النص المفهرس
صفحات 261-280
٤٨٨٤ فقه البيوع "إذا قال: بعتُك هذه الأرض، أو هذا الثّوبَ على أنّه عشرةُ أذرع، فبان أحدَ عشر، ففيه روايتان: (إحداهما:) البيعُ باطل، لأَنّه لا يمكن إجبارُ البائع على تسليم الزّيادة، وإنّما باع عشرة، ولا المشترى على أخذ البعض، وإنّما اشترى الكُلّ، وعليه ضررٌ فى الشّركة أيضًا. (والثّانية)، البيعُ صحيحٌ، والزّيادةُ للبائع، لأنّ ذلك نقصٌ على المشترى، فلا يمنع صحّةَ البيع، كالعيب، ثمّ يُخيَّر البائعُ بين تسليم المبيع زائدًا وبين تسليم العشرة، فإن رَضِي بتسليم الجميع، فلا خيارَ للمشترى؛ لأنّه زاده خيرًاً، وإن أبى تسليمَه زائدا، فللمشترى الخيارُ بين الفسخِ والأخذِ بجميع الثّمن المسمّى وقسطِ الزّائد، فإن رَضِيَ بالأخذ، أخذ العشرةَ، والبائعُ شريكٌ له بالذّراع. وهل للبائع خيارُ الفسخ؟ على وجهين؛ (أحدهما،) له الفسخ؛ لأنّ عليه ضرراً فى المشاركة. (والثّاني،) لا خيارَ له؛ لأنّه رضي ببيع الجميع بهذا الثّمن. فإذا وصل إليه الثّمن مع بقاء جزءٍ له فيه، كان زيادة، فلا يستحقّ بها الفسخ، ولأنّ هذا الضّررَ حصل بتغريره وإخباره، بخلاف غيره، فلا ينبغي أن يتسلّط به على فسخ عقد المشتري. فإن بذلها البائعُ للمشترى بثمن، أو طلبها المشترى بثمن، لم يلزم الآخرَ القبولُ؛ لأنّها معاوضةٌ يُعتبر فيها التّراضي منهما، فلا يُجبر واحدٌ منهما عليه. وإن تراضيا على ذلك، جاز. فإن بان تسعةً، ففيه روايتان؛ (إحداهما،) يبطُل البيع؛ لما تقدّم. (والثّانية،) البيعُ صحيح، والمشتري بالخيار بين الفسخ والإمساك بتسعة أعشار الثّمن. وقال أصحابُ الشّافعيّ: ليس له إمساكُه إلاّ بكلّ الثّمن، أو الفسخ، بناءً على قولهم: إنّ المعيبَ ليس لمشتريه إلّ الفسخ أو إمساكُه بكلّ الثّمن. ولنا أنه المبحث الثامن وجد المبيعَ ناقصاً في القدر، فكان له إمساكُه بقسطه من الثّمن، كالصُّبرة إذا اشتراها على أنّها مائةٌ فبانت خمسين، وسنبيّن أنّ المعيبَ له إمساكه، وأخذُ أَرْشِه، فإن أخذها بقسطها من الثّمن، فللبائع الخيارُ بين الرّضا بذلك وبين الفسخ؛ لأنه إنّما رضيَ ببيعها بهذا الثّمن كلّه، وإذا لم يصل إليه كان له الفسخ. فإن بذل له المشتري جميعَ الثّمن، لم يملك الفسخ؛ لأنّه وصل إليه الثّمنُ الذي رضيَه، فأشبه ما لو اشترى معيباً، فرضيه بجميع الثّمن."(١) ٣٩٩- حكم الثّياب المنسوجة فى المصانع الآليّة ولكنّ كون الذّراع وصفاً عند الحنفيّة والمالكيّة وبعض الشّافعيّة علّلوه بأمرين: الأوّل: أنّ التّبعيضَ يضُرّ الثّوب. قال ابن الهُمام رحمه الله تعالى: "ألاترى أنّ الثوبَ الّذى عادتُه عشرةٌ، وهو قدرُما يُفصل قباءً أو فزجيّة، كان بثمن إذا قُسّم على أجزاءه يُصيبُ كلَّ ذراعٍ منه مقدارٌ. ولو أُفرِد الذّراعُ وبيع بمفرده، لم يُساو فى الأسواق ذلك المقدار، بل أقلَّ منه بكثير، وذلك لأنّه لايُفيد الغرضَ الّذي يُصنَع بالثّوب الكامل، فعلمنا أنّ كلَّ جزء منه لم يُعتبر کثوپٍ کامل مفرد."(٢) والعلّة الثّانية: أنّ الثّياب تتفاوت جوانبها. وهذه العلّة مفهومةٌ من قول صاحب الهداية: "وقيل فى الكرباس الذى لايتفاوتُ جوانبه، لا يطيب للمشترى ما زاد على المشروط، لأنّه بمنزلةالموزون، حیثُلایضرّهالفصل. وعلى هذا قالوا: یجوزُ بيعُ ذراع منه." واستخلص منه العلاّمة جلال الدّين الكرلانيّ (المتوفى سنة ٧٦٧ هـ) فى شرح (١) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٣١ (٢) فتح القدير ٤٧٨:٥ : MT فقه البيوع الهداية ما نصّه: "وما ذُكر أنّ الذّراعَ وصف، فهو فى الثّوب الذى يتفاوت جوانبُه، وفيما يضرّه التّبعيض، كالقميص، والسّراويل، والعمائم، والأقبية. أمّا إذا اشترى كرباساً لايتفاوتُ جوانبه على أنّه عشرةُ أذرع بعشرة دراهم، فإذا هو أحد عشر، لا تسلَم له الزّيادة. وعلى هذا إذا باع ذراعاً من هذا الكرباس، ولم يُعيّن موضعَه، يجوز كما إذا باع قفيزاً من الصُّبرةَ."(١) وجاء فى المحيط البرهانيّ: "ومن المتأخّرين من قال: ماذكر من الجواب فى الكتاب فى فصل الثّوب فى القميص والسّراويل والعمائم والأقبية. أمّا إذا اشترى كرباساً لا يتفاوت جوانبها على أنّه عشرةُ أذرع بعشرة دراهم، فإذا هو إحدى عشرة، لا يسلم له الزّيادة، لأنّ هذا الكرباسَ فى معنى الموزون والمكيل، وإن كان متّصلاً بعضُها ببعض، لكن ليس فى الفصْل ضرر، فيصيرُ بمنزلة أشياء حقيقة، كالموزون، لمّا كان لا يتمكّن فيه العيب بتميّز البعض عن البعض، أُعتبر كلُّ قفيز أصلاً، فكذا ههنا. "(٢) ولمّا صار مثلُ هذا الكرباس فى حكم الموزون، لم يبقَ الذّراع وصفاً، وإنّما صار قدراً، فينبغى أن يكون لكلّ ذراعٍ حصّةٌ من الثّمن. وعلى هذا القياس إن وجد المشترى الثّوب أقلَّ ممّا سمّى البائع، ينبغى أن يُخيّر بين أن يُمسكّه بحصّته من الثّمن، أو يفسخ البيع، كما فى الحنطة والشّعير. وأصبحت الثّيابُ المنسوجة فى المصانع الآليّة اليومَ لاتتفاوت أجزاؤه أصلاً، وتكون (١) الكفاية شرح الهداية مع فتح القدير ٥: ٤٨٣ (٢) المحيط البرهاني، كتاب البيوع، الفصل السادس ٣٦٨:٩ المبحث الثامن البفتةُ كلُّها على نسقٍ واحد. ولاشكّ أنّها فى حكم الموزونات والمكيلات عند التّفاوت بين الأذرُع المسمّاة وبين ما وُجد فى الواقع. ٤٠٠- اختلاف ذرع الأرض عمّا وقع عليه العقد أمّا فى الأرض، فالذّراعُ فيها وصفٌ على أصل الحنفيّة، فليس له حصّةٌ من الثّمن إن اشتريت الأرضُ جملةً، دون التّصريح بثمنِ كلّ ذراع، خلافاً للحنابلة كما أسلفنا. أمّا إذا سُمّيَ ثمنُ كلّ ذراع، فلكلّ ذراعٍ حصّةٌ من الثّمن، فإن وجدها المشترى ناقصةً من الأذرع المسمّاة، أو زائدةً عليها، فالحكمُ كما هو فى اختلاف القدر. ولكنّ التّصريحَ بثمن كلّ ذراع كما يمكن لفظاً، ينبغى أن يُعتبرَ تقديراً بحكم العرف. وقد جرى العُرف فى زماننا على أنّ الأرضَ إنّما تُباع بذكر ثمن لكلّ خطوة أو متر، وقد لا يذكُرِه البائع صراحةً، ولكنّ مقصودَ المتبايعين تقسيمُ الثّمن على الخطوات أو الأمتار، فينبغى فى مثل هذه الحالة أن يكون لكلّ خطوةٍ أو مترٍ حصّةٌ من الثمن، إذا تبيّن مقصودُ المتبايعين تقسيمُ الثّمن على الخطوات والأمتار بحكم العُرف. فكأنّ البائعَ ذكره تقديراً، وخاصّةً إذا كان التّفاوتُ كبيراً. والله سبحانه أعلم. ٤٠١- البيع بالنّموذج وكثيراً مّا يقع البيعُ على أساس نموذج يُريه البائع للمشترى. وفى مثل هذا البيع مسائل: الأولى: هل يصحُّ البيعُ بإراءة النّموذج؟ الثّانية: هل يُسقِط رؤية النّموذج خيار الرؤية؟ الثّالثة: ما هو الحكم إن وجد المبيع خلاف النّموذج؟ ٥ فقه البيوع الرّابعة: إن وقع الخلافُ بين المتعاقدين فى كون المبيع موافقاً أو مخالفاً للنّموذج، فکیف یُحسم الخلاف؟ أمّا المسئلة الأولى، فمذهبُ الحنابلة أنّه لا يصحّ البيعُ بالنّموذج. قال البهوتيّ رحمه الله تعالى: "(ولا يصحّ بيع الأنموذج) .. (بأن يُريه صاعاً) مثلاً من صبرة (ويبيعه الصُّبرة على أنّها من جنسه) فلا يصحّ لعدم رؤية المبيع وقت العقد."(١) وهذا مبنيٌّ على قولهم فى عدم جواز بيع الشّيئ الغائب. وحاصلُ قولهم أنّه لايصحّ البيعُ عند رؤية النموذج فقط، وإنّما يصحّ عند رؤية الباقى. وإنّ الشّافعيّة وإن كانوا لا يرَون بيعَ الشّيئ الغائب، ويشترطون الرّؤية لصحّة البيع، ولكنّهم يعتبرون رؤيةَ "الأنموذجِ المتماثلِ" كافياً لصحّة البيع. وفسّر المحلّيّ رحمه الله تعالى "الأنموذج المتماثل" بقوله: "أى المتساوى الأجزاء، كالحبوب، فإنّ رؤيته تکفی عن رؤية باقى المبيع، فلا بدّمن إدخاله فى البيع. " (٢) فاشترط الشّافعيّة لصحّة البيع بالنّموذج أن يكون المبيعُ متساويَ الأجزاء، وأن يكون النّموذجُ جزءً من المبيع، وداخلاً فى البيع. وعلى هذا لا يجوز البيع بالنّموذج عندهم فى العدديّات، كما أنّه لا يجوز إذا لم يدخُل النّموذِجُ فى البيع. أمّا الحنفيّة، فيجوز عندهم البيع بالنّموذج فى جنسٍ واحد كما سيأتى، والظاهر أنّ مذهب المالكيّة مثله. قال الحطّاب رحمه الله تعالى عن البرزليّ: "شراءُ ما فى الظّرف إذا رآه (١) كشاف القناع ٣: ١٥٢ شروط البيع، الشرط السادس (٢) شرح المحلي على منهاج النووي، مع قليوبى وعميرة ٢: ١٦٥ المبحث الثامن المتعاقدان أو رأيا أنموذجه، وكان الظّرف متناسب الأجزاء فى الرقة والّخانة جائز."