النص المفهرس

صفحات 281-300

فقه البيوع
على قدر حاجة التّروّى فيها، فهي فى الدّار والعقار ستّةٌ وثلاثون يوماً، وفي الرّقيق
عشرة، وفى العروض خمسة أيّام، وفى الدّوابّ يومان، كما فى شرح الدّردير
وحاشيته للصّاوى.(١)
وقد يُستدلّ على المذهب الأوّل، وهو التقيّد بثلاثة أيام، بأحاديث فى إسنادها ضعفٌ
فصّلته فى تكملة فتح الملهم. و كذلك يُستدلّ على ذلك بحديث حبّان بن منقذ رضی
الله تعالى عنه، حيثُ جعل له رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم الخيارَ لثلاثة أيّام فقط. وبما
أنّ مشروعيّةَ الخيار مخالفٌ للقياس، فينبغى أن يقتصر على ما جاء فى النّصّ.
أمّا الّذين يجوّزون الخيارَ لما فوق ثلاثة أيّام، فإنّ هذا الخيارَ عندهم منبثقٌ من مبدأ
التّراضى، فليس مخالفاً للقياس، بل هو معلولٌ بالحاجة إلى التّروّى، وقد يُحتاج فى
التّروّى إلى أكثر من ثلاثة أيّام، ولاسيّما فى المبيعات الغالية. وذكر السّرخسيّ رحمه الله
تعالى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنّه أجاز الخيارَ لرجل فى ناقةٍ شهرين.(٢) ونظراً إلى
علّة مشروعيّة الخيار، وإلى أنّه لم يرد نصٌّ صحيحٌ فى نفيه بعد ثلاثة أيّام ، فالرّاجحُ أنّ
الخيارَ يجوز لما فوق ثلاثة أيام، ويُمكن أن تختلف المدّة من مبيع إلى مبيع آخر. ولكن
ينبغى أن لا تكون المدةُ تتضمّن ترك العقد متردداً إلى أمدٍ بعيد لا يُحتاج إليه للتّرومی فی
مثل تلك المبيعات.
(١) شرح الدردير وحاشيته ٣: ١٣٥ - ١٣٧
(٢) المبسوط السرخسي ١٣: ٤١ ولم أجده فى كتب الحديث، وقد ذكر صاحب الهداية عن ابن عمر
رضى الله عنهما أنّه أجاز الخيار إلى شهرين، ولكن قال الزّيلعيّ رحمه الله تعالى: "غريب جداً"
(نصب الراية ٤: ١٦) وقال ابن الهمام رحمه الله تعالى: "فلا يُعرف فى شيئ من كتب الحديث
والآثار.

المبحث الثامن
٤٠٧- خيارُ الرّدّ فى القانون الوضعيّ الإنكليزيّ
وإنّ الحكم المماثل لشرط الخيار فى القانون الإنكليزيّ هو ما يُسمّى "تسليم المبيع
بخيار المشترى أن يشتريَ أويردّ" (Delivery on Sale or Return) والمنصوصُ
فى "قانون بيع المال" أنّ هذا الخيارَ لا ينقُل المِلكَ إلى المشترى، بل تكون البضاعةُ
المبيعةُ عنده أمانة، فإن هلك بدون تعدٍّ منه، هلك من مال البائع. ولا ينتقل الملك*
إلى المشترى إلّ بأن يقبلَ البيعَ صراحةً، أو دلالةٌ بفعلٍ يدلّ على رضاه بالبيع، أو
بمُضيّ مدّة الخيار المنصوصة فى العقد بدون رفض البيع. وإن لم تكن مدّةُ الخيار
مذكورةً فى العقد، فبمُضيّ مدّةٍ معقولةٍ يُقدّرها القضاء.
وبما أنّ القانون يسمحُ تعليقَ البيع على شرطٍ، فإنّ الفرقَ بين شرطِ الخيار وبين البيع
المشروط (Conditional Sale) أنّ فى البيع بشرط الخيار ليس هناك مواعدةٌ بالبيع،
فلا يحقّ للمشترى أن يبيعَ ما قبضه إلاّ أن يكونَ ذلك دليلاً على إنجاز البيع. أمّا البيعُ
المشروط، ففيه مواعدةٌ بإنجاز البيع عند وجود الشّرط، فيحقُّ للمشترى أن يبيعَه
قبل وجود الشّرط وانتقال المِلك إليه، لأنّ القانون يسمحُ بيع ما لا يملكه الإنسان.(١).
ويظهر من مراجعة القوانين الوضعيّة وأقضية المحاكم أنّ القانونَ لم يُفرّق بين خيار
الشّرط وخيار العيب، وخيار فوات الوصف، بل أدخل كلَّ ذلك إمّا تحت "البيع
بشرط الخيار" (Delivery on Sale or Return) وإمّا فى البيع المشروط
.(Conditional Sale)
(١) هذه خلاصة مقتبسة من .Pollock & Mulla On Sale of Goods Act, Section 24, pp
206 to 213

٩٧٦
فقه البيوع
وبمقارنة القوانين مع الفقه الإسلاميّ فى هذا الموضوع تتبيّن الدقّةُ البالغةُ الّتى نظر
بها الفقهاءُ الأنواع المختلفة للخيار، والآثار المترتّبة عليها. ويظهر ذلك من مباحث
الخيار الآتية إن شاء الله تعالى.
٤٠٨- أثر الخيار على ملك المبيع والثّمن
ويجوز اشتراطُ الخيار من البائع، ومن المشترى، ومن كليهما، بل يجوز اشتراطُه
لشخص ثالث أيضاً، وهذا ممّا اتفق عليه الفقهاء.(١) ثمّ اختلفوا فى أثر الخيار على ملك
المبيع، بمعنى أنّ من يملك المبيعَ والثّمنَ فى مدّة الخيار.
٤٠٩- مذهب الحنفيّة
فقال الحنفيّة: إن كان الخيارُ للبائع، فإنّه يمنعُ خروجَ المبيع من ملكه، حتّى لو قبضه
المشترى بإذن البائع، فإنّه كالمقبوض على سَوم الشّراء، فلا يملك التّصرّف فيه، وإن
هلك بيد المشترى فى مدّة الخيار، فإنّ المشتري يضمنه بالقيمة إن كان قيميّاً، وبالمثل
إن كان مثليّاً، لا بالثّمن. ولكن يخرُج الثّمن عن ملك المشترى، ولا يدخلُ فى ملك البائع
عند أبى حنيفة، ويدخل عند صاحبيه. (٢)
وإن كان الخيارُ للمشترى، فلا يخرج الثّمنُ عن ملك المشترى، ولا يجوز للبائع أن
يتصرّف فيه إذا كان عيناً، ولا يستحقُّه على المشترى إذا كان ديناً.
(١) ردالمحتار ١٤: ٢٥٤ إلى ٢٥٧ والمغني لابن قدامة ٩٨:٤
(٢) بدائع الصنائع ٥٢٩:٤ و ٥٣٠

