النص المفهرس
صفحات 401-420
فقه البيوع ويقول أبى حنيفة رحمه الله تعالى أفتى جمعٌ من المشايخ المتأخرين، مثلُ أبى بكر محمّد بن الفضل والفقيه أبى اللّيث رحمهما الله تعالى. (١) وذكر فى خلاصة الفتاوى والدّرّ المختار أنّ قولَه أرفقُ للنّاس.(٢) ولكنّ المِلكَ الّذى يحصُّل بالخلط عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ملكٌ خبيث، فلا يحلُّ للخالط الانتفاعُ بالمخلوطِ قبل أداء البدل. (٣) ٤٩٠- الفرق بين المقبوض بالبيع الفاسد وبين ما اشتُري بالمغصوبات المخلوطة وليُتنبّه أنّ نفاذَ البيع على قول الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى فى هذه الصّورة ليس مثلَ ما ينفذ البيع ممّن ملك المبيعَ بالشّراء الفاسد، حيثُ يحلّ للمشترى منه الانتفاع، ولا يُكرَه له ذلك، وإن كان نفسُ الشّراء مكروهاً. لأنّ نفاذَ البيع فى المغصوبات المختلطة قاصرٌ على صحّة البيع وانتقال المِلك الخبيث بخُبثه، فلا يطيبُ للمشترى أن ينتفع به حتّى يقبض المغصوبُ منه البدل. والّذى يدلّ على ذلك ما جاء فى شرح السّير الكبير من أنّ المسلمَ إن دخل دارَ الحرب مستأمناً، فغصب شيئاً من حربيّ، وأحرزه بدار الإِسلام، مَلَكه بالإحراز مِلكاً خبيثاً، ويؤمرُ بالرّدّ إلى مالكه. وفى هذه الصّورة قال السّرخسيّ رحمه الله تعالى: "وإن اشترى إنسانٌ منه ذلك، جاز الشّراؤُ وإن كان مُسيئاً، لأنّه مِلكُ نفسه، (١) الفتاوى الهندية، ٣: ٣٤٢ الحظر والإباحة، باب ١٢ (٢) خلاصة الفتاوى ١: ٢٤٥ والدر المختار مع ردالمحتار، كتاب الزكوة، باب زکوة الغنم ٥: ٥٢٥ (٣) المحيط البرهانيّ ٢٢٦٠٨ المبحث العاشر فإنّ فسادَ السّبب شرعاً لا يمنعُ ثبوتَ المِلك بعد تمامه، والنّهيُ عن هذا الشّراء ليس لمعنىّ فى عينه. وبعد ما جاز الشّراؤُ يُؤمرُ فيه المشترى بمثلِ ما كان يُؤمر به البائعُ من الرّدّ على أهل الحرب، لأنّ المعنى المُوجبَ للرّدّ لا يزولُ بهذا الشّراء. وهذا بخلاف المشترَى شراءً فاسداً إذا باعه المشترى من غيره بيعاً صحيحاً، فإنّ المشتريَ الثّانيَ لايؤمر بالرّدّ، وإن كان البائعُ مأموراً بذلك، لأنّ هُناك المعنى الموجبَ للرّدّ قد زال ببيعِه من غيره، لأنّ وجوبَ الرّدّلفساد البيع حكمٌ مقصورٌ على مِلك المشترى، وقد انقطع مِلكُه بالبيع من غيره. أمّا هُنا، فوجوبُ الرّدّ إنّما كان لمراعاةٍ مِلكهم فى ذلك المال، ولأجل غدر الأمان، وهذا المعنى قائمٌ فى ملك المشتری، کما هو فی مِلك البائع الّذى أخرجه، فلهذا يُفتىَ بالرّدّ كما كان يُفتىَ به البائع."(١) والحاصلُ أنّ المالَ المغصوبَ يُفارق المشترَى بالبيع الفاسد فى أنّ المشترِىَ فى البيع الفاسد إنّما حصل له المِلكُ فى المبيع برِضاً البائع الذى أخذ ثمنَه، وإنّما جاء الفسادُ لعارض، فلو باعه المشترى إلى آخر، فرِضا البائع الأوّل قائمٌ، وقد حصل على ثمنه أو قيمته أو مثله فى أكثر الأحوال، والفسادُ العارضُ قد زالَ بزوال ملك المشترى الأوّل، فلا يتعلّقُ به حقُّ عبد، بخلاف المغصوب، فإنّ رضا المالك فيه مفقودٌ، وإنّما جاء فيه مِلكُ الغاصب لعارض، وهو الاستهلاك أو الخلط، فلا ينتقل ء به المِلكُ إلى المشترى من الغاصب إلّ مثلُ المِلك الذى حصل للغاصب، وبما أنّ رضا المالك مفقود بعد البيع كما كان قبله، فلا يحلّ الانتفاعُ للمشترى كما كان (١) شرح السّير الكبير للسّرخسيّ، باب المسلم يخرج من دار الحرب ومعه مال الخ ٤: ١١١٧ إلى ١١١٩ فقرات ٢٠٤٥ إلى ٢٠٥٠ ١٠٢٦ 0 فقه البيوع لا يحلُّ للبائع الغاصب، إلى أن يؤدّيَ الغاصبُ أو المشترى منه البدلَ إليه.(١) ٤٩١- حكم هديّة الغاصب من المغصوبات المخلوطة فإن دفع شيئاً من هذا المخلوطِ إلى آخرَ هبةً قبل أداء بدلِه، فإن كان الآخذُ فقيراً، جاز له الأخذُ والانتفاعُ به. وبه أفتى الإمام أبوبكر الفَضليّ رحمه الله تعالى، كما جاءَ فى الفتاوى الهنديّة: "فقيل له: لو أنّ فقيراً يأخذُ جائزةَ السُّلطان، مع علمِه أنّ السّلطانَ يأخذُها غصباً، أيحلّ له؟ قال: إن خَلَط ذلك بدراهمَ أخرى، فإنّه لابأسَ به، وإن دفع عينَ المغصوب من غير خَلْطٍ لم يجُزْ."