النص المفهرس

صفحات 241-260

فقه البيوع
الحنفيّة. فالحكمُ على أصل أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّ كسبَ السيّارة يكونُ
مملوكاً للمشترى بغير مقابل، لأنّ الكسبَ حصل بعدَ البيع وانتقال ملكه إلى
المشترى، ولكن لا يطيب له هذا الكسب(١)، لأنّه حصل والسيّارة لم تكُن فى ضمانه
لعدم القبض، فهو ربحُ مالم يضمن. وهذا الحكم مبنيٌّ على العلّة الّتى نصّ عليها
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى الحديث المذكور، وهى: "الخراج بالضّمان"،
فظهر أنّه لا يحلّ الخراج (أى الكسب) إذا لم يكن هناك ضمان.
أمّا على أصل أبى يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى، فالكسبُ للبائع بعد الرّدّ، لكنّها
لا تَطيب له، لأنّه حصل عليه حينَ لم تكُن السّيّارةُ فى ملكه. هذا إذا اختار المشترى
الرّدَّ بالعيب. أمّا إذا اختار إمضاءَ البيع، فالزّيادةُ لاتَطيب للمشترى بلا خلاف، لأنّه
ربحُ ما لم يضمن.(٢)
أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة، فالزّيادة المنفصلةُ للمشترى مطلقاً، سواءٌ أحدثت بعد
القبض أم قبله، وسواءٌ رُدّ المبيعُ بعد القبض أم قبله، ولم يذكروا أنّها لا تطيبُ
للمشترى إن حدثت فى يد البائع. (٣)
وذكر ابنُ قدامة عن الإمام مالك رحمهما الله تعالى أنّه يُفرّق بين الثّمرة والولد،
فالثّمرةُ عنده للمشترى، والولد للبائع، فيُرَدّ مع المبيع.(٤)
الثالثة: أن تكونَ الزّيادةُ الحادثةُ عند المشترى متّصلةً بالمبيع، غيرَ متولّدة منه. مثل ما
(١) ومعناه أنه لا يجوز له أن ينتفع بهذا الکسب، بل يتصدّق به.
(٢) بدائع الصّنائع ٤: ٥٦١
(٣) مغنى المحتاج، كتاب البيع ٢: ٨٢ والمغنی لابن قدامة ٤: ٢٣٩
(٤) المغنى ٢٣٩:٤

٨٦٥
المبحث الثامن
اشترى ثوباً فخاطَه، أو صَبغه، أو أرضاً فبنى فيها أو غرس، ثمّ اطّلع على عيبٍ فى
المبيع. وإنّ هذه الزّيادةَ مانعةٌ من الرّدّ، لأَنّه لاسبيل إلى ردّ الأصل بدون الزّيادة، لأنّها
لا تنفكّ عنها، وكذلك لاسبيلَ إلى ردّ الأصل مع الزّيادة، لأَنّها ليست مبيعةً، ولا تابعةً
للمبيع، كما أنّ الزّيادةَ المتولّدة تابعةٌ للمبيع، فيمتنعُ الرّد. وليس للمشترى فى هذه
الصّورة إلاّ أن يُطالِب البائعَ بالأرش، حتّى لو رضيَ المشترى بأن يرُدّ إليه المبيعَ
بالزّيادة ويتطوّع بها، وقبله البائع، لا يجوز ذلك، لأنّه يستلزمُ أن تكون الزّيادةُ للبائع
بدون عوض، والفضلُ الخالى عن العوض مستحقّاً فى العقد يستلزم الرّبا أو شُبهتَه،
والشّبهةُ فى باب الرَّبًا ملحقٌ بالحقيقة، فلا يجوز. (١) فامتناعُ الرّدّ هُنا بحكم الشّرع.
وامتناعُ الردّ بهذه الزّيادة بغير عوض ممّا اتّفقت عليه المذاهب الأربعة.
ولكن زاد المالكيّةُ والشّافعيّةُ أنّه إن أمكن إزالةُ الزّيادة بدون تعييب المبيع،
فللمشترى أن يُزِيلَ الزّيادةَ ويرُدَّ المبيع بخيار العيب بدون الزيادة. (ولعلّ هذا القدْرَ
لايُخالف المذاهب الأخرى أيضاً.) وإن تعذّر ذلك، رجعَ المشترى بالأرش، إلاّ أن
يرضى البائعُ بأن يدفعَ إلى المشترى قيمةَ الزّيادة مع أصل الثّمن، ويستردَّ المبيع.(٢)
فإن لم يرضَ البائعُ بذلك، فعند المشترى خياران: الأوّل: أن يُطالبَه بالأرش، والثّانى:
أن يُرُدّالمبيع ويبقى شريكاً له فى الزّيادة. وشَرحه الدَّردير رحمه الله تعالى بأنّ
الزّيادةَ لو زادت فى قيمة المبيع المعيب بقدر الخُمس مثلاً، فإنّ المبيعَ يكون مشتركاً
بينهما أخماساً، فتكونُ أربعةُ أخماس للبائع، وخمُسٌ للمشترى. (٣)
(١) فتح القدير١٣:٦
(٢) صرّح به الدّسوقيّ رحمه الله تعالى ١٢٧:٣
(٣) حاشية الدّسوقيّ ١٢٧:٣