المبحث الثامن
أمّا المبيع، فإنّه يخرجُ من ملك البائع، فإن هلك فى يده، هلك بالثّمن، وكذا إذا
دخله عيب. وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إنّ المبيعَ وإن خرج من ملك
البائع، ولكنّ المشتريَ لا يملكه، وقال صاحباه: يدخل فى ملك المشترى، وعلى هذا
الزّياداتُ المنفصلةُ غيرُ المتولّدة من المبيع الحاصلةُ فى مدّة الخيار، مثلُ كسْب
العبد، تكون للمشترى، وإن فسخ البيعَ بعد ذلك، لأنّه لمّا خرج عن ملك البائع، فلو
لم يدخل فى ملك المشترى، يكون زائلاً لا إلى مالك، ولا عهدَ لنا به فى الشّرع، ولمّا
ملکه المشترى، فله غُنمه وعلیه غُرمه.
ولأبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّ الثّمن لم يخرج عن ملك المشترى اتفاقاً، فلو قُلنا
بأنّه يدخل المبيعُ فى ملكه، لاجتمع البدلان فى مِلكِ رجل واحدٍ حكماً للمعاوضة،
ولا أصلَ له فى الشّرِعِ، لأنّ المعاوضةَ تقتضى المساواة.(١) وعلى هذا كسبُ العبدِ
المبيع بخيارِ المشترى يكونُ للبائع بعد الفسخ. (٢)
وثمرةُ الخلاف بين الإمام أبى حنيفة وصاحبيه تظهر فى عدّة مسائل ذكرها الفقهاء،
ومعظمُها تتعلّق بشراء العبيد والجوارى، ومنها مسائلُ آتية:
إحداهما: أنّ المشتريَ إذا قبض المبيع بإذن البائع، ثمّ أودعه عند البائع، فهلك فى
يده فى تلك المدّة، هلك من مال البائع عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لأنّ
المشتريَ لم يملكه، فلم يصحّ إيداعُه، فلم يكُن بيد البائع وديعةً، وارتفع قبضُ
(١) فتح القدير ٥: ٥٠٣ و ٥٠٤
(٢) ردالمحتار ٢٩٨:١٤ فقرة ٢٢٧٠٢

٩٠٨
فقه البيوع
المشترى بالرّدّ. وعندهما يهلك من مال المشترى، لأنّ المشتريَ مَلکه، فصحّ منه
إيداعه عند البائع، والمودّع لا يضمن الوديعةَ عند الهلاك بغير تعدٍّ منه، وإنّما يهلك
من مال المودع المالك.
والمسئلة الثانية: لواشترى ذمّيٌّ من ذمّيّ خمراً على أنّ المشتريَ بالخيار، ثمّ أسلم
المشترى فى مدّة الخيار، بطل الخيار عندهما، لأنّه مَلكها، فلا يملك تمليكَها بالرّدّ
وهو مسلم. وعند أبى حنيفة يبطلُ البيع، لأنّه لم يملكها، فلا يملك تملّكَها بإسقاط
الخيار وهو مسلم.
!! (١)
الثّالثة: إذا اشترى داراً على أنّه بالخيار ثلاثة أيام، وهو ساكنُها بإجارة أو إعارة،
فاستدام سكناها بعدالشّراء، هل تُعتبر استدامتُه السّكنى اختياراً للعقد أم لا: عند أبى
حنيفة: لا تُعتبر، لأَنّه لم يملك عينَ الدّار، فاستدامتُه السّكنى لا تزالُ بحكم الإجارة أو
الإعارة. وعند الصّاحبين تُعتبر استدامتُه السّكنى اختياراً لتنفيذ البيع، لأَنّه مَلَك العينَ
بحُكم الخيار، فلمّا استدام السّكنى كان ذلك اختياراً منه بإمضاء العقد، كما لو ابتدأ
السّكنى أصلا.
هذا ما قرّره خواهر زاده من مذهب الصّاحبين. أمّا الإمام السّرخسيّ رحمه الله تعالى،
فقال إنّ الاستدامة ليست اختياراً.(٣) وعلى هذا، فلا فرق بين المذهبين فى هذه الجزئيّة.
وإنّ مجلّة الأحكام العدليّة قد اختارت مذهب الصّاحبين، فجاء فيها فى المادّة ٣٠٩:
(١) ردالمحتار ١٤: ٢٩٣ و ٢٩٥ فقر٢٢٦٩٦٥ وراجعه للتّفصيل
(٢) فتح القدير ٥: ٥٠٩