(١) أمّا المسئلة الثّانية: فقد قال الحنفيّةُ إنّ المبيع إن كان من المكيلات، أو الموزونات، أو العدديّات المتقاربة، يكفى رؤيةُ النّموذج لإسقاط خيار الرّؤية فيه. (٢) وإن كان من العدديّا ت المتفاوتة، بحيثُ تختلفُ آحادها، فإنّ رؤيةَ النّموذج لا تكفى لإسقاطِ خيار الرّؤية. والعادةُ أنّ العدديّات المتفاوتة لا تُباعُ بالنّموذج. ولذلك أطلقت مجلّةُ الأحكام العدليّة الحكم فى كلّ ما يُباع بالنّموذج، ولم تُقيّده بالمكيلات أو الموزونات أو العدديّات المتقاربة. جاء فى المادّة ٣٢٤ من المجلّة: "الأشياءُ الّتى تُباعُ على مقتضى أنموذجها، يكفى رؤيةُ الأنموذج منها فقط." ومعنى كون رؤية النّموذج كافياً أنّه يُسقِط خيارَ الرؤية فى الباقى، فلا يثبت للمشترى الخيارُ فى الباقى لمجرّد أنّه لم يَره. أمّا إذا وجد الباقيَ خلاف النّموذج، فالخيارُ الثّابتُ له ليس خيارً الرؤية، بل هو خيار العيب أو خيار فوات الوصف، كما سيأتى. أمّا المسئلةُ الثّالثة: فإنّالمشتريَ إذا وجد المبيعَ خلافَ النّموذج، فإنّه يثبت له الخيارُ، إن شاء قَبِله، وإن شاء ردّه وفسخ البيع. فإن كانت المخالفةُ إلى حدّ أن يكون المبيعُ معيباً، فإنّ هذا الخيارَ خيارُ العيب. أمّا إذا لم تكن المخالفةُ وصلت إلى حدّ العيب، فالمذكورُ عند الفقهاء الحنفيّة أنّالخيارَ حينئذٍ خيارُ رؤية.(٣) ومقتضى ذلك أن لا يجري فيه الإرث على قول الحنفيّة. (١) مواهب الجلیل للحطّاب، ٤: ٢٨٧ (٢) ردالمحتار، باب خيار الرؤية ١٤: ٣٦٠ فقره ٢٢٨٥١ (٣) فتح القدير ٥: ٥٣٨ ورد المحتار ٣٥٦:١٤ و ٣٥٧ فقره ٢٢٨٤٦ فقه البيوع ولكنّ الّذى يظهر لى، والله سبحانه أعلم، أنّ الخيارَ فى هذه الصّورة ليس خيارَ الرّؤية، فإنّه قد سقط برؤية النّموذج، ولكنّه خيارُ فوات الوصف. فإنّ مَن يشترى شيئاً على أساس نموذج، فإنّه يقبَل البيعَ على أن يكون المبيعُ مثلَه فى الوصف. وإراءةُ النّموذج من قِبل البائع بمنزلة شرط وصفٍ فى البيع، فإن وُجد المبيعُ مخالفاً له، فإنّ للمشترى خيارَ الفسخ لفوات الوصف المشروط. وإنّ ابنَ الهمام رحمه الله تعالى ذكر عن "الكافى " تعليلَ هذا الخيار بقوله: "إذا كان أردأ له الخيار، لأنّه إنّما رضيَ بالصّفة الّتى رآها، لابغيرها" وهذه العبارةُ شبهُ صريحةٍ فى أنّ الخيارَ ههنا لفوات الوصف الّذى رآه فى النّموذج. ولكن حمله ابنُ الهمام رحمه الله تعالى على خيار الرؤية، مع أنّهم اتّفقوا على أنّ خيار الرؤية يسقط برؤية النّموذج. فلو قلنا إنّ الخيارَ الّذى يثبت للمشترى عند مخالفة النموذج هو خيارُ الرّؤية، فإنّه يستلزم أن يعودَ خيارُ الرّؤية بعد سُقوطه، أو أن يكون سقوطُه برؤية النّموذج معلّقاً على عدم مخالفة الباقى للنّموذج، وحينئذ، لايبقى لسقوط الخيار معنىً. ولعلّ صاحبَ "النّهر" اعترض على سقوط خيار الرؤية من أجل ذلك، فقال: "وعندى أنّ ما فى الكافى هو التّحقيق. وذلك أنّ هذه الرؤية إن لم تكن كافيةً، فما الذی أسقط خیار رؤیته، حتّى انتقل إلى خيار العیب؟ فتدبّره."(١) أمّا إذا قلنا إنّ الخيار الثّابت فى هذه الصورة هو خیارُ فوات الوصف، فلا إشکالَ فی ذلك أصلاً. وحينئذٍ ينبغى أن يورَث، كما يورَث خيارُ العيب. وإنّ قانون بيع المال المبنيّ على القانون الإنكليزيّ فى المادّة ١٧ أعطى خيارَ الردّ إن (١) النهر الفائق، باب خيار الرؤية ٣٨٣:٣ المبحث الثامن لم يكن المبيعُ موافقاً للنّموذج، ولكن قيّده بأن يكون أغلبُ آحاد ما سلّمه البائعُ مخالفاً له. ومفهومُه أنّه لو كان أغلبُ الآحاد موافقةً للنّموذج، وقليلٌ منها مخالفٌ له، فليس هناك خيارُ الرد. وينبغى أن يُقيّد ذلك بأنّ القليل المخالف ليس له أثرٌ ملموس على كون المجموع مقبولاً. أمّا المسئلة الرابعة، فهيَ اختلافُ المتعاقدين فى كون المبيع موافقاً للنّموذج. فإذا وقع الخلاف بينهما، فقال المشترى: هو خلافُ النّموذج، وقال البائع: هو موافقٌ له، والنّموذج موجود، فقد ذكر ابنُ عابدين رحمه الله تعالى أنّه يُعرَض على مَن له خِبرةٌ بذلك، ليتّضح الحال. وإنّ أصحاب الخبرة فى التّجارات