(٢) والظّاهرُ أنّ هذا القدرَ أيضاً متفقٌ عليه بين الفقهاء. أمّا إذا كان الآخذُ لا تحلُّ له الصّدقة، فللفقهاء فيه أقوال: والرّاجحُ من مذهب المالكيّة والحنفيّة أنّه لا يحلّ له الانتفاعُ به. جاء فى الفتاوى البزّزيّة: "ما يأخذه الأعونةُ من الأموال ظلماً، ويخلِطه بماله (٣) وبمال مظلوم آخر، يصيرُ مِلكاً له، وينقطعُ حقُّ الأوّل، فلا يكون أخذُه(٤) عندنا حراماً محضاً. نعم، لايُباحُ (١) وهورأی شيخنا العلامة المفتی رشید أحمد رحمه الله تعالى، وراجع له أحسن الفتاوی ٣٢٨٠٨ (٢) الفتاوى الهندية، الحظر والإباحة، الباب الثانى عشره: ٣٤٢ وعدم جوازعين المغصوب للفقیر محمولٌ علی ما إذا أمكن ردّه إلی مالکه. (٣) سيأتى فى الصّورة الثالثة أنّ الغاصب إذا خلط المغصوب بمال نفسه، فإنّه يجوز له الانتفاع بقدر حصّته فى المخلوط. ولذلك ماذكرههنا من الخلط بمال نفسه محمولٌ على أن يدفع إلى آخرما هو زائد من حصّته فى المخلوط. (٤) أى أخذ ذلك المال المغصوب من الغاصب، ولا يُمكن حمله على أخذ الغاصب من المغصوب منه، لأنّه حرامٌ بلاشكّ. المبحث العاشر الانتفاعُ به قبل أداء البدل فى الصّحيح من المذهب. "(١) ووجهُ الفرق بين الفقير والغنيّ فى هذه المسئلة أنّ المِلكَ الخبيثَ سبيلُه التّصدّق إلى الفقراء، إذالم يُردّ إلى مالكه الأوّل، فجاز للفقير أخذُه، ولكنّ ذلك لايُبرئ ذمّةَ الغاصب إن أمكن دفعُ الضّمان إلى مالكه الأوّل. ولانعلم فى هذا خلافاً بين الفقهاء. ٤٩٢- شراء الغاصب بالمغصوبات المخلوطة أمّا إذا اشترى الغاصبُ شيئاً بهذا القسم من المخلوط، فتجرى فيه أحكامُ القسم الأوّل عند الأئمّة الثّلاثة. والظّاهرُ من قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّه ينفُذ البيع بمعنى أنّه ينتقلُ إلى المشترى الغاصب ملكُ ما اشتراه، ولكن لا يحلّ له الانتفاعُ به إلى أن يؤدّيَ الضّمانَ إلى المغصوب منهم. أمّا البائعُ الذى باع إليه، فالظّاهرُ أنّه يحلّ له الانتفاعُ بالثّمن الَّذى قبضه، ولو كان الثّمنُ من النّقود، لأنّ فريضةَ الرّدّ إلى المغصوب منهم انتقل بالخلط إلى الضّمان الواجب فى ذمّة المشترى الغاصب، فلم يكُن ما قبضه البائعُ عينَ المغصوب. ٤٩٣- والصّورة الثالثة: أن الغاصب خلط المغصوب بماله الحلال بدون تمییز، وعُرف ذلك منه. وقد اختلف فيه الفقهاء على أقوال: القول لأوّل: قول أصبغ من المالكيّة، وهو أنّه لا يجوز له الانتفاعُ بشيئ منه، ولا قبولُ هديّته ولامبايعتُه، وإن كان أكثرُ ماله حلالاً، لأنّه باختلاط الحرام صار كلُّه حراماً. (١) الفتاوى البزازيّة، قبيل كتاب الزّكوة بهامش الهنديّة ٤: ٨٣ ١٠٢٨ :٥ فقه البيوع ٤٩٤- القول الثّانى: قولُ ابن وهب من المالكيّة: وهو أنّه مالٌ مشتبه، فيُكره الانتفاع به، وقبولُ الهدية منه، ومبایعتُه، وإن کان الحلالُ فى المخلوط أکثر، ووجّهه ابنُ رشد رحمه الله تعالى بأنّ الحرامَ لمّا اختلط بماله صار شائعاً فیه، فإذا عامَله فی شيئ منه، فقد عامَله فى جزء من الحرام، فرأى ذلك من المتشابه، ومنع منه على وجه التّوقّى. ٤٩٥- القول الثالث: قول ابن القاسم من المالكيّة: وهو أنّه إن كان أكثرُ ماله حلالاً، جاز قبولُ هديّته وأكلُ طعامه، ومبايعتُه. وإن كان أكثرُ ماله حراماً، فكلُّ ذلك مكروه، إلاّ إذا ابتاع سلعةً حلالاً، فلا بأسَ أن يبتاع منه، وأن يقبل منه هبةً إن علم أنّ مابقيَ بيده مايفى بماعليه من التّبعات. وذكرابنُ رشد رحمه الله تعالى أنّ قول ابن القاسم هو القياس، وقول ابن وهب هو الاستحسان. وأمّا قولُ أصبغ، فإنّه تشديدٌ على غير قياس. (١) ٤٩٦-القول الرّابع: مذهب الحنابلة. وهو أنّ الحلالَ إن كان كثيراً، جاز أن يُنتفع به بقدر الحلال. وإن كان قليلاً، فالورَعُ أن يتصدّق بالكلّ. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيمن معه ثلاثةُ دراهم فيها درهمٌ حرام: "يتصدّق بالثّلاثة، وإن كان معه مائتا درهمٍ فيها عشرةٌ حرام، يتصدّق بالعشرة، لأنّ هذا کثیرٌ وذاك قليل." ثمّ لم يُنقل عنه تحديدُ الكثير من القليل. قال القاضى: " وليس هذا على سبيل التّحديد، وإنّما هو على طريق الاختيار، لأنّه كلّما كثُر الحلال بعد تناول الحرام، شقّ (١) راجع لجميع هذه الأقوال المقدمات الممهدات لابن رشد، كتاب الجامع ٣: ٤٢٢ والمقصود بالشرط الأخير أن يبقى عنده بعد الشّراء مالٌ يوفّى ما عليه من ضمان المغصوبات. المبحث العاشر التّورّع عن الجميع، بخلاف القليل، فإنّه يسهُل إخراجُ الكلّ، والواجبُ فى الموضعين إخراجُ قدر الحرام، والباقى مُباحٌ له. وهذا لأنّ تحريمه لم يكن تحريماً لعينه، وإنّما حرُم لتعلّق حقّ غيره به. فإذا أُخرج عوضُه زال التّحريمُ عنه، كما لو كان صاحبُه حاضراً فرضيَ بعوضه، وسواءٌ كان قليلاً أو كثيراً. والوَرع إخراجُ ما يتيقّن به إخراجُ عين الحرام، ولا يحصّل ذلك إلاّ بإخراج الجميع. لكن لمّا شقّ ذلك فى الكثير، تُرك لأجل المشقّة فيه واقتُصر على الواجب. ثمّ يختلف ذلك باختلاف النّاس. فمنهم من لا يكون له إلّ الدّراهم اليسيرة، فيشقّ إخراجُها، ومنهم من يكون له مالٌ كثير، فيستغنى عنها، فسهُل إخراجُها. "(١) والّذى يظهر من هذا التّفصيل أنّه لو أعطى أحداً بهبةٍ أو شراءٍ قدرَ ما فى المخلوط من الحلال، جاز للآخذ أن ينتفعَ به، لأنّ التّصدّق بالكلّ إنّما كان على سبيل التورّع، ولم يكن الواجبُ إلّ إخراجَ قدر الحرام. ٤٩٧-والقول الخامس: قول الشّافعيّة، وهو قريبٌ من قول الحنابلة، غيرَ أنّه يبدو أنّ الحلال إن كان قليلاً نادراً، فالتّصدّق بالكلّ واجبٌ عندهم، وليس ورعاً فقط. فلا يجوز لأحدٍ أن يقبل منه هبةً ولا أن يُبايعه، ولو بقدر الحلال. يقول العلامة عزّ الدّين بن عبد السّلام رحمه الله تعالى: "فإن قيل: ما تقولون فى معاملةِ من اعترف بأنّ أكثر ماله حرام، هل تجوز أم (١) المغنى لابن قدامة، كتاب البيوع ٤: ٣٠٩ وقد ذكر ابن مفلح رحمه الله تعالى فى هذه المسئلة أقوالاً كثيرةً منها التّحريم مطلقاً، ومنها عدم التّحريم مطلقاً مع الكراهة، قلّ الحرام أو كثُر، ومنها إن زاد الحرامُ على الثّلث، حرم الأكل، وإلا فلا، ومنها الحلّ إن كان الحلال أكثر. (راجع للتّفصيل الآداب الشّرعيّة والمنح المرعيّة لابن مفلح ١: ٤٦٨ إلى ٤٧٤) فقه البيوع لا؟ قلنا: إن غلب الحرام عليه بحيثُ يندُر الخلاصُ منه، لم تجُز مُعاملتُه، مثل أن يُقِرّ أنّ فى يده ألفَ دينار كلُّها حرام إلّ ديناراً واحداً. فهذا لاتجوز معاملتُه بدينارٍ لنُدرة الوقوع فى الحلال ... وإن عومِل بأكثر من الدّينار ... فلا شكّ فى تحريم ذلك. وإن غلب الحلالُ، بأن اختلط درهمٌ حرامٌ بألف درهمٍ حلال، جازت المعاملة ... وبين هاتين الرُّتبتين من قلّةِ الحرام وكثرتِه مراتبُ محرّمةٌ ومكروهةٌ ومُباحة. وضابطُها أنّ الكراهةَ تشتدّ بكثرة الحرام، وتَخِفّ بكثرة الحلال. فاشتباهُ أحد الدّينارين بآخر سببُ تحريمٍ بَيِّن، واشتباهُ دينارٍ حلال بألف دينارٍ حرامٍ سببٌ تحريم بيّن، وبينهما أمور مشتبهات مبنيّةٌ على قلّةِ الحرام وكثرتِه بالنّسبة إلى الحلال، فكلّما كثُر الحرامُ، تأكدّت الشّبهة، وكلّما قلّ، خفّت الشّبهة إلى أن يُساويَ الحلالُ الحرام، فتستوى الشّبهات."(١) وذهب بعض الشّافعيّة إلى أنّ القدرَ الحلال من المختلط يجوز الانتفاع به. فقال السيوطي رحمه الله تعالى:، "فى فتاوى ابن الصّلاح: لو اختلط درهمٌ حلال بدراهم حرام، ولم يتميّز، فطريقُه أن يُعزل قدرُ الحرام بنيّة القسمة، ويتصرّف فى الباقى. والّذى عزله إن علم صاحبه، سلّمه إليه، وإلاّ تصدّق به عنه. وذكر مثله النّوويّ، وقال: اتّفق أصحابنا ونصوص الشّافعيّ على مثله فيما إذا غصب زيتاً أو حنطة، وخلط بمثله. قالوا: يدفع إليه من المختلط قدر حقّه، ويحلّ الباقى للغاصب. (١) قواعد الأحكام فى مصالح الأنام للعزبن عبدالسلام ص ٧٢ و ٧٣ 0 المبحث العاشر فأمّا ما يقوله العوامّ: إنّ اختلاط ماله بغيره يُحرّمه، فباطلٌ لا أصل له." وقال بعد ذلك: "معاملةُ مَن أكثرُ ماله حرامٌ، إذا لم يُعرف عينُه، لا يحرم فى الأُصحّ، لكن يُكره. وكذا الأخذ من عطايا السّلطان إذا غلب الحرام فى يده، كما قال فى شرح المهذّب: إنّ المشهورَ فيه الكراهةُ، لا التّحريم، خلافاً للغزالي."(١) ٤٩٨- والقولُ السّادس قولُ الحنفيّة. وإنّ من أصل أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّ الغاصبَ لو خلَطَ المغصوبَ بمالٍ غيره أو بمال نفسِه يملكُ المخلوط. جاء فى الدّرّ المختار: "أواختلط المغصوبُ بملك الغاصب بحيث يمتنع امتيازه ... ضمنَه ومَلَكه بلاحلّ انتفاع قبل أداء ضمانه. " وقال ابن عابدين: "قوله: "بملك الغاصب" وكذا بمغصوب آخر "(٢) وقد يُفهم منه أنّه لافرق بين المخلوط بماله، وبين المخلوط بمال غيره، حيثُ لا يجوز الانتفاعُ بالكلّ فى الصّورتين جميعاً، ولكنّ المرادَ أنّ حُكمَ الصّورتين سواءٌ فى أنّ الغاصبَ يملكُ المخلوط. أمّا فى حقّ حلّ الانتفاع، فالظّاهر أنّ الحكمَ يختلف فى الصّورتين، بأنّه إن خلط المغصوبَ بمغصوبٍ آخر، فلا يحلّ الانتفاعُ بشيئ منه، لأنّ كلَّه خبيث. أمّا إذا خَلَطه