغفر لي جدي، وهزلي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي). قاله ابن القيم في ((زاد المعاد» (٢ / ٤٣٤ - ٤٣٥). (١) قال المتنبي - كما في ديوانه (١٢٠/٤) -: وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا وآفتهُ منَ الفهمِ السقيمِ (٢) سقطت من الأصل، واستدركتها من السؤال. (٣) انظر: ((الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة)) (٦٤/١ - ٧٥). (٤) تكررت في الأصل: إلَّا أن. (٥) هكذا قرأتها . ٥٧ وشرطُ القياسِ أن تكون العلَّةُ في الفرع موجودة في الأصل بجامع ما بينهما من العلّة. وأيُّ جامعٍ بين الكفرِ والفسقِ؟ فإنَّ الكفر مُوجب الخلود في النَّار، والفسق داخلٌ تحت المشيئة، والجاهليةُ من القسم الأول، والإسلامُ من القسم الثاني. والكلامُ في قوله هو: كالكلام في هو الأولى. ولا يحلُّ إضافةُ الفسق إلى الكفرِ إلَّا بالاعتقادِ، ولا يحلُّ القطعُ بالكفرِ عند الحكّام والفقهاءِ إلَّا بالإقرارِ والاعترافِ، أو بالبيِّنةِ على الإقرارِ والاعترافِ(١). نعم، يحلُّ للعارف صاحب المقامات إذا أطلعهُ الله تعالى على شيءٍ القطعُ به في قلبهِ، ولا يحلُّ إشاعته، ولا إذاعته إلَّا عند أهله، قصدًا للزجرِ والانتهاءِ، لا للتَّكثيرِ والتَّأَنيبِ. [حقيقة الإنصاف] وأمَّا قوله: (وما أحسن الإنصاف في الأقوالِ والأفعالِ للشَّخصِ وعليهِ). فنسألُ الله سبحانه وتعالى التَّوفيقَ والتَّسديدَ والإبانةَ والرعايةَ في (١) انظر: ((حاشية ابن عابدين)) (٢٤٦/٤)، و((شرح مختصر خليل)) (٦٥/٨) للخرشي، و((تحفة المحتاج)) (٩٣/٩ - ٩٥) لابن حجر الهيتمي، و((كشاف القناع)) (١٨٥/٦) البهوتي، و((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (١٩١/٢٢). ٥٨ ذلك وغيره من وجوه الخيراتِ، ونسأله الثَّبات على ذلك حتى الممات. وحقيقةُ الإنصافِ: العدلُ، وإعطاءُ / الرُّتبِ حقَّها من الرِّضا [٣٣/ب] والغضبٍ، وإعطاءُ الأمور الربّانيةِ حقَّها، وإعطاءُ النَّفسانيةِ حظّها الشَّرعي. [خاتمة الرسالة] وأمَّا قوله: (والله يقضي بين الناس بالحقِّ، وإليه المصير). فهذا معتقدنا، وعملنا عليه إن شاء الله تعالى، لكن هذه العبارة والتي قبلها تحتملان التّأنيب، وتحتملان الإرشاد، والله مطّلع على ضمائر أرباب القلوب وغيرهم. ونسألُ الله سبحانه وتعالى أن لا يخجلنا يوم الوقوف بين يديه، وأن يجعل أفعالنا وأقوالنا ومعارفنا وإشارتنا وكشفنا وخطراتنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يثبِّتنا بالقول الثَّابت في الحياة الدُّنيا والآخرة. ربَّنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا، إنَّك على كل شيءٍ قدير. ربَّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً، إنَّك أنت الوهّاب. على الله توكّلنا، ربنا لا تجعلنا فتنةً للقوم الظالمين، ونجِّنا برحمتك من القوم الكافرين. واجعلنا هادین مهدیِّین، قابلین مقبولین، ذاکرین مذكورين، شاكرين مشكورين، راجعين مرجُوعين، لا ملجأ ولا منجى منه إلَّا إليه. ٥٩ والله رقيبُ على كل شيءٍ، وهو يحكم لا معقِّبَ لحكمه، وهو سريع الحساب. وأقولُ: طهوري في خمولي وانحطاطي وحدي في انقباضي وانبساطي وعزمي في الجواز على الصِّراط وحالي في ارتفاع أمور ربي وتمتيعي بخطرات الرباط ومطلوبي جوارالرَّب في جناتعدن آخره والحمد لله وحده، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وسلَّم تسليمًا . ٦٠