النص المفهرس
صفحات 381-400
المبحث العاشر وبما أنّه كثُرت فى زماننا البيوعُ الباطلة والفاسدة، وشاعَ التّعاملُ مع الّذين يُمارسون هذه البيوع، فمن المناسبِ هُنا أن نذكرَ أحكامَ المال الحرام والمِلك الخبيث، وما تنتقل فيه الحُرمةُ إلى من يتعاملُ مع من عنده مالٌ خبيث، وما لا تنتقلُ إليه. وإنّ هذه الأحكامَ مبعثرةٌ فى شتىّ أبواب الكُتُبِ الفِقْهيّة، وربّما تبدُو العباراتُ الفقهيّةُ متعارضةً فى بيانِ حُكم المالِ الحرام أو الخبيث، فمنها ما يدلّ على أنّ الحُرمةَ تقتصرُ على من اكتسبَ المالَ بطريقٍ محظور، ولا تتعدّى إلى مَن يشترى أو يتّهبُ منه، ومنها ما يدلُّ على أنّها تتعدّى إليه، ومنها ما يدُلّ على أنّ المالَ إن كان مخلوطاً من الحلال والحرام، فالعبرةُ للغلَبة، ومنها ما يدلّ على أنّ المخلوطَ يملكه الخالط، فيجوزُ للمشترى أو الموهوب له أن يأخذَه وينتفع به، وما إلى ذلك من العبارات. وطال خوضى فى هذه العبارات، والّذى وصلتُ إليه بعد سَبر أقوال الفقهاء فى أبوابٍ مختلفة أنّ المال الحرامَ أو الخبيثَ له أنواعٌ متعددة، وكلُّ نوعٍ له أحكامٌ مختلفة. فأريد أن أذكر هذه الأنواع وأشرحَ ما تبيّن لى ممّا ورد فى كلّ نوعٍ من كلام الفقهاء. ثمّ أذكر تطبيق هذه الأحكام على صُور التّعامل المعاصرة إن شاء الله تعالى، والله سبحانه هو الموفّق للسّداد والصواب. والتّفصيل فيه أنّ المال الحرام أو الخبيث على أقسام: ٤٧٦- القسم الأوّل ماكان محرّماً على المرأ لكونه ملكاً للغير وهو مثلُ المال المغصوب الّذى هو مقبوضٌ بيد الغاصب، متميّزٌ عن أملاكه الأخرى. وفى حُكمِه ما قَبِضَه بأيّ نوعٍ من البيوع الباطلة. وإن كان هناك فرقٌ بين المغصوب والمقبوض بالعقود الباطلة فى الظّاهر من حيثُ إنّ الغصب ينعدم فيه فقه البيوع رضا الغاصب، بينما العقود الباطلةُ تُعقد عموماً برضا الطّرفين، ولكنّ هذا الرّضا غيرُ معتبر شرعاً لمعارضته الشّرع، فهو كالمعدوم. ولهذا، فإنّ حكمها وحكمَ المغصوب سواء. وهذا بخلاف البيع الفاسد على أصل الحنفيّة، فإنّ الشّرِعَ اعتبره بيعاً فى بعض الأحكام، فيؤثّرُ تراضى الطّرفين فى بعض أحكامه، ولذلك أفردنا حُكمَ المال المقبوض بالبيع الفاسد فى قسم مستقلّ، وهو القسم الخامس. أمّا فى بيان القسم الأوّل، نُعبّر عن جميع العقود الباطلة فيما يأتى بالمغصوب، والذى يقبض هذا المالَ الحرام بالغصب. وذلك لسهولة التّعبير. ويشمل هذا التّعبيرُ كلَّ مالٍ حرامٍ لا يملكه المرأُ فى الشّرع، سواءٌ كان غصباً، أو سرقةً، أو رشوةً، أو رباً فى القرض، أو مأخوذاً ببيعٍ باطل. وإنّه حرامٌ للغاصب الانتفاعُ به، أو التّصرّفُ فيه، فيجبُ عليه أن يُرُدّه إلى مالكه، أوإلى وارثه بعد وفاته، وإن لم يُمكن ذلك لعدم معرفة المالك أو وارثه، أولتعذّر الرّد علیه لسببٍ من الأسباب، وجب عليه التّخلّصُ منه بتصدقه عنه من غير نيّةِ ثوابِ الصّدقةِ لنفسه. وهذا الحكمُ عامٌّ، سواءٌ أكان المغصوبُ عَرْضاً أم نقداً، لأنّ النّقودَ تتعيّنُ فى الغُصوب، حتّى عند الحنفيّة الّذين يقولون بعدم تعيّن النّقود، كما مرّ تحقيقُه. ثمّ إن كان المغصوبُ قائماً عند الغاصب بعينه، تتعدّى حُرمتُه إلى مَن يأخذُه من الغاصب شراءً أوهبةً أو إرثاً، وهو يعلمُ أنّه مغصوب. وهذا القدرُ لانعلم فيه خلافاً بين الفقهاء. قال ابن رُشد رحمه الله تعالى: "إذا كان الحرامُ عند آخذه لم يَفُتْ، رُدّ بعينه إلى ربّه ومالكِهِ، وسواءٌ كان له مالٌ حلالٌ، أو لم يكن، يعنى للغاصب، ولا يحلّ لأحدٍ أن يشتريه منه إن كان المبحث العاشر عرضاً، ولايُبايعُه فيه إن كان عيناً (أى نقداً)، ولا يأكلُه إن كان طعاماً، ولا يقبلُ شيئاً من ذلك(١) هبةً، ولا يأخذُه منه فى حقٍّ كان له عليه. ومن فَعل شيئاً من ذلك، وهو عالمٌ، كان سبيلُه سبيلَ الغاصب فى جميع أحواله." (٢) ٤٧٧- معنى قولهم الحرمةُ لاتتعدّى إلى ذمّتين وما ورد فى كلام بعض الفقهاء الحنفيّة أنّ الحُرمةَ لا تتعدّى إلى ذِمّتين، فهو محمولٌ على ما إذا لم يعلم بذلك، (٣) أى إذا لم يعلمِ الآخذُ أنّ هذا المالَ حرامٌ غيرُ مملوكٍ للمعطى.