النص المفهرس

صفحات 1-20

لِقَاءُ العَشْرِ الأوَاخِرِ
بالمسَجِدِ الْحَرَامِ
(٢٠٨)
فَضْلُ الصَّلاَءِ بَعَلّ ◌َ سُ اللَّهِ
تَأليف
الإمام الأغويّ أحمد بن فارس
المتوفى سنة (٣٩٥هـ)
تَقِيقُ وَتَعْلِيقُ
مُحمَّدِ بْ نَاصِيرِ العَميّ
أَنْهم بَطَبْعِهِ بَعْضُ أَهْل الْجَّة الحرمين الشريفين وُّهم
دَارُ الَِّ الإِسْلامِيَّة

أَجْعَ الُهُ المحفوظة
الطّبْعَة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤م
لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزءٍ منه بأيّ شكل من الأشكال،
أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكِّن من
استرجاع الكتاب أو أي جزءٍ منه، دون الحصول على إذن خطي مسبقاً.
شَرِ كَهُدَارِ الَائِ الإِسْلاَمِيَّ
لِلْطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوْزِيْعِ ش.م.م.
أسَّهَا الشَّيخ رمزيْ دِيشِقيّة رَحِمُ اللَّه تعالى
سنة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣م
بيروت - لبنان - ص.ب: ١٤/٥٩٥٥
هاتف: ٠.٩٦١١/٧٠٢٨٥٧ فاكس: ٧٠٤٩٦٣ / ٠٠٩٦١١
email: info@dar-albashaer.com
website: www. dar-albashaer.com
ISBN 978-614-437-099-5
9 786144 370995"

قيد السماع على مسند مكة
الشيخ عبد الوكيل الهاشمي
ں
الحمد لله والصلاة والسَّلام الأتمَّان الأكملان على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه وسلّم.
أما بعد :
فقد بلغ قراءة على شيخنا مسند مكة الشيخ عبد الوكيل بن
عبد الحق الهاشمي جزء ((فضل الصلاة على رسول الله وَ ي)) لأبي
الحسين أحمد بن فارس اللغوي، وذلك بقراءة أخي الشيخ عبد الله بن
أحمد التوم في المسجد الحرام تجاه الركن الشامي في الصحن الطاهر
ليلة الحادي والعشرين من رمضان المبارك سنة (١٤٣٤ هـ)، وأصل
مصورة المخطوط بيدي، والحمد لله على التمام وقد أجاز شيخنا
الجليل بذلك وبغيره إجازة عامة.
الفقير إلى بلد تقال
◌َبْن ◌َظَ لَمْي
صجيج ذلك والزعبن الجزء وبعده اجاره حامد
وقرى على في الخامس والدين عن الحق الكبرى
1
١٤٣٤
٩/٢١رمضان المبارك
٣

الحمد لله القائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ اللّهمّ صلِّ وسلِّم على نبينا محمد
وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد
مجید .
أما بعد :
فإن الصلاة على النبي الشفيع وَ لو ((جلاء الأفهام)) (١)، وهي من
جميل ((القول البديع))(٢)، و((صِلات وبشر))(٣) بخيري الدُّنيا والآخرة،
و((قربة إلى ربِّ العالمين))(٤).
(١) اقتباس من عنوان كتاب ابن القيم الجوزية: ((جلاء الأفهام في فضل
الصلاة والسلام على خير الأنام وَات)).
(٢) اقتباس من عنوان كتاب السخاوي: ((القول البديع في الصلاة على الحبيب
الشفیع) ڭ.
(٣) اقتباس من عنوان كتاب الفيروزآبادي: ((الصِّلاتُ والبشر في الصلاة على
خير البشر» النار.
(٤) مقتبس من كتاب: ((القُربَة إلى ربِّ العالمين بالصلاة على محمَّدٍ
سيِّد المرسلين» وَّو لابن بشكوال.

وقد وردت الأحاديث المتكاثرة في ((فضل التسليم على النبي
الكريم))، وحصر ((الآثار المختصة بفضل الصلاة على النبي
المختار)) وَّ مما يطول ذكره فإنَّ الصلاة والسَّلام عليه ((دفع للنقمة))(١)
ومجلبة للرحمة وَل تسليمًا كثيرًا .
وهذا ((جزء شريف في فضل الصَّلاة والسَّلام على سيِّد الأوَّلين
والآخرين صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم)) للإمام اللّغوي
الأديب أحمد بن فارس، أورد فيه عددًا من الأحاديث النبويّة المرفوعة
في هذا الباب، وختمه بأثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
في الصلاة والسَّلام على سيِّد الأنام، ومسك الختام الذي اختصَّهُ الله
بالشفاعة يوم الشدة والزِّحام.
والصلاة عليه و سل﴿ كفاية لأمر الدُّنيا والآخرة لمن جعل صلاته
كلها صلاة عليه .
وصاحبها: أولى النَّاس به.
وصاحبها: تُرفع له الدرجات، وتكتب له الحسنات، وتُمحى عنه
السيئات.
وصاحبها: تُرجى إجابة دعوته إذا قدَّمها مع الحمد لله تعالى.
وصاحبها: تُبلِّغ الملائكة الكرام النبيَّ ◌َّر بسلامه هذا.
(١) ما بين قوسين مقتبس من عناوين كتب في الصلاة على النبي ◌َّ ذكرها مع
أسماء مصنّفيها السخاوي في ((القول البديع)) (ص ٤٧٧).
٦

وصاحبها: منفيٌّ عنه اسم البخل إذا صَلَّى عليه عند ذكره
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
وصاحبها: ناج من نتن المجلس الذي لا يذكر الله فيه
ورسوله ێ﴾ . ١
والصلاة عليه حياة للقلب، فإنَّه كلَّما كثُرت الصلاة عليه،
استولت على القلب محبَّته:
رُوْحُ المجالِسِ ذِكْرُهُ وحَدِيْثُهُ وَهدِى لِكُلِّ مُلَذَّدٍ حَيْرَانِ
فَأُولَئِكَ الأَمْواتُ في الحَيَّانِ(١)
وإذا أُخِلَّ بِذِكْرِهِ فِي مَجْلِسٍ
اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا
کثیرًا کثیرًا .
00
(١) ((جلاء الأفهام)) (ص٥٣٢).
٧

النسخة المعتمدة في إخراج هذا الجزء
وإثبات نسبته لمؤلفه
اعتمدت في إخراج هذا الجزء على نسخة من مكتبة العلّامة
الشيخ محمد عبد الحي الكتاني المودعة في الخزانة الملكية الحسنية
بالمغرب، وقد حصلت عليها بواسطة الشيخين نظام محمد صالح
يعقوبي وخالد بن محمد المختار السباعي جزاهما الله الحسنى
وزيادة .
وتقع ضمن مجموع، وهي في (٧) ورقات، ويتراوح عدد
الأسطر فيها بين (١٧) و(١٩) سطرًا. وهي بخط نسخي معتاد، وقد
كُتبت بعض كلماتها بالمداد الأحمر، وناسخها هو: أحمد بن
القسطلاني(١)، وكان ذلك في ربيع الأول سنة (٩٢٠هـ).
وهي نسخة ندر الخطأ فيها، فهي بخط إمام وحافظ مُقرىء.
وقد خَرَّجتُ ما فيها من حديثٍ، وأثرٍ، وشِعرٍ إلَّا ما ندر.
(١) هو العلّامة المشهور أحمد بن محمد القسطلاني المصري صاحب ((شرح
صحيح البخاري)) المعروف بـ«إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري))،
المتوفى سنة (٩٢٣هـ). انظر لترجمته المشرقة: ((الضوء اللامع)) للسخاوي
(١٠٣/٢).
٨

وأما صِحَّة نسبة هذا الجزء إلى مؤلفه ابن فارس، فإنَّه يرويه عنه:
علي بن القاسم بن إبراهيم الخياط.
رواية هادي بن إسماعيل بن الحُسيني عنه.
رواية عبد الحق بن عبد الخالق اليوسفي عنه.
رواية الحافظ الشهير عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي عنه.
هذا وقد روى حديثًا من هذا الجزء الحافظ الذّهبي عن شيخه
البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي، أخبرنا عبد الحق اليوسفي
بالسند السابق إلى ابن فارس، حيث أورد حديث ابن مسعود مرفوعًا :
((إن لله ملائكة في الأرض سياحين ... )).
روى ذلك الحافظ الذَّهبي في كتابه («تاريخ الإسلام» (٧٤٧/٨)
و((سير أعلام النبلاء)) (١٧/ ١٠٥، ١٠٦).
وذكر هذا الجزء الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (٢٣٠/٦).
وروى هذا الجزء بالسند السابق إلى ابن الخياط: الحافظ
ابن حجر في ((المجمع المؤسس)) (١١٦/١)، وفي ((المعجم
المفهرس)) (ص ١٠٥)، وقال تلميذه الحافظ السخاوي في ((القول
البديع)) (ص ٤٨١) بعد أن ساق ما صُنِّفَ في الصلاة على النبي ◌َّ:
((ثُمَّ وقفت على كتاب ابن فارس، وهو في أربعة أوراق، أكثرها في
إيراد حديث علي الطويل))، وكذا ذكره في (ص٤٧٨).
٩