٨٦٦
فقه البيوع
ولكنّ المالكيّةَ يجعلون الخيارَ بين الأمرين للمشترى بمعنى أنّه يحقّ للمشترى أن يجبُر
البائعَ على الرّدّ مع كونه شريكاً له بقدر الزّيادة حسبما قلنا، ويقول الشّافعيّة: لا يحقّ
للمشترى أن يجبُر البائعَ على الردّ مع كونه شريكاً له، بل إنّما يجوز ذلك برضا البائع،(١)
وذلك لأنّ إشراكَه فى المبيع عقدُ معاوضة، فلا يجوز إلاّ بتراضى الطرفين.
وأجاب عنه القرافيّ رحمه الله تعالى بقوله: "لابدّ من أحد الضّررين: إمّا إلزامُ
المشترى معيباً لم يدخُلْ عليه، أو إلزامُ البائع معاوضةً لم يرضَها، وهو أولى أن
يُحمَّل عليه لتقدّم حقّ المشترى بالعقد."(٢)
أمّا الحنابلة، فالرّاجحُ عندهم أنّه لاحقَّ للمشترى إلاّ فى الأرش، ولا يُجبِر البائعُ على
دفع قيمة الزّيادة (أو إشراك المشترى فى المبيع بقدر الزّيادة)، لأنّه عقد معاوضة فلا
يجوز إلاّ بالتّراضى. وذكر ابنُ قدامة رحمه الله تعالى أنّ مذهبَ الحنفيّة مثلُ
مذهبهم. (٣) ولكن ذكر القرافيّ رحمه الله أنّ مذهب أبى حنيفة مثلُ مذهب
المالكيّة.(٤) ولم أجد بعدُ تصريحاً من الحنفيّة فى هذه المسئلة، غير أنّ اقتصارَهم فى
الزّيادة المتّصلة غير المتوّدة على أخذ الأرش يدلّ على أنّه ليس للمشترى خيارٌ
آخر إلاّ بالتّراضى، مثل مذهب الشّافعيّة والحنابلة، وهو الذى يبدو راجحاً من حيثُ
الدّليل، فإنّ الإشراك فيه صعوبةٌ ظاهرة من النّاحية العمليّة، فإنّه يحتاج إلى تقويم
المبيع بدون زيادة، وتقويمه بعد الزيادة، ثمّ تعيين نسبة الفرق بينهما، ثمّ الإشراك
(١) المجموع شرح المهذّب ١٢: ١٩٧
(٢) الذّخيرة للقرافي ٥: ٩٠
(٣) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٥٣
(٤) قال رحمه الله تعالى: "ووافقناح" (الذّخيرة ٥: ٩٠)

80
المبحث الثامن
بقدره. والإشراكُ قد لا يكون فى مصلحة أحد الطّرفين، فإنّه يحتاج إمّا إلى قسمة أو
إلى مهاياة، أو شراء أحد حصّة الآخر. ولا يسهُل ذلك فى جميع المبيعات، فلا ينبغى
أن يُجبر أحد الفريقين على ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم.
الرّابعة: أن تكون الزّيادةُ منفصلةً عن المبيع، متولّدةً منه، مثل أن تكون شاةً فدرّت
لبناً، أو ولدت ولداً، أو تكونَ شجرةً فأثمرت. وفيه خلافٌ بين الفقهاء. فقال الحنفيّة:
إنّها إن حدثت قبل أن يقبض المشترى المبيع، فإنّها غيرُ مانعة من الرّدّ، فيجوزُ
للمشترى أن يفسُخ البيعَ، ويسترِدَّ جميع الثّمن، والزّيادةُ للبائع، لأَنّها حدثت حينَ
کان المبيعُ فى ضمانه.
وأمّا إذا حدثت الزّيادةُ فى قبض المشترى، فإنّها مانعةٌ للرّدّ، ويرجعُ على البائع
بالأرش. وذلك لأنّ الزّيادةَ المتولّدةَ مبيعةٌ تبعاً للأصل، فإن ردَّ المشتري الأصلَ
بدون الزّيادة، فإنّه يبقى فى يده جزءٌ من المبيع التّابع بدون ثمن، وهو فضلٌ خال عن
العوض، (بخلاف الزّيادة المنفصلة غير المتولّدة، فإنّها ليست تابعةً للأصل، لكونها
حدثت بسبب آخر غير تابع للبيع، كغلّة المبيع). وإن ردّها مع الزّيادة، فإنّه يستلزم أن
يربحَ البائعُ ما لم يضمن، لأنّ الزّيادةَ إنّما تولّدت حينَ كان المبيعُ فى ضمان
المشترى، وليس فى ضمان البائع، وربحُ مالم يضمن ممنوعٌ بنصّ الحديث. فلمّا
تعذّر الرّدّفى كلتا الحالتين، تعيّن الرّجوعُ بالأرش.(١)
وقال الشّافعيّة والحنابلة: إنّ هذه الزّيادةَ لا تمنعُ الرّدَّ، بل يُرُدّ المشترى المبيعَ بدون
الزّيادة، وقاسُوها على الزّيادة غير المتولّدة، حيثُ تكونُ للمشترى، لحدوثها فى
(١) هذا ملخص ما فى البدائع ٤: ٥٦١ و ٥٦٢ و ٥٦٣

٨٦٨ ٠٥
فقه البيوع
ضمانه. والفرقُ عند الحنفيّة ما بيّ من أنّ المتولّدةَ مبيعةٌ تبعاً للأصل، وغيرَ المتولّدة
ليست تابعةً، فلمّا كانت جزءً من المبيع تبعاً، واستردّ المشترى جميع الثّمن، فتبقى
الزیادةُ بدون عوض.
ووافق المالكيّةُ الشّافعيّةَ والحنابلةَ فى الزّيادات من غير جنس المبيع، مثل اللّبنِ الّذى
حُلب، و الصُّوفِ الَّذى جُزّ من الدَابّة المبيعة، أو الثّمرة الّتى قُطعت، حيثُ يُمسكها
المشترى إن ردّ المبيعَ بالعيب. أمّا الزّياداتُ الّتى تولّدت من جنس المبيع، مثل ولد
الأمة أو الدّابة. فقالوا: إن ولدت الدّابّةُ المبيعةُ عند المشترى، فأراد أن يُرُدّها بالعيب،
وجب عليه أن يُرُدّ الدَابَةَ مع ولدها.(١)
٣٩٠- إخراج المشترى المبيعَ عن ملكه
إذا أخرج المشترى المبيعَ عن مِلكه بعقدٍ من عقود التّمليك، كالبيع والهبة (مع
التّسليم) أو الصُّلح، فإن أخرجه عن ملكه عالماً بالعيب، فلا يستحقُّ الرّدّ بالإجماع.
وإنّ امتناع الرّدّ بعد إخراج المشترى المبيعَ عن ملكه متّفق عليه بين الفقهاء. ولكن
هناك خلافٌ فى استحقاق الأرش.
والظّاهر من مذهب الحنفيّة أنّه إن أخرج المبيع عالماً بالعيب، فلا حقّ له فى الأرش، لأنّ
الإقدام على بيعه رضاً بالعيب. وإن لم يكن عالماً بالعيب عند بيعه، فله المطالبةُ بالأرش.
قال السّرخسيّ رحمه الله تعالى فى صورةٍ لامتناع الرّد: "إلاّ أنّ قبل العلم بالعيب لم يصِرْ
هو راضياً بالعيب، فيرجعُ بالنّقصان، وبعد العلم بالعيب يصير هو بالإقدام على هذا الفعل
(١) المقدمات الممهدات ٢: ١٠٣ والمدوّنة الكبرى، كتاب التّفليس ٤: ٨٥