بمال نفسه، فالمرادُ أنّه لا يحلّ له الانتفاعُ بالحصّة المغصوبة. أمّا الانتفاعُ بحصّةٍ ماله، فيجوز، سواءً كان قليلاً أو كثيراً. وقد اشتهر على الألسُن أنّ حكمَ التّعامل مع مَن كان ماله مخلوطاً بالحلال والحرام أنّه إن (١) الأشباه والنظائر للسّيوطيّ، ص ١٠٧ القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك. (٢) ردالمحتار، كتاب الغصب ٦: ١٩١ ١٠٣٢ فقه البيوع كان الحلالُ فيها أكثر، جاز التّعاملُ معه بقبول هديّته وتعاقُد البيع والشّراء معه، وبذلك صدرت بعضُ الفتاوى. ولكنّ ما يتحقّق بعد سَبْر كلام الفقهاء الحنفيّة فى هذا الموضوع أنّ اعتبارَ الغلبة إنّما هو فيما إذا كان الحلالُ متميّزاً عن الحرام عند صاحبه، ولا يعلمُ المتعامِلُ معه أنّ ما يُعطيه من الحلال أو من الحرام. فحينئذٍ تُعتبر الغلبة، بمعنى أنّه إن كان أكثرُ ماله حلالاً، يُفرض أنّ ما يُعطيه من الحلال، والعكسُ بالعكس، كما قدّمنا نُصوصه فى الصّورة الأولى. أمّا إذا كان الحلالُ مخلوطاً بالحرام دون تمييز أحدهما بالآخر، فإنّه لاعبرةَ بالغلبة فى هذه الحالة فى مذهب الحنفيّة، بل يحلّ الانتفاعُ من المخلوط بقدر الحلال، سواءٌ أكان الحلالُ قليلاً أم كثيراً. ويدلّ على ذلك ما يأتى: ١- أوّلاً: إنّ الضميرَ المنصوبَ فى قول الدّرّ المختار: "ضمِنَه وملكه" يرجعُ إلى المغصوب، لأنّه محلُّ الضّمان والمِلك الجديد. أمّا مالُه الحلال، فلا هُو يضمَنه، ولا يحدُث له فيه ملكٌ جديد، وقولُه "بلا حلّ انتفاع " متعلّقٌ بالضّمان والملك الجديد، وليس متعلّقاً بماله الَّذى لا يضمنُه للمغصوب منه، وهو مملوكٌ له قبل الخلط. فظهر أنّ عدم حلّ الانتفاع متعلّقٌ بالحصّة المغصوبة فقط. ٢- وثانياً: إنّهم علّقوا حُرمةَ الانتفاع برضا مالكه بأداءٍ أو إبراء، كما فى الدَّرّ المختار. وهذه العلّةُ إنّما تتأتّى فى الحصّة المغصوبة، وليس فى ملك الغاصب. ٣- وثالثاً: إنّ فقهاء الحنفيّة لم يُقيّدوا عدمَ حلّ الانتفاع فى هذه الصّورة بكون الغالب فى المخلوط حراماً، فلو حكَمْنا بحرمة الانتفاع فى الكلّ، لزمَ أن لا يحلَّ له الانتفاعُ بمِلكه الطَّب. وإن قيل: إنّ الخُبثَ قد سَرى إلى الحلال بطريق الشّيوع، كما المبحث العاشر هو قول أصبغ من المالكيّة، فإنّ ذلك لا يصحّ على قول الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لأَنّه يقول: إنّ الغاصبَ مَلَك الكُلَّ بالخلط، وليس المغصوبُ منه شريكاً له، فلا يُتصوّر الشّيوعُ على مذهبه. وإن أريد الشّيوعُ المعنويّ لخبثٍ فى بعضه، فيلزم منه أن لا يجوزَ له الانتفاعُ، وإن كان غالبُ ماله حلالاً، لأنّ الشّيوعَ المعنويّ قائمٌ فيه أيضاً. وعليه، فلوكان فى ماله المخلوطِ ألفٌ من الحلال، وواحدٌ من الحرام، لزمَ أن لا يحلَّ له الانتفاعُ بشيئٍ منه، وهذا خلافُ البداهة، ولم يقُل به أحدٌ من الحنفيّة. وقد ذكرنا قولَ الفقهاء الحنفيّة فى القسم الثانى (المخلوط المتميّز) أنّه إن كان الغالبُ فى الأموال المتميّزة حلالاً، جاز للموهوب له أن ينتفعَ بما وُهِب له، مالم يعلم أنّ ما أهدى إليه حرامٌ بعينه، وعلّله الفقهاء بقولهم: "إنّ أموالَ النّاس لا تخلو عن قليل حرام، "(١) مع أنّ احتمالَ كونه من الحرام قائمٌ فى المال الذى أكثرُه حلال، فالانتفاعُ بقدر الحلال من المال المخلوط أولى بالجواز، لأنّ احتمالَ كونه حراماً منتفٍ ههنا. ٤- ورابعاً: تدلُّ بعض الجزئيّات على صحّة ما قلنا من أنّه يحلُّ له الانتفاعُ بقدر مِلْكه الحلال فى المخلوط. فقد جاء فى الفتاوى التّتار خانيّة نقلاً عن جامع الجوامع: "غصب كُرّاً، فخلَط بكُرَه، ثمّ باع نصفَه مُشاعاً، جاز."(٢) وهذا صريحٌ فى أنّه يحلّ له التّصرّف فيه بقدر مِلكه فيه، كما أنّه يدلّ على أنّ جوازَ الانتفاع ليس مشروطاً بكون الغالب حلالاً فى هذه المسئلة، لأنّ الحلال والحرامَ فى (١) الاختيار شرح المختار ٤: ١٧٦ (٢) الفتاوى التتار خانيّة، كتاب الغصب، الفصل الخامس ١٦: ٤٧٥ ١٠٣٤ فقه البيوع المسئلة المفروضة متساويان، وليس الحلالُ غالباً. وقد رُوي عن الإمام محمّد رحمه الله تعالى حِلُّ الانتفاع بقدر الحلال بصراحة. جاء فى التّتار خانيّة عنه: "غَصب عشرةَ دنانير، فألقى فيها ديناراً، ثمّ أعطى منه رجلاً ديناراً، جاز، ثمّ ديناراً آخر، لا." (١) والحلالُ ههنا أقلّ، ولكنّه أجيز بقدر الحلال بدون اعتبار الغلبة. ٥- وخامساً: قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "ولو خلط الغاصبُ دراهمَ الغصب بدراهم نفسه خلطاً لا يتميّز، ضمنَ مثلَها، ومَلك المخلوط، لأَنّه أتلفها بالخلط. وإن مات، كان ذلك لجميع الغرماء، والمغصوبُ منه أسوةُ الغرماء، لأنّه زال مِلكُه عنها، وصار ملكاً للغاصب." وكونُ المغصوب منه أسوةً للغرماء يدلّ على أنّه يجوز للغرماء الآخرين أن يأخذوا منه بنسبة ديونهم، ويحلّ لهم الانتفاعُ بما أخذوه. ثمّ قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "ولو اختلطت دراهمُ الغصب بدراهم نفسه بغير صُنعه، فلا يضمن، وهو شريك للمغصوب منه، لأنّ الاختلاطَ من غير صُنعه هلاك، وليس بإهلاك، فصار كما لو تلفت بنفسها، وصارا شريكَين لاختلاط المِلكين على وجهٍ لا يتميّز."(٢) وتصرّفُ الشّریك فى حصته تصرّفٌ جائز. (١) الفتاوى التتار خانيّة، كتاب الغصب، الفصل التاسع ١٦: ٥٠٩ وودلت هذه الرواية على أنّ ما روى عن الإمام محمّد رحمه الله تعالى من أنّ الغاصب إذا خلط المغصوب بملك نفسه لا يملكه، محمولٌ على أنّه لا يملك حصّةَ الغصب فيه. ولكن لايخرج ماله الحلال عن ملكه، ولذلك حلّ له الانتفاع بقدر ملکه فیه. (٢) بدائع الصنائع، كتاب الغصب ٦: ١٦٧ المبحث العاشر ٦- وسادساً: جاء فى الدّرّ المختار: "ولو خلط السلطانُ المالَ المغصوبَ بماله مَلَكه، فتجب الزّكوةُ فيه، ويورَثُ عنه، لأنّ الخلطَ استهلاكٌ إذا لم يُمكن تمييزُه عند أبى حنيفة، وقوله أرفق، إذ قلّما يخلو مالٌ عن غصب. وهذا إذا كان له مالٌ غيرُ ما استهلكه بالخلط منفصلٌ عنه يُوفى دينه، وإلاّ فلا زکوةَ، كما لو كان الکلُّ خبیثاً، كما فى النّهر عن الحواشى السّعدیّة." وقال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى تحت قوله: "بماله": "وأمّا لوخلطه بمغصوب آخر، فلازكوةَ فيه. "(١) وههنا فرّقوا بين المخلوط بمغصوب آخر وبين المخلوطِ بملكه، مع أنّ الخالطَ يملكُ المخلوطَ فى الفصلين جميعاً عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، فالظّاهرُ أنّ المخلوطَ بمغصوبٍ آخرَ كلُّه خبيثٌ عنده، والمخلوطُ بملكِه خبيثٌ بقدر الغصب، وطيّبٌ بقدر الحلال، ولذلك وجبت فيه الزكّوةُ بقدر حصّته،(٢) فإنّ الزّكوةَ لاتجبُ على الخبيث. ومقتضى هذه الأدلّة أنّه إن أعطى منه أحداً بقدر الحلال، جاز للآخذ أخذُه والانتفاعُ به، سواءٌ أكان غنيّاً أم فقيراً. وقد وجدتُ ذلك صريحاً فى الفتاوى الخانيّة عن الفقيه أبى اللّيث رحمه الله تعالى، قال: (١) ردالمحتار، كتاب الزكوة، باب زكوة الغنم ٥: ٥٢٤ و ٥٢٥ فقره ٨١٠٧ (٢) وإنّما قلنا "بقدر حصّته " لأنّهم اشترطوا أن يكونَ له مالٌ غير ما استهلكه بالخلط يوفى دينه، أى دينه المستحقّ للمغصوب منه، وحاصلُه أنّه لا يؤدّى إلاّ زكوة حصته فقه البيوع "إن كان مختلطاً بماله ... على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى يملكُ المالَ بالخلط، ويكون للآخذ أن يأخذَ إذا كان فى بقيّةٍ مال الميّت وفاءً بمقدار ما يؤدى به حقَّالخصماء."(١) ولذلك أفتى شيخ مشايخنا الإمام أشرف علىّ التّهانويّ رحمه الله تعالى فى عدّة أسئلةٍ فى المال المخلوط بالحلال والحرام بحلّ التّعامل. فسُئل عن رجل يسكُن مع أبيه وإخوته الذين يكسبون عن طريق الرّشوة، ومالُ السّائل حلال. وهو يُشاركهم فى مصاريف البيت. فأجاب رحمه الله تعالى: "الخلط استهلاك، والاستهلاك موجبٌ للملك. فإن كانت هذه المبالغُ تُصرف مجموعةً، يجوز للسّائل حسب الفتوى، وإن كان خلافَ التّقوى. وإن كان كلُّ أحد يَصْرف مبلغه على التّعاقب، مميّزاً عن المبالغ الأخرى، فعندما يُصرف مبلغُ الرّشوة، فإنّ أكله حرامٌ للسّائل."(٢) وحاصلُه أنّه يجوز للسّائل الانتفاعُ بهذا المخلوط بقدر حصّته فيه، وإن كان الظّاهو أنّ حصّتَه أقلُّ من مجموع حصص أبيه وإخوته. أمّا عند محمّد رحمه الله تعالى، فإنّ الغاصبَ الخالطَ وإن كان لا يملكُ المغصوبَ (١) الفتاوى الخانيّة، أوائل كتاب الحظر والإباحة، بهامش الهندية ٣: ٤٠١ وليُتنبّه أنّ الفقيه رحمه الله تعالى قد ذكر هنا قول أبى يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى على أصلهما أنّ الغاصب لا يملك المغصوب بالخلط بما يُتوهم منه أنّه لا يجوز عندهما الانتفاع بالمخلوط بقدر الحلال أيضا، ولكنّه خلافُ ما سيجيئ صراحةً من مذهبهما. (٢) هذا مفهوم ماجاء فى إمداد