(٤) وكذلك الصّحيحُ أنّه لا يحلّ للورثة إذا علموا أنّه حرامٌ، سواءٌ أ علِموا أربابه، أم لم يعلموا. فإن علِموا رَدّوه إلى أربابه، وإن لم يعلموا تصدّقوا به. (٥) وقد ذهب بعضُ المالكيّة إلى أنّ المغصوبَ إن كان قائماً بعينه، فإنّه لا يحلُّ للورثة. أمّا إذا لم يكن قائماً بعينه، بأنّ الغاصبَ اشترى به سلعةً، فإنّه يحلُّ للورثة، وكذلك إن وهبه (١) الّذى فى الحطّاب: "ولا يقبل منه شيئاً هبةً" وصحّحناه من فتاوى ابن رشد ٦٤٣ (٢) مواهب الجليل للحطّاب، کتاب العصب ٢٧٨:٥ و٢٧٩ (٣) ردّالمحتار، كتاب الحظر والإباحة، فصل فى البيع ٦: ٣٨٥ وليُتنبه أنّ ما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى فى باب البيع الفاسد (مطلب فى من ورث مالاً حراماً) من أنّ الحرمة على الورثة مقيّدةٌ بما إذا كان عين المال الحرام، بخلاف ما إذا كان مختلطاً، يوهم أنّ المخلوط ليس بحرام للورثة، ولكنّه صرّح هنا أى فى كتاب الحظر والإباحة بما يأتى: "بخلاف ما تركه ميراثاً، فإنّه عينُ المال الحرام، وإن ملكه بالقبض والخلط عند الإمام، فإنه لا يحلّ له التّصرّف فيه قبل أداء ضمانه، وكذا لوارثه." (٣٨٦:٦) (٤) ويُمكن حملُه أيضاً على المبيع المقبوض فى البيع الفاسد على قول الحنفيّة، لأنّه إن باعه إلى آخر جاز للمشترى منه الانتفاعُ به وإن كان الشّراؤ مكروهاً إن علم بالفساد. وكذلك يُمكن حملُه على الملك الخبيث الذى تصدّق به المالك على الفقير، فجاز للفقير الانتفاع به، ولو وهبه الفقير إلى غنيّ جاز له أيضا. (٥) رد المحتار٦: ٣٨٦ فقه البيوع الرجل، فهو حلالٌ للموهوب له، ويرثه عنه ورثتُه. ونقل ابنُ رُشد ذلك عن ابن مُزَيْن من · المالكيّة (١) وعن ابن شهاب الزهريّ، والحسن البصريّ رحمهم الله تعالى أيضاً، ولكنّ ابنَ رُشدرحمه الله تعالى لم يُفتِ بذلك.(٢) ٤٧٨- بيغُ الغاصب العروض المغصوبة أمّا إذا أراد الغاصبُ أن ينقُلَ المغصوبَ إلى الآخر ببيع، فيختلف حكمُه فى العُروض والنّقود. فإن كان المغصوبُ عرْضاً، وهو قائمٌ بيدِ الغاصب، فلا يجوزُ لآخرَ أن يشتريَه منه، ولو اشترى، فالبيعُ موقوفٌ عند الحنفيّة على إجازة المالك، فلو فَسخَ المالكُ البيعَ، انفسخ، ووجب على المشترى أن يُرُدّه، وعلى البائع أن يُرُدّ الثّمن. وإن أجازَه قبلَ الخصومة، جاز البيعُ باتّفاق الفقهاء الحنفيّة، وإن أجازَه بعد الخُصومة وقضاء القاضى له، لم يجُز عند الإمام أبى حنيفة، وجاز عند صاحبيه، لأنّ الإجازة لاقت عقداً موقوفاً، فيصحّ كما قبل الخصومة، لأنّ الفسخ لم يوجد من المالك نصّاً، والخصومةُ تحتمل أمرين: الأول: أن تكون لاستدامة الملك، فبمجرّد الخصومة يُعتبر كأنّه فسخ العقد، والثّانى: أن تكون الخصومةُ لإثبات ملكه فيه، ومجرّد إثبات الملك لا يعنى أنّه (١) هو يحيى بن إبراهيم بن مزين (بضمّ الميم وفتح الزاى والياء المخففة مصغرا) من فقهاء المالكيّة فى القرن الثالث. أصله من طليطلة وانتقل إلى قرطبة. روى عن عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى ونظرائهم. ورحل إلى المشرق فلقي مطرف بن عبد الله وروى عنه الموطأ، ورواه أيضاً عن حبيب كاتب مالك، ودخل العراق فسمع من القعنبي وسمع بمصر من أصبغ بن الفرج، وكان حافظاً للموطأ فقيهاً فيه، وكان شيخاً وسيماً ذا وقار وسمت حسن موصوفاً بالفضل والنزاهة والدين والحفظ ومعرفة مذاهب أهل المدينة. قال ابن لبابة: ابن مزين أفقه من رأيت في علم مالك وأصحابه، ولي قضاء طليطلة وله تآليف حسان منها تفسير الموطأ. ولم يكن له على ذلك علم بالحديث. (الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون (١٧٧:١) (٢) فتاوى ابن رشد ص ٦٣٩ و٦٤٠ دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ المبحث العاشر فسخ البيع، بل يُمكن أن يُجيزه بعد ثبوت ملكه فيه. ويقول أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إنّه إن كان يُريد إجازة البيع، ما كان يحتاج إلى الخصومة عند القاضى، بل كان له أن يُجيز بنفسه، ولكنّه حين رفع الأمر إلى القاضى، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ مقصوده بالخصومة استدامةُ ملكه عليه، فبمجرّد الخصومة صار فاسخاً للبيع، فلا يملك الإجازة بعد الفسخ، إلاّ أن يعقد البيع من جديد.