النص المفهرس

صفحات 421-440

١٠٤٤ :٠٥
فقه البيوع
ولكن ذكر الزّيلعيّ رحمه الله تعالى أنّه لو هلك المغصوبُ فى يده، فضمنه المالك، كان له
أن يستعينَ بالغلّة فى أداء الضّمان، لأنّ الخبثَ كان لأجل المالك، فإذا أخذه المالكُ لا يظهر
الخبثُ فى حقّه. ولهذا لو سلّم إلى المالك المغصوبَ والغّةَ جميعاً حلّ له التّناول،
فيزول الخبثُ بالتّسليم، وتبرأ ذمَّتُه عن القيمة بقدره. (١)
والحاصلُ أنّه يجب على الغاصب أن يتصدّق بهذا الرّبح والغلّة على مذهب أبى حنيفة
ومحمّد رحمهما الله تعالى، وهو المختار. ويجوز له أيضاً أن يُسلّم الرّيح أو الغَّةَ إلى
المغصوب منه كما مرّ عن الزّيلعيّ. ومثلُه فى الفتاوى الهنديّة عن المحيط أنّ له الخيارَ
بين أن يتصدّق أويردّ الأجرة إلى المغصوب منه.(٢)
وليُتنبّه أنّ المذكورَ هُنا أنّ التّصدّق بالغلّة والرّبح واجبٌ عليه، وهذا بخلاف القسم
الثّانى، وهو ما أحدث فيه الغاصبُ صنعةً، ثمّ أدّى الضّمانَ إلى صاحبه، حيثُ ذكرنا
هناك أنّ التّصدّق به مستحبٌ، كما نقلنا هناك عن كتاب الآثار للإمام محمّد رحمه الله
تعالى فى حديث الشّاة المصليّة. ولعلّ الفرق أنّ سببَ الملك فى مسئلة الرّبح ليس
إلاّ الاستهلاكَ بالخلط. أمّا فى القسم الثّانى، فِلِعَمله وصنعته دخلٌ فى تملّكه، فثبوتُ
مِلْكه فيه أقوى، والخبثُ فيه أقلُّ بعد أداء الضّمان، فالتّصدَّقُ به لايجب عليه، ولكن
يُستحبّ. ولأنّ فى صورة التّصدَّق بالرّبح يُمكن الفصلُ بين الرّبح وأصلِ المغصوب،
فيبقى له أصلُ المغصوب طيّباً مقابلَ الضّمان الّذى أدّاه، ويتصدَقُ بالرّبح فقط. أمّا فى
القسم الثّانى الذى أحدث فيه الغاصب صنعةً، لا يُمكن الفصلُ بين أصل المغصوب
(١) تبيين الحقائق للزيلعي، کتاب الغصب ٢٢٥:٥
(٢) نصّه: "كالغاصب إذا آجر وقبض الأجريتصدّق أو يردّه إلى المغصوب منه." (الفتاوى الهندية،
الباب التّاسع من الحظر والإباحة ٥: ٣٧٠)

المبحث العاشر
وبين ما زاد فيه بصنعته. فلو تصدّق به، فإنّه يتصدّق بالكلّ، كما فى الشّاة المصليّة.
فلو حكمنا بوجوب هذا التّصدّق، لزم أن لا يبقى عنده شيئٌ مقابلَ الضّمان الّذى أدّاه.
ولذلك لا يجب التّصدّق به، وإنّما يُستحبّ. هذا ما ظهر لى من الفرق بين القسمين،
والله سبحانه وتعالى أعلم.
٥٠٥- صَرف الرّبح فى حاجة نفسه
وذكر صاحب "الاختيار فى شرح المختار" أنّه وإن وجب التّصدّقُ بالفضل، ولكن
إن احتاج إلیه، بأن لم یکن فى ملكه ما يسد به حاجة نفقته ونفقة عياله، فصَرَفه فى
حاجته بنيّة أنّه يتصدّق بمثله فيما بعدُ، جاز له ذلك. قال رحمه الله تعالى بعد بيان
مذهب أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى فى وجوب التّصدّق بالفضل:
"ولهما أنّه حصل بسببٍ خبيث، وهو التّصرّف فى مِلك الغير، والفرعُ
يحصل على صفة الأصل، والملك الخبيثُ سبيلُه التّصدّقُ به، ولو صَرَفه فى
حاجة نفسه جاز، ثمّ إن كان غنيّاً، تصدّقَ بمثله، وإن كان فقيراً لا يتصدّق."(١)
ولكنّه مقيّدٌ بما إذا لم يكن عنده مالٌ آخرُ لدفع حاجته. قال صاحب الهداية:
"إلّإذا كان لا يجد غيره، لأنّه محتاجٌ إليه، وله أن يصرِفَه إلى حاجة نفسه،
فلو أصاب مالاً، تصدّق بمثله إن كان غنيّاً وقتَ الاستعمال. وإن كان فقيراً
فلاشیئ علیه." (٢)
(١) الاختيار شرح المختار، ٣: ٦١ أوائل كتاب الغصب تحت قول الماتن: "تصدّقا بالفضل"
(٢) الهداية مع فتح القدير، كتاب الغصب ٢٥٧:٨