الفتاوى، كتاب الحظر والإباحة ٤: ١٤٨ سؤال ١٨٢ وليُتنبه أنّ السؤال الّذي قبله يتعلّق بالصّورة الرّابعة الّتى لايُعرف فيه أنّ الأموال متميّزةٌ أولا. والسؤال الذی بعده حُكم فيه بالغلبة يبدو متعارضا بما قلنا، ولكن يُمكن حملُه على الأموال المتميّزة، والله سبحانه أعلم. ٧ المبحث العاشر بالخلط، بل يُخيَّر المغصوبُ منه بين أن يضمن له حضّتَه أو يصيرَ شريكاً له فيه. ولكنّ هذا لا يعنى أن يزولَ مِلكُه عن مال نفسه الّذى خَلَطه بالمغصوب، فيبقى مالكاً بذلك القدر، ولذلك يجوز له أن يكون شريكاً للمغصوب منه. وعلى هذا تختلف مسئلةُ حلّ الانتفاع فى هذه الصّورة منها فى الصّورة الثّانية الّتى ليس فيها من مال الغاصب شيئ. فالظّاهر من أصله أنّه يحلّ الانتفاعُ بهذا المخلوط بقدر حصّته فيه، ولا يحلُّ فوق ذلك. وأمّا أبويوسف رحمه الله تعالى، فقد اضطربت عباراتُ الفقهاء فى نقل مذهبه، والظّاهر أنّه يعتبر الغلبةَ فى المخلوط. فإن كان مالُ الغاصب فيه أقلّ، لايحلّ له الانتفاعُ به إلاّ بقدر الحلال، وإن كان الغالبُ فيه مالَ نفسه الحلال، فإنّه يجوز له الانتفاعُ بالكلّ. جاء فى المحيط البرهانيّ نقلاً عن المنتقى: "قال هشام: سألت محمّداً عن رجلٍ غَصب من رجل ألف درهم، وخلط بها درهماً من ماله. قال: مذهبُ أبى يوسف فى هذا: إذا كانت دراهمُ الخالط أقل(١)، فالمغصوبُ منه بالخيار، إن شاء ضمّنه دراهم، وإن شاء شاركه فی المخلوط بقدر دراهمه. قلت: فإن كانا سواءً، فما مذهب أبى يوسف؟ قال: لاأدرى، وأمّا فى قولنا، (أى فى قول الإمام محمّد) فالمغصوبُ منه بالخيار على كلّ حال، إن شاء ضمّن الغاصبَ دراهمَه، وإن شاء كان شريكاً فيها."(٢) والخلاصةُ أنّ الغاصبَ إن خَلَطَ المغصوبَ بماله، مَلَكه وحلّ له الانتفاعُ بقدر حصّته على أصل أبى حنيفة، وعند محمّد رحمه الله تعالى، حلّ له الانتفاعُ بقدر (١) ودلّ هذا القول بمفهومه أنّه إن كان مالُ الخالط أكثر، يملك الكلّ ويحلّ له الانتفاع، والله أعلم (٢) المحيط البرهاني، كتاب الغصب، الفصل الخامس ٢٢٧٠٨ ١٠٣٨ فقه البيوع حصّته وإن لم يملكه. فإن باعه أو وهبه بقدر حصّته، جاز للآخذ الانتفاعُ به. أمّا إذا باع أو وهب بعد استنفاد حصّته من الحلال، فيدخلُ فى الصّورة الثّانية الّتى كلُّ المخلوط فيها مغصوب، ولا يحلّ له الانتفاعُ به، ولاللّذى يشترى أو يتّهب منه حتّی يؤدّيَ البدلَ إلى المغصوب منه. فأمّا إذا لم يعلم الآخذُ منه كم حصّة الحلال فى المخلوط، يعمل بغلبة الظّنّ، فإن غلب على ظنّه أنّ قدرَ مايتعامل به حلالٌ عنده، فلابأس بالتّعامل، كما سيأتى فى الصّورة الرّابعة. وبما أنّه قد يتعسّر معرفة قدر الحلال فى المال المخلوط، أو معرفةُ أنّ الغاصب استنفد ما فيه من الحلال، فلا شكّ أنّ الورعَ الاجتناب إلا إذا كان الغالبُ فیه حلالاً، ولكنّه من باب الورع، لا الفتوى، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٤٩٩- الصّورة الرابعة: أنّ المال مركّبٌ من الحلال والحرام، ولا يُعرف أنّ الحلال مميَّزٌ من الحرام أو مخلوطٌ غير مميَّز. وإن كان مخلوطاً فكم حصّةُ الحلال فيه. والأولى فى هذه الصّورة التنزّه، ولكن يجوز للآخذ أن يأخذَ منه بعضَ ماله هبةً أو شراءً، لأنّ الأصلَ الإباحة. وينبغى أن يُقيَّد ذلك بأن يغلب على ظنّ الآخذ أنّ الحلالَ فيه بقدر ما يأخذه أو أكثرُ منه. وهو مَحْمِل ما جاء فى العبارات الآتية: ١- قال الإمام محمّد رحمه الله تعالى فى كتاب الآثار: "أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا محمّد بن قيس أنّ أبا العوجاء العشّارَ كان صديقاً لمسروق، فكان يدعوه، فيأكلُ من طعامه ويشرب من شرابه، ولا يسأله. "قال محمّد: وبه نأخذ، ولابأس بذلك، مالم يعرف خبيثاً بعينه، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى."(١) (١) كتاب الآثار، باب الدّعوة ص ١٩٩ المبحث العاشر ٢- أخرج عبدالرزاق فى مصنَّفه عن الثّوريّ عن سلمة بن كهيل عن زربن عبدالله عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: "جاء إليه رجلٌ، فقال: إنّ لى جاراً يأكل الرّبوا، وإنّه لايزال يدعُونى، فقال: مَهْنَأُه لك وإثمُه عليه. " قال سفيان: فإن عرفتَه بعینه، فلاتُصِبه." ودلّ قوله: "فإن عرفتَه بعينه، فلاتُصبه" وكذلك قول محمّد: "مالم يعرف خبيثاً بعينه" على أنّ حِلّ الأكل مفروضٌ فيما إذا لم يعرف أنّ الحلالَ مميّزٌ عن الحرام عنده، ولا نسبةُ حصّةِ الحلال فى ماله. ولذلك لم يشترطا غلبةَ الحلال. ٣- أخرج عبدالرزاق بطريق معمر عن أبى إسحاق، عن الزّبير بن عديّ، عن سلمانَ الفارسيّ رضى الله تعالى عنه قال: إذا كان لك صديقٌ عاملٌ أو جارٌ عاملٌ، أو ذوقرابةٍ عاملٌ، فأهدى لك هديّةً، أو دعاك إلى طعام، فاقبَلْه، فإنّ مَهْنأَه لك، وإثمُه عليه. ٤- قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن منصور، قال: قلت لإبراهيم: عَريفٌ لنا يَهْبط، ويُصيب من الظّلم، فيدعونى، فلا أجيبه. قال: الشّيطانُ عَرض بهذا ليُوقِعَ عداوةً، وقد كان العُمّالُ يهبطون (١) ويُصيبون، ثمّ يَدْعُون فيُجابُون." ٥- وأخرج بالطّريق نفسه عن منصور، قال: قلت لإبراهيم: نزلتُ بعامل، فنزّلْنى(٣) وأجازنى. قال: اقبل. قلتُ: فصاحبُ رباً؟ قال: اقبل مالم تأمُرْه(٣) أو تُعينه."(٤) ٦- جاء فى الفتاوى الخانيّة: "وإذا مات عاملٌ من عُمّال السّلطان، وأوصى أن يُعطَى (١) كذا فى النسخة المطبوعة لمصنّف عبد الرزاق، ونقله ابن مفلح فى "الآداب الشّرعيّة والمنح المرعيّة" ١: ٤٧١ بلفظ "يهمطون " ولعله أصحٌ، ونقل عن الجوهريّ أنّ "الهمط: الظّلم والخبط". (٢) هو بمعنى "أنزلنى" من "أنزل الضّيف" أى أحلّه. (٣) كذا فى النسخة المطبوعة من مصنف عبد الرزاق. وحكاه ابن مفلح بلفظ: "أقبل ما لم ترَه بعينه" (١: ٤٧١) (٤) راجع لهذه الآثار مصنف عبد الرزاق، باب طعام الأمراء وآكل الربا، ٠٨ ١٥٠ و١٥١ رقم ١٤٦٧٥ و ١٤٦٧٧ و ١٤٦٧٩ و١٤٦٨٠ ١٩٤٥ فقه البيوع الحنطة للفقراء، قالوا: إذا كان ما أخذه من النّاس مختلطاً بماله، لا بأسَ به. وإن كان غيرَ مختلط، لا يجوز للفقراء أن يأخذوا إذا علموا أنّه مالُ الغير. فإن كان ذلك الغيرُ معلوماً ردّه عليه. وإن لم يعلم الآخذُ أنّه من ماله أو من مال غيره، فهو حلالٌ حتّى یتبیّن أنّه حرام."(١) وجوازُ الأخذ من المال المختلط فى هذه الجزئيّة ليس لكون الآخذين فقراء، لأنّه لوكان كذلك، لجاز لهم فى حالة عدم الاختلاط أيضاً، لأَنّه واجبُ التّصدّق. وإنّما ذُكر الفقراءُ هنا لكون المسئلة مفروضةً فيما كانت الوصيّةُ لهم. ولادخلَ لفقرهم فى جواز الأخذ من المال المخلوط. ٧- جاء فى الهنديّة: "قال الفقيه أبو اللّيث رحمه الله تعالى: اختلف النّاس فى أخذ الجائزة من السّلطان. قال بعضهم: يجوز مالم يعلم أنّه يُعطيه من حرام. قال محمّد رحمه الله تعالى: وبه نأخذ ما لم نعرف شيئاً حراماً بعينه، وهو قولُ أبى حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه."(٢) ٨- جاء فى البزّزيّة أنّ من لا يحلّ له أخذُ الصّدقة فالأفضل له أن لا يأخذ جائزةَ السّلطان. ثمّ قال: "وكان العلاّمةُ بخوارزم لا يأكل من طعامهم، ويأخذ جوائزَهم، فقيل له فيه، فقال: تقديمُ الطَّعام يكون إباحةً، والمُباحُ له يُتلِفه على مِلك المُبيح، فيكون آكلاً طعامَ الظّالم، والجائزةُ تمليك، فيتصرّف فى مِلك نفسه. "(٣) ومحمِلُه على ما إذا لم يعلم أنّ الحلال أو الحرام عندالسّلطان مخلوطٌ أو متميّز، وإن كان مخلوطاً بالحلال، فكم حصّتُه فى المخلوط؟ ولذلك قبِل الهديّة، ولم يقبلْ طعامَ الدّعوة تورُّعاً واحتياطاً، لأنّه يؤكلُ على مِلكه. وما ذكر ابنُ عابدين رحمه الله تعالى (١) الفتاوى الخانيّة، أوائل كتاب الحظر والإباحة، بهامش الهندية ٣: ٤٠٠ (٢) الفتاوى الهندية، ٣٤٢:٥ الحظر والإباحة، باب ١٢ (٣) البزّازيّة، كتاب الزكوة، على هامش الهنديّة، ٤: ٨٨ 0 المبحث العاشر من أنّ عمَلَه مبنيٌّ على أنّ الحرامَ لا يتعدّى إلى ذمّتين، والتّحقيقُ خلافُه، (١) لا يبدُو متّجهاً، لأنّه سمّاه طعامَ الظّالم، ولم يقل إنّه حرام.(٢) والله سبحانه وتعالى أعلم. ٥٠٠- القسم الرابع: غلّة المغصوب وأرباحه القسم الرّابع من المال الخبيث أن يتصرّف الغاصبُ فى المغصوب، فيستغلّه ويحصل على غلّة، مثل أن يغصِب سيّارةً، فيؤجرَها ويحصُل منه على أجرة، أو يبيعَها فيربَح فيها، ثمّ يؤدّى الغاصبُ ضمانَ المغصوب، فمن يملك الغلّة أو الرّبح؟ فيه أقوال مختلفةٌ للفقهاء. ٥٠١- مذهب الحنابلة فمذهب الحنابلة أنّ الرّبحَ يُردّ إلى المغصوب منه. قال ابنُ قدامة رحمه الله تعالى: "لأنّه نماءُ مِلْكه، فكان له، كما لو اشترى بعين المال، وهذا ظاهرُ المذهب، وإن حصل خُسرانٌ فهو على الغاصب."