(١) ٤٧٩- الشراء بالنّقود المغصوبة أمّا إذا كان المغصوبُ نقداً، وأراد الغاصبُ أن يشتريَ به شيئاً، لا يجوز له ذلك قبل أداء الضّمان بالاتّفاق. ولكن إن اشترى شيئاً بالنّقود المغصوبة قبل أداء الضّمان، فقد ذكر ابنُ رُشد رحمه الله تعالى أنّ هذا البيعَ غيرُ منعقدٍ عند الشّافعيّ رحمه الله تعالى. وقيل: إنّ البيعَ منعقدٌ، وللمغصوب منه أن يأخذَ تلك السّلعةَ من الغاصب، وعلى كلّ حال، فمذهبُ المالكيّة أنّه لا يجوزُ لأحدٍ أن يشتري تلك السّلعةَ منه. وقيّد بعضُهم عدمَ الجواز بأن يكون الغاصبُ اشترى السّلعةَ بعينِ الدّنانير أو الدّراهم المغصوبة. أمّا إذا اشترى ذلك على ذمّته، ثمّ نَقدَ الثّمنَ من تلك الدنانير أو الدّراهم المغتصَبة، كان أكلُ ذلك الطّعام وشراءُ تلك السّلعةِ مكروهاً، حتّى يُنصِفَ المغصوبَ منه الدّراهم والدنانير أو يتحلّلَه منها. (٢) وعند الشّافعيّة فى الشّراء بالذّمّة قولان. قال الشّيرازيّ رحمه الله تعالى فى المهذّب: (١) هذا إيضاح لمافى المحيط البرهاني، كتاب الغصب، فصل ١٥ فى المتفرقات ٢٦٠٨ (٢) فتاوی ابن رشد ٦٤٧ و ٦٤٨ فقه البيوع "وإن غصبَ دراهمَ فاشترى سلعةً فى الذّمّة، ونقدَ الدّراهمَ فى ثمنها وربح، ففى الرّبح قولان: قال فى القديم: هو للمغصوب منه، لأنّه نماءُ ملکه، فصار كالثّمرة والولد. فعلى هذا يضمنُه الغاصبُ إذا تلِف فى يده كالثّمرة والولد. وقال فى الجديد: هو للغاصب، لأنّه بدلُ ماله."(١) والظّاهرُ أنّ القولَ الأوّل مبنيٌّ على عدم انعقاد البيع، لأَنّه نَقدَ ثمنَه من الدّراهم المغصوبة، والقول الثّانى مبنيٌّ على أنّ البيعَ منعقدٌ لأَنّه اشترى بما فى الذّمّة، فمَلَك المبيع. أمّا مشايخ الحنفيّة، فذكروا فى الشّراء بالمال الحرام خمسَ صُوَر: ١- أن يدفعَ النّقودَ المغصوبةَ إلى البائع أولاً، ثمّ يشترى منه بتلك النّقود. ٢- أن يُشيرَ إلى النّقود المغصوبة، ويشترى بها، ثمّ ينقد الثّمنَ منها. ٣- أن يُشيرَ إلى النّقود المغصوبة، ويعقِد الشّراءَ بها، ولكن ينقُد الثّمن بغيرها. ٤- أن لايُشيرَ إلى نقودٍ أصلاً، وإنّما يعقدُ الشّراء مطلقاً، ثمّ ينقُد الثّمنَ بالنّقود المغصوبة. ٥- أن يُشيرَ إلى نقودٍ غير مغصوبة، ويعقد الشّراءَ بها، ولكن ينقُد الثّمنَ بالنّقود المغصوبة. واختلف مشايخُ الحنفيّة فى حُكم هذه الصّور على ثلاثة أقوال: ٤٨٠- القول الأوّل: أنّه لا يحلّ له الانتفاعُ بما اشتراه قبل أداء الضّمان، ولوباعَه وربح (١) المهذّب للشيرازيّ مع تكملة المجموع ٢٤٨:١٤ 0 المبحث العاشر فيه قبل أداء الضّمان (بأن باعه بأكثرَ ممّا اشترى به) لايطيبُ له الرَّبْحُ، حتّى بعد أداء الضّمان. (أمّا إذا أدّى الضّمانَ إلى المغصوب منه، ثمّ باعَ ما اشتراه، فهذا الرّبْحُ طيّبٌ عند الجميع). ويستوى هذا الحكمُ فى جميع الصّور المذكورة. وهو مقتضى ظاهر الرّواية، وهو الذى اختاره أبوبكر الإسكاف، ورجّحه فى الهداية، وبدائع الصّنائع، وفى الفتاوى الهندية نقلاً عن التّبيين.(١) ٤٨١- والقول الثّانى: قولُ أبى نصر وأبى اللّيث رحمهما الله تعالى. وهو أنّه يطيبُ له ما ربح بهذا الشّراءِ فى الوجوه كلّها، إلاّ فى الوجه الأوّل. ودليلُهما أنّ الواجبَ فى ذمّة المشترى دراهمُ مُطلقة، والمنقودةُ بدَلٌ عمّا فى الذّمّة. أمّا عند عدم الإشارة فظاهرٌ، وكذا عند الإشارة، لأنّ الإشارةَ إلى الدّراهم لاتُفيد التّعيين، فالتحقت الإشارةُ إليها بالعدم، فكان الواجبُ فى ذمّته دراهمُ مطلقةٌ، والدّراهمُ المنقودةُ بدلاً عنها، فلا يخبث ما اشتراه. ٤٨٢- والقول الثالث: قولُ الكرخيّ رحمه الله تعالى، وهو أنّه لا يطيبُ له المشترَى وربحُه فى الصّورتين الأوليين، ويطِيبُ له فى الصُّور الثّلاث الأخيرة، لأنّ البيعَ فى هذه الصُّور لا يستند إلى المغصوب بعينه. ورجّح الكاسانيّ رحمه الله تعالى القولَ الأوّل، واستدلّ له بقوله: "وجهُ قول أبى بكر: أنّه استفادَ بالحرام مِلكاً من طريق الحقيقة أو الشُّبهة، فيثبتُ الخبث. وهذا لأنّه إن أشارَ إلى الدّراهم المغصوبة، فالمُشارُ إليه إن (١) الهداية مع فتح القدير، كتاب الغصب ٢٥٨٨ وبدائع الصنائع، كتاب الغصب ٦: ١٥٠ والفتاوى الهنديّة، باب ٨ من كتاب الغصب ١٤١:٥ فقه البيوع کان لا یتعیّنُ فی حقّ الاستحقاق، یتعیّنُ فی حقّ جواز العقد بمعرفة جنس النّقد وقدْره، فكان المنقودُ بدلَ المشترَى من وجه، نَقدَ منها أو غيرها. وإن لم يُشِرْ إليها ونَقَد منها، فقد استفاد بذلك سلامةَ المشترَى، فتمكّنت الشّبهةُ، فيخبُثِ الرّبح. وإطلاقُ الجواب فى الجامعين والمضاربة دليلُ صحّة هذا القول. ومِن مشايخنا من اختار الفتوى فى زماننا بقول الكرخيّ تيسيراً للأمر على النّاس، لازدحام الحرام. وجوابُ الكُتب أقربُ إلى التّنزّه والاحتياط، والله تعالى أعلم. ولأنّ دراهمَ الغصب مستحقّةُ الرّدّ على صاحبها، وعند الاستحقاق ينفسخُ العقدُ من الأصل، فتبيّن أنّ المشترَى كان مقبوضاً بعقدٍ فاسد، فلم یحلَّ الانتفاعُ به."(١) وهذا كلامٌ وجيهٌ جدّا. ٤٨٣- توجيه كلام الكرخيّ رحمه الله تعالى ثمّ قد يخطر ببالىوالله سبحانه أعلم أنّ قولَ الكرخيّ وأبى نصر والفقيه أبى الّيث رحمهم الله تعالى متعلّقٌ بطِيب ربحِ المغصوب بعد أداء الضّمان، لاقبلَه، وإن كان مذكوراً فى الكتب بدون هذا القيد. ومرادهم أنّ الغاصبَ إن اشترى بالنّقود المغصوبة ثوباً مَثلاً بمائة، ثمّ باع هذا الثّوبَ بمائة وعشرة قبل أداء ضمان النّقود المغصوبة، فربح فيها عشرة، ثمّ أدّى ضمانَ النّقود المغصوبة إلى الغاصب، فمذهبُ الإمام أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى أنّه لا يطَيب هذا الرّبْحُ بأداء الضّمان فيما بعد، لأنّه ربِحه قبل أداء الضّمان، وكان مِلكُه فى ذلك الوقت خبيثاً، كما سيأتى فى (١) بدائع الصنائع، كتاب الغصب ٦: ١٥٠ المبحث العاشر القسم الرّابع. أمّا الكرخيّ رحمه الله تعالى، فيقول: ينقلبُ هذا الرّحُ طيّباً بأداء الضّمان إن كان اشترى الثّوبَ بالصُّور الثّلاثة الأخيرة، ولا ينقلبُ طيّباً فى الصّورة الأولى والثّانية، لأنّ الشّراءَ بالنّقود المغصوبة متعيّنٌ فيهما. ويقول أبو نصر والفقيه أبو اللّيث إنّه ينقلب طيّباً فى الصُّور الأربعة الأخيرة، ولا ينقلب فى الصّورة الأولى. فيحتمل أنّ كلام هؤلاء المشايخ تفسير لقول الإمام أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى، وحملٌ له على الصّورة الأولى عند أبى نصر وعليها وعلى الصورة الثانية عند الكرخيّ رحمهم الله تعالى. وإنّما فسّرنا كلامَهم بذلك لوجهين: الأوّل: أنّ الله سبحانه وتعالى قال: "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُةُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥] وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبًا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٣٠] فأضاف اللهُ سبحانه وتعالى "الأكل" إلى الرّبوا، مع أنّه لا يكونُ عادةً إلاّ فى شكل النّقود، ولا يُمكنُ أکلُها، وإنّما يؤكلُ ما يُشتری به. وكذلك رويَ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: "إنّه لا يدخل الجنّةَ لحمٌ نَبتَ من سُحتٍ النّارُ أولى به."(١) فلو حُمِل قولُ الكرخيّ رحمه الله تعالى وغيرِه على جوازِ تناول ما اشتُرِيَ بالرّبوا وطيبٍ ربحه بدون أداء الضّمان، أو التّصدَّقِ به، لايبقى هناك معنىّ لأكل الرّبوا إلاَّ فى (١) أخرجه أحمد فى مسنده برقم ١٤٤٤١ بسند رجاله ثقات، وأخرجه الترمذيّ فى جامعه، أواخر كتاب الصلوة، باب ما ذكر فى فضل الصلوة، برقم ٦١٤ بسند فيه ضعف. فقه البيوع حالاتٍ نادرة جداً، لأنّ البيوعَ تُعقَد عموماً بدون تعيين النّقود عند العقد، ويبعُد كلَّ البعد أن يُنسب جوازُه إلى هؤلاء المشايخ. الوجهُ الثّانى: أنّ قولَ هؤلاء المشايخ إنّما ذُكر فى سياق حِلّ ربح المغصوب بعد أداء الضّمان لاقبلَه، لما سيجيئ فى القسم الرّابع من مذهب الإمام أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى أنّ الغاصب، ولو أدّى الضّمان إلى المغصوب منه، فإنّه يحلّ له تناولُ المغصوب بعد أداء الضّمان، ولكن لا يطِيبُ له الرّبحُ الذى حصل عليه قبل أداءه، خلافاً لأبى يوسف رحمه الله تعالى. وفى هذا السّياق ذُكر الخلافُ فى الهداية والبدائع بين ظاهر الرّواية وبين قول الكرخيّ رحمه الله تعالى. فالمسئلةُ الّتى ذُكرفيها خلافُ الكرخيّ مسئلةُ الجامع الصّغير الّتى ذكرها صاحبُ الهداية، ونصّها: "مَن غَصب