الكبيرة مُيسَّرون لرفع الخلاف. أمّا إذا كان النّموذجُ هلك عند اختلافهما، فالمذكورُ فى كتب الحنفيّة أنّ القولَ قولُ البائع، بمعنى أنّ البيّنةَ على المشترى، واليمين على البائع. ولكن فرّق ابنُ عابدين رحمه الله تعالى بين ما إذا كان المبيع حاضراً عند العقد، مستوراً فى كيس أو غيره، حيثُ يكونُ القولُ للبائع، وبين ما كان المبيعُ غائباً، حيثُ يكونُ القولُ للمشترى، لأنّه يُنكرُ أنّ ما جاء به البائعُ هو المبيع، والبائعُ يدّعى أنّه هو المبيع، بخلاف ما إذا كان المبيعُ حاضراً عند العقد، فإنّهما متّفقان على أنّه هو المبيع، ثمّ يدّعى المشترى أنّه مخالفٌ للنّموذج، والبائعُ ينكره، فالبيّنةُ على المشترى، واليمينُ على البائع. (١) وإنّ العلاّمة خالد الأتاسيّ نازعَ ابنَ عابدين رحمهما الله تعالى فى كون القولِ للمشترى عند كون المبيع غائباً بما لا يرجعُ إلى كثيرٍ طائل. والله سبحانه أعلم. (١) هذا ملخص ما فى ردالمحتار ١٤: ٣٥٨ فقرة ٢٢٨٤٦ ٨٩٢ فقه البيوع ٤٠٢- خيار المغبون المغبونُ مَن اشترى شيئاً بثمن زائد فوقَ العادة، مثل أن يشتري ما قيمتُه مائةٌ بخمسمائة، أو باع شيئاً بأقلَّ من قيمته السّوقّة خلافَ العادة، مثلَ أن يبيعَ ما قيمتُه خمسمائة بمائة. فإن كان المغبونُ عارفاً بأحوال السّوق، ودخل فى العقد بمساومةٍ ومماكسة، فلا خلافَ أنّ البيعَ نافذ، وليس له خيارُ الفسخ. أمّا إن كان غيرَ عارفٍ بأحوال السّوق، وكان مسترسلاً، فله الخيارُ عند المالكيّة والحنابلة. والمسترسلُ عندهم هو الجاهلُ بقيمة السّلعة، والذى لايُحْسِن المبايعة. وقال أحمد رحمه الله تعالى: "المُسترسِل: الذى لا يُحْسِن أن يُماكس، فكأنه استرسل إلى البائع، فأخذَ ما أعطاه من غير مماكسة ولا معرفةٍ بغبنه."(١) وقد سمّاه بعضُ المالكيّة "مستسلماً" وفستره الدّردير بقوله: "بأن يقول المشترى للبائع: بِعْنى كما تبيعُ للنّاس، فإنّى لاأعلمُ القيمة. أو يقولَ البائع: اشْتَرِ منّى كما تشترى من غيرى، أو غير ذلك." وكذلك سمّاه خليل رحمه الله تعالى "مُستأمناً" وفسره الدّردير بقوله: "بأن يقولَ أحدهما للآخر: ماقيمتُه لأشتريَ بها؟ أو لأبيعَ بها؟ فيقول له: قيمتُه كذا، والحالُ أنّه ليس كذلك. "ثمّ قال الدّردير رحمه الله تعالى: "فهو تنويعٌ ظاهريّ، والمؤدّى واحد." وحاصلُ التّفسيرين أنّ العاقدَ يعتمد على قولِ الآخَر فى القيمة بعد بيان جَهله لها، والآخرُ إمّا يُبيّن له القيمةَ بصراحة، أو بفِعله، وهى خلاف الواقع. وإنّ مختصرَ خليل أظهر التّردّد فى إثبات الخيار فى هذه الحالة أيضاً، ولكن ذكر الدّردير رحمه الله تعالى أنّ إثباتَ الخيار هو المعتمد.(٢) (١) المغني لابن قدامة ٤: ٩١ و٩٢ (٢) راجع حاشية الدّسوقيّ على شرح الدردير لمختصر خليل ٣: ١٤٠ و١٤١ المبحث الثامن والظّاهرُ من عبارات المالكيّة أنّ الخيارَ إنّما يثبت للمسترسل إن كان هناك تغريرٌ من قبل الفريق الآخر فى بيان القيمة.(١) أمّا الحنابلةُ، فالظّاهرُ من عباراتهم أنّه لا يُشترط لُثُبوت الخيار أن يكون الغابنُ خدَع الآخرَ فى بيان القيمة، بل يكفى أن يكون المغبونُ مسترسِلاً، يعنى جاهلاً بالقيمة، غيرَ مماكس.(٢) ولا تحديدَ للغبن المُثبت للخيار فى المنصوص عن الإمام أحمد، وفسره بعضُ الحنابلة بما لا يتغابن فيه النّاسُ عادةً، لأنّ المرجعَ فى غير المنصوص فى مثل هذه المسائل إلى العُرف. وحدّه أبوبكر وابن أبى موسى من الحنابلة بُثُلث القيمة، (٣) وهو قول البغداديّين من المالكيّة،(٤) فأذا غُبن المسترسلُ بثلث القيمة بأن اشترى سلعةً باثنتى عشرة روبية مثلاً، وكانت قيمتها المثلّةُ ثمانیةً، فله الخيار. أمّا الحنفيّة والشّافعيّة، فإنّهم فى أصل مذهبهم لا يعترفون بخيار المغبون، بل البیعُ عندهم نافذ، مادام المتعاقدان يتوافر فيهما شروطُ أهليّة العقد. واستدلّ بعضُ من قال بخيار المغبون بحديث حبّان بن منقذ رضى الله تعالى عنه، وكان يُخدع فى البيوع، حيث قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا بايعت (١) مواهب الجليل للحطّاب ٤: ٤٦٨ إلى ٤٧١ (٢) قال البهوتيّ فى تفسير المسترسل: "والمراد هنا الجاهل بالقيمة من بائع ومشتر، ولا يُحسن يُماكس، فله الخيار إذا غُبن الغبن المذكور، أى الذى يخرج عن العادة، لأنّه حصل لجهله الخيار." (كشاف القناع ٣:٢٠٠) (٣) المغنى ٤: ٩٢ (٤) الدّسوقيّ ٣: ١٤٠ ٨٩٤ فقه البيوع فقل: لاخلابة."