وعن أحمد رحمه الله تعالى أنّه يتصدّق به. وإن اشتری فی ذمّته ثمّ نقد الأثمان، فقال أبو الخطّاب: يحتمل أن يكون الرّبْحُ للغاصب. (٣) وذكر العلامة ابن تيميّة رحمه الله تعالى أنّ هناك قولا ثالثاً فى مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو أنّ الرّبح يكون مشتركاً بين الغاصب والمغصوب منه. وجعله ابنُ تيميّة رحمه الله تعالى أحسن الأقوال وأقيسها، كما قضى به عمر رضي الله تعالى عنه (٤)، لأنّ النّماء متولّد من الأصلين. (٥) (١) ردالمحتار، كتاب الزكوة ٥: ٥٣٠ فقره ٨١١٦ (٢) كذا فى أحسن الفتاوى ٣٢٨٨ ويؤيده ما فى الهنديّة: "لا ينبغى للنّاس أن يأكلوا من أطعمة الظّلمة لتقبيح الأمر عليهم وزجرهم عما يرتكبون وإن كان يحلّ"(الهنديّة ٥: ٣٤٢، كتاب الكراهية، باب ١٢) (٣) المغني لابن قدامة، كتاب الغصب ٤١٦:٥ (٤) أى فى قصّة عبيد الله بن عمر، حيث جعل القرض قراضا (٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠٢:٢٩ فقه البيوع ٥٠٢- مذهب المالكيّة وقال المالكيّة: الرّيحُ والغلّةُ للغاصب. قال ابن رشد (الحفيد): "وأمّا ما اغتلّ منها بتصريفها وتحويل عينها، كالدّنانير فيغتصبها فيتّجر بها فيربح، فالغلّةُ له قولاً واحداً فى المذهب."(١) ٥٠٣- مذهب الشّافعيّة أمّا الشّافعيّة، فلهم فيه قولان. جاء فى شرح المهذّب: "فأمّا إذا غصب مالاً، فاتّجربه وربح فيه، ففى ربحِه قولان: أحدهما، وهو قولُه فى القديم: أته لربّ المال، وهو مذهب مالك.(٢) والقول الثّانى: أنّه للغاصب، وهو مذهب أبى حنيفة. "(٣) ٥٠٤- مذهب الحنفيّة ومذهب الحنفيّة أنّ الغاصبَ بعد أداء الضّمان يملكُ المغصوبَ مِلكاً مستنداً إلى وقت الغصب، وليس عليه ردُّ الغلّةِ أو الرّحِ على المغصوب منه. ولكن هل يحلُّ له الانتفاعُ بهذه الغلّة أو الرّبح؟ فيه خلافٌ بين الفقهاء الحنفيّة. فقال أبويوسف رحمه الله تعالى: يطيب له الرّبحُ والغلّة بعد أداء الضمان. وقال أبو حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى: لا يحلّ له الانتفاعُ به حتّى يُرضِيَ صاحبه، ويتصدّقُ بالفضل. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: (١) بداية المجتهد، كتاب الغصب ٣٢١:٢ (٢) جعله الحطّب مشهور مذهبه فى الغلّة، وقول المدوّنة أنّه لايردّ غلّة العبيد والدواب، وقدمرّ عن بداية المجتهد أن ربح الدنانير للغاصب قولاً واحداً (مواهب الجليل للحطّاب، كتاب الغصب ٥: ٢٨٢ و٢٨٣ وذكر الدّسوقيّ رحمه الله تعالى أنّ الغاصب لواتجر فى المغصوب فالرّبح له، ونصّه: "الْوَصِيُّ الْمُتَّجِرُ بِهِ لِنَفْسِهِ أُوْلَى مِمَّنْ غَصَبَ مَالًا وأتجر فيه فَرِيحُهُ له. "(حاشية الدسوقي ٣: ٤٦٥) (٣) تكملة المجموع شرح المهذب، كتاب الغصب ١٤: ٢٥٠ 0 المبحث العاشر "ولو غصبَ أرضاً، فزرعها كُرّاً، فنقصَتْها الزّراعةُ وأخرجَتْ ثلاثةَ أكرار، يغرَمُ النّقصان، ويأخذ رأسَ المال، ويتصدَّق بالفضل. أمّا ضمانُ النّقصان، فلأنّ الغاصبَ نقصَ الأرض بالزّراعة، وذلك إتلافٌ منه، والعقارُ مضمونٌ بالإِتلاف بلا خلاف. وأمّا التّصدّقُ بالفضل، فلحصوله بسبب خبيث، وهی الزّراعةُ فى أرض الغصب، وإن كان البذْر مِلكاً له، ويطيبُ له قدرُ النّقصان وقدرُ البذر، لما ذكرنا أنّ النّهى ورد عن الرّبح، وذا ليس بربح، فلم يحرم ... وعلى هذا يخرج ما إذا غصب ألفاً، فاشترى جاريةً، فباعها بألفين، ثمّ اشترى بالألفين جاريةً، فباعها بثلاثة آلاف أنّه يتصدّق بجميع الرّبح فى قولهما. وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى: لا يلزمه التّصدّقُ بشيئ، لأَنّه رِبحُ مضمونٍ مملوكٍ، لأنّه عند أداء الضّمان يملكُه مستنداً إلى وقت الغصب، ومجرّدُ الضّمان يكفى للطّب، فكيف إذا اجتمع الضّمانُ والمِلك. وهما يقولان: الطِّيب كما لا يثبت بدون الضّمان، لا يثبتُ بدون المِلك من طريق الأولى، وفى هذا المِلكِ شُبهة العدم على ما بيّنًا فيما تقدّم، فلا يُفيد الطِّيب." وقد ذكر الكاسانيّ رحمه الله تعالى وجه شبهة العدم فيما سبق بقوله: "لأنّ الطَّيبَ لايثبت إلاّ بالمِلك المطلق، وفى هذاالمِلك شبهةُ العدم، لأنّه يثبت من وقت الغصب بطريق الاستناد، والمستند يظهر من وجهٍ، ويقتصر على الحال من وجهٍ، فكان فى وجودِه من وقت الغصب شبهةُ العدم، فلا يثبتُ به الحِلّ والطّيب، ولأنّ المِلكَ من وجهٍ حصل بسبب محظور، أووقع محظوراً بابتداءه فلا يخلو من خبث."(١) (١) بدائع الصنائع، كتاب الغصب ١٤٨:٦ و١٤٩