المبحث الثامن
"إذا شُرط الخيارُ للمشترى فقط، خرج المبيع عن ملك البائع، وصار مِلكاً
للمشترى. فإذا هلك المبيع فى يد المشترى بعد قبضه، يلزمه أداء ثمنه
المسمّی للبائع."
أمّا إذا كان الخيارُ لكلٍّ من البائع والمشترى، فلا يخرج المبيعُ عن ملك البائع،
ولا الثّمنُ من ملك المشترى، وأيُّهما فَسخ البيعَ فى المدّة انفسخ البيع، وأيّهما
أجاز، بطل خيارُه فقط، وصار العقدُ باتّاً من جانبه، والآخرُ على خياره. وإن لم
يوجد منهما إجازةٌ ولافسخٌ حتّى مضت المدةُ، لزم البيع. ولوأجاز أحدُهما
وفسخ الآخر، بطل البيعُ بينهما، سواءٌ أسبق الفسخُ أم الإجازة، أو كانا معاً،
ولاعبرةَ للإجازة بأيّ حال. (١) وإن تصرّف البائع فى المبيع، جاز وكان فسخاً،
وكذا تصرّف المشترى فى الثّمن إن كان عيناً. وتصرّف البائع فى الثّمن، إذا كان
عيناً، وتصرّف المشترى فى المبيع باطل. وأيّهما هلك قبل التّسليم، بطل البيع.
فإن هلك بعد التّسليم بطل أيضاً، ولزم قيمتُه.(٢)
٤١٠- مذهب الشافعيّة
أمّا الشّافعيّة، فلهم فى هذه المسئلة أقوال متعدّدةٌ فصّلها الشّيرازيّ فى المهذّب(٣)،
ولكنّ الأظهر عندهم ما يوافق أبايوسف ومحمّداً رحمهما الله تعالى فيما إذا كان
الخيارُ لأحد المتعاقدين، من أنّ فى خيار البائع لايزال ملكُه قائماً، وفى خيار
(١) رد المحتار ٢٨٩:١٤
(٢) ردالمحتار ٢٨٩:١٤ فقره ٢٢٦٨٠ وشرح المجلّة ٢٤٨:٢
(٣) راجع المجموع شرح المهذّب ٩: ٢١١ إلى ٢١٣

فقه البيوع
المشترى ينتقل الملكُ إليه. وأمّا إذا كان الخيارُ لهما أو لأجنبيّ، فالملكُ موقوف.
فإن تمّ البيع، بَانَ أنّ ملكَ المبيع للمشترى، ومِلكَ الثّمن للبائع من حين العقد. وإن
فُسِخ البيع، فللبائع ملكُ المبيع وللمشترى مِلكُ الثّمن من حينِ العقد، وكأنّ كلاً لم
يخرُج عن مِلك مالكِه، إذ أحدُ الجانبين ليس أولى من الآخَرِ، فوُقِف الأمرُ إلى
اللّزوم أو الفَسْخ. (١) وعلى هذا، فإنّ حكم هلاك المبيع فى مدّة الخيار فيه تفصيل
حسبما يأتى:
١- إذا هلك المبيعُ فى يد المشترى بآفةٍ سماويّة والخيارُ له، فالرّاجح عند الشافعيّة أنّ
البيع لا ينفسخ، والمشترى على خياره، فإن أجاز البيعَ فعليه الثّمن، وإن فَسَخه فعليه
القيمة. وإن أتلف المبيعَ أجنبيٌّ فى يد المشترى والخيارُ له، فالرّاجحُ أنّ البيعَ لا
ينفسخ، والمشترى على خياره، وتلزم الأجنبيَّ قيمةُ المبيع. ثمّ إن أجاز المشترى البيعَ،
فقيمةُ المبيع للمشترى، وإن فَسَخه فالقيمة للبائع. وإن أتلف المشترى المبيع، لزم البيعُ
واستقرّ الثّمن عليه. (٢)
(١) نهاية المحتاج للرملي ٤: ١٩ و٢٠
(٢) قال النّوويّ رحمه الله تعالى:
"إذا تلف المبيعُ بآفة سماوية في زمن الخيار، نُظر، إن كان قبل القبض، انفسخ العقد. وإن كان بعده،
وقلنا: الملكُ للبائع، انفسخ أيضاً، فيستردّ الثّمن، ويغرَم للبائع القيمة. وإن قلنا: الملكُ للمشتري أو
. موقوف، فوجهان أو قولان. أحدهما: ينفسخ أيضاً، لحصول الهلاك قبل استقرار العقد. وأصحّهما: لا
ينفسخ، لدخوله في ضمان المشتري بالقبض، ولا أثرَ لولاية الفسخ كما في خيار العيب. فإن قلنا
بالانفساخ، فعلى المشتري القيمة ... وإن قلنا بعدم الانفساخ، فهل ينقطع الخيار؟ وجهان. أحدهما:
نعم، كما ينقطع خيارُ الرّدّ بالعيب بتلف المبيع. وأصحّهما: لا .. . فإن قلنا بالأوّل، استقرّ العقد ولزم
الثمن. وإن قلنا بالثاني، فإن تم العقد، لزم الثمن، وإلاّ وجبت القيمة على المشتري، واستردّ الثمن .. لو
قبض المشتري المبيع في زمن الخيار وأتلفه متلف قبل انقضائه، إن قلنا: الملكُ للبائع، انفسخ البيع =

٩١١
المبحث الثامن
٢- إذا هلك المبيعُ فى يد المشترى والخيارُ للبائع، انفسخ البيع، لما مرّ أنّ مِلك
البائع زمنَ خياره لم يزل قائماً، سواء أكان المبيعُ فى يد المشترى أم فى يده، فهلاك
المبيع زمنَ خيار البائع كهلاكه قبل قبض المشترى، فينفسخُ البيع، ولكن يغرَم
المشترى القيمة.
٣- إن هلك المبيعُ فى يد البائع بآفةٍ سماويّة، فإنّ البيع ينفسخ، سواءٌ أكان الخيارُ
للبائع أم للمشترى.
٤- إن أتلف المبيعَ أجنبيٌّ وهو فى يدالبائع، سواءٌ أكان الخيارُ للبائع أم للمشترى،
فالبيعُ لا ينفسخ، ويبقى الخيارُ لصاحبه. فإن شاء فسخ البيع، ويغرم الأجنبيّ قيمةَ
المبيع للبائع. وإن شاء أجاز البيع، ويغرم الأجنبيّ قيمة المبيع للمشترى.
٥- إن أتلف المشترى المبيعَ، والخيارُ له، استقرّ عليه الثّمن، سواءٌ أكان فى يد البائع،
أم فى يدالمشترى، لكونه يُعتبر قبضاً.
٦- إن أتلفه المشترى والخيارُ للبائع، انفسخ العقد وغرم المشترى القيمة، سواءٌ أكان
فى يده، أم فى يد البائع. (١)
= كالتلف. وإن قلنا: للمشتري أو موقوف، نُظر، إن أتلفه أجنبي، بني على ما لو تلف. إن قلنا: ينفسخ
العقد هناك، فهو كإتلاف الأجنبيّ المبيع قبل القبض ... وإن قلنا: لا ينفسخ، وهو الأصح، فكذا هنا،
وعلى الأجنبيّ القيمة، والخيارُ بحاله. فإن تمّ البيع، فهي للمشترى، وإلّا فللبائع. وإن أتلفه المشترى،
استقرّ الثّمنُ عليه. فإن أتلفه فى يد البائع وجعلنا إتلافه قبضاً، فهو كما لو تلف فى يده." (روضة
الطالبين ٤٥٢:٣)
(١) هذه الصور لخصتُها من عبارة النّوويّ رحمه الله تعالى فى روضة الطالبين المنقولة فى الحاشية
السابقة، وفيها غموض، فليتأمل.