ونَسخ العلّامة القسطلاني وكتابته عنوان الكتاب واسم المؤلف
والرواة من أدلة توثيقه، فإنَّه من الأئمة الأثبات.
وكذا ذكره بسنده صاحب ((صلة الخلف)) الروداني في كتابه
المذكور (ص٢١٣).
وحاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١٢٧٩/٢).
رواية هذا الجزء والاتصال به
أخبرني به شيخنا مسند مكة الشيخ عبد الوكيل بن عبد الحق
الهاشمي في المسجد الحرام في ٢١ رمضان (١٤٣٤هـ)، عن والده،
عن محمد حسين البتالوي.
وأخبرني بقراءة عليه الشيخ الحكيم عبد الرحمن بن محمد شفيع
الليثي في منزلي في محروسة الجهراء من الكويت حماها الله،
إلّا الشرح اللغوي من آخر الجزء، وذلك في ٢٤ ذي الحجة
(١٤٣٤ هـ)، عن نذير أحمد الرحماني الأملوي، عن أحمد الله
القرشي .
قال القرشي والبتالوي: أنبأنا به نذير حسين.
وأخبرني به عاليًا بقراءتي عليه: درَّةُ الهند محمد إسرائيل الندوي
في منزلي بمحروسة الجهراء في الثامن من محرم (١٤٣٥هـ)،
عن عبد الحكيم الجيوري، عن نذير حسين، عن الشاه محمد إسحاق
الدِّهلوي، عن جدِّه لأمه الشاه عبد العزيز الدِّهلوي، عن ولده ولي الله
أحمد الدِّهلوي، عن التاج محمد القلعي، عن محمد بن العلاء
١٠

البابلي، عن الشمس محمد بن أحمد الرملي، عن زكريا الأنصاري،
عن الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني: قرأته على الشيخ أبي إسحاق
التنوخي، بسماعه له على أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار،
عن عبد اللطيف بن محمد التَّعاويذي (ح).
وبسماع شيخنا التنوخي من الحافظ أبي الحجاج المِزِّي، أخبرنا
عبد الرحمن بن يوسف البعلي، أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم
المقدسي، أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف، أخبرنا
هادي بن إسماعيل الحسيني، أخبرنا علي بن القاسم الخياط، أخبرنا
أبو الحسين أحمد بن فارس.
رب اغفر لي وارحمني - ومن قرأ هذه السطور - برحمتك إنك
أنت أرحم الراحمين.
اللَّهُمَّ اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين
صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا .
١١

ترجمة ابن فارس
* هذه ترجمة مختصرة من ((إنباه الرواة على أنباه النحاة))(١)
للقفطي حيث يقول :
((أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين، من أعيان أهل العلم،
وأفراد الدهر بالعراق، يجمع إتقان العلماء وظرف الكتاب والشعراء،
وله كتب بديعة، ورسائل مفيدة، وأشعار جيِّدة، وتلامذة كثيرة، منهم
بديع الزمان الهمذانيّ.
ولا بن فارس شعر جمیل، ونثر نبیل.
* وذكره أبو الحسن الباخَرْزِيّ، وسَجَع له فقال: ((أبو الحسين بن
فارس: إذا ذُكرت اللغة فهو صاحب مُجْمَلِها، لا؛ بل صاحبها
المُجمِل لها، وعندي أن تصنيفَه ذلك من أحسن ما صُنِّف في معناها،
وأن مصنّفها إلى أقصى غاية من الإحسان تناهى)).
* ورأيت ترجمةً لأحمد بن فارس في بعض تصانيف
المتأخرين، وقد لقِفها من أماكن متعددة، فنقلتها على صورتها وهي:
أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب أبو الحسين الرازيّ
- وقيل: القَزوينيّ الزهراويّ الأشتاجرديّ -.
(١) (١٢٧/١ - ١٣٠).
١٢