ألفاً، فاشترى بها جاريةً، فباعها بألفين، ثمّ اشترى بالألفين جاريةً، فباعها بثلاثة آلاف درهم، فإنّه یتصدق بجميع الربح، وهذا عندهما." ثمّ قال صاحبُ الهداية: "فقوله فى الكتاب: "اشترى بها" إشارةٌ إلى أنّ التّصدَقَ إنّما يجبُ إذا اشترى بها ونَقَد منها الثّمن. أمّا إذا أشارَ إليها ونَقَد من غيرها، أو نقدَ منها وأشار إلى غيرها، أو أطلق إطلاقاً ونقد منها، يطيبُ له، وهكذا قال الكرخيّ، لأنّ الإشارةَ إذا كانت لاتُفيد الّعيينَ، لابدّ أن يتأكّد بالنّقد، ليتحقّق الخُبث. وقال مشايخنا: لا يطيب له قبل أن يضمن، وكذا بعد الضّمان بكلّ حال، وهو المبحث العاشر المختارُ لإطلاق الجواب فى الجامعين والمضاربة. "(١) وظاهرٌ أنّ مالا يطيبٌ بعد الضّمان هو الانتفاعُ والرّبحُ الَّذى حصل قبل الضّمان. أمّا أصلُ المشترَى، فيحلُّ الانتفاعُ به بعد الضّمان إجماعاً، وكذا ربحُه الّذى يحصّل بعد أداء الضّمان. فدلّ على أنّ اختلافَ المشايخ ليس فى حِلّ المشترَى وربحِه الحاصل قبل الضّمان، فإنّه لا يجوز فى قولهم جميعاً فى جميع الصُّور. وإنّما اختلافُهم فى أنّه إذا أدّى الغاصبُ الضّمانَ، فهل ينقلبُ الرِّيحُ السّابقُ الذى حصل عليه قبل أداء الضّمان جائزاً؟ فمُقتضى ظاهر الرّواية أنّه لاينقلبُ جائزاً، ومذهبُ الكرخيّ رحمه الله تعالى أنّه ينقلبُ جائزاً فى الصُّور الثلاثة الأخيرة، ولا ينقلبُ فى الصّورتين الأوليين. فإن قيل: إن كان الحالُ هكذا، فلماذا فرّق الكرخيّ رحمه الله تعالى بين الصُّورتين الأوليين وبين الصُّور الثلاثة الأخيرة؟ فالجواب: أنّ النّقود وإن كانت لاتتعيّن فى المعاوضات، ولكن فى الصّورتين الأوليين اجتمع الإشارةُ والنّقدُ جميعاً، فصار ما اشتراه عوضاً للمغصوب فعلاً، وإن لم يكن نظريّاً، فتمكّن فيه الخبثُ، وصار كأنّه اشتراه بعينٍ خبيث، فيتعدّى إلى الرّبح الحاصل منه، فلمّا أدّى الضّمانَ زال الخبثُ من عوض المغصوب، ولكن لم يطِب الرّبحُ الحاصلُ منه فى حال قيام الخبث، یعنی قبل أداء الضّمان على أصل أبى حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى. أمّا فى الصُّور الثّلاثة الأخيرة، فلم يتعيّن الشّراءُ بعين المغصوب، ولكن استند إليه إمّا بالإشارة المحضة، أو بالنّقد، فأورثَ هذا الاستنادُ شبهةَ الخُبث، لاحقيقتَها، (كما مرّ فى عبارة الكاسانيّ (١) الهداية مع فتح القدیر، کتاب الغصب ٢٥٧٠٨ و ٢٥٨ فقه البيوع رحمه الله تعالى) ومن أجل ذلك اقتصر الخبثُ على ما قبل أداء الضّمان. فلمّا أدّى الضّمان، زالت شبهةُ الخبث، فطابَ المشترَى وربحُه جميعاً. هذا ماظهر لى من توجيه كلام الكرخيّ رحمه الله تعالى، والله سبحانه أعلم. وذكر كثيرٌ من المتأخرين أنّ الفتوى الآن على قول الكرخيّ دفعاً للحرج عن النّاس. قال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى: "وعلى هذا مشى المصنّف (يعنى صاحب الدّرّ المختار) فى كتاب الغصب تبعاً للدُّرر وغيرها."(١) وقد أفتى به جماعةٌ من مشايخنا. فلو أُخذ قولُ الكرخيّ رحمه الله تعالى على ما فسّرناه، فرُجحانُه مسلّم. أمّا إذا أُخذ مُبيحاً لما اشتُريَ بالنّقود المغصوبة وربحِه، فالّذى يميل إليه القلبُ أنّ مَا رجّحه صاحبُ الهداية والكاسانيّ بناءً على قول الإمام أبى حنيفة ومحمّد رحمهم الله تعالى، هو الأولى بالتّرجيح، وهو الاحتياط. وإن كان كثير من الفقهاء المتأخرين أفتوا بذلك لعموم البلوى. ولذا فمن ابتُليَ بمثل هذا، يُرجى أن يسوغ له الأخذ بهذا القول عند حاجة شديدة، والتنزه أولى. ولم يُذكر عن الكرخيّ حکمُ البائع الذى أخذ من المشترى النقود المغصوبة، هل يسوغ له استعمال تلك النّقود؟ وقد أفتى كثير من علماءنا أنّه يجوز له ذلك أيضًا.