النص المفهرس

صفحات 21-40

إلى ما فهمه من كلام الشافعي، نقلَهُ عنه في ((شرح المهذب))(١)،
وستقف على ذلك - إن شاء الله تعالى - في أثناء الكلام.
وطلب مني الكاتبُ - أعزه الله تعالى ونفع به المسلمين - أن
أكتب [في ذلك](٢) قول العلماء في ذلك وما المعتمد فيه، وما المعوَّلُ
عليه .
* فأقول مستمدًّا من الله التوفيق:
اعلم أولًا أن الشيخ القطب الرباني، محرر المذهب ومنقحه
أبا زكريا يحيى بن شرف النووي الحِزامي - رضي الله عنه، وأعاد علينا
= وأجاد، وقلد نفائس الدر الأجياد، فلما انقضى الدرس أخرج الناظر
أحمد جلبي فتوى المفتي الأعظم، قال: ومن يخالف هذا من الناس؟
فقالوا له: هذا عين الصواب ومحض الحق. فأمر مولانا الشيخ صاحب
مكة بالعمل والشروع، وسكنت الفتنة ولله الحمد.
ولما كشف عن تلك الأعواد في السقف الشريف وجدوها مكسورة
كما ظنوا، فأبدلوها بأعواد جيدة بغاية الإحكام والاستقامة، وأعادوا
السقف والسطح كما كان بغاية الإتقان، وسطر ذلك في صحائف مولانا
السلطان سليمان خان)).
وينظر: ((الدرر الفرائد المنظمة)) (٩٣/١ - ٩٦)، ((إعلام الأعلام))
(ص٥٦ - ٦٠)، ((النور السافر عن أخبار القرن العاشر)) (ص ٢٣٧)،
((السناء الباهر)) (ص٤٢٢، ٤٢٣)، ((الأرج المسكي)) (ص١٥١)،
((شذرات الذهب)) (٤٦٥/١٠)، ((إسعاد آل عثمان المكرم)) للشرنبلالي
(ص٤٦ - ٤٨)، ((تاريخ الكعبة)) للشيخ باسلامة (ص ٢٣٧).
(١) ((المجموع شرح المهذب)) (٤٦٨/٧).
(٢) هكذا في النسختين.
٢١

من بركاته - قال في ((شرح المهذب)) ما لفظه:
((فرع: ذكر العلماء - رحمهم الله تعالى -: أن الكعبة الكريمة
بنيت خمس مرات(١).
أحدها: بنتها الملائكة قبل آدم، وحجّها آدم عليه السَّلام فمن
بعده من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
الثانية: بناها إبراهيم الخليل وَّر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا
◌ِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [سورة الحج، آية: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ
: الآية [سورة البقرة، آية: ١٢٧].
إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
(١) الكلام حول تاريخ بناء الكعبة المشرّفة فيه تفصيل، وأهم المراجع في
ذلك: ((شفاء الغرام)) للفاسي (١٤٧/١ - ١٧١)، ((الجامع اللطيف))
لابن ظهيرة (ص٦٧)، ((البحر العميق)) للقرشي (٢٣٩٩/٥ - ٢٥٢٢)،
((منائح الكرم)) للسنجاري (٢٥٩/١)، ((تحصيل المرام)) للصباغ
(٦٥/١ - ١٤١)، ((تاريخ الكعبة المعظمة)) للشيخ باسلامة (ص١٤ -
١٤١)، (تاريخ الكعبة المشرّفة)) للطريقي (ص٢٨ - ٨٤)، ((أضواء البيان))
(٦٥/٥).
وقد ذكر أكثرهم الخلاف في أول من بنى الكعبة وعدد بناياتها، وأوردوا
الأخبار في ذلك باستفاضة خاصة تَقِيُّ الدِّين الفاسي رحمه الله - في ((شفاء
الغرام))، ومن الجميل قول الشيخ باسلامة رحمه الله في كتابه (تاريخ
الكعبة المعظمة)) (ص٣٠): (وعلى كلِّ فهي من الأخبار التاريخية
التي إن ثبتت وصحت لا تخِلُّ بشيءٍ من أصول الدِّين الحنيف ولا فروعه،
وإن لم تصح فلا يتوقف على صحتها عدم وجود الكعبة المعظمة من يوم
خلق الله السموات والأرض)).
٢٢

الثالثة: بنتها قريش في الجاهلية وحضر النبي ◌ٍَّ﴾ هذا البناء قبل
النبوة، ثبت ذلك في الصحيحين(١)، [وكان له وَلّ حينئذٍ خمس
وثلاثون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة](٢).
الرابعة: بناها ابن الزبير - رضي الله تعالى عنهما -، ثبت ذلك
[في الصحيح](٣).
الخامسة: بناها الحجاج بن يوسف في خلافة عبدالملك بن
مروان، ثبت ذلك [في الصحيح](٤) [١/أ]، واستقرَّ بناؤها الذي بناه
الحجاج إلى الآن.
(١) رواه الإمام البخاري في ((صحيحه)) حديث رقم (١٥٨٢)، كتاب: الحج،
باب: فضل مكَة وبنيانها. وحديث رقم (٣٨٢٩)، كتاب: المناقب، باب:
بنيان الكعبة .
ورواه الإمام مسلم في ((صحيحه)) حديث رقم (٧٩٧ - ٧٩٩)، كتاب:
الحيض، باب: الاعتناء بحفظ العورة.
(٢) هكذا في النسختين. والعبارة كما في الأصل ((المجموع)) (٧/ ٤٧٠):
((وكان له ◌َّ حينئذٍ خمس وعشرون سنة، وقيل: خمس وثلاثون سنة)).
(٣) هكذا في النسختين. وفي ((المجموع)) (٧/ ٤٧٠): ((في الصحيحين)).
وانظر: ((صحيح الإمام البخاري)) حديث رقم (١٢٦)، كتاب: العلم،
باب: من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا
في أشد منه. و((صحيح الإمام مسلم)) حديث رقم (٣٣٠٩)، كتاب:
الحج، باب: نقض الكعبة وبنيانها .
(٤) زيادة من الأصل ((المجموع)) (٧/ ٤٧٠).
وانظر: ((صحيح الإمام مسلم)) حديث رقم (٣٣١٠)، كتاب: الحج،
باب: نقض الكعبة وبنيانها .
٢٣