٨٦٩
المبحث الثامن
راضياً بالعيب، ولا يرجع بالنّقصان. "(١) ولافرقَ عند الحنفيّة بين البيع، وبين تصرُّفٍ آخرَ
مُخْرِجٍ عن الملك. (٢)
ولكنّ هذا الحكم فيما إذا باع المبيع إلى ثالث، غير عالم بالعيب، وبدون أن يتصرّف فيه بما
يُغيّره. أمّا إذا أحدث فى المبيع ما غيّره، مثل ما إذا كان المبيع ثوباً فقطعه، أو خاطه، ثمّ باعه
إلى ثالث، ووجد به عيباً، فلا حقّ له فى الأرش. قال البابرتيّ رحمه الله تعالى:
"فإن باعه المشترى، يعنى بعد القطع (أى قطع الثّوب) ثمّ علم بالعيب، لم
يرجع بشيئ، لأَنّه جاز أن يقول البائع: كنت أقبله كذلك، فلم يكن الرّدّ ممتنعاً
برضا البائع، فإنّ المشتريَ يصير بالبيع حابسا المبيع، ولا رجوع بالنّقصان إذ
ذاك، لإمكان ردّالمبيع وأخذ الثّمن لولا البيع. "(٣)
والرّاجح فى مذهب الحنابلة أنّه يستحقّ الأرش، وإن أخرجه عن ملكه عالماً
بالعيب، لأنّ الأرش عوضُ الجزء الفائت بالعيب فلم يسقط بتصرفه فيما سواه، كما
لو باعه عشرة أقفزة، فأقبضه تسعة، فتصرّف فيها. (٤)
ومذهبُ الشّافعيّة فى الراجح أنّ المشتريَ لاحقَّ له فى الأرش بعد البيع، سواءٌ كان
عالماً بالعيب أو غير عالم به، إلاّ فى ما زال فيه مِلكُ المشترى بغير عوض، مثل الهبة،
(١) المبسوط، باب العيوب فى البيوع ٩٩:١٣
(٢) بدائع الصنائع ٤:٥٥٦
(٣) العناية مع فتح القدير ٦: ١٢ وما ذكر ابن قدامة عن الحنفيّة أنّه لا يستحقّ الأرش بعد البيع،
(المغنى ٤: ٢٤٧) فالظاهر أنّه محمولٌ على هذه الصّورة، وإن كان ابن قدامة صرّح فيه بأنّه
لا يستحقّ الأرش عند الحنفيّة، سواءٌ كان عالماً بالعيب أو غير عالم به.
(٤) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٤٧ و ٢٥٠

٨٧
فقه البيوع
أو بعقدٍ امتنع عودُه إليه، مثل الوقف، فله أن يرجعَ على بائعه بالأرش عند طوائف
من المحقّقين. (١)
وفرّق المالكيّةُ بين الهبة والبيع، ففى صورة الهبة والصّدقة يستحقّ الأَرش. وفى
صورة البيع، إن باعه بنفس الثّمن الذى اشتراه به من البائع الأوّل، أو بأكثر، فلارجوعَ
له بالأرش، وإن باعَه بأقلّ منه، ولم تكن القلّةُ لحال السّوق، بل بسبب العيب الّذى
ظنّ خطأً أنّه عيبٌ جديدٌ حدَث فى ملكه، فله الرّجوعُ بالأرش تجاهَ البائع الأوّل.(٢)
ثمّ إن ردّ المشترى الثّانى المبيعَ إلى المشترى الأوّل بسبب العيب قبل القبض، يحقّ
للمشترى الأوّل أن يردّه إلى بائعه بالإجماع. أمّا إن ردّه المشترى الثّانى بعد القبض،
فمذهبُ الحنفيّة أنّه إن رُدّ بقضاء القاضى، يعود إليه الخيارُ تجاه البائع الأوّل، فيجوز
له أن يُرُدّه إليه بخيار العيب. أمّا إذا قبل الردّ من المشترى الثّانى بغير قضاء القاضى،
فلا يعود إليه الخيار تجاه البائع الأوّل، لأنّه بيعٌ جديدٌ فى حقّ ثالث، وإن كان فسخاً
فى حقّهما. والبائع الأوّل ثالثٌ بالنّسبة إلى ما وقع بين المشترى الأوّل والثّانى من
الفسخ.(٣) وأمّا الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة، فكلّهم متفقون على أنّ له الرّدّ إلى البائع
الأوّل، سواءٌ رُدّ إليه من المشترى الثّانى بقضاء القاضى أو بغيره. (٤)
(١) راجع المجموع شرح المهذّب ٢٩٢:١٢ و ٢٩٥ وتحفة المحتاج ٤: ٣٦٣
(٢) الدّسوقيّ ٣: ١٢٤ و١٢٥
(٣) الهداية مع فتح القدير٦: ١٩ إلى ٢٢
(٤) المغني لابن قدامة ٤: ٢٤٦ والمجموع شرح المهذّب ٢٩٧:١٢ والدّسوقيّ ٣: ١٢٤