واختلفوا في وطنه؛ فقيل: كان من قَزْوين. ولا يصح ذلك؛
وإنما قالوه لأنه كان يتكلم بكلام القَزاوِنة. وقيل: كان من رُسْتاق
الزهراء، من القرية المدعوَّة كرسف جیاناتاذ.
كان واسع الأدب، متبخّرًا في اللغة العربية، فقيهًا شافعيًّا، وكان
يُناظر في الفقه، وكان يَنْصُر مذهبَ مالك بن أنس. وطريقتُه في النحو
طريقةُ الكوفيين، وإذا وجد فقيهًا أو متكلِّمًا أو نحويًّا كان يأمر أصحابَه
بسؤالهم إياه، ويناظره في مسائلَ من جنس العلم الذي يتعاطاه، فإنَّ
وجده بارعًا جَدِلًا جرَّه في المجادلة إلى اللغة، فيغلبه بها، وكان يحث
الفقهاء دائمًا على معرفة اللغة ويلقي عليهم مسائل، ذكرها في كتاب
سمَّاه كتاب ((فتيا فقيه العرب))، ويُخجلهم بذلك؛ ليكون خجلهم داعيًا
إلى حفظ اللغة، ويقول: من قَصَّر علمه عن اللغة وغولط غَلِط.
قال أبو عبد الله الحُمَيْديّ: سمعت أبا القاسم سعد بن علي بن
محمد الزَّنْجانِيّ يقول: كان أبو الحسين أحمد بن فارس الرازيّ من
أئمة أهل اللغة في وقته محتجًّا به في جميع الجهات غير منازع، مُنجِبًا
في التعليم، ومن تلاميذه بديعُ الزمان الهَمَذَاني وغيرُه.
استوطن أبو الحسين الرَّيِّ بِأَخَرَةٍ، وكان سببُ ذلك أنه حُمل
إليها من هَمَذان، ليقرأ عليه مجدُ الدولة أبو طالب بن فخر الدولة،
فسكَنها واكتسب مالًا، وبلغ ذلك بتعليمه من النجابة مبلغًا مشهورًا .
وكان ابن فارس كريمَ النفس، جوادَ اليد، لا يكاد يردّ سائلًا
حتَّى يهبَ ثيابَه وفَرْشَ بيته، ومن رؤساء أهل السُّنَّة المجوِّدين على
مذهب أهل الحديث.
١٣

وتُوُفِّيَ بالرَّي في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، ودُفِن مقابل
مشهد القاضي علي بن عبد العزيز الجُرْجانيّ رحمهما الله تعالى.
وله مقطعات متعددة من الشعر، توجد في كتب من صنّف أخبار
الشعراء)).
* شعره(١):
أمّا شعر ابن فارس فهو على قلته ينم عن ظرفه ومسايرته لشعراء
عصره المجيدين، وتغلب على تلك الأمثلة القليلة التي وصلت إليها
من شعره روح التهكم والسخرية، وشكوى الزمان، فهو يضيق بالعيش
في همذان؛ فيدعو لها بالسقيا وهو متألم، فقد نَسِيَ بها ما كان
یحسنه، وقلّ ماله، وکثر دینه یقول:
سِوَى ذا، وفي الأَحْشَاءِ نارٌ تَضَرَّمُ
سَقَى هَمَذَانَ الغَيْثُ لَسْتُ بقائلٍ
أَفَدْتُ بها نسيانَ ما كنتُ أَعلَمُ
وما لِيَ لا أُصْفِي الدُّعاءَ لبلدةِ
نَسِيتُ الذي أحسنتُه غَيْرَ أَنني مَدِينٌ وما في جَوْفٍ بَيْتي دِرْهَمُ
وتمتد هذه السخرية إلى طبائع الناس في مجتمعه، وما جُبِلُوا
(١) هذا الفصل أخذته من كتاب ((ابن فارس اللغوي منهجه وأثره في الدراسات
اللغوية)» تأليف الأستاذ الدكتور أمين محمد فاخر من مطبوعات جامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وجميع الشعر المذكور موجود
في المصادر المترجمة لابن فارس مثل ((معجم الأدباء)) و((يتيمية الدهر))
للثعالبي، وغيرهما، وإنما أعجبني حسن عرضه لها مع التنويه بهذا الكتاب
المختص بابن فارس، وقد ضبطت تلك الأبيات، فإنَّها لم تكن كذلك فيه.
١٤