وقيل: إنها بنيت مرتين أخريين قبل بناء قريش. وقد أوضحته
في كتاب ((المناسك الكبير))(١). قال القاضي أبو الطيب في تعليقه في
(باب دخول مكة) في آخر مسألة (افتتاح الطواف بالاستلام):
قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: أحب أن تترك الكعبة على
حالها فلا تُهْدَم، لأن هدمها يذهب حرمتها ويَصيرُ كالتلاعب بها،
فلا يريدون بتغييرها إلَّا هدمها، فلذلك استحببنا تركها على ما هي
عليه))(٢)، انتهى كلام ((شرح المهذب)) لفظًا.
قلت: وليس في كلام الشافعي دلالة على جواز هدمها
[واستحباب تركها، فإن قوله: ((أحب أن تترك)) غير صريح في جواز
الهدم](٣)، غايته أنه أحبَّ أو استحبَّ ترك هدمها، وهو لا ينافي
الوجوب، وكل واجب محبوب، أي: وجوب الترك، على أن قوله
- تعليل ذلك [الهدم] -: «فمَنْ هدَمَها يُذهِب حرْمَتها ويصيرُ كالتلاعب
بها)) كالصريح في تحريم هدمها، فإنَّ تعاطي ما يُذْهِبُ حرمتها غيرُ
جائزٍ عند كل العلماء.
* ومن هنا قال الشيخ المجتهد المطلق المنتسب تقيُّ الدِّين
علي بن عبد الكافي السُّبكي - رضي الله عنه - في كتاب ((تَنَزُّل السكينة
على قناديل المدينة)): ((وليتنبه هنا لفائدة، وهي: أن الكعبة بناها
(١) ينظر: ((الإيضاح في المناسك)) للإمام النووي، مع حاشية ابن حجر
الهيتمي (ص ٤٧١).
(٢) ((المجموع شرح المهذب)) (٤٦٨/٧ - ٤٧١).
وينظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (٢/ ١٩٢، ١٩٣).
(٣) ليست في نسخة (ن).
٢٤

إبراهيم عليه السَّلام ولم تكن تكسى من زمنه إلى زمان تُبَّع
[اليماني](١)، فهو أولُ مَنْ كساها على الصحيح، وقيل: إن إسماعيل
كساها، ففي تلك المدد لا نقول: إن كسوتها كانت واجبة [وإلَّا لَمَا
تركها الأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام](٢)، ولكن لمَّا كساها تُبَّع كان
من الأفعال الحسنة، واستمرَّ ذلك [فكان](٣) شعارًا لها حتَّى صار حقًّا
لها [وقربة](٤) وواجبًا لئلا يكون في إزالته تنقيص من حرمتها، فيقاس
عليه إزالة ما فيها - والعياذ بالله - من صفائح الذهب والرخام ونحوه،
ونقول: إنه يحرم إزالته؛ ولا يمتنع أن يكون [ابتداءُ](٥) الشيء غير
واجب واستدامته واجبة))(٦)، انتهى.
والغرض تحريم تعاطي ما يُنقص حرمتَها، فكيف بما يُذْهِبَ حرمتها .
وقد صرَّح الشافعيُّ بأنَّ الهَدْمَ يذهب الحرمة، ويصير كالتلاعب
[بها]، وكل ذلك حرام لا شك فيه، فالحذر الحذر من فهم جواز
الهدم من كلام الشافعي، وكيف يسوغ فهم ذلك من كلامه،
(١) زيادة من الأصل ((تنزل السكينة)) (٢٧١/١).
(٢) في الأصل ((تنزل السكينة)) (٢٧١/١): ((لأنها لو كانت واجبة لَمَا ترك
الأنبياء عليهم السَّلام)).
(٣) زيادة من الأصل ((تنزل السكينة)) (٢٧١/١).
(٤) زيادة من الأصل ((تنزل السكينة)) (٢٧١/١).
(٥) في نسخة (م): ((إزالة الشيء))، وفي نسخة (ن) ما أثبته، وهو موافق
للأصل ((تنزل السكينة)) (١/ ٢٧١).
(٦) ((تنزل السكينة على قناديل المدينة)) ضمن كتاب ((فتاوى السبكى))
(٢٧١/١).
٢٥