فقه البيوع
وعلّله السّرخسيّ رحمه الله تعالى بقوله:
"وحاجتُه تُقدّم على حقّ الفقراء ... وإنّما قلنا ذلك لأنّ حقَّ الفقراء فى هذا
المال بمنزلة حقّهم فى الْلُقَطة على معنى أنّ له أن يتصدّق، وله أن يُرُدّها
على المالك إن شاء.(١) ثمّ المُلتقِطُ إذا كان محتاجاً، فله أن يصرف اللّقطةَ
إلى حاجة نفسه، بخلاف ما إذا كان غنيّاً، فكذلك حكمُ هذه الغّة."(٢)
ثمّ إنّ مذهب الحنفيّة فى اللّقطة أنّ الملتقِط إن كان غنيّاً، فإنّه لا يحلّ له الانتفاعُ به
لنفسه، ولكن يجوز له أن ينتفع به على سبيل القرْض بإذن الإمام.(٣) فإن أذن له الإمامُ
جاز له الانتفاعُ به، ويصير قرضاً فى ذمّته، يردُّه إلى الفقراء. فكذلك حكمُ الغلّة
والرّبح، إن كان غاصبُ أصله فقيراً، جازله الانتفاع عند الحاجة بلا إذن الإمام،
لاعلى سبيل القرض، وإن كان غنيّاً، يجوزله اقتراضُه بإذن الإمام.
(١) معناه أنّه إن لم يجد المالك بعد التعريف، فإنّه بالخيار إمّا أن يتصدّق بها، وإن شاء أمسكها ليردّها
إلی مالکها متی وجد، وليس معناه أنّه بالخيار عند وجدان المالك.
(٢) المبسوط للسّرخسيّ، كتاب الغصب ٧٧:١١
(٣) ردّالمحتار، كتاب اللقطة ١٣: ١٩٤ و١٩٥ فقره ٢٠٧٤٢ عن النّهر. وليُتنبه أنّ صاحب الهداية لم
يذكر فى الانتفاع بإذن الإمام أنّه يكون قرضاً على الملتقط الغنيّ، لأنّ ذلك مبنيّ على حكم الإمام
فى فصل مجتهد فيه، فإنّه ينفذ، كما ذكره صاحب العناية، فإن قضى الإمام بمذهب الشّافعيّ جاز
الانتفاع للغنيّ دون أن يكون ذلك قرضاً، (وإن كان ذكر ذلك فى الجواب عن قصّة أبيّبن كعب
رضى الله تعالى عنه فيه نظر قويّ، كما أشار إليه جلبى رحمه الله تعالى فى حاشيته على العناية ٥:
٣٥٩) أمّا إذا لم يقض بمذهب الشّافعيّ رحمه الله تعالى، فإنما يأذن بصفته وليّاً للفقراء، فلا يكون
إلاّ إذناً بالاقتراض. وبما أنّ صاحب الهداية نفسه لم يُعلّل جواز إذن الإمام بكونه مجتهداً فيه،
فإمّا أن يكون جائزاً عنده أن يأذن الإمام للغنيّ بالانتفاع بولايته العامّة، أو المراد من الإذن إذن
الانتفاع بطريق الإقراض، كما فى غيره من الكتب. والله سبحانه أعلم.

0
المبحث العاشر
والرّجوُ فى هذا الأمر إلى إمام عادلٍ شبهُ المتعذّر فى زماننا، وذلك إمّا لعدم إمام
يحكُم بالشّريعة، أو لتعذّر رفع مثل هذه القضايا إليه. وحينئذٍ، يظهر لى- والله
سبحانه وتعالى أعلم- أنّه يسوعُ للمفتى بعد النّظر فى أحوال المستفتى أن يُفتيَه
بصَرْف ذلك المال فى حاجة نفسه بطريق الاقتراض، والإلزام على نفسه أن يتصدّق
بمثله، ولو فى أقساط، متى وجد لذلك سعة، وبأن يلتمس كسباً حلالاً فى أقرب
وقت، وذلك للعمل بأهون البليّتين. وقد ذكر الفقهاء فى عدة مسائل أنّه إن لم يوجد
قاضٍ عادل، يجوز رفعُ الأمر إلى جماعةٍ من المسلمين المؤتمنين، وذلك فى مثل
فسخ نكاح المفقود والعنّين والمتعنّت، فإنّه يُشترط له فى الأصل أن يقع الفسخُ من
القاضى، ولكن ذكر المالكيّةُ أنّه يقومُ مقامه جماعةٌ من المسلمين.(١) وقد أخذ به
الفقهاء المتأخرون من الحنفيّة أيضاً.(٢) بل صرّح الدّسوقيّ رحمه الله تعالى بأنّ
هذا الحكم عامٌ فى جميع الأمور. قال رحمه الله تعالى:
"إعلم أنّ جماعة المسلمين العدول يقومون مقام الحاكم فى ذلك وفى كلّ
أمر يتعذّر الوصولُ فيه إلى الحاكم أو لكونه غيرَ عدل. "(٣)
وكذلك الحنفيّة لم يجوّزوا فى الأصل استبدالَ الوقف المعطّل إلاّ بإذن القاضى،
ولكن لمّا رأوا عُدوانَ القُضاة أقاموا متولّيَ الوقف مقامه. وذكر ابنُ عابدين عن
الرّمليّ رحمهما الله تعالى اتفاقَ المشايخ المتأخرين على أنّ الأفضل لأهل المسجد
(١) وقدذكرت نصوصهم فى بحثى بعنوان "فسخ نكاح المسلمات" (بحوث فى قضايا فقهيّة
معاصرة ١٧٦:٢ إلى ١٧٩)
(٢) راجع له كتاب "الحيلة النّاجزة للحليلة العاجزة " للإمام أشرف عليّ التّهانويّ رحمه الله تعالى
(٣) حاشية الدّسوقيّ على شرح مختصر خليل، باب النّفقة ٢: ٥١٩

فقه البيوع
أن ينصبوا متولّياً، ولا يُعلِموا القاضيَ فى زماننا، لما عُلم من طمع القُضاة فى أمور
الأوقاف. صرّح به فى التّتار خانيّة وغيرها فى كثير من كتب المذهب."(١)
فالظّهر من أحوال زماننا أن يوكلَ هذا الأمرُ إلى المفتى المتورّع، والله سبحانه
وتعالى أعلم. وهذا كُلّه للنّجاة من الحرام فى المستقبل. أمّا إثم ارتكابه الحرامَ فى
الماضى، فلا بدّله من توبة.
وكثيراً ما يقع فى زماننا أنّ ما كَسبَه المرأُ مدى سنين طويلةٍ كلُّه حرامٌ عن طريق الرّبا أو
الرّشوة وغيرها من التّعاملات المحظورة، ولا سبيل إلى ردّ تلك الأموال إلى أصحابها،
فوجب عليه التّصدّق بها، ثمّ يوفّقه الله سبحانه وتعالى أن يتوبَ عن الكسب الحرام،
ولكن ليس عنده مالٌ سواه ليسُدّ به حاجته وحاجةَ عياله. فيحتمل أن يُعتبَرَ ذلك المرأ
فقيراً من حيثُ إنّه لا يملك من المال الحلال شيئاً، وما فى يده ليس مملوكاً له شرعاً،
فتجرى عليه أحكام الفقراء فى هذه المسئلة،(٢) فيجوز له أن يصرفَ ذلك المالَ فى
حاجة نفسه إلى أن يملك نصابَ الزّكوة من مالٍ حلال. ومقتضى ذلك أن ما يصرفه
قبل أن يملكَ النّصابَ من المال الحلال لا يجب عليه التّصدق به بعد ما صار غنيًا،
ولكن يُستحبّ له ذلك، لأنّ الحكم بفقره إنّما جاء من قِبَل وقوعه فى معصية كسب
(١) منحة الخالق على البحر الرائق، کتاب الوقف ٣٤٥:٥
(٢) ذكر صاحب الهداية فيما إذا أخذ سلطانٌ جائر الزّكوة وعُرف منه أنّه لا يصرفها فى مصارفها الشّرعيّة،
أنّ الأحوط أن يُعيد أداء الزكوة إلى الفقراء، ولكن هناك قولٌ أنّه إذا نوى بالدفع التّصدَق عليهم سقط
عنه، وكذا الدّفعُ إلى كلّ جائر، لأنّهم بما عليهم من التّبعات فقراء. " وذكرابن الهمام رحمه الله تعالى
عن المبسوط أنّ الزّكوةَ تسقط بالأداء إليهم لهذا السبب. (فتح القدير، كتاب الزكوة ٢: ١٥٠ و ١٥١