(١) وزاد فى رواية ابن ماجه وغيره: "ثمّ أنت فى كلّ سلعةٍ ابتعتَها بالخيار ثلاث ليال. " (٢) ولكنّ الظّاهر أنّ الخيارَ فى قصّته كان خيارَ الشّرط، ولذلك قيّده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بثلاثة أيّام، وإنّ خيارَ المغبون عند القائلين به لا يتقيّد بثلاثة أيّام، بل يمتد إلى سنة. قال ابن عاصم فى متن التّحفة: ومن بغبنٍ فى مبيعٍ قاما فشرطه أن لا يجوز العاما (٣) ولذلك رجّح الأَبّيّ المالكيّ رحمه الله تعالى أنّ الخيارَ فى حديث حبّان بن منقذ رضى الله تعالى عنه خيارُ الشّرط، لاخيارُ المغبون. (٤) ولكنّ أقوى ما يُستدلّ به على خيار المغبون حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: "إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: لاتلقَّوا الجَلَبَ، فمن تلقّاه فاشترى منه، فإذا أتى سيّدُه السُّوق فهو بالخيار. "(٥) ومعنى الحديث أنّ البدويّين كانوا يأتون بالسِّلَع من البوادى، فيخرجُ بعض أهل (١) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب مايكره من الخداع فى البيع حديث ٢١١٧ (٢) ابن ماجه، حديث ٢٣٥٥ والحميديّ ٢: ٢٩٢ و٢٩٣ حديث ٦٦٢ والبخاريّ فى التاريخ الكبير ٨: ١٧ و ١٨ رقم ١٩٩٠ والدارقطنى فى سننه ٥٦:٣ (٣) الدّسوقي ٣: ١٤٠ (٤) إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبى ٤: ١٩٩ (٥) صحيح مسلم، باب تحریم تلقّی الجلب، حدیث ٣٧٩٨ المبحث الثامن البلد إليهم قبلَ أن يصلوا إلى السّوق ويعرفوا قيمةَ تلك السِّلَعِ، ليشتروا منهم برُخص. فنهاهم النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك. ثمّ ذكر صلّى الله عليه وسلّم أنّ مَن خالفَ هذا النّهيَ واشترى منهم متاعاً قبل وصولهم إلى السّوق، ثمّ جاء صاحبُ المتاع إلى السّوق، وعرَف السّعر، فله الخيار فى الاسترداد. وقيّد الحنابلةُ حقَّ الاسترداد بما إذا علم صاحبُ المتاع أنّه غُبن فى البيع الّذى باعَه قبل الوصول إلى السّوق. (١) وافق الشّافعيّةُ الحنابلةَ من أجل هذا الحديث فى هذه الجزئيّة بخصوصها، مع أنّهم لا يقولون بخيار المغبون. وأمّا الحنفيّة، فمشَوا على أصلهم فى نفي خيارِ المغبون، فلم يُثبتوا الخيارَ فى هذه الجزئيّة أيضاً، إلاّ أن يكون هناك تغريرٌ من المشترى، بأن يكذبَ فى بيان قيمة السّلعة، فيكون للبائع الخيار على قول المتأخرين من الحنفيّة، كما سيأتى إن شاء الله تعالى. واختلفت الرّواياتُ فى هذا عن مالك، فرُوي عنه مايُوافق الشّافعية والحنابلة، ورُوي عنه ما يُوافق أبا حنيفة (رحمهم الله تعالى أجمعين). والمشهورُ من مذهبه أنّ بيعَ المتلقّى يُفسخ، ثمّ تُدفع السّلعةُ لأهل السّوق بالثّمن الّذى اشتراه المتلقّى، ويكونُ مَن اختار من أهل السّوق شراءَ ها شريكاً فيها. فإن لم يُريدوه، رُدّت لمبتاعها الأول.(٢) والحديثُ المذكور صريحٌ فى إعطاءِ الخيار للبائع المغبون. واعتذر عنه الحنفيّةُ بتأويلاتٍ مختلفة ذكرتُها فى "تكملة فتح الملهم"، ولكنّها غيرُ سائغة بالنّظر إلى (١) المغنى ٤: ٢٨١ و٢٨٢ (٢) شرح الأبيّ لصحيح مسلم ٤: ١٨٠ فقه البيوع صراحة الحديث. ومن أجل هذا خالف ابنُ الهمام رحمه الله تعالى قولَ عامّة الحنفيّة وقال: "فيجب أن يكون غيرَ منعقد، لعدم الرّضا به كقول مالك، أو منعقداً ويثبت له خيارُ الفسخ، كقول الشّافعيّ."