وهذا الإمام النووي الذي نقل النص المذكور يقول في ((شرح مسلم)):
((قال العلماء: بني البيت خمس مرات؛ [بنته](١) الملائكة، ثم إبراهيم
عليه الصلاة والسَّلام، ثم قريش في الجاهلية وحضر النبي ◌َّ هذا
البناء وله خمس وثلاثون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة، [وفيه
سقط على الأرض حين وقع إزاره](٣)، ثم [بناه](٣) ابن الزبير،
ثم الحجاج [بن يوسف](٤)، واستمر إلى الآن [على بناء الحجاج.
وقيل: بني مرتين أخريين أو ثلاثًا، وقد أوضحته في كتاب ((إيضاح
المناسك الكبير))](٥)، قال العلماء: ولا يُغَيِّرُ هذا البناء))(٦).
* وعبارة الزركشي [١/ب] في ((أحكام المساجد)): ((ولما كان
الرشيد أراد أن يَرُدَّهُ على ما بناهُ ابن الزبير - رضي الله عنهما - فقال
له مالك: ((أنشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة
للملوك، لا يشاء أحدٌ إلَّا نقض البيت وبناه؛ فتَذْهَبَ هيبَتُهُ من صدور
الناس. فترَكَ ما همَّ به، واستحسن النَّاس هذا من مالك فعملوا عليه،
(١) زيادة من الأصل ((شرح الإمام النووي على صحيح مسلم))
(٨٩/٩).
(٢) زيادة من المصدر السابق.
(٣) زيادة من المصدر السابق.
(٤) زيادة من المصدر السابق.
(٥) زيادة من المصدر السابق.
(٦) ((شرح مسلم)) للإمام النووي (٨٩/٩).
وينظر: ((الإيضاح في المناسك)) (ص٤٧١).
٢٦

فصار هذا كالإجماع، [على أنه](١) لا يجوز التعرُّض له بهدم أو تغيير،
والله أعلم))(٢)، انتهى لفظه ومنه نقلت.
قلت: ولم يفهم الزركشيُّ الجواز الذي أشار إليه الفاهم الذي
قدمنا ذكره من لفظه: ((فاستحسن الناس هذا من مالك)»، بل عقَّبَه
بقوله: ((فصار هذا كالإجماع على أنه لا يجوز التعرُّض له))، هذه
عبارته في ((أحكام المساجد)) ومنه نقلت، والذي استقرَّ أنه من
تعبير إمامنا الشافعي بلفظ: ((أحب)) أنه قد يستعملها في الواجب
لا سيما إذا دلّ عليه آخر كلامه، فمن ذلك: النص الذي استدرك به
البلقينيُّ على الشيخ النووي، حيث غلَّط صاحب ((التنبيه)) في باب
الوليمة في قوله: ((فإن كان هناك منكر فالأولى أن لا يحضر)).
فإنَّ البلقيني بعد أن رجَّح التحريم استدرك على النووي تغليطه للشيخ
أبي إسحاق، وقال: ((إن نص ((الأم)) يقتضي ذلك)). وساق لفظ
النص، ولفظه: ((فلا أَحبّ له أن يُجِيبَ، ولا يدخلَ مع المعصية))(٣).
(١) ليست في نسخة (م)، وهي في نسخة (ن) كما جاء في الأصل ((إعلام
الساجد» (ص ٤٧).
(٢) ((إعلام الساجد في أحكام المساجد)) (ص٤٧).
(٣) قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - في ((الأم)) (١٩٦/٦): ((وإذا دعي
الرجل إلى الوليمة وفيها المعصية من المسكر أو الخمر أو ما أشبه ذلك
من المعاصي الظاهرة نهاهم، فإنْ نَخَّوا ذلك عنه، وإلَّا لم أحب له أن
يجلس، فإن علم قبلُ أنَّ ذلك عندهم فلا أحب له أن يجيب، ولا يدخل
مع المعصية)).
٢٧

واختلف الأصحاب في فهم كلام الشافعي، فعن القاضي
أبي الطيب جواز الحضور، وقال صاحب ((الاستقصاء)) (١) كما نقله عنه
في ((الخادم))(٢): ظاهر النص يقتضي التحريم، انتهى.
(وكلامه كأنه فهمه)(٣) من قوله: ((لا يدخل مع المعصية)).
فدل قوله - ((مع المعصية)) - على إرادة وجوب عدم الحضور على أن
البلقيني لم يُصرِّح بأن النصّ في الجواز، بل قال: يقتضي. وبالجملة
(فدعوى فهم جواز الهدم) (٤) من النص المذكور، ونسبة ذلك إلى
النص غير صحيحة، لا سيما مع التعليل المذكور، ولا يجوز نسبة
جواز الهدم إلى الشافعي بمجرد ذلك، والله أعلم.
وكثيرًا ما يقول الشافعي: ((أحببت ذلك لهم من غير أن أوجب
عليهم))، فيفيد ذلك بالتصريح لعدم الوجوب، وفيه إشارة إلى أن عدم
ذكر القيد المذكور لا يكون صريحًا في عدم الوجوب، والله أعلم.
(١) كتاب ((الاستقصاء لمذاهب الفقهاء)) للفقيه الشيخ عثمان بن عيسى
المارياني، المتوفى سنة ٦٤٢هـ، وهو شرح لـ((المهذب)) للإمام الشيرازي،
ولم يكمله، وصل فيه إلى كتاب الشهادة.
ينظر: ((كشف الظنون)» (٢/ ١٩١٢).
(٢) جمع فيه مؤلفه الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤هـ بين ((شرح الرافعي))
لـ ((الوجيز))، و((روضة الطالبين)) للإمام النووي، وسمَّاه: ((خادم الشرح
والروضة)). ينظر: ((كشف الظنون)) (٦٩٨/١).
(٣) ليست في نسخة (ن).
(٤) هكذا في نسخة (ن). وفي نسخة (م): ((فادعاؤهم جواز الفهم ... )).
٢٨