المبحث الثامن
٣٩١- مؤنة النّقل فى الرد بخيار العيب
وإن أراد المشترى أن يردّ المبيعَ بخيار العيب، فمُؤنة النّقل إلى موضع العقد على
المشترى. قال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى ناقلاً عن البحر وجامع الفصولين:
"ومؤونة ردّ المبيع بعيبٍ أو بخيار شرطٍ أورؤيةٍ على المشترى، ولوشرى متاعاً
وحمله إلى موضع، فله ردُّه بعيبٍ أو رؤيةٍ لورده إلى موضع العقد وإلافلا."(١) وهو
مذهب الشّافعيّة والحنابلة أيضاً.(٢)
وفرّق المالكيّة فى هذا بين البائع المدلّس وغير المدلّس. فإن كان مدّساً للعيب، فمؤنةٌ
النّقل عليه عندردّ المبيع ، حتّى لو نقل المشترى المبيعَ إلى محلٌّ آخر فى البلد نفسه
بأجرة، ثمّ اطّلع على العيب واختارَ الرّدّ، وجب على البائع المدلّس أجرةُ ذلك النقل
أيضاً، ويجوز للمشترى أن يرجع عليه بتلك الأجرة. أمّا إذا سافر به المشتری إلی بلدٍ
آخر، فليس للمشترى أن يرجع على البائع بأجرة النّقل إلى ذلك البلد، وعليه مؤنةُ الرّدّ
إلى موضع العقد أيضاً، إلاّ إذا كان البائعُ عالماً بأنّ المشتريَ ينقله إلى بلده، فحينئذٍ أجرةُ
النّقل عليه جائياً وراجعاً.
أمّا إذا كان البائعُ غيرَ مدلّس، ونقل المشترى المبيعَ إلى محلّ قريب، ثمّ أراد الرّدّ بعيب،
فمؤنة الرّدّ على المشترى، وإن نقله إلى محلّ بعيد، سقط خيار الرّدّ، وتعيّن الأرش،
حسبما ذكره الدردير، ولكن ذكر الدّسوقيّ عن ابن يونس وابن رشد أنّه لافرق بين القرب
(١) ردالمحتار، باب خيار الرؤية ٣٤٧:١٤
(٢) المجموع ١٢: ١٥٩ وفيه أنّ هذا الحكم يعمّ خيار الشّرط والإفلاس أيضاً. وراجع شرح منتهى
الإرادات فی حکم الرد بالعيب ١٧٦:٢

٨٧٢
فقه البيوع
والبعد، ويُخيّر المشترى فى الحالتين بين أن يردّ المبيعَ إلى محلّ العقد ويتحمّل مؤنته،
وبين أن يُمسك المبيع ويُطالب بالأرش.(١)
والّذى يظهر أنّ التّفصيل الّذى ذكره المالكيّة أوفقُ بمصالح التّجارة بين البلدين
أو التّجارة الدّوليّة، فإنّ نفقاتِ الشّحن بين البلدين نفقاتٌ باهضةٌ لو حُمّلت على
المشترى المغرور، فإنّ فيه إضراراً به، حيثُ يتحمّلُ هذه النفقات بدون عائد. ومقتضى
العدل أن يتحمّلها البائعُ المدلّس، لأَنّه غرّ المشترى، بخلاف ما إذا كان البائعُ غيرَ مدلّس،
فإنّه ليس هناك تقصيرٌ منه، فتخييرُ المشترى بين مطالبة الأرش وبين ردّه على نفقته فيه
رعايةٌ للجانبين، والله سبحانه وتعالى أعلم.
أمّا فى القانون الإنكليزيّ، إن رفض المشترى قبول المبيع فیما یحقّ له ذلك، فليس
عليه مؤنة ردّه إلى البائع. تقول المادّة ٤٣ من قانون بيع المال أنّ المشتريَ فى هذه
الحالة ليس ملزماً برد البضاعة المبيعة إلى البائع، وإنّما يكفيه أن يُشعر البائع بأنّه لم
يقبل البضاعة. وذكر شُرَّح القانون أنّ البضاعة بعد ذلك على ضمان البائع، ولو
عرض المشترى على البائع أن يستردّ البضاعة، فلم يفعل البائع، فإنّه يحقّ للمشترى
أن يُطالبه بأجرة حفظها.(٢)
٣٩٢- حكم وجود العيب فى بعض المبيع
وإن وجد المشترى عيباً فى بعض المبيع، ووجد الآخر سالماً، فإنّ حكمه يختلف
باختلاف المبيعات. والمبيعاتُ فى هذا الحكم على قسمين:
(١) هذه خلاصة مافى شرح الدردير وحاشيته للدّسوقيّ ٣: ١٢٩
(*) Pollock & Mulla: On Sale of Goods Act, Section 43, P.323

المبحث الثامن
الأوّل: أن تكون المبيعاتُ بمنزلة شيئ واحد لتوقف الانتفاع بأحدها على الآخر، مثل
الخفّين، والنّعلين، ومصراعي الباب، أو المكيلات والموزونات فى وعاء واحد، أو
فى صُبرة واحدة، ووجد المشترى ببعضها عيباً، فحكمُه أنّه بالخيار، إمّا أن يقبلهما
جميعاً، أو يردّهما جميعاً، ولا يجوز له أن يُمسك السّالم ويردّ المعيب، لأنّ الانتفاعَ
بأحدهما لايُمكن فيما وُضع له بدون الآخر، أو لأنّ فيه تفريق الصّفقة على البائع
فيماهو فى حكم شيئ واحد. ففى ردّ بعضها إضرارٌ بالبائع، إلاّ أن يرضى البائع بردّ
المعیب بحصته من الثّمن.
والقسم الثّانى: المبيعات الّتى هيَ بمنزلة أشياء متعددة، مثل ثوبين، أو شاتين، أو
صُبرتين من الحنطة أو المكيلات أو الموزونات الأخرى أو المعدودات المتقاربة
فى وعائين، ووجد المشترى بأحدهما عيباً، فحكمُه عند الحنفيّة والمالكيّة أنّه
يحقّ للمشترى أن يردّ المعيب خاصّةً بحصّته من الثّمن، وليس له ردُّ الكلّ إلاّ
بالتّراضى.(١) وهو روايةٌ فى مذهب الحنابلة. وقال زفر والشّافعيّ رحمهما الله
تعالى: ليس له أن يُرُدّ المعيب فقط، بل يردّ الكلّ، أو يُمسك الكلّ، كما فى القسم
الأوّل. وهو روايةٌ أخرى فى مذهب الحنابلة.(٢)
وقد ذكرنا فيما قبل أنّ القوانين الإنكليزيّة ليس فيها تصوّر خيار العيب مثل ما هو
متصوَّرٌ فى الفقه الإسلاميّ، ولكن يوجد فيها ما يُقارب خيار فوات الوصف. فإن
(١) هذا ملخص ما فى بدائع الصنائع ٤: ٥٦٤ إلى ٥٦٦ ومواهب الجليل للحطّاب ٤: ٤٥٩
(٢) المغنى لا بن قدامة ٢٤٨:٤