٩١٢
فقه البيوع
٤١١- مذهبُ المالكيّة
وقال المالكيّةُ فى مذهبهم المعتمد: إنّ المبيعَ لايزال فى مِلك البائع فى مدّة الخيار،
سواءٌ أكان الخيار للبائع أم للمشترى.
وعندهم قولٌ آخر، وهو أنّه مملوكٌ للمشترى فى الحالتين، ولكنّ مِلكَه غيرُ تامً
الاحتمال ردّه، ولكنّ المبيعَ يبقى فى ضمان البائع على كلٌّ من القولين. قال الدّسوقيّ
رحمه الله تعالى:
"والملكُ للمبيع بخيارٍ فى زمنه للبائع، وهذا هو المعتمَد. وعليه، فالإمضاءُ نقلُ
المبيع من ملكِ البائع لملك المشترى. وقيل: إنّ الملكَ للمشترى، فالإمضاءُ
تقريرٌ لمِلك المشترى، وأصلُ مِلكه حصل بالعقد. وهذا معنى قولهم: إنّ بيعَ
الخيار منحلٌّ، أى إنّ المبيعَ على مِلك البائع، أو منعقدٌ أى إنّه على ملك
المشترى، لكنّ ملكَه غيرُ تامّ لاحتمال ردّه، ولذلك كان ضمانُ المبيع من البائع
على القولين اتفاقاً. فثمرةُ الخلاف فى الغَلّة الحاصلة فى زمن الخيار وما ألحق
بها فقط، فهى للبائع على الأوّل، وللمشترى على الثّانى، إلاّ أنّ كونَ الغُلّة
للمشترى على القول الثّانى مخالفٌ لقاعدة "الخراجُ بالضّمان" و"من له الغُنْم
عليه الغُرْم "فإنّ الغُنمَ هُنا للمشترى، والغُرْم أى الضّمان على البائع، فتأمّل."(١)
والذى عليه كتب المذهب هو القولُ الأوّل أنّ المبيعَ لا يخرج من ملك البائع فى مدّة
الخیار. و کونُ المبیع فی ضمان البائع فی مدّة الخیار، وأنّه یھلك من مال البائع، ليس
(١) الدّسوقيّ على الدّردير ١٠٣:٣

المبحث الثامن
على إطلاقه، بل قسّم المالكيّةُ المبيعات إلى قسمين: الأوّل ما يُمكن إخفاؤه وكتمُه،
مثل الثّوب والحُليّ والسّلاح، ويُعبّرون عنه بٍ "ما يُغابُ عليه" والثّانى: ما لا يُمكن
إخفاؤه، مثل العقار والدّابّة والسّفينة الواقفة فى المُرسى، ويُعبّرونه بِ "ما لايُغابُ
عليه". فإن كان المبيعُ ممّا لا يُغاب عليه، فلا يضمن المشترى بهلاكه فى يده، (إلاّ أن
يثبت تعدّيه، أو أن يأتيَ البائع ببيّنةٍ أنّه كاذبٌ فى دعوى الهلاك.) وإن كان ممّا يُغاب
عليه، فإن ادّعى أنّه هلك فى يده بغير تعدٍّ منه، وجب عليه أن يُثبتَ ببيّنة أنّه هلك
بغير تفريطٍ، أو بأمرٍ ظاهر، من أخذ لُصوص، أو غرق مركبٍ كانوا فيه، أو احتراق
منْزل، أو قِدر، أو الثّوب فى النّار. فإن أثبته المشترى ببيّنة، لم يضمن، وكان من
ضمان البائع، وإن لم يُثبت الهلاك على هذا الطّريق، ضمِنه المشترى بالثّمن، إلاّ فى
حالةٍ واحدةٍ يضمن فيها القيمة. وهى أن يكون الخيارُ للبائع، والقيمةُ أكثرُ من الثّمن،
فيُحلَّف المشترى على أنّ المبيع ضاع أو هلك بدون تفريطٍ منه، فإن حلف، ضمن
الثّمن، وإن نكل عن اليمين، ضمن القيمة. (١)
٤١٢- مذهب الحنابلة
أمّا الحنابلةُ، فالملكُ ينتقلُ عندهم إلى المشترى بنفس العقد. قال ابنُ قُدامة رحمه الله
تعالى: "وينتقل الملكُ إلى المشترى فى بيع الخيار بنفس العقد فى ظاهر المذهب، ولافرق
بين كون الخيار لهما، أو لأحدهما، أيُّهما كان. وعن أحمد أنّ المِلك لا ينتقل حتّى ينقضيَ
الخيار، وهو قولُ مالك، والقولُ الثّانى للشّافعيّ. " (٢)
(١) التاج والإكليل، (حاشية المواق على مختصر خليل) فصل فى الخيار (على هامش الحطاب) ٤: ٤٢٢ و٤٢٣
(٢) المغني لابن قدامة ٢٦:٤ و ٢٧