وأنا أُبْعِدُ أن يكون النووي - رحمه الله تعالى - لم يطّلع على
النص الذي في الوليمة، والله أعلم.
* قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) [٢/أ] ما لفظه:
(تكميل)): حكى ابن عبد البرّ(١) وتبعه عياض(٢) وغيره(٣) عن الرشيد
أو المهدي أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير،
فناشده مالك في ذلك، وقال: أخشى أن تصير ملعبةً للملوك. فترَكَهُ.
قلتُ: وهذا بعينه خشية جدهم الأعلى عبد الله بن عباس
رضي الله عنهما، فأشار على ابن الزبير لمَّا أراد أن يَهْدِم الكعبة
ويُجدِّدَ بناءها بأن يَرُمَّ ما وهى منها ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص،
وقال له: ((لا [آمن أن](٤) يجيء من بعدك أميرٌ فيُغيِّر الذي صنعت)).
أخرجه الفاكهي من طريق عطاء عنه(٥).
وذكر الأزرقي أن سليمان بن عبد الملك همَّ بنقض ما فعله
الحجّاج، ثم ترك ذلك لمَّا ظهر له أنه فَعَلَهُ بأمر أبيه عبد الملك(٦).
ولم أقف على شيءٍ من التواريخ على أن أحدًا من الخلفاء
ولا مَنْ دونهم غيَّر من الكعبة شيئًا مما صنعه الحجّاج إلى الآن،
(١) ينظر: ((التمهيد)) للإمام ابن عبد البرّ (٤٩/١٠).
(٢) ينظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (٤٢٨/٤).
(٣) ينظر: ((إرشاد الساري)) للقسطلاني (١٤٤/٣).
(٤) زيادة من ((فتح الباري)) (٤٤٨/٣)، وهي في ((أخبار مكة)) للفاكهي.
(٥) ((أخبار مكة)) للفاكهي (٢٢٩/٥).
(٦) ((أخبار مكة)) للأزرقي (٣٢٠/١).
٢٩

إلَّ في الميزاب والباب وعتبته، وكذا وقع الترميمُ في جدارها غير
مرَّة، وفي سقفها، وفي سُلَّم سطحها، وجُدِّدَ فيها الرخام.
وذكر الأزرقي عن ابن جريج: أن أوَّلَ من فرشها بالرخام
الوليد بن عبد الملك(١)، ووقع في جدارها الشامي ترميم في شهور
سنة سبعين ومائتين(٢)، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة(٣)،
ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة (٤)، ثم في سنة ثمانين
وستمائة(٥)، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة(٦).
وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتين وعشرين
[أي: وثمانمائة](٧) أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم فاهتمَّ لذلك
سلطان الإسلام الملك المؤيد، وأرجو من الله تعالى أن يسهل له ذلك.
ثم حججتُ سنة أربع وعشرين وتأملتُ المكان الذي قيل عنه
فلم أجده بتلك البشاعة، وقد رُمِّمَ ما تشعَّب(٨) من الحرم [في أثناء](٩)
(١) ((أخبار مكة)) للأزرقي (٣٠٨/١، ٥٩٨).
(٢) ينظر: ((شفاء الغرام)) (١٦٣/١)، ((إتحاف الورى)) (٣٤٩/٢) في سنة ٢٨١هـ.
(٣) ينظر: ((شفاء الغرام)) (١٦٤/١)، ((إتحاف الورى)) (٥١٠/٢).
(٤) ينظر: ((شفاء الغرام)) (١٦٤/١)، وذكر أنه سنة ٦٢٩هـ.
(٥) ينظر: ((شفاء الغرام)) (١٦٤/١)، («إتحاف الورى)) (١١٣/٣).
(٦) ينظر: ((شفاء الغرام)) (١٦٤/١)، ((إتحاف الورى)) (٤٨٧/٣).
(٧) زيادة من النسختين، وليست في الأصل ((فتح الباري)).
وينظر: ((شفاء الغرام)) (١٦٤/١)، («إتحاف الورى)) (٥٦٧/٣).
(٨) في ((الفتح)) (٤٤٨/٣) ((ما تشعَّث)).
(٩) في النسختين: ((من بناء))، وفي ((الفتح)) كما أثبته هنا.
٣٠