٨٧٤
فقه البيوع
وُجد بعضُ المبيع بخلاف الوصف المتّفَق عليه فى العقد، فإنّ المادّة(٣) ٣٧ من
قانون بيع المال يُعطى خيارين للمشترى، فيحقّ له أن يردّ الكلّ، أو يردّ ما وجده
خلاف الوصف، ويُمسك الباقيَ بحصّته من الثّمن. ولم يُفرّق القانون بين القسمين
المذكورين أعلاه، كما فرّق بينهما الفقه الإسلاميّ، غير أنّه جعل هذا الحكم خاضعاً
للأعراف التّجاريّة أو شروط التّعاقد فيما بين المتعاقدين.
٣٩٣- جريان الإرث فى خيار العيب
ثمّ إن مات المشترى وله خيارُ العيب، فإنّ خيارَه ينتقل إلى وارثه باتّفاق الأئمّة
الأربعة،(١) بخلاف خيار الشّرط، فإنّ فى توريثِه خلافاً، كما سيأتى فى خيار الشّرط
إن شاء الله تعالى.
وصرّح السّبكيّ رحمه الله تعالى فى تكملة شرح المهذّب أنّ خيارَ العيب ينتقل
إلى الوارث، سواءٌ أمات المشترى مطّلعاً على العيب، أم اطّلع عليه وارثُه بعد
مَوته، فإن اختار أحدُ الورثة أن يرُدّ نصيبَه لم يجُزْ، لأنّه تبعيضُ صفقة فى الرّدّ،
فلم يجز من غير رضا البائع، كما أراد المشترى أن يُرُدّ بعضَ المبيع. (٢)
(١) المبسوط السرخسي، باب الخيار فى البيع ١٣: ٤٣ المجموع شرح المهذّب ١٢: ١٩٣ وشرح
منتهى الإرادات للبهوتي ٢: ٤٦١ وبداية المجتهد ٢: ٢١١ ولافرق عندالشافعيّة والمالكيّة بين
خيار الشّرط وخيار العيب، فالإرث يجرى عندهم فيهما كما سيأتي إن شاء الله تعالى فى بيان
خيار الشّرط.
(٢) المجموع شرح المهذّب ١٩٣:١٢ و١٩٤

0
المبحث الثامن
٣٩٤- اختلاف المتبايعين فى وقت حدوث العيب
إن اختلف المتبايعان، فادّعى المشترى العيبَ من عند البائع، وأنكره البائع، فالبيّنةُ
على المشترى، واليمينُ على البائع. (١) وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة،(٢)
وهو مذهب الحنابلة فى رواية. والرّواية الثّانية عندهم: أنّ اليمينَ على المشترى.(٣)
وهذا هو الأصلُ فى المذاهب الأربعة، غير أنّ فى كلّ واحد من المذاهب تفاصيل
جزئيّةٌ لتطبيق هذا الأصل تُراجع عند الحاجة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣٩٥- خيار فوات الوصف
ويُقال لهذا الخيار "خيارُ الخُلف" أيضا. ومعناه أنّه إن كان المشترى اشترطَ فى المبيع
وصفاً، فوجده فائتاً ذلك الوصف، فإنّ له الخيار، إن شاء أمضى البيع، وإن شاء فسخه.
والفرقُ بين خيار العيب وخيار فوات الوصف من جهتين:
الأولى: أنّ خيارَ العيب إنّما يحصُل للمشترى بحكم الشّرع، ولا يلزمُ المشترىَ أن
يشترطه فى العقد، بل يحصل له بالعقد تلقائيّاً، بخلاف خيار فوات الوصف، فإنّه
إنّما يحصُل للمشترى إذا اشترط ذلك الوصفَ فى المبيع، مثل أن يشترط فى الشّاة
کونها حلوباً. فإن وجد أنّها غیر حلوب، حصل له الخیار.
والجهة الثانية: أنّ خيارَ العيب إنّما يحصل للمشترى إذا تبيّن له عيبٌ يُعتبر عيباً فى
المبيع حسب ما ذكرناه فى تعريف العيب المعتبر. أمّا خيارُ فوات الوصف، فإنّما
(١) الهداية مع فتح القدير٦: ٢٣
(٢) التّسوقيّ ١٣٦:٣ و١٣٧
(٣) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٥١

٨٧٦ ٠٥
فقه البيوع
يحصُّل بفوات وصفٍ مرغوبٍ فيه ومشروطٍ فى العقد، ولو لم يكن ذلك الفواتُ
يُعتبر عيباً فى عرف التّجّار، مثل كون الدّابّة المبيعة ذكراً أو أنثى، أو كون الشّاة حلوباً.
وإنّ الأئمّة الأربعة متّفقون على ثبوت أصل هذا الخيار، وإن كان هناك خلافٌ فى
بعض تطبيقاته. وذكر الفقهاءُ لثبوت هذا الخيار شروطاً آتية:
١- أن يكون الوصفُ المرغوبُ فيه مشروطاً فى العقد. وهذا شرطٌ اتّفق عليه
الفقهاء. فإن اشترط الوصف فى البيع صراحةً، ثبت الخيارُ قطعاً. والظّاهرُ أنّه لولم
يُشترطْ فى العقد صراحةً، ولكن كان مشروطاً فيه بحكم دلالة الحال، فينبغى أن
يُعتبر كالمشروط، مثل أن يكون هناك سوقٌ تختصّ لبيع أنعام الأضحيّة فى أيّام
الأضاحى، فلو اشترى أحدٌشاةً من تلك السّوق، ثمّ تبيّن أنّها غيرُ صالحة للأضحيّة،
يحصُل له الخيار، ولولم يثبت فيها عيبٌ يعدّه التّجّار عيباً لشاة اللّحم. وقدّمناه فى
أوّل خيار العيب.
٢- أن يكون الوصفُ مرغوباً فيه يتعلّق به غرضٌ صحيح. فإن كان غير مرغوب فيه،
ولا يتعلّق به غرض مقصود، يلغو ذلك الشّرط، ولا يثبت الخيار، بل ينعقد البيع بدون
الوصف المشروط.(١)
٣- أن يكون الغرضُ من ذلك الوصف مشروعاً، وليس للتّلقّى فقط، ومثّلوا ذلك بأن
يشتريَ جاريةً على أنّها مغنّيةٌ على سبيل الرّغبة فيها، لأنّ جهةَ الغناء جهةُ التّلهّى،
فاشتراطُها فى البيع يُوجب الفساد، وكذا إذا اشترى قُمريّةً على أنّها تُصوّت أو طوطيّاً
(١) المجموع شرح المهذب ٣٢٩:١٢