عليه من تعظيم الغنيّ لغناه، واستئثارهم للمال وخضوعهم له،
فيقول :
وأَن حَظّي منها فَلْسُ أفلاسِ
يا لَيْتَ لي أَلْفَ دینارٍ مُوجَّهَةً
لها ومِنْ أَجْلها الحَمْقى مِنَ النَّاسِ
قالوا فَمَا لَكَ منها؟ قُلْتُ تخذُمُني
ويقول :
إذا كُنْتَ في حاجَةٍ مُرْسلًا وأَنْتَ بها كَلِفٌ مُغْرَمُ
فَأَرْسِلْ حَكيمًا ولا تُوصِهِ وذاكَ الحَكيمُ هو الدِّرْهَمُ
وقد أخذ الشطران الأولان من بيت عبد الله بن معاوية بن جعفر:
إذا كنت في حاجة مرسلا فأرسل حكيمًا ولا تُوصِه
ثم هو يؤكد هذه الفكرة فيلوم - بتهكم وسخرية - أولئك الذين
يزهدون في الدينار والدرهم، ويطلبون المجد في العلم والعقل،
ويصور حظوظ العلماء والأدباء، فيقول:
وصاحِبٍ لي أَتَاني يَستشيرُ وَقَدْ أرادَ في جَنَبَاتِ الأَرْضِ مُضْطَرَبَا
مِنْهُ الموارِدَ إلَّ العِلْمَ والأَدبَا
قُلْتُ اطْلُبَن أي شيءٍ شِئْتَ واسْعَ وَرِدْ
ويقول أيضًا :
قَدْ قالَ فيما مضى حَكيمٌ ما المَرْءُ إِلَّا بأصْغَرَيْهِ
ما المَرْء إلَّا بِدِرْهَمِيْهِ
فَقُلْتُ قَوْلَ امریءٍ لَبیپ
لَمْ تلْتَفِتْ عِرْسُهُ إليهِ
مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعْهُ دِرْهَماهُ
وكان مِنْ ذُلِّهِ حَقيرًا تَبُولُ سِتَّوْرُهُ عَلَيْهِ
١٥

ثم هو يشكو الغربة والوحدة، فيصوِّر في شعره أنه كان
يختار لنفسه هرة تلازمه وتُذهِب عنه الهموم والأحزان،
كما كان الكتاب والمصباح أنيسيه يُعينانه على التغلب على هذه
الهموم :
وقالوا كَيْفَ حالُكَ؟ قلُتُ خَيْرٌ تُقَضَّى حاجَةٌ وتَفُوتُ حَاجٌ
عَسَى يَوْمًا يَكونُ لها انفراجُ
إذا أَزْدَحَمَتْ هُمُومُ القَلب قُلْنا
دَفَاتِرُ لي وَمَعْشُوقي السِّراجُ
نَدِيمي هِرَّتِي وأَنيسُ نَفْسِي
ولكنه بعد ذلك يحث على الرضا بالقضاء، وترك الأمور لمن
يملكها، فهو وحده الجاري قضاؤه النافذ حكمه:
تَلَبَّسْ لِباسَ الرِّضا بالقَضَا وخَلِّ الأمُورَ لمن يَمْلِكُ
تُقَدِّرُ أَنْتَ وجاري القَضَاءِمِمَّا تُقَدِّرَهُ يَضْحَكُ
ويقول :
مَشينَاها خُطَى كُتِبَت علينا ومَنْ كُتِبت عليه خُطَى مشاها
وما غلظت رِقاب الأَسْد حَتَّى بأنفسِها تولت ما عَنَاها
وبهذه الروح المؤمنة يتوجه إلى الله بدعاء من الأعماق؛ فيقول
قبل وفاته بیومین:
عِلْمًا وبي وبإعْلاني وإِسْرارِي
يَا رَبِّ إِنَّ ذُنُوبِي قَدْ أَحَطْتَّ بِهَا
فَهَبْ ذُنُوبي لتوحيدِي وإِقْراري
أَنَا المُوَحِّدُ لكِنِّي المُقِرُّبِھَا
على أن النماذج القليلة التي وصلت إلينا من شعر ابن فارس
لم تخلُ من الغزل، ولكنه على أي حال نادر في شعره، فهو يقول:
١٦