المبحث العاشر
الحرام، فينبغى أن يحتاط فى الأمر، كما يُستحسن له أن يودعَ هذا الكسب الحرام عند
عالم مأمون، ويأخذَ منه بقدر حاجته، لئلا يتعدّى فى صَرفه مواضعَ الحاجة الحقيقيّة.
فإذا مَلكَ النّصاب وصار غنيّاً شرعاً، ولا يكفى النّصابُ لحاجته وحاجة عياله، فحينئذٍ
يجوز له الاقتراضُ ممّا عنده من المال المكتسَب بطريق الحرام بشرط أن يلتزم أداءً
مثله إلى الفقراء.
ثمّ إنّ هذا الحكمَ من حلّ الانتفاع للفقير لحاجته، وجواز اقتراضه للغنيّ بإذن الإمام،
مختصٌ بالملك الخبيث الذى وجب التّصدّقُ به. أمّا المغصوبُ الذی وجب ردُّه أو
ردُّ بدله إلى المالك الأصليّ، فلا يجوزُ له أن يصرفَه فى حاجة نفسه قبل أداء بدله،
ولو كان بنيّة أداء بدله إلى المالك فيما بعد. والفرقُ بينهما أنّ ما وجب التّصدّقُ به
لا يتعلّق به مطالبةُ أحدٍ بعينه، وإنّما يتعلّق به حقُّ الفقراء دون تعيين، وهذا بخلاف
الملك الخبيث الذى وجب ردُّ بدله إلى مالكه الأصليّ، فإنّ له مُطالِباً معيناً، فلا يجوز
التّأخيرُ فى أداء حقّه إلّ برضاه، وإن كان الغاصبُ فقيراً.
ولكنّ الظاهر أنّه إن لم يُعرف المالكُ الأصليّ، وانتقلت الفريضةُ من ردّالعين إلى
التّصدَّق على الفقراء، فيكون حكمه حكمَ الغّة والرّبح، حيثُ يجوز الانتفاعُ به للفقير
عند الحاجة، ولا يجوز للغنيّ إلاّ بطريق الاقتراض بإذن الإمام وأداءِ مثله إلى الفقواء.
وبالتّالى: فإنّ جوازَ صَرف الفقير فى حاجة نفسه يتفرّع عليه أنّه إن باعَه أو وهبه إلى
آخر، جاز للمشترى والموهوب له الأخذُ منه، وحلّ له الانتفاعُ به. وكذلك لو اقترضه
الغنيُّ بإذن الإمام، أو بفتوى مُفتٍ كما قدّمنا، جاز لمن يتعامل معه ببيع أوشراءٍ أو هبةٍ
أن ينتفعَ به بلاكراهة. أمّا إذا لم يأذن له الإمام بذلك، فينبغى أن لا يجوزَ قبولُ الهبة

فقه البيوع
منه. أمّا البيع أو الشّراء، فيتأتّى فيه التّفصيلُ الّذى ذكرناه فى القسم الأول من المال
الحرام، والله سبحانه أعلم
٥٠٦- القسم الخامس: المال المقبوض ببيع فاسد
والقسم الخامس من المال الخبيث ما قبضه المتبايعان فى بيع فاسد. وإنّ هذا القسم مقتصرٌ
على قول الحنفيّة الّذين يُفرَقون بين البيع الباطل والفاسد. أمّا غيرُهم من الأئمّة، فلا يُفرّقون
بينهما، فلاداعي عندهم لاستقلاله بالذكر فى هذا السّياق.
أمّا عند الحنفيّة، فهو قسمٌ مستقلٌّ، لأنّ المشتريَ فى البيع الفاسد يملك المبيعَ عندهم
بالقبض ملكاً خبيثاً، وينفذ فيه تصرّفاتُه، ويثبت له أحكام الملك، بأنّه لو باعه كان
الثّمنُ له. وإنّما نفّذ الحنفيّةُ هذه التّصرفات مع كونها غيرَ جائزةٍ للمشترى، لأَنّه مالكٌ
للمبيع، ولو بملكٍ خبيث، وكذلك البائعُ يملك الثّمنَ الّذى قبضه من المشترى.
٥٠٧- حكم المشترى فى البيع الفاسد
ولكن هناك فرقٌ فى حكم تصرّف المشترى فى المبيع، وتصرّف البائع فى الثّمن.
فإنّ المشتريَ إن باعَ إلى ثالثٍ ما اشتراه شراءً فاسداً، لا يُنقض ذلك البيعُ، لأنّه تعلّق به
حقُّ العبد وهو المشترى منه، ولكن لا يطيبُ له ماربح فيه، بل يجبُ عليه أن يتصدّق
به. مثالُه: لو اشترى ثوباً بألفٍ شراءً فاسداً وقبضه، ثمّ باع ذلك الثّوبَ بألف ومائتين،
فلا يطيبُ له مائتان، بل يجب عليه أن يتصدّق بها. ولكن بما أنّ هاتين المائتين
مخلوطةٌ بألفٍ حلال، فإنّها داخلةٌ فى القسم الثّالث. فلو اشترى بها طعاماً، طاب له
ذلك الطّعام، إلاّ إذا استنفد الألف، وما بقيت عنده إلاّ مائتان، فلا يجوز له أن يشتري