٨٧٧
المبحث الثامن
على أنّه يتكلّم، (١) أو حمامةً على أنّها تجيئ من مكان بعيد، أو كبشاً على أنّه نطّاح،
أوديكاً على أنّه مقاتلٌ، لأنّ هذه الجهاتِ كلّها جهاتُ التّلهّى، بخلافٍ ما إذا اشترى
كلباً على أنّه معلّم، أواشترى دابّةً على أنّها هملاج (أى سريع العدو) لأنّها صفةٌ
لاحظر فیها بوجه."(٢)
٣- أن لا يكون فى الوصف المشروط غرر. ومثّلوه بشراء شاة على أنّها تُدِرَ قدراً معيناً
من اللّبن كلَّ يوم، فيه غررٌ، لأَنّه لايُعرف بيقين كم ستُدِرّ فى المستقبل. أمّا إذا اشترط
أنّها شاةٌ حلوب، جاز شرطُ هذا الوصف، لأنّ كونَها حلوباً يمكن التأكّد منه. وكذلك
لو اشترى بطيخا أو فاكهةً أخرى على أن تكون حلوّة، فإنّ فيه غرراً. ولكن يجوز أن
يشترط كونها من منطقة معيّنة، مثل أن يكون رمّان الطّائف، كما يجوز أن يرضى البائعُ
بأنّه يُذيق المشتريَ منه، فإن وجده مناسباً له، اشتراه. وهذا ليس خيار الخلف، بل هو
شراءٌ بعد التّجربة.
ولو اشترى بقرةً على أنّها حامل، لم يجُز فى ظاهر الرّواية عند الحنفيّة، وعلّله الكاسانيّ
(١) لعلّ المراد من الطّوطيّ البيّغاء. وفيه نظرٌ من جهة أنّ اقتناء القمريّة أو الببغاء ممّا لاحظر فيه، ولا شكّ أنّ
هذه الأوصاف مرغوب فيها للاستئناس بها، ويُشكل أن يُقال إنّ الاستئناس بها من التّلهى المحظور،
وقد جرى العمل بذلك من غير نكير. جاء فى لسان الحكام لابن الشحنة: "إذا كان يُمسك الحمام فى
بيته ويستأنس بها ولا يُطيّرها فهو عدل، لأن اقتناء الحمام فى البيوت مباح. ألاترى أنّ النّاس يتّخذون
بروج الحمام ولم يمنع من ذلك أحد." (الفصل الثالث فى الشهادات ١: ٢٤٤) وذكرابن قدامة رحمه
الله تعالى أن منع أبى حنيفة لاشتراط التصويت فى القمريّ إنما هو للغرر، لأنّ صياح الطّير يجوز أن
يوجد ويجوزأن لا يوجد. قال: "والأولى جوازه، لأنّ فيه مقصداً صحيحاً، وهو عادةٌ له وخلقةٌ فيه."
(المغنى ٢٤٦:٤)
(٢) بدائع الصّنائع ٤: ٣٨١ و٣٨٢

٨٧٨
فقه البيوع
رحمه الله تعالى بقوله: "لأنّ المشروطَ يحتمل الوجود والعدم، ولا يُمكن الوقوف عليه
للحال، لأنّ عِظَم البطن والتحرّك يحتمل أن يكون لعارض داء أو غيره."
ومقتضى هذا التّعليل أنّه إن حصل التّقّن بالحمْل بالآلات الجديدة الّتى تُصوِّر ما فى
البطن من الحمل، ينبغى أن يجوزَ هذا الشّرط. وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة
رضى الله عنهما أنّ البيع بهذا الشّرط جائز."(١) وذكرابنُ الهمام رحمه الله تعالى أنّ هذا
البيعَ جائزٌ عند الشّافعيّ رحمه الله تعالى فى الأصحَ. (٢)
ويُقاس على ذلك أن تُشترى شُقّةٌ بشرط أن تُكرى على كراءٍ معيّن، فإنّه لا يُعرف بكم
تُكرى، فلايجوز. وقد تُباعُ محلات تجاريّةٌ على أنّ إيرادها الشّهريّ كذا. وفيه غررٌ
أيضاً، لأنّه لا يستطيع أحدٌ أن يقدّر إيرادها فى المستقبل بيقين.
ولكن ينبغى أن يجوز شراؤُ جهازٍ أو ماكينةٍ على أنّ ناتجها اليوميّ كذا، مثل أن يُباعَ
جهازُ الطّباعة على أنّه يطبع كذا ورقةً فى ساعة، فإنّ التّأكّدَ منه ممكنٌ بيقين، وكذلك
شراؤُ سيّارةٍ على أنّها تقطع مسافةً معيّنةً، مثل عشرة كلومترات، بلتر واحد من البنْزين،
فإنّ هذا الشّرطَ يُمكن التأكّد منه، وليس فيه غرر.
وكذلك الجودةُ والرداءةُ فى أسواق السَّلَع تنضبط بدرجاتٍ معلومة، فشراؤُ سلعة
على أنّها من الدرجة الأولى أو الثّانية، شرطٌ جائزٌ يثبت به خيارٌ فوات الوصف، فإنّ
هذه الدّرجات معروفةٌ اليوم فى عُرف التّجّار بأوصاف معلومة.
(١) بدائع الصنائع، بقية كتاب البيوع، شرائط الصحة ٤: ٣٧٥
(٢) فتح القدير ٥: ٥٢٨ وهو قول عند الشّافعيّة فى بيع الشّاة على أنّها حامل، وحسّنه إمام الحرمين فى
نهاية المطلب ٥: ٤٤١ وقال العمرانيّ فى شرح المهذّب: "وإن شرط أنّها تحلب كلّ يوم كذا،
فهل يصحّ البيع؟ فيه وجهان بناءً على القولين فى شرط الحمل. (البيان شرح المهذّب ١٠٣:٥)