٦٣٦
فقه البيوع
وإنّهم رجّحوا انتقالَ الملك إلى المشترى فى ظاهر المذهب بجميعٍ ما يتفرّع عليه،
فقالوا: ينتقل ضمانُ المبيع إلى المشترى، كما ينتقل فى البيع الباتّ عندهم، فإن كان
المبيعُ ممّا لا يتعلّق به حقُّالتّوفية، ينتقلُ الضّمانُ بمجرّد العقد، وإن كان ممّا يتعلّق به حقُّ
التّوفية، فإنّ الضّمانَ ينتقلُ بعد قبض المشترى إيّاه، كما فصّلناه فى مبحث انتقال
الضّمان. قال البهوتيّ رحمه الله تعالی:
"(فإن تلف) المبيعُ زمن الخيارين ( أو نقَص ) بعيب ( ولو قبل قبضه) فمن
ضمان مشترٍ (إن لم یکن مکیلاً ونحوه) کموزون ومعدود ومذروع بيع بذلك(١)
(ولم يمنعه منه) أي لم يمنع المشتريَ من القبض (البائعُ، أو كان) مبيعاً بكيل، أو
وزن، أو عدّ أو ذرع (وقبضه مشترٍ) وتلف أو نقص زمن الخيارين (ف ) هو (
من ضمانه) أي المشتري، لأَنّه ماله تلِف بيده ( ويبطُل خيارُه ) أي المشتري
بتلف المبيع المضمون عليه لاستقرار الثّمن بذلك في ذمته."(٢)
وكذلك غّةُ المبيع الحاصلة فى مدّة الخيار للمشترى. قال ابنُ قدامة: "وما يحصُل
(١) يعنى إذا لم يقع البيع كيلاً أو وزناً أو ذرعاً أو عدداً، فإنّه لا يتعلّق به حقّ التّوفية، فينتقل الضّمان
إلى المشترى بنفس العقد، ولا يُشترط لانتقال الضّمان قبضُ المشترى.
(٢) كشاف القناع ٣: ١٩٤ وليُتنبه أنّ عبارة النّسخة المطبوعة من المغنى لابن قدامة فيها سقط، حيث
قال: "وضمان المبيع على المشترى إذا قبضه ولم يكن مكيلاً ولا موزوناً" (المغنى ٤: ٣٩ ط: دار
الكتب العلمية) فإنّه يوهم أنّ القبض يُشترط لانتقال الضمان فيما ليس مكيلاً أو موزوناً، مع أنّه
خلاف مذهبهم، وقد ذكر بعض المحققين فى نسخة أخرى أنّ العبارة فى الأصل هكذا: "إذا
قبضه أو لم يكن مكيلاً ولا موزوناً " (المغنى ٦: ٢٣ ط: دار عالم الكتب) وهذا أوفق بما ذكرنا من
عبارة الكشاف، وإن كان حكم المعدود والمذروع مثل المكيل والموزون، ولم يذكر فى هذه
العبارة.

0
المبحث الثامن
من غلاّت المبيع ونَمائِه المنفصل فى مدّة الخيار فهو للمشترى، أمضيا العقد أو
فسخاه ... ولنا قولُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "الخراجُ بالضّمان" .. وهذا من ضمان
المشتری، فیجب أن یکون خراجه له."(١)
٤١٣- سقوط خيار الشرط
ويسقط خيار الشّرط بأمور آتية:
الأوّل: الإجازة ممّن له الخيار، بأن يقول: أجزتُ البيع، أو أسقطت الخيار.
الثّاني: أن يتصرّف مَن له الخيار تصرفاً يدلّ على إجازة البيع. فإن كان الخيارُ للبائع،
فتصرّفه فى الثّمن يُسقِط خيارَه. مثل أن يكون الثّمنُ عيناً، فيتصرّفُ فيه تصرّفَ
الملاك، بأن يبيعه أو يُساومه أو يُؤجره أو يرهنه، ونحو ذلك. أمّا إذا كان الثّمنُ ديناً،
فالْتّصرَف فيه مثل أن يُبرئَ البائعُ المشتريَ من الثّمن، أو يشتريَ به شيئاً منه، أو يهبه
من المشترى، فهو إجازةٌ منه للبيع.(٢)
أمّا إن كان الخيارُ للمشترى، فتصرّفُه فى المبيع بأن يبيعَه إلى آخر، أو يهبَه أو يؤجره
أويرهنَه، فإنّه يُعتبر إجازةً منه للبيع، ويسقُط به خيارُه وينفذ تصرّفه عند الحنفيّة
والحنابلة.(٣) وعند الشّافعيّة فيه وجهان، وصحّح أبو سعيد الإصطخريّ ما يُوافق الحنفيّة
والحنابلة.(٤) وكذلك عند المالكيّة فيه قولان. الأول: أنّ من اشترى شيئاً بالخيار، ثمّ باعه
(١) المغني لابن قدامة ٤: ٣٥ إلى ٣٨
(٢) بدائع الصنائع ٤: ٥٣٣ ٥٣٤
(٣) المغنى لابن قدامة ٤: ١٤ و ١٥
(٤) المجموع شرح المهذّب ٩: ٢٠١