خمس وعشرين، إلى [أن](١) نقض سقفها في سنة سبع وعشرين على
يدي بعض الجند؛ فجدَّد لها سقفًا ورخَّم السطح(٢).
ولمَّا كان في سنة ثلاث وأربعين(٣) صار المطرُ إذا نَزَل يَنْزِلُ إلى
داخل الكعبة أشدَّ مما كان أولًا، فأداه رأيُّهُ الفاسدُ إلى نقض السقف
مرةً أخرى، وسدَّ ما كان في السطح من الطاقات التي كان يدخل منها
الضوء [إلى الكعبة](٤)، ولزم من ذلك امتهانُ الكعبة، بل صار العمَّالُ
يصعدون فيها بغير أدبٍ، فَغَار بعض المجاورين فكتب إلى القاهرة
يشكو [٢/ب] ذلك، فبلغ السلطان الظاهر، فأنكر أن يكون أمر بذلك،
(وجهز بعض الجند لكشف ذلك)(٥)، فتعصب للأول بعضُ من جاور
واجتمع الباقون رغبة ورهبة، فكتبوا محضرًا بأنه ما فعل شيئًا
إلّا عن ملأ منهم وأن كلَّ ما فعَلَهُ مصلحةٌ، فسكن غضب السلطان
وغطّى عنه الأمر.
وقد جاء عن [عياش بن أبب](٦) ربيعة المخزومي - وهو بالتحتانية
(١) زيادة من النسختين وليست في الأصل ((فتح الباري)).
وينظر: ((شفاء الغرام)) (١٦٤/١)، ((إتحاف الورى)) (٥٦٧/٣).
(٢) ينظر: ((شفاء الغرام)) (١٦٥/١)، («إتحاف الورى)) (٥٩٧/٣) سنة ٨٢٦هـ.
(٣) ينظر: ((إتحاف الورى)) (١٤٨/٤).
(٤) زيادة من النسختين وليست في الأصل ((فتح الباري)).
وينظر: ((شفاء الغرام)) (١٦٤/١)، ((إتحاف الورى)) (٥٦٧/٣).
(٥) في نسخة (م): ((وأمر بعض الجند بكشف ذلك))، وما أثبته ففي نسخة (ن)
وهو موافق لـ)الفتح)).
(٦) زيادة من ((فتح الباري)) (٤٤٩/٣).
٣١

قبل الألف وبعدها معجمة - عن النبي وَلو قال: ((إن هذه الأمة لا تزال
بخير ما عظموا هذه الحرمة - يعني الكعبة - حق تعظيمها، فإذا ضيعوا
ذلك هلكوا))(١). أخرجه أحمد وابن ماجه وعمر بن شبة في
(كتاب مكة))(٢) وسنده حسن، فنسأل الله تعالى الأمن من الفتن بحلمه
و کرمه.
وممَّا يُتَعَجَبُ منه أنه لم يتفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح
إلَّا فيما صنعه الحجاج، [إما](٣) من الجدار الذي بناه في الجهة
الشامية وإما في السُّلم الذي جدده للسطح أو العتبة، وما عدا ذلك
مما وقع فإنما هو لزيادة محضة كالرخام، أو لتحسين كالباب
والميزاب.
وكذا ما حكى الفاكهيُّ عن الحسن بن مكرم عن عبد الله بن بكر
السهمي عن أبيه، قال: جاورت بمكة فعابت - أي: بالعين المهملة
وبالباء الموحدة - أسطوانة من أساطين البيت، فأُخرجت وجيء
(١) رواه الإمام أحمد (٣٤٧/٣)، وابن ماجه في ((السنن)) (١٠٣٨/٢) كتاب:
المناسك، باب: فضل مكة، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٨/٣)
وغيرهم، وينظر: ((فضائل مكة الواردة في السُّنَّة)) للدكتور محمد الغبان
(٢٦٠/١).
(٢) (كتاب مكة وأخبارها وجبالها وأوديتها)) لابن شبة. واسمه: عمر بن شبة
النميري البصري. المتوفى سنة ٢٦٢ هـ.
ينظر: ((الفهرست)) لابن النديم (١٢٥/١)، ((معجم الأدباء)) (٢٠٩٣/٥).
(٣) زيادة من ((فتح الباري)) (٤٤٩/٣).
٣٢

بأخرى ليدخلوها مكانها، فطالت عن الموضع، وأدركهم الليل
والكعبة لا تفتح ليلًا، فتركوها [مائلة](١) ليعودوا من غدٍ ليصلحوها،
فجاؤوا من غدٍ فأصابوها [أقوم](٢) من قِدح - بكسر القاف -
وهو السهم(٣). وهذا إسناد قوي رجاله ثقات، وبكر هو ابن حبيب من
كبار أتباع التابعين. وكانت القصة(٤) في أوائل دولة بني العباس،
وكانت الأسطوانة من خشب، والله أعلم))(٥). انتهى كلام الحافظ
ابن حجر، ومنه نقلت.
وقوله: ((وما يتعجب منه)) إلى آخره، فيه علامة ودلالة على أن
ما فعله ابن الزبير هو الصواب، فقد قال أبو العباس القرطبي في
((المفهم)): ((وما فعله عبد الله بن الزبير [في البيت](٦) كان صوابًا
[وحقًّا](٧)، وقبَّح الله الحجاج وعبد الملك لقد جهلا سنَّة
رسول الله وٍَّ))(٨)، ((وقال عبد الملك حين بلغته السُّنّة: لو كنت سمعته
(١) زيادة مهمة من الأصل ((أخبار مكة)) للفاكهي.
(٢) في ((فتح الباري)): ((أقدم)) بالدال قبل الميم، وهو خطأ، والصواب ما أثبته
كما في ((أخبار مكة)) للفاكهي وفي النسختين.
(٣) أخرجه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (٢٣٣/٥)، وليس فيه زيادة ((وهو السهم))
تعريفًا للقِدْحِ.
(٤) في ((الفتح)) (٤٤٩/٣): ((وكأن القصة كانت ... )).
(٥) «فتح الباري)) (٤٤٨/٣، ٤٤٩).
(٦) زيادة من الأصل ((المفهم)) (٤٣٨/٣، ٤٣٩).
(٧) المصدر السابق، نفسه.
(٨) ((المفهم)) (٤٣٧/٣، ٤٣٨).
٣٣