المبحث الثامن
٣٩٦- موجب خيار فوات الوصف
أمّا موجَبُ هذا الخيار، فهو أنّه يجوز للمشترى إن لم يوجد فى المبيع الوصفُ
المشروط أن يردّه إلى البائع ويستردّ الثّمن كلّه. أمّا إذا تعذّر الرّدّ لسببٍ من الأسباب
المانعة للرّدّ (الّتى فصّلناها فى خيار العيب)، جاز له أن يُطالبَ بفرق القيمة بين المبيع
الموصوف بذلك الوصف وبين غير الموصوف. وهو ظاهرُ الرّواية عند الحنفيّة
رجّحها ابن الهمام رحمه الله تعالى.(١)
أمّا إذا رضيَ المشترى بالمبيع، وأراد أن يُمسكه بدون الوصف المشروط، فإنّه يُمسكه
بجميع الثّمن، لأنّ الأوصافَ لايُقابلها شيئٌ من الثّمن. وهذا لاخلاف فيه. قال ابنُ قدامة
رحمه الله تعالى: "فمتى بانَ خلافُ ما اشترطه، فله الخيارُ فى الفسخ والرّجوع بالثّمن،
أو الرّضابه ولاشيئ له. لانعلم بينهم فى هذا خلافاً."(٢)
٣٩٧- صور اختلاف المبيع عمّا وقع عليه العقد
إن وجد المشترى المبيعَ بخلاف ما وقع عليه العقد فله صور ثلاثة:
الصّورة الأولى: أن يجد المبيعَ بخلاف الجنس الذى وقع عليه البيع، مثل أن اشترى.
حنطةً، فوجدها شعيراً. وفى هذه الصّورة يبطل البيع بالإجماع.(٣)
(١) قال رحمه الله تعالى: "وعن أبى حنيفة لا يرجع بشيئ، لأنّ ثبوت الخيار للمشترى بالشّرط
لا بالعقد، وتعذّر الرّدّ فى خيار الشّرط لا يوجب الرجوع على البائع، فكذا هذا. والصّحيح ما فى
ظاهر الرواية. (فتح القدير ٥: ٥٢٩)
(٢) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٤٥
(٣) "ومن باع جارية فإذا هو غلام فلا بيع بينهما" (الهداية مع فتح القدير٦: ٦٦)

٨٨٠
فقه البيوع
الصورة الثّانية: أن يجد المبيعَ بخلاف القدر الّذى وقع عليه العقد، مثل أن يشتري
صُبرةً من الحنطة على أنّها عشرةُ كيلو، فيجدها تسعةَ كيلو، فإن أمكن تقسيمُ الثّمن
على الأجزاء، فله أن يأخذه بحصّته من الثّمن باتفاق الأئمّة الأربعة. ولكن هل يكون
له خيار الفسخ؟ فيه قولان: الأول: أنّ له الخيار بين أن يفسخ البيع أو يأخذه بحصّته
من الثّمن. وهو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة، وقولٌ فى مذهب الحنابلة.(١) ووجهُه أنّه
وجد المبيع ناقصاً ممّا سُمّي له، وقد لا يرضى بهذا القدر النّاقص، فلابد أن یکون له
الخيار، ولأنّ فيه تفرّق الصفقة عليه قبل التّمام، فلم يتمّ رضاه بالموجود.(٢) والقول
الآخر عند الحنابلة أنّه لاخيارَ له، لأنّ نقصانَ القدر ليس بعيب فى الباقى.(٣)
والظّاهرُ من كلام الإمام مالك رحمه الله تعالى أنّ النّقصانَ إن كان يسيراً، فلا خيارَ
للمشترى إلاّ أن يأخذ النّاقصَ بحصّته من الثّمن. أمّا إذا كان النّقصانُ كثيراً، فله خيارٌ
الفسخ. قال مالك رحمه الله تعالى: "إذا اشتراها على أنّ فيها مائة إردبّ، فوجد فيها
مائة إردبّ إلاّ شيئاً يسيراً، لزمه البيع فيما أصاب فى الصُّبرة من عدد الأرادب بحصّة
ذلك من الثّمن. قال: وإن كان الّذى نقص من الصُبرة الشيئَ الكثير لم يلزمه البيع إلاّ
أن يشاء، لأنّ المبتاعَ يقول: ليس هذا حاجتى، وإنّما أردتُ طعاماً كثيراً." (٤)
ولم يذكر الإمام رحمه الله تعالى طريقَ تعيين اليسير من الكثير، ولعلّه موكولٌ إلى
العُرف فى ذلك النّوع من المبيعات، والله سبحانه أعلم.
(١) وهو الذى مشى عليه قانون بيع المال فى المادة ٣٧ (١)
(٢) الهداية مع فتح القدير ٤٧٦:٥
(٣) المغني لابن قدامة ٤: ٢٣٢
(٤) المدوّنة الكبرى، كتاب البيوع الفاسدة ٣: ١٩٩

المبحث الثامن
أمّا إذا وجد المبيع زائداً عن القدر المشروط فى العقد، مثل أن يشتريَ صُبرةً على أنّها
عشرة كيلو، فوجدها أحد عشر، فإنّه يردّ القدر الزّائد إلى البائع، ولا خيارَ له فى الفسخ،
لأَنّه لا ضرر له فى الزيادة.(١) وكذلك لايجوز له إمساكُ الزيادة بحصّتها من الثّمن إلاّ
برضا البائع، لأنّها لم تدخل فى البيع بالعقد السّابق، فیحتاج إلى عقد جدید برضا
البائع. (٢) إلاّ أنّه يُفهم من عبارة الإمام مالك رحمه الله تعالى فى المدوّنة أنّ الزّيادة إن
كانت يسيرةً، فإنّ المشتريَ يأخذها بحصّتها من الثّمن، ولا خيارَ للبائع.(٣) أمّا إن كانت
الزّيادةُ كثيرةً، فلا خلاف أنّها للبائع.
وفى هذا يختلف القانون الإنكليزيّ عن الفقه الإسلاميّ، حيثُ تقول المادة (٢) ٣٧
من قانون بيع المال إنّ البائع إن سلّم المبيع زائداً على القدر المعقود عليه، فإنّ
للمشترى الخيار: إمّا أن يُرُدّ الجميع، وإمّا أن يُمسك المبيع مع الزّيادة بحصّتها من
الثّمن. وعلّلوه بأنّ تسليم القدر الزّائد من المشترى بمثابة إيجاب جديد من البائع
بهذا المقدار، فيحقّ للمشترى أن يقبل هذا الإيجاب الجديد فيُمسك المبيع مع
الزيادة، أو يردّه فيرفُض الجميع. (٤)
ولكنّ هذا التّعليلَ فيه نظرٌ ظاهر، لأنّ البائعَ ربّما يُسلّم أو يُرسل القدر الزّائد خطأً، فكيف
يُقال فى جميع الحالات أنّ تسليم القدر الزّائد إيجابٌ جديد من قبله؟
(١) المغني لابن قدامة ٤: ٢٣٢ ومثله فى المهذب للشيرازي، مع المجموع ٣٣٥:١٢
(٢) قال صاحب الهداية: "وإن وجدها أكثر، فالزيادة للبائع، لأنّ البيع وقع على مقدار معيّن، والقدر
ليس بوصف. " (الهداية مع فتح القدير ٤٧٦:٥)
(٣) المدونة الكبرى ٣: ٢٠٠
(¿) Pollock & Mulla: On Sale of Goods Act, Section 37, P.287

