النص المفهرس

صفحات 181-200

٨٠٤
فقه البيوع
اطّلع المشترى على عيب بالأصل، فإنّه يُرُدّه بحصّته من الثّمن، لا بجميع الثّمن. فلو
كان اشترى الأصلَ بمائة، وكانت الزّيادةُ فى المبيعِ بقدر العُشر، ثمّ اطّلع المشترى
على عيب بالأصل، فإنّه يرُدّه إلى البائع بتسعين، وتبقى الزّيادةُ معه مقابل العشرة.
أمّا عند الشّافعيّة، فلا حصّةَ للزّيادة من الثّمن بحال، وعند ظهور العيب بالأصل، يُرُدّ
بكلّ الثّمن، ولا يكون بإزاء الزّيادة شيئ، وكذا إذا وجد بالزّيادة عيباً يُرُدّها بحصّتها من
الثّمن عند الحنفيّة، وعند الشّافعيّة لايردّها بالعيب أصلاً.
ومنها: أنّه لو هلك الأصلُ وبقيت الزّيادة، يبقى العقدُ بقدر الزّيادة عند الحنفيّة،
ويصيرُ لها حصّةٌ من الثّمن، فينقسم الثّمن على الأصل يومَ العقد، وعلى الزّيادة يومَ
الهلاك. فلو اشترى حيواناً بمائة، وأنتج ذلك الحيوانُ ولداً قبل قبض المشترى،
وكانت قيمةُ الولد بقدر عُشر الحيوان، ثمّ هلك الحيوان وبقيَ الولد، يبقى البيعُ نافذاً
فى الولد بالعشرة الّتى هى عُشر الثّمن. وعند الشّافعيّ رحمه الله تعالى إذا هلك
الأصل، انفسخ العقد أصلاً ورأساً.
وقد أطال الكاسانيّ رحمه الله تعالى فى التّفريعات على هذا الأصل، فليراجَع عند
الحاجة. (١)
٣٥٥- الزّيادة أو الحطّ فى الثّمن بعد العقد
يجوز للمتبايعين أن يتّفقا على الزّيادة أو الحطِّ فى الثّمن بعد إنجاز العقد، كما يجوزُ
أن يتّفقا على الزّيادة فى المبيع. وإنّ الزّيادةَ والحطَّ يلتحقان بأصل العقد عند
(١) بدائع الصنائع ٤: ٥١٦ إلى ٥١٨

٨٠٥
المبحث الثامن
الحنفيّة، كأنّ البيعَ وقع على القدر الحاصل بعد الزّيادة أو الحطّ.(١) والظّاهرُ أنّ مذهب
المالكيّة فى هذا مثلُ مذهب الحنفيّة.(٢) وعند زفر رحمه الله تعالى: الزّيادةُ والحطّ
هبةٌ مبتدأة، فلابدَّ من استجماع شروط الهبة، ومنها أنّ الزّيادةَ لاتُملك إلاّ بالقبض،
ولاعلاقةَ لها بأصل البيع.
وقال الشّافعيّ وأحمد رحمهما الله تعالى: إنّ الزّيادة أو الحطَّ إن كانا فى مجلس
العقد، التحقا بأصل العقد، مثل قول الحنفيّة، لأنّ خيارَ المجلس باق، ولا ينبرمُ العقدُ
فى مدّة الخيار. وإن اتفق العاقدان بالزيادة أو الحطّ بعد الافتراق، وليس هناك خيارُ
شرط، فلا يلتحقان بالأصل، بل تُعتبران هبةً مبتدأةً، كما هو مذهب زفر.
وتتفرّع على هذا الخلاف مسائل:
منها : أنّ للبائع حقَّ حبس المبيع حتّى يقبضَ الثّمنَ الأصليّ مع الزّيادة عند الحنفيّة،
وليس له حقُّ الحبس لاستيفاءِ الزّيادة عند الشّافعيّة.
ومنها: أنّه إذا استُحِقّ المبيعُ وقُضيَ به للمستحِقّ، رجعَ المشترى على البائع بالثّمنِ
كلّه من أصلٍ وزيادة، وكذلك فى الرّجوع بالعيب عند الحنفيّة، ولا يُرُدّ عند الشّافعيّة
والحنابلة إلاّ الثّمنَ الأصليّ. (٣)
(١) فتح القدير٦: ١٤٢
(٢) راجع تهذيب الفروق، فرق ١٩٩ على هامش الفروق للقرافيّ ٣: ٢٩٠ غير أنّه ذكر أنّ الزّيادة
لا تلتحق فى المرابحة، ونقل ذلك عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أيضاً، وهذا غير صحيح بالنّسبة
إلى الحنفيّة، لما فى الهداية وغيرها أنّ الزّيادة تلتحق بالأصل فى المرابحة والتولية أيضاً.
(٣) العناية مع فتح القدير ٦: ١٤٤