المبحث العاشر
بها شيئاً، بل يتصدّقُ بها. ولكن لو اشترى بها شيئاً كالطّعام، فالظّاهرُ أنّه ينفذ الشِّراؤُ،
ويملكُ الطَّعامَ لكون المائتين مملوكةً له بالخلط، ولو كان مِلكُه فيهما غيرَ طيّب. و
يجوز له تناولُه بشرط أن يلتزم بتصدّق المائتين، لبقاء وجوب التصدّق عليه.
ويجرى عليه أحكام القسم الرابع، وهو غلّةُ المغصوب وأرباحه.
أمّا الّذى باع إليه ذلك الطّعام، فإن باعها بالمائتين المخلوطتين بألف، جرت فى حقّه
الأحكامُ الّتى ذكرناها فى الصّورة الثّالثة من القسم الثّالث، (وهو الحرامُ المخلوط بمال
نفسه) بمعنى أنّه يجوز لبائعه أن يبيع إليه شيئاً بالمائتين، ويقبضها ثمناً، فيطيبُ له
الانتفاعُ بها، وكذلك لو وهب مائتين لأحدٍ، جاز للموهوب له الانتفاع بها. أمّا إذا استنفدَ
الألف، ولم تبق عنده إلاّ مائتان، فلم أرَ حكمَه صريحاً، ولكنّ الّذى يظهر أنّ النّقود غيرُ
متعيّنة فى المعاوضات، فإنّه يجوزُ للبائع أن يبيعَ إليه شيئاً، ويقبض المائتين ثمناً، لأنّ
الوجوب على المشترى انتقل إلى التّصدَّق. أمّا قبولُ الهبة من المائتين لا ينبغى أن يجوز
لمن يعرف أنّ الواهب يجب عليه التّصدّق بهما، لأنّ النّقود فى الهبة تتعيّن، فوقعت الهبةُ
بعين ما وجب تصدّقُه على الواهب. هذا ما ظهر لى، والله سبحانه أعلم.
٥٠٨- حكم البائع فى البيع الفاسد
أمّا البائعُ إذا قبض الثّمنَ فى البيع الفاسد، فإنّه يجبُ عليه ردُّه إلى المشترى، ولكن
إن اشترى به شيئاً، فإنّه يطِيب له ربحُه، لأنّ الثّمنَ الَّذى اشترى به ذلك الشّيئَ غیرُ
متعيّن،(١) حتىّ لو أشار وقت العقد إلى النّقود التى قبضها ببيع فاسد، فإنّ له أن يدفع
غيرَها، فلاتصحّ نسبةُ شراء ذلك الشّيئ إلى ما قبض من الثّمن ببيع فاسد.
(١) وقد حققناه فى مبحث تعيّن النّقود.

فقه البيوع
ولكنّ نفاذَ هذا الشّراء لا يُخلّصه من وجوب فسخ العقد الفاسد، وردّ الثّمن أو مثله إن
أمكن، ومن وجوب التّصدّق بما ربح بالعقد الفاسد إن لم يُمكن الفسخ. مثاله: اشترى
ثوباً شراءً صحيحاً بمائة، ثمّ باعه بيعاً فاسداً بمائة وعشر، فالواجبُ عليه أن يفسُخ البيع
ويُرُدّ الثّمن، ولكن لو قبض مائة وعشرة من المشترى، واشترى بها حذاءً، صحّ هذا
الشّراء، ومَلكَ الحذاءَ ملكاً صحيحاً، ولو كان قد أشار وقتَ العقد إلى تلك المائة
والعشر بعينها، لأنّ النّقودَ غيرُ متعيّنة فى المعاوضات. فإن كان الثّوبُ قائماً بيد
المشترى فى البيع الأوّل الفاسد، وجب عليه أن يفسُخ بيعَ الثّوب، ويُرُدّ الثّمنَ إلى
المشترى الأوّل. أمّا إذا امتنع ردُّالثّمن لسبب من الأسباب، مثل أن يكون المشترى قد
غاب، فوجب عليه أن يتصدّق بالعشرة الّتى ربحها فى بيع الثّوبِ الفاسد.
٥٠٩- خلاصة البحث
ويتلخّص من البحث السّابق ما يأتى:
١- المالُ المغصوب، وما فى حكمه مثلُ ما قبضه الإنسان رشوةٌ أو سرقةً أوبعقد
باطل شرعاً، لا يحلّ له الانتفاعُ به، ولا بيعُه وهبتُه، ولا يجوز لأحدٍ يعلم ذلك أن يأخذه
منه شراءً أو هبةً أو إرثاً. ويجبُ عليه أن يرُدّه إلى مالكه، فإن تعذّر ذلك وجب عليه
أن يتصدّق به عنه. وإن كان المالُ نقداً، واشترى به شيئاً بالرغم من عدم الجواز، فإن
اشترى بعين المال الحرام، فلا يجوزُ الانتفاعُ بما اشتراه حتّى يؤدّيَ بدلَه إلى صاحبه.
وهذا القدرُ متّفقٌ عليه بين الفقهاء، إلاّ مارُوى عن ابن مُزَيْن من المالكيّة، وهو قولٌ
مرجوح. أمّا إذا اشترى شيئاً بثمن فى ذمّته، ثمّ نقدَ الثّمن من الحرام، فهناك أقوالٌ فى
مذاهب الأئمّة الأربعة أنّه جاز الانتفاعُ بالمشترَى، وجاز الشّراءُ وقبولُ الهديّة منه.

المبحث العاشر
ولكنّ الرّاجحَ أنّه لا يجوز إلاّ بعد أداء البدل إلى المالك، أو بعد التّصدَّق عنه إن تعذّر
أداءُ البدل إليه. فإن أدّى البدلَ أو تصدّق بمثله، جاز له الانتفاع، وجاز لآخرَ أن يأخذه
منه هبةً أو شراءً أو إرثاً.
٢- الغلّة والرّبح الذى حصل للغاصب أو كاسبٍ الحرام قبل أداء بدله إلى المالك،
أو قبل التّصدّق لايطِيب له الانتفاعُ به حتّى يؤدّيَ بدله. فإن أدّى البدل، فإنّ الرّاجحَ
فى مذهب الحنابلة أنّه ملكٌ للمغصوب منه، فيردّه (أى الربح والغلّة) مع بدل
المغصوب إلى مالكه، وهو قولٌ فى مذهب المالكيّة والشّافعيّة. والحنفيّةُ على أنّه
مملوكٌ للغاصب، وهو قولُ الشّافعيّ رحمه الله فى الجديد، ومذهبٌ معتمد عند
المالكيّة، على تفصيل عندهم، ولكن صرّح الحنفيّة أنّه خبيثٌ قبل أداء البدل. فإن
أدّى البدل انقلب الرّحُ جائزاً عند أبى يوسف رحمه الله تعالى، ولا ينقلبُ طيّباً عند
أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى بعد أداء البدل، فله الخيار بين أن يتصدّق به،
أو یردّه إلی مالكه.
٣- إن خلط الغاصبُ المغصوبات من عدّة أشخاص بعضها ببعض، والكلُّ حرام،
فإنّ حكمَها عند الأئمّة الثّلاثة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى حكمُ
مغصوب واحد، فمِلكُ أصحابها قائمٌ فيها وهم شركاء. وقال أبو حنيفة رحمه الله
تعالى: إنّ المالكَ يملكُها مِلكاً خبيثاً ويضمَنها لأصحابها، فلا يحلُّ له الانتفاعُ بها إلّ
بعد أداء بدلها. ولا يجوز له أن يبيعَها إلى أحدٍ قبل أداء البدل. ولا يجوز لأحدٍ أن
يشتريَ منه إذا علم ذلك. ولكن إن اشترى أحدٌ نفذ البيعُ، ولم يجز للمشترى الانتفاعُ
بها حتّى يصِل الضّمانُ إلى المغصوب منه.