(٢) والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) رد المحتار، كتاب البيع، باب المتفرقات ٤٤١:١٥ و ٤٤٢ فقره ٢٤٩٦٧ (٢) فتاوى دار العلوم ديوبند للمفتى عزيز الرحمن رحمه الله تعالى، كتاب البيوع، ١٤: ٣٩٣ و٣٩٦ إلى ٣٩٨ 0 المبحث العاشر ٤٨٤- والقسم الثانى: ما تغيّرت فيه العينُ المغصوبةُ بفعل الغاصب والقسم الثّانى هو المغصوبُ الّذى تغيّر بفعل الغاصب تغيّراً زال به اسمُها ومُعْظَمُ منافعها. كمن غصبَ شاةً وذَبحها وشواها، أو طبخها، أو غَصبَ حنطةٌ فطَحنها، أو حديداً فاتّخذه سيفاً، أو صُفراً فعمله آنيةً. وحكمُه عند الحنفيّة أنّ بهذا التّغيّر زال عنها ملكُ المغصوب منه، ومَلَكها الغاصبُ مِلكاً خبيثاً، وضمِنَها. ولا يحلُّ له الانتفاعُ بها حتّى يؤدّىَ بدلَها، وهو الظّاهر من قول المالكيّة. قال ابنُ الحاجب: وإذا ذَبح الشّاةَ ضمِن قيمتها، وزاد ابنُ عرفة الجلاب: "وكان له أكلُها. " ورُويَ عن ابن القاسم أنّ ربّها مخيّرٌ بين أخذٍ قيمتِها أو أخذِها بعينها على ماهى عليه من غير زيادة. "(١) وقال الشّافعيّ رحمه الله تعالى: لا ينقطع فيه حقُّ المالك، ويجب عليه أن يُرُدّه إلى مالكه كما هو، ولا يُشاركُ الغاصبُ فيه ببدل عمله، لأنّه عملٌ تبرّعَ به فى ملكِ غيره، فلم يُشاركه ببدله، (٢) وإن نقص ذلك العملُ من قيمته لزمه ضمانُ النّقصان أيضاً.(٣) وهو مذهب الحنابلة،(٤) وهو روايةٌ عن أبى يوسف رحمه الله تعالى، كما فى الهداية. وحجّةُ الحنفيّة على ما ذكره صاحب الهداية: "أنّه أحدث صنعةً متقوّمةً صيّر حقّ المالك هالكاً من وجهٍ. ألاترى أنّه تبدّل الاسم، وفات معظمُ المقاصد، وحقّه فى الصّنعة قائمٌ من كلّ وجه، فيترجّح على الأصل الّذى هو فائتٌ من وجه، ولانجعله سبباً للملك من حيثُ إنّه محظور، بل من حيثُ إنّه إحداثُ الصّنعة." (١) مواهب الجليل للحطّاب، كتاب الغصب ٢٧٧:٥ (٢) المهذّب للشيرازيّ مع المجموع ١٤: ٢٤٩ (٣) تكملة المجموع شرح المهذب للمطيعى ١٤: ٢٥١ (٤) المغني لابن قدامة، كتاب الغصب ٥: ٤٠٣ فقه البيوع وأمّا كونُه لا يحلّ الانتفاعُ بها قبل أداء البدل، فهو الصّحيح من قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وقال الحسن وزُفر رحمهما الله تعالى: يجوزُ الانتفاعُ به. وبمثله رَوى الفقيه أبو اللّيث عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى لثبوت ملكه فيه،(١) ولكنّ هذه الرّوايةَ عن أبى حنيفة أنكرها جمعٌ من المشايخ.(٢) وذكر صاحبُ الهداية أنّ ما رواه أبو اللّيث مقتضى القياس، وأنّ روایةً عدم حلّ الانتفاع استحسان. ٤٨٥- حديث الشّاة المصليّة الّتى أخذت بغير إذن صاحبها ووجهُ الاستحسان ما أخرجه الإمام محمّد رحمه الله تعالى فى كتاب الآثار من طريق أبى حنيفة عن عاصم بن كُليب عن رجل من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم قال: (١) الهداية مع فتح القدير، کتاب الغصب ٢٦٢:٨ (٢) وليتنبه أنه نقل فى الفتاوى الهندية عن المحيط: "من غصب من آخر لحمًا فطبخه أو غصب حنطةً، وطحنها وصار الملك له، ووجب عليه ردّ القيمة، فأكلُه حلالٌ فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى .. وفي فتاوى أهل سمرقند: مَن غصبَ من آخر طعاما فمضغه حتى صار بالمضغ مستهلكًا، فلمّا ابتلعه ابتلع حلالًا في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. (الهندية، كتاب الغصب ١٤٠:٥ باب ٨) ولكن لم يُذكر فى الهنديّة ما جاء فى المحيط بعد ذكر هاتين المسئلتين من الردّ عليهما، حيث قال: "حكي عن الشيخ الإمام الزّاهد نجم الدّين النّسفي: أنّه كان لا يصحح ما ذكر عن أبى حنيفة رحمه الله فى هاتين المسألتين، وكان يُنكِر ذلك قولَ أبى حنيفة رحمه الله، وكان يقول: الصّحيح عند المحقّقين من مشايخنا على قضيّة مذهب أصحابنا أنّ الغاصب لا يملك المغصوب، إلّا عند أداء الضّمان، أو قضاء القاضى بالضّمان، أو تراضى الخصمين على الضّمان، فإذا وُجد شيئٌ من هذه الأشياء الثلاثة، يثبت الملك، وما لا فلا، وبعد وجود شيئ من هذه الأشياء الثّلاثة، إذا ثبت الملكُ لا يحلّ للغاصب تناولُه، لأَنّه استفاده بفعلٍ لا يحلّ، فصار كالمملوك بالبيع الفاسد عند القبض، إلّا أن يجعله صاحبُه فى حلّ، فحينئذ يُباح تناولُه لانقطاع ذلك السّبب. " (المحيط البرهانيّ، كتاب الغصب ٢٤٦٠٨، الفصل ٩) العلشٹ "صنع رجلٌ من أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلّم طعاماً فدعاه، فقام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقُمنا معه. فلمّا وُضِعِ الطّعام، تناول وتناولنا معه، فأخذ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بضعةً، فلاكها فى فيه طويلاً لا يستطيع أن يأكلَها، فألقاها من فيه، وأمسك عن الطّعام. فدعا النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم صاحبَ الطّعام، فقال: أخبرنى عن لحمك هذا من أين هو؟ قال: يارسولَ الله! شاةٌ كانت لصاحب لنا، فلم يكن عندنا نشتريها منه، وعجلنا وذبحناها، فصنعناها لك حتّى يجيئ صاحبُها فنُعطيه ثمنها. فأمره النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يرفع الطّعام، وأن يُطْعِمه الأسارى."(١) ثمّ قال صاحب الهداية: "وإذا أدّى البدل يُباحُ له، لأنّ حقَّ المالك صار موفىَّ بالبدل ... وكذا إذا أبرأه لسقوط حقّه به، وكذا إذا أدّى بالقضاء أو ضمّنه الحاكم، أوضمّنه المالك لوجود الرّضا منه، لأنّه لایقضی إلاّ بطلبه." والظّاهر أنّه إذا ثبت رضا المالك فالانتفاع به يحلّ للغاصب بدون كراهة، أمّا إذا أخذ المغصوبُ منه البدلَ على مضض، فالأولى للغاصب التّنزه عنه والتّصدّق به. ولذلك قال الإمام محمّد رحمه الله تعالى بعد رواية قصّة الشّاة المصليّة: "وبه نأخذ. ولوكان اللّحمُ على حاله الأوّل، لمَا أَمر النّبيُّ صلّى الله عليه (١) كتاب الآثار للإمام محمد رحمه الله تعالى، باب الدعوة ص ٢٠٠ وأخرجه الدار قطني فى السنن (كتاب الصيد والذّبائح، باب ذبح الشاة المغصوبة) ٥: ٥١٤ إلى ٥١٦، رقم ٤٧٦٣، ٤٧٦٣ إلى ٤٧٦٧، والإمام أحمد فى المسند من طريق عاصم بن كليب عن أبيه ٣٧: ١٨٥، رقم ٢٢٥٠٩ فقه البيوع وسلّم أن يُطعمه الأسارى، ولكنّه رآه قد خرج عن مِلك الأوّل، وكره أكله، لأَنّه لم يضمن قيمتَه لصاحبه الذى أُخذت شاتُه. ومن ضمِن شيئاً فصارله من وجه غصب، فأحبُّ إلينا أن يتصدّق به، ولا يأكلَه، وكذلك ربحه. والأسارى عندنا أهل السِّجن المحتاجون. وهذا كلّه قياسُ قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى."(١) وإنّ هذه الرّوايةَ تدلّ على أمرين: الأوّل: أنّ الذّبحَ للشّاة مَلَك الشّاةَ بالذَّبح والطّبخ، فكان ما قدّمه إلى النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم مملوكاً له، ولكنّ النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم امتنعَ من أكله، فظهر بهذا أنّ الغاصبَ وإن كان يملكَ المغصوبَ بالتّغيير، فلا يحلُّ له الانتفاعُ به، ولا تقديمُه إلى أحدٍ هديّةً، أو إباحةً، قبل أداء البدل. والثّانى: أنّ ذابحَ الشّاة أفصح أمامَ النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم أنّه يُريدُ دفع القيمة إلى مالكها، والظّاهرُ أنّه كان قد دفعها بعد ذلك، ومع هذا لم يدّخرْ له النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم الطّعامَ فى انتظار دفع القيمة إليه، بل أمَره بإطعام الأسارى. فدلّ على أنّالغاصب، وإن التزم على نفسه أداءَ البدل، فإنّ المستحبَّ له أن يتصدّق بالشّيئ المغصوب، ولا يستعملَه لنفسه حتّى بعد أداء البدل، لأنه إنّما مَلَكه بطريق غير مشروع، وإن كان مِلكُه مستنداً إلى وقت الغصب عند الحنفيّة. وإلى هذا المعنى أشار الإمام محمّد رحمه الله تعالى حيثُ قال: "ومن ضمِن شيئاً فصارله من وجهِ غصبٍ، فأحبُّ إلينا أن يتصدّق به، ولا يأكلَه، وكذلك ريحه. "وقال الإمام نجم الدّين النّسفيّ رحمه الله تعالى فى تعليله: (١) كتاب الآثار، باب الدّعوة، ص ٢٠٠ المبحث العاشر "لأَنّه استفاده بفعل لا يحلّ، فصار كالمملوك بالبيع الفاسد عند القبض، إلاّ أن يجعله صاحبُه فى حِلّ، فحينئذ يُباحُ تناوله لانقطاع ذلك السّبب."(١) ولكن إن باعَه أو وهبه لأحدٍ بعد أداء البدل، جاز للمشترى أو الموهوب له أن ينتفع به بلاكراهة، لأنّه إنّما اشترى أو اتّهب ماهو مملوكٌ للبائع أو الواهب، وكانت الكراهةُ فى حقّه، وليس فى حقّ من أخذه منه بطريق مشروع. والله سبحانه وتعالى أعلم. ٤٨٦- القسم الثّالث: ما كان مجموعاً من الحلال والحرام وهو على أربع صور: الصّورة الأولى: أن يكون الحلالُ عند الغاصب أو كاسب الحرام متميّزاً من الحرام، فيجرى على كلّ واحدٍ منهما أحكامُه. وإن أعطى أحداً من الحلال، حلّ للآخذ، وإن أعطى من الحرام، حرم عليه، وإن علم الآخذُ أنّ الحلال والحرام متميّزان عنده، ولكن لم يعلَمْ أنّ ما يأخذُه من الحلال أو من الحرام، فالعبرةُ عند الحنفيّة للغلَبة. فإن كان الغالبُ فی مالِ المعطى الحرام، لم یجُزْله، وإن کان الغالب فى ماله الحلال، وسع له ذلك. وهو محملُ ما جاء فى الأشباه والنّظائر وغيرها من الكتب: "إذا كان غالبُ مال المهدى حلالاً، فلابأس بقَبول هديّتِه وأكل ماله، مالم يتبيّن أنّه من حرام. وإن كان غالبُ ماله الحرام، لا يقبلُها، ولا يأكلُ إلاّ إذا قال: إنّه حلالٌ ورثه أو استقرضه.