قبل أن نهدمه لتركته على بناء ابن الزبير))(١)، ((وهو غير معذور في
ذلك، فإنَّه كان متمكنًا من التثبت في [ذلك](٢)، والسؤال والبحث،
فلم يفعل واستعجل وقصَّر؛ فالله حسيبه ومجازيه على ذلك))(٣)،
((ولقد اجترأ على بيت الله وعلى أوليائه))(٤) انتهى.
قلت: وفي الصحيح ما يدل على تصويبه، ففي [٣/أ] ((مسلم))
عن الحارث، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي وَّ قال: ((فإن بدا
لقومك أن يبنوه بعدي فهلمي لأُريك ما تركوه منه))، فأراها قريبًا من
سبعة أذرع(٥) انتهى.
* وفي فتاوى شيخنا شيخ المذهب والإسلام الشهاب أبو العباس
أحمد ابن الطيب البكري الطنبداوي(٦) قدَّس الله روحه في عليين ما لفظه:
(١) ((صحيح الإمام مسلم)) حديث رقم (٣٣١٠)، كتاب: الحج، باب: نقض
الكعبة وبنيانها .
(٢) زيادة من الأصل ((المفهم)) (٤٣٨/٣، ٤٣٩).
(٣) ((المفهم)) (٤٣٩/٣).
(٤) المصدر السابق (٤٣٨/٣).
(٥) رواه الإمام مسلم في ((صحيحه)) حديث رقم (٣٣١٠)، كتاب: الحج،
باب: نقض الكعبة وبنيانها .
ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) حديث رقم (٩١٥٠)، وابن خزيمة في
«صحیحه)) حديث رقم (٢٧٤١)، وغيرهم.
(٦) الفقيه العلامة الشافعي أحمد ابن الطيب البكري الصديقي أبو العباس
(بعد ٨٧٠هـ - ٩٤٨هـ)، وله فتاوى مشهورة عليها الاعتماد بزبيد.
ينظر ترجمته في: ((شذرات الذهب)) (٣٩٠/١٠)، ((النور السافر)» (ص٣٠٦)،
و((الفتاوى)) منها نسخة مخطوطة بالجامع الكبير بصنعاء رقم (٣٧) مجاميع.
٣٤

((مسألة: هل يجوز الزيادة في السُّمْك والطول والعرض في بناء
الكعبة زادها الله تشريفًا وتكريمًا أم لا؟ وإذا قلتم بالجواز أو بعدمه،
ورُؤيت الزيادة من نحو مسافة القصر هل يجب على الرائي إصابتُهُ يقينًا
كالحاضر عند الكعبة؟ وهل لهذه الزيادة حرمة كحرمة الأصل لاتصالها
بها أم لا؟ وهل نصَّ أحدٌ من الأئمة على ذلك؟ وإذا قلتم بعدم الجواز
فهل تكون الزيادة بدعة محرَّمة يجب على الإمام هدمها أم لا؟
أجاب - رحمه الله تعالی :
اعلم أن الشيخ محيي الدِّين النووي في ((شرح مسلم)) صرح بأنه
لا يُغَيَّرُ البناء الموجود الآن وهو بنية الحجاج فقال:
((قال العلماء: ولا يُغيَّر هذا البناء))(١)، فقوله - نقلًا عن العلماء:
((لا يُغيَّر)) - صريحٌ في منع الزيادة في السُّمك والطول والعرض.
وقول ابن العماد(٢) في ((إعلام الساجد في أحكام المساجد)):
- ((لمَّا أراد الرشيد أن يَرُدَّ البيت على ما بناه ابن الزبير، قال له
مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين لا تجعل هذا البيت ملعبةً للملوك
لا يشاء أحد إلَّا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس.
فترك ما همَّ به، واستحسن الناس هذا من مالك، وعملوا به، فصار
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للإمام النووي (٨٩/٩).
(٢) هكذا في النسختين نقلًا عن فتاوي أبي الطيب، وهو سبق قلم؛ لأن كتاب
((إعلام الساجد بأحكام المساجد)) للإمام الفقيه الشافعي: محمد بن بهادر
الزركشي، المتوفى سنة ٧٩٤هـ، وأما ابن العماد فكتابه («تسهيل المقاصد
لزوار المساجد»، والنص المذكور هو في «إعلام الساجد)» للزركشي،
وليس في ((تسهيل المقاصد)).
٣٥