فقه البيوع
إلى ثالث فى مدّة الخيار، فإنّ مجرّد البيع إلى آخر لا يدلّ على رضاه، إلّ أن يدّعيَ أنّه
اختار الشّراء قبل البيع إلى ثالث، فيُصدّق بيمين عند البعض، ولا يُصدّق عند آخرين.
والقول الثّانى ما رواه ابن القاسم فى المدوّنة، وهو أنّ البيع إلى طرف ثالث يُعتبر اختياراً
للبيع، كما هو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة. بل يدلّ على الرّضا أيضاً أن يتسوّق المشترى
المبيع. وذكر الدّردير رحمه الله تعالى أنّالمعوّل عليه قول ابن القاسم.(١)
الثّالث: مُضيّ مدة الخيار، لأنّ الخيارَ مُوقّت به، والموقّت إلى غاية ينتهى عند وجود
الغاية. لكن هل تدخل الغايةُ فى شرط الخيار بأن يشترط الخيارَ إلى اللّيل أو إلى الغد، هل
يدخل اللّيل أو الغد؟ قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تدخل، وقال صاحباه: لا تدخل، وهو
قول الشّافعيّ وأحمد رحمهما الله تعالى.(٢) لأنّ الغايةَ لاتدخل تحت ما ضُربت له الغاية،
كما فى قوله تعالى عزّشأنه: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)) [البقرة: ١٨٧] حتّى لا يجب الصّوم
فى اللّيل، وكما فى التّأجيل إلى غاية، أنّالغايةَ لا تدخل تحت الأجل.
ولأبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّ الغاياتِ على قسمين: غايةُ إخراج، وغايةُ إثبات. فغايةٌ
الإخراج تدخُل تحت ما ضُربت له الغاية، كما فى قوله تعالى: ((فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)) [المائدة: ٦] والغايةُ فى خيار الشّرط فى معنى غاية الإخراج. قال
الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "ألاترى أنّه لولم يذكر الوقت أصلاً، لاقتضى ثبوت الخيار فى
الأوقاتِ كلّها، حتّى لم يصحّ، لأَنّه يكونُ فى معنى شرط خيار مؤّد، بخلاف التّأجيل إلى
غاية، فإنّه لولا ذكرُ الغاية، لم يثبت الأجلُ أصلاً، فكانتِ الغايةُ فى التّأجيل غايةَ إثبات، فلم
تدخل تحت ماضربت له."(٣)
(١) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدّسوقي ٣: ١٠٠ و١٠١
(٢) المغني لابن قدامة ٤: ١٠٤ و١٠٥
(٣) بدائع الصنائع ٤: ٥٣٤

المبحث الثامن
والذى يظهر لهذا العبد الضّعيف عفا الله تعالى عنه أنّ الحكمَ يُمكن أن يختلف
باختلاف اللّغات وأعرافها، فإنّ الألفاظَ الموضوعةَ للغاية فى بعض اللّغات تُعيّن
دخولَ المغيّا فيها، أو عدمَ دخولها، فإن تعيّن ذلك فى عُرف لغةٍ أو بلدٍ، يُعمل بذلك
العُرف بلاخلاف. والله سبحانه وتعالى أعلم.
الرّابع: أن يظهر فى المبيع ما يمنعُ الرّدّ، والموانعُ هى الموانعُ الّتى فصّلناها فى خيار
العيب، مثل هلاك المبيع. وضمانُ الهلاك حسبما ذكرناه فى مسئلة انتقال الملك.
٤١٤- حكم تعيّب المبيع أثناء مدّة الخيار
إن حدث فى المبيع عيبٌ أثناء مدّة الخيار، فالحكم يختلف باختلاف الحالات الآتية:
١- إن كان الخيارُ للمشترى، وحدث بيده عيبٌ لا يحتمل الارتفاع، فإنّه مانعٌ للرّدّ،
فيسقُط به الخيارُ عند الإمام أبى حنيفة، ويتمّ البيع، سواءٌ تعيّب أو انتقص بفعل
المشترى، أو بفعل البائع، أو بآفةٍ سماويّة، أو بفعل المبيع، أو بفعل أجنبيّ. وإن كان
عيباً يحتمل الارتفاع، مثل أن يُصيبَ الدّابّة المبيعةَ مرض، فالمشترى على خياره، إن
شاء فسخ، وإن شاء أجاز.
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: إذا انتقص بفعل البائع، فإنّ المشتريّ على خياره، إن
شاء ردّ عليه، وإن شاءً أمسكه وأخذ الأرشَ من البائع. وذكر الكرخيّ رحمه الله تعالى
أنّ محمّداً رحمه الله تعالى مع أبى يوسف فى هذا (١)
٢ - إن كان الخيارُ للبائع، فحدث بيد المشترى عيبٌ بفعل أجنبي، أو بفعل المشترى، أو
(١) بدائع الصنائع ٤: ٥٣٧

فقه البيوع
بآفةٍ سماويّة، فالبائعُ على خياره. فإن شاء أجاز البيع، وإن شاء فسخه. فإن أجاز، أخذ من
المشترى جميع الثّمن، سواءً كان التّعيّبُ بفعل المشترى، أو بفعل الأجنبيّ، أو بآفةٍ
سماويّة، لأنّ البيعَ جاز فى الكلّ، ولا يكون للمشترى خيارُ الرّدّ بحدوث التّغيّر فى
المبيع، لأنّه حدث فى يده فى ضمانه، غيرَ أنّه إن كان التّعييبُ بفعل المشترى، فلاسبيلَ
له على أحد، وإن كان بفعل الأجنبيّ، فللمشترى أن يتبعَ الجانيَ بالأرش، لأَنّه ملك
المبيعَ بإجازة البائع من وقت البيع، فتبيّن أنّ الجنايةَ حصلت على مِلكه. وإن فسخ البائع
البيعَ بحكم الخيار، يُنظر: إن كان التّعيّبُ بفعل المشترى، فإنّ البائع يأخذ الباقي، ويأخذ
أرش الجناية من المشترى، لأنّ المبيعَ كان مضموناً على المشترى بالقيمة.
٣- إن كان الخيار للمشترى، وتعيّب المبيع في يد البائع، فالظّاهر أنّ المبيع يتعيّب
من ضمان البائع، لأنّ ضمانَ المبيع إنّما ينتقل إلى المشترى بالقبض عند الحنفيّة،
كما مرّ فى بحث انتقال الضمان، فتعيِّب المبيع قبل انتقال ضمانه إلى المشترى
يحصل من ضمان البائع. نعم، إذا حصل التعيُّب فى هذه الصورة بفعل المشترى،
فالظّاهر أنّ فعل المشترى يعتبر قبضاً للمبيع، فيحصل التعيُّب فى ضمانه. قال
السرخسيّ رحمه الله تعالى:
"والمشترى إذا عيّب المعقود عليه فى يد البائع، لم يكن له أن يردّه
بحكم خياره."(١)
٤- إن كان الخيار للبائع، وتعيّب المبيعُ فى يده، ففيه تفصيل: إن كان التعيُّب بآفة
سماوية أو بفعل المبيع لا يبطُل البيعُ، والبائع على خياره، فإن أجاز البيعَ فالمشترى
(١) المبسوط ١٣: ٥١ وليراجع أيضا تبيين الحقائق ٢٣:٤