(١) ثمّ ما ذكرنا من مذهب الحنفيّة فى نفي خيار المغبون هو أصلُ المذهب، ولكن أفتی کثیرٌ من المتأخرين بإثبات الخيار للمغبون المغرور، كما ذكره ابن نُجيم تحت قاعدة "المشقّة تجلب التّيسير" قال رحمه الله تعالى: "ومن ذلك أفتى المتأخّرون بالرّدّ لخيار الغبن الفاحش، إمّا مطلقاً، أو إذا كان فيه غُرورٌ رحمةً على المشترى. "وحكى الحمويّ رحمه الله تعالى تفسيرَه عن الزّيلعيّ: "قال البائع للمشترى: قيمتُه كذا فاشتراه، فظهر أقلّ، فله الرّ لحُكمِ أنّه غرَه، وإن لم يقُل ذلك فلا، وبه أفتى الصّدر الشّهيد." (٢) ثمّ إنّ فتوى المتأخرين من الحنفيّة على خلاف ظاهر الرّواية يُمكن أن تكونَ مبنيّةً على اختيار مذهب المالكيّة فى صورة الغُرور خاصّةً، ويُمكن أن يكون على سبيل تأويل ظاهر الرّواية على أنّ نفيَ الخيار فيها مقيّدٌ بعدم التّغرير، وبهذا قال السّمرقنديّ رحمه الله تعالى فى تُحفة الفقهاء: "إنّ أصحابَنا يقولون فى المغبون إنّه لا يُرُدّ، لكنّ هذا فى مغبون لم يُغَرّ. أمّا فى مغبون غُرّ، يكونُ له حقّ الرّدّ استدلالاً بمسألة المرابحة." ذكره ابنُ عابدين رحمه الله تعالى ثمّ قال: "أى بمسألة ما إذا خان فى المرابحة، فإنّ ذلك تغریر یثبت به الرّد" ورجّح ابنُ عابدين رحمه الله تعالى أنّه ليس هناك خلاف بين ظاهر الرّواية وبين ما (١) فتح القدير، فى بداية فصل فيما يكره ١٠٦:٦ (٢) شرح الأشباه والنظائر للحموي ٢٣٦:١ المبحث الثامن أفتى به المتأخّرون، فإنّ ظاهرَ الرّواية يتعلّق بالغبن الذى ليس فيه غرور، وفتوى المتأخرين متعلّقةٌ بما فيه غرور."(١) وعلى هذا، فالموجبُ للخيار عند المتأخرين من الحنفيّة إذااجتمع الغبنُ مع التّغرير. والغبنُ الّذى يثبت به خيارُ الرّدّ عندهم هو الغبنُ الفاحش، وهو مالا يدخُل تحت تقويم المقوِّمين. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "هو الصّحيح كما فى البحر. وذلك كما لو وقع البيعُ بعشرةٍ مثلاً، ثمّ إنّ بعض المقوِّمين يقول: إنّه يُساوى خمسة، وبعضُهم ستّة، وبعضهم سبعة، فهذا غبنٌ فاحش، لأنّه لم يدخل تحت تقويم أحد، بخلاف ما إذا قال بعضهم: ثمانية، وبعضهم تسعة، وبعضهم عشرة، فهذا غبنٌ يسير." والله سبحانه وتعالى أعلم. ٤٠٣- خيارُ التّغرير قدّمنا فى مبحث رضا المتعاقدين الفرقَ بين التّغرير والتّدليس، أنّ التّغرير هو أن يغُرّ البائعُ المشتريَ بالقول، والتّدليسُ أن يُلبّس عليه الأمر بفعل من الأفعال. فأمّا التّغرير بالقول، فقد اعتبره الحنفيّةُ فى موضعين: الأوّل: إن كذبَ البائعُ فى المرابحة فى بيان تكلفة المبيع، مثل أن يقول: اشتريتُه بمائة، فظهر أنّه اشتراه بتسعين، وقد مرّحكمُه فى باب المرابحة. والموضعُ الثّانى: أن يكون قد غرَّ المشتريَ فى بيان قيمة المبيع فى السّوق، وغُبن به (١) راجع ردالمحتار، باب المرابحة والتّولية، ١٣٦:١٥ و١٣٧ ولابن عابدين رحمه الله تعالى فى هذا الموضوع رسالةٌ مستقلّة باسم "تحبير التّحرير فى إبطال القضاء بالفسخ بالغبن الفاحش بلا تغرير "مطبوعة فى رسائل ابن عابدين ٦٨:٢ ٨٩٨ فقه البيوع المشترى غبناً فاحشاً، وقد ذكرنا حكمه فى خيار المغبون. أمّا إذا غرّه ببيان صفةٍ مرغوبةٍ، ولم يوجد المبيعُ بتلك الصّفة، فإنّ ذلك يدخل فى خيار فوات الوصف. أمّا المالكيّة، فمن صُور التّغرير عندهم النّجْش إن كان يعلمه البائع، فيثبتُ للمشترى الخيار، ولم يشترطوا لثبوت الخيارأن يؤدّيَ النّجش إلى غبن فاحش. بل اشترط بعضُهم أن يُسبّب النّجشُ الزّيادةَ على قيمة المبيع السّوقيّة، ولم يشترط بعضُهم ذلك، بل أثبتوا الخيار بسبب النّجش مطلقاً .(١) واشترط الحنابلة لثبوت الخيار أن يكون المشترى غُبن بسببه بما لا يتغابن فيه النّاسُ عادةً، سواءٌ أكان بمواطأة من البائع أم بغيره.(٢) وقيّد الشّافعيّةُ خيارَ المشترى بأن يكون النّجشُ بمواطأة من البائع، واغترَ به المشترى، ولم يذكروا اشتراط الغبن.(٣) أمّا إذا كذب البائعُ فى بيان تكلفته فى بيوع المساومة، فإنّه غيرُ موجبٍ للرّد عند الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة. وانفرد الحنابلةُ بإثبات الخيار فى المساومة أيضاً، حيثُ قالوا: "لوقال البائع: أعطيتُ بهذه السّلعة كذا وكذا، فصدقه المشترى، واشتراها بذلك، ثمّ بان كاذباً، فالبيعُ صحيح، وللمشترى الخيار. قال ابنُ قدامة: "لأنّه فى معنى النّجش. "(٤) وهو وجة عند الشّافعيّة أيضاً.