كالإجماع))(١) - صريحٌ في عدم جواز زيادة السمك والطول والعرض،
فإذا قلنا لا يجوز، فتعاطى [ذلك] أحدٌ، فالذي يظهر عدم جواز
نقضه، قياسًا على ما أقرَّهُ العلماء من بنية الحجّاج، مع أن البنية
الأولى التي بناها ابن الزبير على الحق والصواب.
ولهذا قال القرطبي في ((المفهم)): ((ما فعله ابن الزبير
[في البيت](٢) كان صوابًا [وحقًّا](٣)، وقبَّح الله الحجّاج وعبد الملك
لقد جهلا سُنَّة رسول الله وٍَّ))(٤)، ((وقال عبد الملك حين بلغته
السُّنَّة: لو كنت سمعته قبل أن يُهدَم لتركته على بناء ابن الزبير)).
((وهو غير معذور [في ذلك](٥)، فإنَّه كان متمكنًا بالتثبت [في ذلك] (٦)
من السؤال [في البحث](٧)، ولم يفعل، واستعجل [وقصَّر](٨)،
(١) ((إعلام الساجد)) (ص٤٧): وزاد: ((واستحسن الناس هذا من مالك
وعملوا عليه، فصار هذا كالإجماع، على أنه لا يجوز التعرض له بهدم
أو تغيير، والله أعلم)).
وقال ابن العماد في ((تسهيل المقاصد)) (ص٤٢١): ((فإن الإجماع انعقد
على عدم جواز تغييرها))، وينظر منه: (ص٤١٩ - ٤٢٣).
(٢) زيادة من الأصل: ((المفهم)) (٤٣٨/٣).
(٣) زيادة من المصدر السابق نفسه.
(٤) زيادة من المصدر السابق نفسه.
(٥) زيادة من المصدر السابق (٤٣٩/٣).
(٦) زيادة من المصدر السابق نفسه.
(٧) زيادة من المصدر السابق نفسه.
(٨) زيادة من المصدر السابق نفسه.
٣٦

فالله حسيبه ومجازيه؛ لقد اجترأ على بيت الله تعالى وعلى أوليائه))(١).
هذا كلام القرطبي، وهو شاهد لعدم جواز هدم الزيادة، حيث
قال: ((كان [٣/ب] يتمكّنُ من التثبت بالسؤال))، ولم يقل كان متمكنًا
من هدم بناء الحجاج وأن يعيد بناء ابن الزبير.
فالحاصل: أنه لا يجوز الزيادة لا في السُّمك ولا في العرض
ولا في الطول؛ لأنه مخالف لِمَا أجمع عليه العلماء من أنها لا تغير (٢)؛
ولأن العلماء زمن عبد الملك لم ينقل عنهم أنهم أمروا عبد الملك بإعادة
بنية ابن الزبير، بل الذي أحفظه ومرَّ في بعض الكتب: أن الزهري حين
هَمَّ عبد الملك بنقض بنية الحجاج وبنائها على بنية ابن الزبير قال له
(١) ((المفهم)) للإمام القرطبي (٤٣٨/٣، ٤٣٩) مع تقديم وتأخير في الكلام.
(٢) قال ابن حجر الهيتمي - رحمه الله - في ((الفتاوى الكبرى الفقهية))
(١٣٧/١): (( ... فقول العلماء - أنها ((لا تغيَّر عن ذلك)) - ظاهر في حرمة
تغييرها، ومن ثم لما سأل الرشيد مالكًا رضي الله عنه في تغيير بناء
الحجاج، قال مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين لا تجعل هذا البيت ملعبة
للملوك لا يشاء أحدٌ إلَّا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس.
واستحسن الناس هذا من مالك وأثنوا عليه به، فصار كالإجماع على منع
تغيير بنائها. بل نقل عن الزهري أن عبد الملك أراد هدم بناء الحجاج
لمَّا بلغه وصح عنده أن ما فعله ابن الزبير هو الحق الموافق لِمَا صح
عن النبي وَلل أنه قال: ((لولا حدثان قريش بكفر لنقضت الكعبة وجعلتها على
قواعد إبراهيم))، فمنعه الزهري من ذلك نظير منع مالك للرشيد. ومن تعدَّى
وزاد في الطول أو العرض فالذي يظهر أنه إن تيسر هدم ما زاده من غير فتنة
ولا إخلال ببنائها الأول وجب، وإلَّا امتنع، وهذا هو السبب. والله أعلم
في امتناع العلماء من تغيير بناء الحجاج ... )).
٣٧

ابن شهاب الزهري - ((سألتك بالله لا تفعل، لئلا يتلاعب بها الملوك)) -،
نظير ما قاله الإمام مالك للرشيد، فهو من توارد الخواطر.
فدلَّ على أن العلماء - رضي الله عنهم - مُجمعون على عدم
الجواز، وأنه يجب تبقيتها على ما هي عليه الآن، ولو أنه زيد في سمكها
أو طولها أو عرضها - أعاذها الله من ذلك - فلا نقول للزيادة حكم
المزيد عليه، أعني في وجوب التوجه إليه؛ لأن أصحابنا ذكروا أن بعض
الحِجر من البيت وهو قدر ستة أذرع، وهي بنية سيدنا إبراهيم عليه
السَّلام، ومع ذلك لو استقبلها المصلي الآن لم تصح صلاته(١)، وإن
لم يخرج عن قواعد إبراهيم صلوات الله على نبيِّنا وعليه وسلّم))؛ وإنما
جعلناها من البيت بالنسبة إلى الطواف احتياطًا للعبادة.
(١) الحِجْر - بكسر الحاء وإسكان الجيم - وهو معروف. وفي حكم استقباله
في الصلاة خلاف بين العلماء.
قال ابن عابدين من الحنفية في ((الحاشية)) (٤٢٧/١): (( ... قوله:
استقبال القبلة، أي: الكعبة المشرّفة، وليس فيها الحجر - بالكسر -
والشاذروان؛ لأن ثبوتهما منها ظني، وهو لا يكتفى به في القبلة احتياطًا،
وإن صح الطواف فيه مع الحرمة)).
وقال ابن رشد من المالكية في ((البيان والتحصيل)) (٤٦٦/١):
((واختلف فيمن صلّى بمكة إلى الحجر، فقيل: لا تجزئه صلاته
لأنه لا يقطع أنه من البيت. وقيل: تجزئه صلاته؛ لتظاهر الأخبار
أنه من البيت وذلك في مقدار ستة أذرع منه؛ لأن ما زاد على ذلك
ليس من البيت وإنما زيد فيه لئلا يكون مركزًا فيؤذي الطائفين،
وبالله التوفيق)).
وقال الماوردي من الشافعية في ((الحاوي)) (٢/ ٧٠): ((فأما الحِجْر، =
٣٨