المبحث الثامن
بالخيار، إن شاء، أخذ المبيع بجميع الثّمن، وإن شاء تركه، وإن تعيّب بفعل البائع بطل
البيعُ، أمّا إذا تعيّب بفعل أجنبيّ لم يبطل البيع، والبائعُ على خياره، إن شاء، فسخ البيعَ
واتّبع الجانِيَ بالأرش، وإن شاء، أجاز البيعَ واتّبع المشتريَ بالثّمن، ثمّ المشترى يتّبع
الجانِيَ بالأرش. ولو تعيّب بفعل المشترى لا يبطُل البيعُ، والبائعُ على خياره، إن شاء،
فَسَخ البيعَ واتّبع المشتريَ بالضّمان، وإن شاء أجازه واتّبع المشتري بالثّمن، ثمّ المشترى
يتّبع الجانِيَ بالأرش.(١)
أمّا المالكيّة، فقد مرّ منهم أنّ المبيعَ فى ضمان البائع طوالَ مدّة الخيار، فلو تعيّب،
فالمشترى يُخيّر بين أخذه معيباً بجميع الثّمن أو ردّه، سواءٌ أكان الخيار للبائع، أم
للمشترى.(٢) وأطلقوا هذا الحكم بما يقتضى أن يكون الحكمُ كذلك، سواءٌ أكان
بفعل البائع أو بفعل المشترى أو بفعل أجنبيّ أو بآفةٍ سماويّة، إلّا فى الصّور المستثناة
حسب التّفصيل المارّ.
أمّا الشّافعيّة، فالرّاجح من مذهبهم أنّ تعيُّب المبيع فى يد المشترى زمنَ الخيار من
ضمان العاقد الّذى يملك المبيع، وقد مرّ أنّ الأظهر عندهم فى ملك المبيع زمنَ
الخيار ما يوافق أبا يوسف ومحمّداً رحمهما الله تعالى من أنّ الخيارَ إن كان للبائع،
فلا يزال ملكُه قائماً، وإن كان للمشترى ينتقل الملكُ إليه، والملكُ موقوفٌ فيما إذا
كان الخيارُ البائع والمشترى جميعاً، أو كان الخيار لأجنبيٌّ؛ قال القاضى زكريّا
الأنصاريّ رحمه الله تعالى:
(١) بدائع الصنائع ٤: ٥٤١ و ٥٤٢
(٢) الذّخيرة للقرافيّ ٤٢:٥

فقه البيوع
"إن كان حدوثه (أي العيب) بعد القبض في زمن الخيار، قال ابنُ الرفعة:
فالقياس بناؤه على ما لو تَلِف حينئذ: هل ينفسخ؟ والأرجحُ على ما قاله
الرّافعيُّ؛ إن قلنا: الملكُ للبائع انفسخ، وإلّا فلا، فإن قُلنا: ينفسخ، فحدوثُه
" (١)
كو جوده قبل القبض.
أمّا إذا تعيّب المبيع فى يد البائع زمنَ الخيار، فالظّاهر أنّ العيبَ من ضمانه، سواءٌ
أكان الخيار للمشترى أم للبائع، وذلك لأنّ ضمانَ المبيع إنّما ينتقل إلى المشترى
بالقبض كما هو مذهب الحنفيّة، وقد أطلق الشافعيّةُ القولَ فى أنّ كلَّ عيب يحدُث
فى المبيع قبل قبض المشترى يحدث من ضمان البائع، فيثبت للمشترى خيارٌ
العيب بسببه، حتّى قالوا: إنّ العيبَ الحادثَ فى المبيع بعد عقد البيع، قبل أن يقبضه
المشترى كالعيب المقارن للعقد، فيثبت للمشترى بسببه خيارُ العيب، فالظّاهر أنّ
حكم انتقال الضّمان فى البيع بشرط الخيار كذلك، حيث لم يستثن الشافعيّةُ البيعَ
بشرط الخيار من ضابطهم فى انتقال ضمان المبيع. قال السُّبكيّ رحمه الله تعالى:
"الكلام الآن فى العيب الحادث بعده (أي بعد البيع) وقد قسّمه المصنّف
رحمه الله إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الحادثُ قبل القبض، فحكمه حكم
· المقارن للعقد، لأنّ المبيع مضمونٌ قبل القبض على البائع بجُملته، فكذا
أجزاؤُه، وضمانُ الجزء الّذي لا يقابله قِسطٌ من الثّمن لا يقتضى الانفساخَ،
فأثبت الخيارَ ... وقد اتّفق الأصحابُ على هذا الحكم، وأنّ العيب الطَّارئ
قبل القبض كالمقارن للعقد، وذلك منهم تفريعٌ على ما هو متّفَقٌ عليه في
(١) الغرر البهية في شرح البهجة الوردية، فصل فى الخيار ٤٥٦:٢

المبحث الثامن
المذهب، وهو أنّ البيع قبل القبض من ضمان البائع، وأنّه إذا تلف قبل
القبض انفسخ البيع، ونصّ عليه الشّافعيّ رحمه الله في مواضع."(١)
فيُفهم من أصلهم حكمُ الحالات المختلفة لتعيّب المبيع عندهم، وهو كما يلى:
١- إذا تعيّب المبيع فى يد المشترى والخيارُ له، فإنّه يتعيّب من ضمانه، لأنّ ملكَ
المبيع قد انتقل إليه. وضمانُ التعيُّب فى يد المشترى زمنَ الخيار على مَن يملك
المبيع وفق الأصل المذكور، فلا يملك ردَّالمبيع بحكم خيار الشّرط، لحدوث عيب
فى ضمانه لم يكن عند البائع، كما لم يكن له ذلك بحكم خيار العيب إذا اطّلع على
عيبٍ قديم بعد حدوث عيبٍ فى ضمانه. والله سبحانه أعلم.
٢- إذا تعيّب المبيع في يد المشترى والخيارُ للبائع، فإنّه يتعيّب من ضمان البائع، لأنّ
ملكّه للمبيع لم يزل قائماً، وضمانُ التعيِّب على مَن يملك المبيعَ كما مرّ. وينبغى أن
يُستثنى منه ما إذا حصل التعيُّبُ بفعل المشترى، فيكون التعيُّب من ضمانه، وذلك
لأنّ مذهب الشافعيّة فى البيع الباتّ أنّ إتلاف المشترى للمبيع فى يد البائع يُعتبر
كقبضه للمبيع، وقد فرّعوا حكمَ التّعييب على حكم الإتلاف، فاعتبروا تعييبَ
المشترى للمبيع فى يد البائع أيضاً كقبضه، فينبغى أن يكون حكمُ تعييبه للمبيع فى
يده زمن خيار البائع مثل تعييبه للمبيع فى البيع البات. قال السّبكيّ رحمه الله تعالی:
"ومتى حصل العيب من جهة المشترى (أى قبل قبضه للمبيع من البائع) فلا
خيارَ له على الصّحيح تفريعاً على أنّ إتلافه قبض، وهو الصّحيح المشهور. "(١)
(١) تكملة المجموع ١٢: ١٢٤
(٢) تكملة المجموع ١٢: ١٢٥