فقه البيوع
٤- إن خلط الغاصبُ المالَ المغصوب أو الحرام بمال نفسه الحلال، فالصّحيحُ فى
مذهب الحنفيّة أنّه يجوز له الانتفاعُ من المخلوط بقدر حصّته فيه، وكذلك يجوزُ
للآخذ منه هبةً أو شراءً أو إرثاً أن ينتفعَ به بذلك القدر. وهو قولُ الحنابلة، غير أنّهم
قالوا: إن كان الحلالُ قليلاً، فالوَرِعُ أن يجتنب عنه ويتصدّق بالكلّ. وهو قول
الشّافعيّة، غير أنّهم قالوا: إن كان الحلالُ قليلاً نادراً، فالواجبُ أن يتصدّق بالكلّ.
وعند المالكيّة فيه ثلاثةُ أقوال: الأوّل: أنّه لا يحلّ له الانتفاعُ به، قليلاً كان أو كثيراً،
ولا يجوز لأحدٍ أن يشتريَ منه أو يقبلَ هديّته. وهو قول أصبغ. والثّانى: أنّه مكروه.
وهو قول ابن وهب. والثّالث: أنّه إن كان الحلالُ غالباً، جاز الانتفاعُ به بقدر ما فيه من
الحلال، وإن كان الغالبُ حراماً، لايجوز، ولكن إن اشترى بقدر الحلال سلعةً، جاز
لآخرَ أن يشتريَ منه تلك السّلعة. وهو قول ابن القاسم رحمه الله تعالى.
٥- إن لم يُعرف فى المخلوط من الحلال والحرام أنّهما متميّزان أو مختلطان، وكم
حصّةُ الحلال فى المخلوط؟ فالأولى التّنزّه، ولكن يجوزُ التّعامل بذلك المخلوط إذا
غلب على الظّنّ أنّ المتعاملَ به لا يتجاوز قدرَ الحلال.
٦- إن عمِل الغاصبُ فى المغصوب عملاً تغيّر به المغصوب، مثل ما إذا كان شاةً
فذبحها وشواها، فمذهبُ الشّافعيّة والحنابلة أنّه يجب عليه أن يردّ المغصوب كما
هو بعد التّغيير، فإن نقص ذلك من قيمته ضمن النّقصان أيضاً، وإن زاد، فالزّيادةُ
للمغصوب منه. ومذهب الحنفيّة أنّ الغاصبَ قد ملك المغصوبَ بالتّغيير ملكاً
خبيثاً، فوجب عليه ضمانُه، وهو الظّاهرُ من مذهب المالكيّة. ولا يحلّ له الانتفاعُ به
عند الحنفيّة قبل أداء الضّمان. وإن أدّى الضّمانَ فالأحبُّ أن يتصدّق به.

المبحث العاشر
٧- ما وجب التّصدّقُ به لكاسب الحرام، واحتاج إليه لنفقته ونفقة عياله، يجوز
صرفُه إلى نفسه، فإن كان فقيراً، لا يجب عليه التّصدّقُ بمثله، وإن كان غنياً، ولم يكن
المالُ الحلالُ كافياً لسدّ حاجته، يسوغُ للمفتى بعد النّظر فى أحواله أن يُفتيَه بجواز
الاقتراض ممّا عنده من المال الحرام بشرط أن يُلزِم نفسَه تسديدَ هذا القرض إلى
الفقراء من المال الحلال كلّما تيسر له ذلك، فيجب عليه أن يتصدّق بمثله.
٨- ما قبضه المشترى بالبيع الفاسد لا يجوز له الانتفاع به، ولوباعَه إلى ثالث، ◌ُكره
للثّالث شراؤُه، ولكنّه يملكه مِلكاً صحيحاً عند الحنفيّة، فيجوز له الانتفاعُ به، وكذلك
لمن يشتريه أو يتّهبه منه. ولئن ربح المشترى الأوّلُ بهذا البيع الثّانى، فلایطیبُ له
الرّبْح، ويتصدّق به. أمّا البائعُ فى البيع الأوّل الفاسد لو اشترى شيئاً بالثّمن المقبوض
بالبيع الفاسد، يصحّ هذا الشّراءُ الثّانى، ويملكُ ما اشتراه. ثمّ إن باعه إلى أحدٍ وربح
فيه، فإنّه يطيبُ له الرّبحُ بناءً على أنّ النّقودَ لاتتعيّن فى المعاوضات، فلايُنسب
الشّراءُ إلى ثمن البيع الفاسد.
٥١٠- تطبيقات معاصرة
وبعد تقرير هذه المبادئ، نريد أن نذكر بعض تطبيقاتها على فروع يكثر وقوعُها فى
زماننا، والله سبحانه وتعالى هو الموفّق للصّواب.
١- التّاجر الذى تتمحض تجارتُه فى البيوع الباطلة شرعاً، مثلُ بائع الخمر أو الخنزير،
تنطبق على ماله أحكامُ القسم الأوّل من المال الحرام. فلا يجوز قبولُ الهديّة منه،
ولا إجابةُ دعوتِه، ولا شراءُ شيئٍ منه، ولا بيعُ شيئٍ إليه، ولاعقدُ الإجارة معه، لأنّ كلَّ مالِه
حرام. وإن أهدى هديّةً، فإنّها تُصرف فى وجوه البرّ.