(٥) والظّاهر فى غير هذه الصُّور أنّ خيارَ التّغرير يرجع إمّا إلى خيار العيب، أو إلى خيار فوات الوصف، أو إلى خيار المغبون. والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) الدسوقي ٦٨:٣ (٢) المغنى لابن قدامة ٢٧٨:٤ (٣) روضة الطالبين للنّوويّ، كتاب البيع ٣: ٨١ و٨٢ (٤) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٧٨ (٥) روضة الطالبين للنّوويّ، كتاب البيع ٣: ٨١ و٨٢ المبحث الثامن ٤٠٤- خيار التّدليس وفيه مسئلة المصرّاة التّدليس عند الفقهاء يُطلَق على معنيين: الأوّل: كتمانُ العيب الموجود فى المبيع. والخيارُ الذى يحصل للمشترى بهذا النّوعِ من التّدليس هو عينُ خيار العيب، فتجرى عليه أحكامه. والمعنى الثّانى للتّدليس هو أن يفعل البائعُ فعلاً فى المبيع يظهر منه جودةُ المبيع وكمالُه فى الصّفات، وإن لم يكن ادّعى ذلك الكمالَ صراحةً. ثمّ يظهر أنّ الصّفة المدلَّسة ليست موجودةً فى المبيع. وإنّ فقدانَ تلك الصّفة إن بلغ إلى حدٍ يُعتبر عيباً فى المبيع، جرت عليه أحكام خيار العيب. ولكن إن لم يكن بلغ إلى حدّ العيب المعتبر، ففيه خلاف للفقهاء. والأصل فى ذلك حديثُ المصَرّاة. وهو مارواه الجماعة عن أبى هريرة رضيَ الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "لاتُصَرّوا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النّظرين بعد أن يحلُبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها، ردّها و صاعاً من تمر."(١) والتّصرية أن تُترك الشّاةُ غير محلوبةٍ أيّاماً حتّى يجتمع اللبن فى ضُروعها، فيراها النّاظر منتفخةَ الضُّروع، فيرغَب المشترى فى شراءها، زعماً منه أنّ الشّاةَ كثيرةُ اللّبن، مع أنّها ليست كذلك. وهو التّدلیس. وعملاً بظاهر حديث المُصَرّة ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والإمام أبويوسف رحمهم الله تعالى إلى أنّ للمشترى خيارَ فسخ البيع. أمّا اللّبنُ الَّذى حَلَبه المشترى واستهلكه، فاختلفوا فى معالجته. (١) هذا لفظ البخاري فى صحيحه، باب النّهى للبائع أن لا يُحفّل الإبل والبقر والغنم حديث ٢١٥٠ فقه البيوع والمذهب الأوّل فيه أنّ المشتريَ يرُدّ صاعاً من تمر عوضاً عمّا حلبه، وبما أنّه منصوصٌ فى الحديث، فإنّه يُعتبر بدلاً عن اللّبن فى جميع الأحوال. وهو قولُ الشّافعيّة والحنابلة واللّيث وإسحق وأبى عبيد وأبى ثور وداود. وهو روايةٌ عن الإمام مالك أيضاً. والمذهب الثّانى: أنّ صاعاً من تمر إنّما ذُكر فى الحديث لأنّه كان غالبَ قُوت البلد، فالواجب صاعٌ من غالب قُوت البلد، أى قُوت محلّ المُصرّة. وهو قول مالك وبعض الشّافعيّة. والمذهب الثّالث: أنّ اللازمَ ردُّ قيمة اللّبن، لأنّ المقصودَ فى الأصل قيمةُ اللبن، ولمّا كانت قيمةُ اللبن يومئذٍ تُساوى فى الغالب صاعاً من تمر، عيّنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كإمام المسلمين، لا كشارع. فلمّا تغيّرت القيّمُ، عاد الحكمُ إلى أصله، وهو القيمة. وبه قال أبويوسف، وحُكيَ ذلك عن ابن أبى ليلى.(١) أمّا الإمام أبو حنيفة ومحمّد رحمهما الله تعالى، فليس عندهم خيارُ الرّدّ للمشترى، جرياً على أصلهم أنّ الزّيادة المنفصلة المتولّدة تمنع الرّدّ، كما فصّلناه فى خيار العيب، ولكن يحقّ له ضمانُ النّقصان، (٢) وتأوَلا فى الحديث بعدّة تأويلاتٍ ذكرتُها فى شرح صحيح مسلم، ومنها أنّ حديثَ المُصَرّة معارضٌ لحديث "الخراجُ بالضّمان". وذكرتُ هناك أنّ قول الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى أعدلُ الأقوال. (١) بيان المذاهب كلّه مأخوذ من المغنى لابن قدامة ٤: ٢٣٤ (٢) ردالمحتار، باب خيار العيب ١٤: ٥١٩ المبحث الثامن وعلى كلّ، فإنّ خيارَ التّدليس عند الحنفيّة يُغنى عنه خيارُ العيب، أو خيارٌ فوات الوصف، أو خيارُ المغبون. ومثالُ الأخير أن يكون المبيعُ له درجاتٌ مختلفةٌ فى الجودة، ولكلّ درجةٍ قسمٌ فى مخزنه، فوضع الأدنى فى قسم الأعلى، واشتراه المشترى زعماً منه أنّه أعلى وأنفَس، فظهر بخلافه، فإنّ المشتريَ له الرّدّ، لأنّ التّدليسَ هُنا مصحوبٌ بالغبن. وفى معظم الحالات الّتى ذكر فيها المالكيّة وغيرُهم خيارَ التّدليس يتأتّى فيه إمّا خيارُ العيب، أو خيارٌ فوات الوصف، أو خيارُ المغبون. ٤٠٥- خيارُ الشّرط أمّا