كلُّ يوم لي من سَلمى عِتابُ وسِبابُ
وبأَدْنى ما أُلاقي منهما يُودي الشبابُ
ثم هو يصوِّر ضعف حجج النحاة، فيشبهها بفتور الجفون في
ضعفها، فيقول:
مَرَّتْ بِنا هَيْفَاءُ مَقْدُودَةٌ تُرْكِيَّةٌ تُنْمَى لتركي
كأَنَّه حُجَّةُ نَحْوِيٌّ
تَرْنُو بِطَرْفٍ فاتِنٍ فَاتِرٍ
ويقول :
قالوا ليَ اخْترْ فقلتُ ذا هيفٍ بي عن وصالٍ وصدّه برحُ
بدرٌ مليحُ القَوامِ مُعتدلٌ قفاهُ وجهٌ ووجهه ربحُ
ويستعمل ابن فارس التهكم في أمور أخرى، فيعجب من أولئك
الذين يمنعهم حرُّ الصيف، وبرد الشتاء، ولهو الربيع، وكرب الخريف
عن طلب العلم، فيقول:
إذا كانَ يُؤْذِيكَ حَرُّ المَصِيفِ ويُبْسُ الخَرِيفِ وَبَرْدُ الشِّتَا
فَأَخْذُكَ للعِلْمِ قُلْ لي متى؟
ويُلْهِيكَ حُسْنُ زَمَانِ الرَّبیعِ
وفي الحكم يقول حاثًّا على التغاضي عن هفوات الصديق:
عَتَبْتُ عليْهِ حِينَ سَاءَ صَنيعُهُ وَآَلَيْتُ لا أَمْسَيْتُ طَوْعَ يَدِيْهِ
وَلَمْ أَرَ خَيْرًا مِنْهُ عُدْتُ إليْهِ
فَلَمَّا خَبَرْتُ النَّاسَ خُبْرَ مُجَرِّبٍ
* وقال إمام الشافعية في بلاده عبد الكريم الرافعي القزويني
شارح ((مسند الإمام الشافعي)) وغيره:
أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب، أبو الحسين
النحوي، أحد أئمة الأدب المرجوع إليهم في بلاد الجبل، متقن
١٧

حاذق، صنّف ((جامع التأويل))، و((مجمل اللغة))، و((مقاييس اللغة))،
و((الصاحبي في فقه اللغة))، وفيهما دلالة ظاهرة على جودة تصرفه
وحسن نظره وتمام فقهه، وصنف من المختصرات ما لا يُحصى.
وُلد بقزوين، ونشأ بهمدان، وكان أكثر مقامه بالريّ، وله بقزوين
في الجامع صندوق فيها كتبٌ مِنْ وقفه، [وكان ذلك] سنة إحدى
وستين وثلاثمائة، وكان يناظر في الفقه وينصر مذهب مالك.
ثم ساق جملة من شيوخه.
وقال بعد ذلك: ((وكان له مجالس إملاء على رسم أهل الحديث
منه هذا المجلس ... ))(١)، وساق فيه حديثًا وذكر كلام ابن فارس
علیه، فانظره إن شئت.
* وذكره إمام الأدباء الثعالبي في ((يتيمية الدهر في محاسن أهل
العصر)) (٢)، فقال: ((كان من أعيان العلم، وأفراد الدهر، يجمع إتقان
العلماء، وظُرْف الكُتّاب والشعراء؛ له كتب بديعة، ورسائل مفيدة،
وأشعار مليحة)).
ثم ساق شيئًا من شعره ونثره.
* وحلاه الذهبي بقوله: ((الإمام العلّامة، اللغوي المُحدِّث ... ))(٣).
(١) ((التدوين في أخبار قزوين)) (٢١٥/٢).
(٢) (٤٦٣/٣).
(٣) ((سير أعلام النبلاء)) (١٠٣/١٧).
١٨

صورة الورقة الأولى من الأصل المعتمد في التحقيق.
١٩

صورة الورقة الأخيرة من الأصل المعتمد في التحقيق.
٢٠