فقه البيوع
٥١١- حكم الفنادق والمطاعم الّتى تُباع فيها الخمور
أمّا الفنادقُ والمطاعمُ والخطوط الجوّيّةُ الّتى تُباعُ فيها الخمور والأشياء المحرّمة،
فالأحسنُ لمسلم متديّن أن يجتنب عن التّعامل معها مهما وجد لذلك سبيلا، وذلك لئلّاً
يكونَ منه تشجيعٌ لمن يتعاطون المحرّمات، وليُظهر نفرتَه من ذلك. ولكنّ أموالَها
تدخلُ فى الصّورة الثّالثة من القسم الثّالث، وهو المختلط من الحلال والحرام. وحكمُها
أنّه يسعُ التّعاملُ معها فى الأغذية المباحة بيعاً وشراءً واتّهاباً بقدر ما فيها من الحلال. وإن
كان لايُعرفُ قدرُ الحلال، فهو داخلٌ فى الصّورة الرّابعة من القسم الثّالث، وحكمُه أنّه
يسعُ التّعاملُ معها إن لم يغلب على الظّنّ أنّه فوقَ قدر الحلال.
أمّا قبولُ الوظائف فى مثل هذه الفنادق والمطاعم، فإن كانت الوظيفةُ متمحّضةً
لخدمةٍ مباحة، فهى جائزة، وتجرى على راتبها حكمُ المال الحلال. وإن كانت
متمخّضةً للحرام، مثل بيع الخمر، فهي حرام، ورائبها حرام.
وأمّا الوظائف المركّبةُ من الخدمات المباحة والخدمات المحظورة، فلا يجوز قبولُها
لاشتمالها على عمل محرّم. ولكن إن قبل أحدٌ مثل هذه الوظيفة، فما حكمُ الرّاتب الّذى
أخذه عليها؟ لم أجد فيها نقلاً فى كلام الفقهاء، إلاّ ما ذكره ابنُ قدامة رحمه الله تعالى:
"قال (أى للأجير: استأجرتك) لتَحْمِل لى هذه الصُّبرة والّتى فى البيت
بعشرة .. فإن كانا يعلمان الّتى فى البيت لكنّها مغصوبة، أو امتنع تصحيحُ العقد
فيها لمانع اختصّ بها، بطل العقدُ فيها، وفى صحّة الأخرى وجهان بناءً على
تفريق الصّفقة، إلاّ أنّهما إن كانت قفزاتُهما معلومةً، أو قدرُ أحدهما معلومٌ من
الأخرى، فالأولى صحّتُه، لأنّ قِسط الأجر فيها معلوم. وإن لم يكن كذلك،
فالأولی بطلانه لجهالة العوض فيها."(١)
(١) المغني لابن قدامة، كتاب الإجارات ٦: ٩٠

المبحث العاشر
والحاصلُ أنّ الإجارةَ فى الخدمة المُباحة إنّما تصحّ إذا كانت أجرتُها معلومةً
بانفرادها. ولا تصحّ فيما إذا لم تكن أجرتُها معلومة. فإن كان كذلك فى خدمات
الفنادق والمطاعم والبنوك وشركات التأمين، صارت أجرةُ الموظّف فيها مركّبةً من
الحلال والحرام. فدخلت فى الصّورة الثّالثة من القسم الثّالث، وحلّ التّعاملُ معه
بقدر الحلال. أمّا إذالم تُعرف أجرةُ الخدمةِ المباحة على حدتها، فالإجارةُ فاسدة،
ولكنّ الأجير يستحقّ أجرَ المثل فى الإجارات الفاسدة، كما صرّح به ابنُ قدامة
رحمه الله تعالى بذلك فى إجارات فاسدة أخرى.(١) وعلى هذا، فإنّ ما يُقابلُ أجرَ
المثل للخدمة المباحة فى راتبه ينبغى أن يكون حلالاً. فصار راتبُه مخلوطاً من
الحلال والحرام فى هذه الصّورة أيضاً. فينبغى أن يجوز معه التّعاملُ بقدر الحلال.
ولكن لا يجوز شراءُ أسهم تلك الفنادق والمطاعم والخطوط الجوّيّة، لأنّ السّهمَ
عبارةٌ عن حصّةٍ شائعةٍ فى جميع موجوداتها، فالسّهمُ يُمثّلُ حصّةً من هذه الأشياء
المحرّمة، فلايجوز لمسلم أن يتملّك هذه الحصّة، ولأنّ حاملَ السّهم يُشاركُها فى
نشاطاتها التّجاريّة وأرباحِها، ومنها جزءٌ كبيرٌ محرّم. وكذلك لا يجوزُ بيعُ أَسهُمِها لما
ذكرنا، غير أنّ بعض المعاصرين أجازوا شراء أسهمها إن كانت نسبة المحظورات
فيها قليلة تابعة غير مقصودة، ولاتتجاوز خمسة فى المائة من إيراداتها المباحة،
وبشرط أن يتصدق مالك السهم تلك النسبة من أرباح تلك الأسهم. (٢)
ومن تملّك سهماً منالأسهم المحرمة، ثمّ وفّقه الله تعالى للتّوبة، فسبيلُ الخلاص منه
(١) المغنى ٩:٦ و١٢:٦
(٢) المعيار الشرعي رقم ٢١ بشأن الأوراق المالية، ٤/٤/٣ من المعايير الشرعية الصادرة عن المجلس
الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.

١٠٥٨
فقه البيوع
مشكلٌ جدًّاً. ولعلّ سبيل الخلاص منه أن يبيع تلك الأسهم إلى غير مسلم بثمن
يُعادل قيمةَ الحصّة المُشاعة من الموجودات الثّابتة الحلال فى ذلك السّهم، مثل
البناء والسّارات والمفروشات والأدوات غير المتمحّضة للعمليّات المحرّمة.
٢- وكذلك من كان كسبُه متمحّضاً من أخذ الرّبوا، فإنّه داخل فى هذا القسم. وقد
يُشكِل عليه أنّ الفقهاء الحنفيّةَ جعلوا العقودَ الرّبويّة نوعاً من العقود الفاسدة، فقد
نقل ابنُ نُجيم عن البزدويّ رحمهما الله تعالى، قال:
"من جُملة صُور البيع الفاسد جُملةُ العقود الرّبويّة، يُملَك العوضُ فيها بالقبض."(١)
وفرّعوا على العقود الرّبويّة تفريعاتٍ كثيرةً على أساس أنّه بيعٌ فاسد.
وكذلك قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"والقبض الذى لا يُفيد الملكَ هو الظّلم المحض. فأمّا المقبوض بعقد
فاسد، كالربوا والميسر ونحوهما، فهل يُفيد المِلك؟ على ثلاثة أقوال
للفقهاء. أحدها أنّه يُفيد المِلك، وهو مذهب أبى حنيفة. والثّانى: لا يُفيده،
وهو مذهب الشّافعيّ وأحمد فى المعروف من مذهبه. والثّالث: أنّه إن فات،
أفاد الملك، وإن أمكن ردُّه إلى مالكه، ولم يتغيّر فى وصف، ولا سِعر، لم
يُفد الملك. وهو المحكيّ عن مذهب مالك."(٢)
ولكنّ الظّاهر أنّ ما ذكروه من إفادة الملك فى العقود الربويّة إنّما يتعلّق بربا الفضل
وربا النّسيئة فى البيوع الّتى حرّمها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بالأحاديث
(١) البحر الرائق، باب الربوا ٦: ٢٠٩ ورد المحتار ٢٢١:١٥ فقره ٢٤٣١٥
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩: ١٨٠ قبيل باب الشّروط فى البيع