فقه البيوع
٣- إذا تعيّب المبيع فى يد البائع، والخيارُ للمشترى، فالتعيّب من ضمان البائع، ويكون
للمشترى خيارُ الردّ. وينبغى أن يُستَثنَى من هذا الحكم ما إذا حصل التعيُّب بفعل
المشترى، فيُعتبر قبضاً منه ويحصُل العيبُ من ضمانه، كما مرّ آنفا.
٤- إذا تعيّب المبيعُ فى يد البائع والخيارُ له، فالتعيّب من ضمان البائع.
أمّا الحنابلة، فقد مرّ تصريح ابن قدامة رحمه الله تعالى بأنّ الملكَ فى بيع الخيار ينتقل
إلى المشترى بنفس العقد، ولا فرق بين كون الخيار لهما، أو لأحدهما. وقد مرّ أنّهم
رجّحوا انتقالَ الملك إلى المشترى فى ظاهر المذهب بجميع ما يتفرّع عليه، فقالوا:
ينتقل ضمانُ المبيع إلى المشترى كما ينتقل فى البيع الباتّ عندهم، فإن كان المبيعُ ممّا
لا يتعلّق به حقُّ التّوفية، ينتقلُ الضّمانُ بمجرّد العقد، وإن كان ممّا يتعلّق به حقُّ التّوفية،
فإنّ الضّمانَ ينتقل بعد قبض المشترى إيّاه. ويفهم من هذا أنّ تعيّب المبيع إذا حصل
فى يد البائع، فإن كان المبيع مما لا يتعلّق به حقّ التوفية، فالتعيّب من ضمان المشترى،
وإن كان مما يتعلّق به حقّ التوفية فالتّعيّب من ضمان المشترى، ولا فرق فى هذا
الحكم بين ما إذا كان الخيار للبائع أو المشترى أو لهما. وأمّا إذا حصل التعيّب فى يد
المشترى فالضمان منه، سواء كان الخيار له أم للبائع أم لهما جميعا.
٤١٥- حكم تعيّب المبيع إن كان الخيارِ لكلّ من العاقدين
التفصيل المارّ يجرى فى تعيّب المبيع إذا كان الخيارُ لأحد العاقدين. أمّا إذا كان
الخيارُ لكلّ منهما، فلم أجد حكمَه صريحاً عند الحنفيّة، إلّا أنّ ضابطَ سقوط الخيار
عند الحنفيّة ما ذكره الكاسانيّ رحمه الله تعالى:
"وأمّا خيارُ البائع والمشترى جميعاً، فيسقُط بما يسقُط به حالةَ الانفراد،

المبحث الثامن
فأيُّهما أجاز صريحاً أو ما يجرى مجرى الصّريح أو فَعَلَ ما يدلُّ على
الإِجازة بطل خيارُه، ولزم البيعُ من جانبه، والآخَرُ على خياره إن شاء أجاز،
وإن شاء فسخ، وأيُّهما فسخ صريحاً أو ما يجرى مجرى الصّريح، أو فَعَل ما
يدلّ على الفسخ انفسخ أصلاً ورأساً، ولا تلحقه الإجازةُ من صاحبه بعد
ذلك. وإنّما اختلف حكمُ الفسخ والإجازة؛ لأنّ الفسخَ تصرُّفٌ فى العقد
بالإِبطال، والعقدُ بعد ما بَطَلَ لا يحتمل الإجازة؛ لأنّ الباطلَ متلاش؛ وأمّا
الإجازة، فهي تصرُّفٌ فى العقد بالتّغيير وهو الإلزام، لا بالإعدام، فلا يُخرجُه
عن احتمال الفسخ والإجازة، ولو أجاز أحدُهما، وفسخ الآخَر، انفسخ العقدُ
سواءً كان على التّعاقُب أو على القران؛ لأنّ الفسخ أقوى من الإجازة."(١)
فمقتضى هذا الضابط أنّ المبيع إذا تعيّب فى يد المشترى بعيب لا يحتمل الارتفاع، فإنّه
مانعٌ للرّدّ، فيلزم البيع من جانب المشترى، والبائعُ على خياره، إن شاء أجاز البيع فيلزم
المشتري الثّمن، وإن شاء فَسَخه ويأخذ المبيع المعيب، وعلى المشترى أرشُ العيب
الحادث. ويجرى هنا اختلاف الإمام أبى حنيفة وصاحبيه رحمهم الله تعالى فيما إذا
حدث العیب بفعل البائع، کما مرّ تفصيله.
وأمّا إذا حدث العيب فى يد البائع، والخيار للعاقدين جمیعا، فإنّ العيب الحادث من
ضمان البائع، ثمّ إن كان بآفة سماويّة أو بفعل أجنبيّ، فالمشترى بالخيار، إن شاء
أخذ المبيع بجميع الثّمن، وإن شاء تركه، وإن كان بفعل المشترى فالظاهر أنّ البيع
يلزم من جانبه، والبائع على خياره، إن شاء أجاز البيع فعلى المشترى الثمن، وإن
(١) بدائع الصنائع ٤: ٥٣٩