= استقباله في الصلاة لمن كان بمكة ففيه وجهان:
أحدهما: أن استقباله في الصلاة جائز كالبيت، لِمَا روي أن النبي بَّو قال
لعائشة رضي الله عنها: ((صلِّي في الحجر فإنَّه من البيت)). والوجه الثاني:
أن استقباله وحده في الصلاة غير جائز وهو الصحيح؛ لأن الحجر ليس
من البيت قطعًا وإحاطةً وإنما هو من تغلبة الظن، فلم يجز العدول
عن اليقين والنص لأجله)).
وقال البهوتي من الحنابلة في ((كشاف القناع)» (٢٨٠/١) ((والحجر - بكسر
الحاء - منها، أي: من الكعبة لخبر عائشة رضي الله عنها، وقدره ستة
أذرع وشيء، قال الشيخ تقي الدين: الحجر جميعه ليس من البيت، وإنما
الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء فمن استقبل ما زاد على ذلك
لم تصح صلاته البتة، اهـ.
وهذا بالنسبة لغير الطواف وإلّا فلا بد من خروجه عنه جميعه احتياطًا
ويأتي، فيصح التوجه إليه، أي: إلى ذلك القدر من الحجر؛ لأنه من البيت
أشبه سائره، وسواء كان المتوجه إليه مكيًّا أو غيره، وسواء كانت الصلاة
فرضًا أو نفلًا)). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في ((الاختيارات العلمية))
(ص٧٣): ((وقال ابن حامد وابن عقيل في ((الواضح))، وأبو المعالي:
لو صلّى إلى الحِجْر مَنْ فرضُهُ المعاينة لم تصح صلاته؛ لأنه في المشاهدة
والعيان ليس من الكعبة البيت الحرام، وإنما وردت الأحاديث بأنه كان من
البيت فعمل بتلك الأحاديث في وجوب الطواف دون الاكتفاء به للصلاة
احتياطًا للعبادتين. وقال القاضي في التعليق: يجوز التوجه إليه في الصلاة،
وتصح صلاته كما لو توجه إلى حائط الكعبة.
قال أبو العباس: وهذا قياس المذهب؛ لأنه من البيت بالسُّنَّة الثابتة
=
المستفيضة، وبعيان مَنْ شاهده من الخلق الكثير لمَّا نقضه ابن الزبير)).
٣٩

هذا ما ظهر لي، مع أنه لا يخلو من احتمال، صانها الله تعالى
من الأسواء، وزادها شرفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة، بحرمة(١) مولانا
وسيدنا محمد سيد المرسلين وخاتم النبيِّين صلوات الله وسلامه عليه
وعلى إخوانه من النبيِّين والملائكة المقربين، والله أعلم))، انتهى
جواب شيخنا رحمه الله تعالى.
* قلت: أمَّا إذا زيد في طولها حتَّى تُرى الزيادة من مسافة
القصر، فالذي يظهر وجوب إصابة ذلك لمن رآه، لأنه يفيد العلم
بالكعبة .
* ففي فتاوى العلّامة فخر الدِّين أبي بكر الرداد ابن العلّامة
كمال الدِّين موسى بن زين العابدين الرداد الصديقي(٢) ما لفظه:
((هل تجوز الزيادة على بناء الكعبة أم لا؟ فإن قلتم نعم،
= وعن الحِجر ينظر: كتاب ((تاريخ الكعبة المعظمة)) للشيخ باسلامة رحمه الله
تعالی.
(١) هذا من أنواع التوسل الممنوع شرعًا؛ لأن التوسل عبادة، والعبادة
الأصل فيها التوقيف، وليس ثمة دليل صحيح في جواز هذا النوع من
التوسل. ينظر: ((قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)) لشيخ الإسلام
ابن تيمية، و((فصل المقال)) للشيخ العلامة أبي بكر خوقير. و((القول
الجلي)) للشيخ محمد القشيري صاحب ((السنن والمبتدعات)). و((التوصل
إلى حقيقة التوسل)) للشيخ محمد نسيب الرفاعي.
(٢) قال العيدروس في ((النور السافر)) في ترجمة والده العلامة الفقيه الشيخ
موسى البكري (ص١٦٧): ((وله أيضًا فتاوى جمعها ولده المذكور
- فخر الدِّين ــ ورتبها ترتيبًا حسنًا وزاد عليها بزيادات لا غنى عنها)).
٤٠