خيارُ الشّرط، فهو خيارٌ يشترطُه أحدُ المتبايعين أو كلاهما لإمضاء البيع أو فسخِه،(١) بمعنى أنّ المتعاقدين يعقدان البيع بشرط أنّه يحقّ لأحدهما أو كليهما أن يفسخ البيع خلالَ مدّة معلومة. وهو من الخيارات الّتى لا تثبت إلاّ بالاشتراط صراحةٌ. وقد يُسمّى "خيارَ التروّى" أيضاً. وإنّ مشروعيّةَ خيار الشّرط كلمةُ إجماع بين الفقهاء، قال ابنُ قدامة فى المغنى: "ولا خلاف بين أهل العلم فى ثبوت الرّدّ بهذين الأمرين (يعنى بالعيب أو بشرط الخيار)(٢). " غير أنّ ابن رشد قد حكى فى بداية المجتهد(٣) عن الثّوريّ وابن شبرمة وبعض أهل الظّاهر أنّهم لا يقولون بخيار الشّرط، كأنّهم رأوا شرطَ الخيار شرطاً مفسداً للعقد، ولم تبلغهم أحاديث الخيار. (١) ليراجع رد المحتار، باب خيار الشرط ١٤: ٢٥٤ فقره ٢٢٦٠٠ (٢) المغنی ٤: ٧١ و ٧٢ (٣٠) بداية المجتهد ٢: ٢٠٩ فقه البيوع وأصلُ هذا الخيار ثابتٌ فى حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "المتبايعان كلُّ واحدٍ منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلّا بيع الخيار." (١) أخرجه الإمام البخاريّ فى صحيحه. فإنّ "بيع الخيار" هو البيع مع خيار الشّرط.(٢) وكذلك يدلّ عليه حديث حبّان بن منقذ رضى الله تعالى عنه الّذى ذكرناه فى مبحث خيار المغبون. وأخرجه الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان حبّان بن منقذ رجلاً ضعيفاً، وكان قد سُفع فى رأسه مأمومة، فجعل له رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم الخيار فيما اشترى ثلاثا، وكان قد ثقُل لسانه، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بعْ وقُل: لا خلابة " فكنت أسمعه يقول: لا خذابة، لا خذابة، وكان يشترى الشّيء ويجيء به أهلَه، فيقولون: هذا غالٍ، فيقول: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد خيّرني في بيعي."(٣) والرّاجح أنّ الخيارَ الذى جعله النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم لحبّان بن منقذ رضي الله عنه هو خيارُ الشّرط دون خيار المغبون المسترسل كما مرّ فى مبحث خيار المغبون، وأنّ المراد من قوله "لا خلابة" أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمره بأن يشترط الخيار لنفسه بهذا اللّفظ. وكما يجوز الخيارُ فى مبيع بعينه، يجوزُ فى حصّةٍ مشاعةٍ من شيئ واحد أيضاً. قال (١) صحيح البخاري، باب "البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا" حديث ٢١١١ (٢) الفواكه الدّوانى، كتاب البيوع ٨٣:٢، وليراجع فتح الباري ٤: ٣٣٣ لاختلاف العلماء فى شرح لفظ "بيع الخيار" (٣) المستدرك للحاكم، كتاب البيوع حديث ٢٢٠١، وعلّق الذّهبيّ عليه: "صحيح". المبحث الثامن الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "ولو اشترى ثوباً واحداً، أودابَةً واحدةً بثمن معلوم، على أنّ المشتريَ أو البائعَ بالخيار فى نصفِه، ونصفُه باتٌّ جاز البيع، لأنّ النّصفَ معلوم، وثمنُه معلومٌ أيضاً."(١) ذكره الكاسانيّ رحمه الله تعالى فى سياق خيار التّعيين، والظّاهر أنّه من قبيل خيار الشّرط، لاخيار التّعيين. ٤٠٦- مدّة خيار الشّرط ثمّ اختلف الجمهور فى مدّة الخيار، والمذاهبُ المعروفة فيها ثلاثة: الأول: أنّه يتقيّد بثلاثة أيّام ، فلا يجوز الخيارُ إلى ما فوقها، وهو مذهب أبى حنيفة والشّافعيّ وزفر، رحمهم الله تعالى كما فى الهداية.(٢) والثّانى: أنّه لا يتقيّد بمدّة، ويجوز ما اتّفقا عليه من المدّة، قلّت أو كثُرت، ما دامت المدّةُ معلومة، حتىّ أنّهم ذكروا فى أمثلة مدّة الخيار سَنةً.(٣) وهو مذهب أحمد وابن المنذر، وأبى يوسف ومحمّد، وحُكي ذلك عن الحسن بن صالح والعنبريّ وابن أبى ليلى وإسحاق وأبى ثور رحمهم الله تعالى، كما فى المغنى لابن قدامة.(٤) والثّالث: مذهب مالك رحمه الله، وهو أنّ مدّةَ الخيار تختلف باختلاف المبيعات (١) بدائع الصنائع ٤: ٣٥٧ (٢) الهداية مع فتح القدير ٥: ٤٩٩ (٣) "يصحّ شرط المتبايعين متفاوتاً بأن شرط لأحدهما شهراً، وللآخر سنة. " (شرح منتهى الإرادات للبهوتي ٢: ١٧٠ ) (٤) المغنى ٥٨٥:٣