١٠٥٠
المبحث العاشر
المعروفة. أمّا ربا القرض الّذى كان أهلُ الجاهليّة يتعارفونه، والّذى حرّمه القرآن
الكريم، فلا يدخل فى البيع الفاسد، وإنّما هو باطلٌ شرعاً. وذلك لأنّ البيعَ الفاسد من
جملة أقسام البيع، وقد تجرى عليه بعضُ أحكام البيع فى بعض الأحوال عند الحنفيّة،
مثل أنّ المشتريَ يملكه بالقبض. أمّا ربا القرض فليس بيعاً. قال الله سبحانه وتعالى:
" ذَلِكَ بِأَتَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرَّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥]
ففرّق بين البيع والرّبا فرقاً واضحاً. فلا يُمكن أن يُعتبر الرّبوا بهذا المعنى من جملة
أقسام البيع.
أمّا ما قاله الجصّاص رحمه الله تعالى: "فأبطل الله تعالى الرّبا الذي كانوا يتعاملون
به وأبطل ضروباً أخر من البياعات، وسمّاها رباً، فانتظم قوله تعالى: "وحرّم الرّبا"
تحريمَ جميعِها لشمول الاسم عليها من طريق الشّرع. "(١) فالظّاهر أنّ المقصود منه
أنّ التّحريم يشمل جميع أنواع البياعات أيضاً، لأنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم
سمّاها رباً. وليس المرادُ أنّ ربا القرض يدخُل فى أقسام البيع. وذلك لأنّ
الجصّاص رحمه الله تعالى قال بنفسه بعد ذلك (فى باب البيع):
"فمن الرّبوا ما هو بيع، ومنه ما ليس ببيع. وهو ربا أهل الجاهليّة وهو
القرض المشروط فيه الأجل وزيادةُ مالٍ على المستقرض."(٢)
فتبيّن بذلك أنّ ربا القرض لا يدخل فى أقسام البيع الفاسد، وإنّما هو حرامٌ محض،
(١) أحكام القرآن للجصاص ١: ٤٦٥
(٢) أحكام القرآن للجصّاص ١: ٤٦٩

١٠
٦٠
فقه البيوع
مثلُ الغصب والرّشوة. ولذلك ذكره الفقهاء مقروناً بالمكاسب المحرّمة.(١)
فما أخذه المرأبى زيادةً على القرض فهو فى حكم الغصب والرّشوة، ومن كان مالُه
متمحّضاً من الرّبًا، لا يجوز قبولُ الهديّة منه ولا إجابةُ دعوته ولا عقدُ الشّراء أو البيع معه.
أمّا من يستقرض بالرّبوا، فإنّه بالرّغم من اقترافه إثماً كبيراً فى عُنقه، يملك ما
استقرضه، وهو مضمون عليه(٢) وذلك لأنّ القرضَ ممّا لا يبطُل بالشّروط الفاسدة. (٣)
وإنّما يبطُل الشّرط. فما يشتريه بما استقرضه ليسَ حراماً. وعلى هذا، لو أهدى إلى
رجل شيئاً، فإنّه يحلّ للآخذ، وكذلك يجوزُ البيع إليه والشّراءُ منه. (٤)
٥١٢- التّعامل مع البنوك الرّبويّة
ومنه يُعلمُ حكمُ التّعامل مع البنوك الرّبويّة. (٥) وإنّ أموالَ البنك الرّبويّ مخلوطةٌ
بالحلال والحرام. فإنّ منها رأسَ المال الذى يُفترَضُ فيه أنّه حلالٌ مالم يُعرَفْ
(١) الهنديّة، الحظر والإباحة ٥: ٣٤٣، باب ١٢ وبذلك أفتى الإمام الشيخ أشرف عليّ التهانويّ رحمه
الله تعالى فى إمداد الفتاوى، ٣: ٣٠٧ سؤال ٢٤٩ حيثُ فرّق بين ربا البيع فجعله فاسداً، وربا
القرض فجعله باطلاً.
(٢) "ويملك المستقرض القرض بنفس القبض عندهما أى الإمام ومحمّد" (الدّرّ المختارمع
ردالمحتار ٢٠٦:١٥)
(٣) جامع الفصولین ٦:٢ فصل ٢٦
(٤) وبه أفتى الإمام الشّيخ أشرف على التهانويّ رحمه الله تعالى فى إمداد الفتاوی ١٦٩:٣ و ١٧٠ سؤال ٢٢٤
(٥) البنك الربويّ مؤسسة تقبل من عامة الناس مدّخراتهم النقديّة وتردّها إليهم بفائدة محدّدة ربويّة،
والأموال المدّخرة بهذا الطّريق تُستخدم فى إعطاء قروض للتّجّار على أساس الفوائد الرّبويّة.

المبحث العاشر
خلافُ ذلك. ومنها الأموالُ المودَعةُ (١) فيها من قِبل المودِعين، ويُفترضُ فيها
أيضاً أنّها حلالٌ مالم يثبت خلاف ذلك. ومنها إيراداتُ البنك عوضاً عن
الخدمات الجائزة شرعاً، مثلٍ تحويل المبالغ، وعمليّات التبادل العاجل للعُملات
وغيرها، وهى حلالٌ أيضاً. وفيها إيراداتُها الغالبةُ الحاصلةُ من تعاملاته الرّبويّة،
وهى حرامٌ. فأموالُ البنك الرّبويّ داخلٌ فى الصّورة الثّالثة من القسم الثّالث.
فيجوز التّعاملُ معها بقدر ما فيها من الحلال.
وإنّ التّعامُلَ معها يمكن بطرق:
٥١٣- الأوّل: شراءُ أسهُم البنك الرّبويّ، وهو حرام، لأنّ نشاطَه الأساسيّ محرّم،
فلايجوز تداولُ أسهمه بيعاً وشراءً، أمّا من تملّك تلكَ الأسهم، ثمّ وفّقه الله تعالى
للتّوبة، فلعلّ سبيلَ خلاصه مثلُ ما قلنا فى بيع أسهم الفنادق والمطاعم الّتى تُباعُ فيها
الخمورُ والخنازير.
٥١٤ - الثّاني: فتحُ الحساب الجارى (Current Account) معها. وإنّ العادةَ فى
الحسابات الجارية للبنوك أنّ صاحب الحساب يحقّ له أن يسحب من ذلك الحساب
مبالغَه متى شاء بإصدار شيك شخصيّ، أو بطريق التّحويل المصرفيّ Bank)
(Transfer ولا يُعطى البنك على المبالغ المودَعة فى ذلك الحساب أيَّ مَبْلَغ إضافيّ.
(١) الأموال الّتى يخزنها عامّة النّاس فى البنوك تُسمّى "ودائع" فى الاصطلاح المصرفيّ، ولكنّها من
النّاحية الفقهيّة قروضٌ مضمونةٌ على البنك، كما أوضحتُه فى بحثى "أحكام الودائع المصرفيّة"
(بحوث فى قضايا فقهيّة معاصرة ١: ٣٤٧) وإنّما استُعملت كلمة "الإيداع" و "الودائع" هُنا
بمعنى الاصطلاح المصرفيّ، دون الاصطلاح الفقهيّ.