N
فقه البيوع
الصّورة الثّالثة لاختلاف المبيع عمّا وقع عليه العقد: أن يجد المبيعَ بخلاف الوصف
المشروط، فيجرى فيه ما ذكرنا من أحكام فوات الوصف المشروط.
٣٩٨- هل الذّراع فى المزروعات وصف أو قدر؟
ثمّ اختلف الفقهاء فى المزروعات، مثل الأرض، والثّياب: هل الذّرائعُ فيه قدرٌ أو
وصف؟ فقال الحنفيّة: إنّ الذّراعَ فى المزروعات وصفٌ، فإن اشترى ثوباً على أنّه
عشرةُ أذرع بعشرة دراهم، أو أرضاً على أنّها مائةُ ذراع، ولم يبيّن لكلّ ذراعٍ ثمناً على
حدة، فوجدها أقلّ، فالمشترى بالخيار: إن شاء أخذها بجُملة الثّمن، وإن شاء ترك.
قال صاحب الهداية:
"لأَنّ الذّرْعِ وصفٌ فى الثّوب. ألايُرى أنّه عبارةٌ عن الطّول والعرض،
والوصفُ لايُقابله شيئ من الثّمن، كأطراف الحيوان. فلهذا يأخذه بكل
الثّمن، وإن وجدها أكثرَ من الذّراع الَّذى سمّاه، فهو للمشترى، ولاخيارَ
للبائع، لأنّه صفةٌ، فكان بمنزلة ما إذا باعه معيباً، فإذا هو سليم. ولكن إن قال:
بعتُكها على أنّها مائةُ ذراع بمائة درهم،كلُّ ذراعٍ بدرهم، فوجدها ناقصة،
فالمشترى بالخيار: إن شاء أخذها بحصّتها من الثّمن، وإن شاء ترك، لأنّ
الوصفَ وإن كان تابعاً، لكنّه صار أصلاً بإفراده بذكر الثّمن، فينْزل كلُّ ذراع
منزلةَ ثوب، لأنّه لو أخذه بكلّ الثمن، لم يكن آخذا لكلّ ذراعٍ بدرهم،
وكذلك إن وجدها زائدةً، فهو بالخيار إن شاءَ أخذَ الجميعَ، كلُّ ذراعٍ
بدرهم، وإن شاء فسخ البيع، لأنّه إن حصل له الزّيادة فى الذّرع، تلزمُه زيادة

المبحث الثامن
الثّمن، فكان نفعاً يشوبُه ضرر، فيتخيّر، وإنّما يلزمه الزّيادة لما بيّا أنّه صار
أصلاً، ولو أخذه بالأقلّ، لم يكن آخذاً بالمشروط.(١)
وكون الذّراع وصفاً قولٌ فى مذهب المالكيّة أيضاً كما ذكره الحطّب رحمه الله تعالى.(٢)
أمّا الشّافعيّة، فلهم فى هذه المسئلة أقوالٌ مختلفة. منها ما يوافق الحنفيّةَ فى كون
الذّراع وصفاً، قال النّوويّ رحمه الله تعالى:
"لوباع أرضاً على أنّها مائةُ ذراع، فخرجت دون المائة، فقولان: أظهرُهما
صحّةُ البيع، وقيل: يصحّ قطعاً للإشارة، وصار كالخُلف فى الصّفة. فعلى هذا
للمشترى الخيارُ فى الفسخ، ولا يسقط بحطّ البائع من الثّمن قدرَ النّقص.
وإذا أجاز يُجيز بجميع الثّمن على الأظهر، وبقسطه على القول الآخر."(٣)
وهذا القولُ الآخر مبنيٌّ على أنّهم اعتبروا الذّراعَ قدراً، لاوصفاً. قال السّبكيّ رحمه الله
تعالى فى توجيه هذا القول بعد بيان قول الحنفيّة: "وأجاب الأصحاب (يعنى رداً لقول
الحنفيّة) بأنّ الذّرع طريقٌ للتّقدير فى العادة، كالكيل والوزن، فلا فرقَ بينهما. "(٤)
أمّا الحنابلة، فقطعوا بأنّ الذّراعَ قدرٌ لاوصف. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:
(١) الهداية مع فتح القدير، كتاب البيوع ٥: ٤٧٦ إلى ٤٧٨
(٢) قال الحطّب رحمه الله تعالى: "وقد اختلف إذا باع الدّار والأرض والخشبة والشّقّة على أنّ فيها
كذا وكذا ذراعا. فقيل: ذلك بمنزلة من باع من ذلك كذا وكذا ذراعا، فإن وجد أكثر ممّا سمّى، كان
البائع شريكاً بالزّيادة، وإن وجد أقلّ فكاستحقاق بعض المشترى. وقيل: إنّ ذلك كالصّفة، فإن
وجد أكثر كان للمبتاع، وإن وجد أقلّ كان بمنزلة العيب. "(مواهب الجليل للحطّاب ٤: ٢٩٩)
(٣) روضة الطّالبين، باب البيوع المنهيّ عنها ٣: ٤٠٩
(٤) المجموع شرح المهذّب ٣٤٣:١٢