(٢) (١) المحيط البرهاني، كتاب الغصب، الفصل التاسع ٢٤٦٠٨ (٢) الأشباه والنظائر، الفنّ الأوّل، القاعدة الثانية: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام ١: ٣٠٩ وكذلك جاء فى الاختيار شرح المختار: "(لا يجوز قبول هديّة أمراء الجور) لأنّ الغالب فى مالهم الحرمة (إلاّ إذا علم أنّ أكثر ماله حلال) بأن كان صاحب تجارة أو زرع، فلابأس به، لأنّ أموال النّاس = فقه البيوع فإنّ قوله " مالم يتبيّن أنّه من حرام" يدُلّ على أنّ هذه المسئلةَ متعلّقةٌ بما إذا كان الحرامُ متميّزاً عن الحلال. ولئن كان المقصودُ أنّ الغلبةَ شرطٌ للمخلوط غير المميّز أيضاً، فإنّه يُحمل على الورع، لما سيأتي إن شاء الله تعالى فى تحقيق مذهب الحنفيّة فى الصّورة الثّالثة. والذى يظهر من عباراتِ الحنابلة أن لاعبرةَ بالغلبة عندهم فى هذه الصّورة، بل يصحّ قبولُ الهديّة وعقدُ البيع معه، ولكنّه مكروه. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "وإذا اشترى ممّن فى ماله حرامٌ وحلال، كالسُّلطان الظّالم والمُرابى، فإن علم أنّ المبيعَ من حلالِ مالِه فهو حلال، وإن علم أنّه حرامٌ، فهو حرام. ولا يُقبل قولُ المشترى فى الحكم، لأنّ الظّاهرَ أنّ مافى يد الإنسان مِلكُه. فإن لم يعلم من أيّهما هو، كرهناه لاحتمال التّحريم فيه، ولم يبطُل البيع لإمكان الحلال، قلّ أو كثُر. وهذا هو الشّبهة، وبقدرٍ قلّةِ الحرام وكثرتِه تكون كثرةُ الشّبهة وقلّتُها."(١) ٤٨٧- والصّورة الثانية: أن يكون المرأَ خلَطَ المغصوباتِ بعضها ببعض، بأن غصب شيئاً من واحد وشيئاً آخر من آخر، ثمّ خَلَطها بحيثُ لا يتميّز بعضُها من بعض، ولكنّ = لاتخلو عن قليل حرام، والمعتبر الغالب. وكذلك أكل طعامهم. "(الاختيار شرح المختار، كتاب الكراهية، فصل فى الكسب ١٧٦:٤) وفى الهنديّة: "آكل الربا وكاسب الحرام أهدى إليه أو أضافه، وغالب ماله حرام، لا يقبل ولا يأكل، مالم يُخبره أنّ ذلك المال أصله حلال ورثه أو استقرضه. وإن كان غالب ماله حلالاً، لا بأس بقبول هديّته والأكل منها. كذا فى الملتقط. " (الهنديّة، الحظر والإباحة ٣٤٣:٥، باب ١٢) (١) المغنى لابن قدامة، كتاب البيوع ٣٠٨:٤ المبحث العاشر الكلَّ مغصوب، وعُرف ذلك منه. ولا خلافَ فى أنّه لا يجوز للغاصب أن يخلط المال المغصوب بشيئ آخر، لأنّه تصرّفٌ فى غير مِلكه. أمّا لو ارتكب هذا المحظور، وخَلَط المغصوباتِ بعضها ببعض، فاختلف الفقهاءُ فى حكم المخلوط. ٤٨٨- مذهب الأئمّة الثّلاثة والصّاحبين فعند الأئمّة الثّلاثة وأبى يوسف ومحمّد رحمهم الله تعالى لا يملكُ الغاصبُ المخلوطَ بالخلط، بل يكون المالُ المخلوط مشتركاً بين أصحابه، لا يزولُ مِلكهم منه،(١) فتجرى فيه أحكامُ القسم الأول، من أنّه لا يجوز للغاصب الانتفاعُ بشيئٍ منه، ولا لأحدٍ أن يقبل شيئاً منه هدیةً، ولا أن يُبایعَه فيه. ٤٨٩- مذهب الإمام أبى حنيفة وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إنّ الأموال المغصوبَة من أكثرَ من واحد متى خَلطَها الغاصبُ بعضَها ببعض، فقد مَلَكها الغاصبُ مِلكاً خبيثاً، ووجب عليه مثلُ ما غَصَب، ولا يجوز له الانتفاع به. والفرقُ بين القولين أنّ الغاصبَ الخالطَ إن باعَ المخلوطَ أو شيئاً منه، نفذ البيعُ عند أبى حنيفةَ رحمه الله تعالى، (بمعنى أنّه ينقُل إلى المشترى ملكَ المغصوب بخُبته، فلا يحلّ للمشترى منه الانتفاعُ قبل أداء الضّمان) ووجب على الغاصب أن يؤدّيَ الضّمان إلى المغصوب منه. أمّا عند الأئمّة الثّلاثة والصّاحبين، فلا ينفذ البيعُ أصلاً، لكونه بيعاً من غير مالكه. (١) المحيط البرهانيّ، كتاب الغصب، الفصل الخامس ٢٢٦:٨ وقال ابن قدامة: "وإن غصب دنانير أو دراهم من رجل وخلطها بمثلها لآخر فلم يتميّزا، صارا شريكين. (المغنى، كتاب الغصب ٤٠٦:٥)