١٠٦٢
فقه البيوع
وحُكمه شرعاً أنّه إقراضٌ للبنك، وإن كان يُسمّى "إيداعاً" فى الاصطلاح المصرفيّ،
لأنّ هذه الودائع لا تبقى عند المصرف كما هي، وإنّما يختلط بعضُها ببعض، ويستثمرها
المصرف فى تمويلاتٍ يُقدّمها إلى عُملائه، ويُطالبهم على ذلك بفائدةٍ أوربح. وإنّها
تكون مضمونةً على المصرف يلتزم المصرف بإعادتها إلى المودع فی کلّ حال حسب
الشّروط المتّفق عليها.
وقد أفتى العلماءُ المعاصرون بجواز ذلك عند الحاجة، لكون هذا القرض لا يجُرّ نفعاً.
وقد يُستشكل بأنّه وإن لم يكن قرضاً ربوياً، ففيه إعانةٌ للبنك فى المعاملات الرّبويّة، لأنّ
من المعلوم أنّ البنك الرّبويّ لا يُمسك هذه الودائع جامدة، وإنّما يستثمرها فى القروض
الرّبويّة، فيصير المودِعُ مُعيناً للبنك فى ممارساته الرّبويّة.
ولكنّنا قدّمنا مسئلةَ الإعانة على المعصية بتفصيل فى أحكام المتعاقدين تحت عنوان
"إن كان أحد العاقدين بقصد بالعقد ارتكاب معصية" ولو نظرنا إلى الودائع
المصرفيّة على أساس المبادئ الّتى قرّرناها هُناك، وجدنا أنّ إيداع رجل أموالَه فى
الحساب الجارى ليس سبباً محرّكاً أو داعياً للمعاملات الرّبويّة، بحيث لو لم يُودع
هذا الرّجلُ مالَه، لم يقع البنكُ فى معصيةٍ، فدخل فى القسم الثّانى، ولا يقصد المودِعِ
في عامّة الأحوال أن يُعين البنكَ فى ممارساته الرّبويّة، وإنّما يقصد به حفظَ مالِه.
ثمّ إنّ المودِعَ لا يعلم بيقينِ أنّ مالَه سوف يُستخدَم فى معاملةٍ ربويّةٍ، بل يحتمل أن
يبقى عند البَنك، أو يُستخدَم فى معاملةٍ مشروعةٍ، ولو استخدمه البنكُ فى معاملةٍ
ربويّةٍ، فإنّ النّقودَ لا تتعيّن بالتّعيين فى عقود المعاوضة المشروعة، فلا تُنسب هذه
المعاملةُ إلى النّقود الّتى أودعها، وإنّما تُنسب إلى النّقود التى صارت ملكاً للبنك.

١٠٦٣
المبحث العاشر
وغايةُ ما فى الباب أن يكون هذا الإيداعُ مكروهاً كراهةَ تنزيهٍ.
ولا شكّ أنّ كثيراً من المعاملات المشروعة اليوم أصبحت مرتبطةً بالبنوك، ويحتاج
الإنسانُ لإنجازها أن يكون له حسابٌ مفتوحٌ فى إحدى البنوك، فالحاجة ظاهرةٌ
مشاهَدَةٌ، وترتفع مثل هذه الكراهةِ التّنزيهيّةِ بمثل هذه الحاجة إن شاء الله تعالى.
غيرَ أنّ هذه الرّخصةَ إنّما يجوز العملُ بها إن لم يوجد مصرفٌ غير ربويّ. فإن وُجد
بشكل مقبولٍ شرعاً، فلا ينبغى العملُ بهذه الرّخصة.
٥١٥- الثّالث: فتح حساب التّوفير أو الوديعة الثّابتة. وحسابُ التّوفير
(Saving Account) حسابٌ يُعطى الحقَّ لصاحب الحساب أن يسحب حداً معيّناً
من المبالغ المودَعة فيه، ويُعطى البنكُ على ذلك فائدةً ربويّةً بنسبةٍ أدنى من النّسبة
الّتى تُعطى لصاحب الوديعة الثّابتة (Fixed Deposit) الّتى تُودَع فيها الأموالُ إلى
مدّة معيّنة وتُعطى البنوكُ لأصحابها فائدةً بنسبة أعلى. وكلُّ واحدٍ من الحسابين
ربويّ بحت، والإيداعُ فى هذين الحسابين حرامٌ شرعاً، لكونه تعاقداً بالرّبوا.
٥١٦- الرّابع: فتحُ الاعتماد (Letter of credit) وهو جائز إن لم يتضمّن عقداً ربويّاً،.
ويأتى تمامُ الكلام عليه فى مسائل الإيراد والاستيراد إن شاء الله تعالى.
٥١٧- الخامس: شراءُ الأشياء المُباحة منه، وهو جائزٌ أيضاً، لأنّ أموال البنك مختلطةٌ
بالحلال والحرام، والغلبةُ فيها للحلال كما أسلفنا تفصيلَه فى أوّل هذا المبحث. فالأشياءُ
المباحةُ الّتى مَلكها البنك بشراءٍ أو غيره لا تكونُ محرّمةً لمجرّد أنّها مملوكةٌ لبنكٍ ربويّ.
٥١٨- السّادس: بيعُ الأشياء إليه. وفيه تفصيل. فإن كان المبيعُ ممّا يتمحّض
استخدامُه فى عقدٍ محرّم شرعاً، مثل برنامج الحاسوب الّذى صُمّم للعمليّات الرّبويّة