فقه البيوع
ومنها: أنّ بائعَ العقار إن حطّ من ثمنه بعد العقد، فإنّ الشّفيعَ يأخذُه بالثّمن المحطوط
عند الحنفيّة والمالكيّة، ويأخذُه عند الشّافعية والحنابلة بالثّمن المعقود عليه بدون
حطّ. (١) وكان قياسُ قول الحنفيّة والمالكيّة أن يكونَ الحكمُ مثلَه فيما إذا زاد
المشترى فى الثّمن بعد بيع العقار، فيأخذَه الشّفيعُ بالثّمن الزّائد الذى التحق بأصل
العقد، غيرأنّ الحنفيّةَ لم يقولوا بذلك فى صورة الزّيادة، لما فيه من إبطال حقّ
الشّفيع، كما فى الهداية.
وقياسُ قول الحنفيّة فيما إذا زاد البائعُ فى العقارِ المبيع بعدَ العقد أن يستحقَّ الشّفيعُ
الزّيادةَ أيضاً، لأَنّها تلتحقُ بأصل العقد عند الحنفيّة، ولكنّ الظّهرَ من كلامهم أنّ
الزّيادةَ إن كانت من جنس المبيع أو توابعِه، فإنّ الشّفيعَ يستحقُّها، وإن لم تكُن من
جنس المبيع ولا من توابعِه، فإنّ الشّفيعَ لا يستحقّها. فقد نقل ابن عابدين رحمه الله
تعالى عن شرح المجمع: "الملكيّ باع عقاراً مع العبيد والدّواب، تثبت (أى الشّفعة)
فى الكلّ تبعاً للعقار. " ثمّ قال ابن عابدين: "لأنّ المرادَ به الأرضُ والحرّثون وآلةُ
الحراثة، فتتحقّق التّبعيّة لوجود ماهو المقصودُ من الأرض، ولذا صحّ فيها الوقف
تبعاً .. بخلاف الجارية أو المتاعِ مع الدّار. هذا ما ظهر لى فتأمّل."(٢)
وإنّ الشفيع لايستحقّ شيئاً من ذلك عند الشّافعيّة، لأنّها لا تلتحقُ بأصل العقد
عندهم.
ومنها: أنّ المشتريَ إن أراد بيعَ ما اشتراه مرابحةً، وجب عليه بيانُ التّكلفة بعد الزّيادة
(١) المغني لابن قدامة ٥: ٥٠٦
(٢) ردّالمحتار، كتاب الشّفعة ٢٣١:٦

المبحث الثامن
أو الحطّ عند الحنفيّة، ويُحاسِبُ الرّحَ على ما بعد الحطّ أو الزّيادة. وكذلك فى
التّولية والوضيعة. وكان قياسُ قولِ الشّافعيّة أن لا يجبَ عليه ذلك، وأن يكون العقدُ
مبنيّاً على الثّمن المعقود عليه قبل الحطّ أو الزّيادة. ولكن ذكر النّوويّ رحمه الله
تعالى أنّ ماحطّه البائعُ من الثّمن، ينحط عن مشتريه توليةً(١) ولعلّهم استثنَوا ذلك
من أصل قاعدتهم، لكون المقصود من التّولية أن لا يُكلّف المشترى فوق ما تكلّفه
البائع حقيقةً، والله سبحانه أعلم.
ثمّ رأيتُ أنّ هناك وجهاً آخرَ عند الشّافعيّة، ذكره إمام الحرمين الجُويني رحمه الله
تعالى بقوله: "الوجهُ الثانى: أنّ المولَّى لا يخلُف المولّىَ فى شيئ ممّا ذكرناه، فالزّوائدُ
للبائع، وإذا حُطّ عن البائع شيئٌ، لم يُحَطّ عن المشترى منه بلفظ التّولية."(٢)
ويظهر من كلام العمرانيّ رحمه الله تعالى التّطبيقَ بين الوجهين حيث قال: "قال
الطّبريّ فى العُدّة: فإنّ الحطَّ يلحق بالمولّىَ والمُشرَك، لأنّ التّوليةَ والشّركةَ تختصّ
بالثّمن، فلحق الثّانيَ ما لحق الأوّلَ، ولو باعه المشترى الأوّلُ بلفظ البيع، ثمّ حَطّ
الثّمنَ عن المشترى الأوّل، لم يلحق المشترىَ الثّانىَ حطٌّ. قال: وهذا اختلافٌ
يحصُّل باختلاف اللّفظ، كما يقول فى المرابحة: إذا كذب فى رأس المال ثبت
للمشترى الخيار، ولو باعه مساومةً وكذب فى رأس المال، لم يثبت للمشترى
الخيار."(٣)
(١) نهاية المحتاج ١٠٦:٤
(٢) نهاية المطلب للجويني، باب المرابحة ٣٠٨:٥
(٣) البيان شرح المهذّب لأبى الحسن العمرانيّ الشّافعيّ اليمنيّ المتوفى ٥٥٨ ه باب بيع المرابحة
٣٣٥:٥

٨٠٨
فقه البيوع
ومعنى ذلك أنّ العقد إن وقع بلفظ البيع، فإنّ المشتريَ لا يستحقّ الحطّ. أمّا إذا وقع
العقدُ بلفظ التّولية أو الإشراك، فإنّ المشتريَ يستحقّ الحطّ.
وعلى العكس من ذلك، كان قياسُ قول المالكيّة أن تكون المرابحةُ والتّوليةُ على
الثّمن بعد الزّيادة والحطّ، ولكن ذكر فى تهذيب الفروق أنّ الزّيادةَ لا تلتحق عندهم
بالأصل فى المرابحة،(١) ولعلّه نظرٌ إلى جانب المشترى فى المرابحة، كما لم تلتحق
الزّيادةُ بالأصل فى حقّ الشّفيع نظراً إلى جانبه. وفصّل فيه الدّردير والدّسوقيّ بأنّ
الحطَّ فى الثّمن إن كان معتاداً بين النّاس، وجب بيانُه فى المرابحة. أمّا إذا لم يكن
الحطُّ معتاداً، فلا يلتحقُ بأصل العقد ولا يجب بيانُه، (٢) والله سبحانه أعلم.
ولم يذكر كثيرٌ من فقهاء الحنفيّة، مثل صاحب الهداية وفتح القدير والبدائع الحطّ
من المبيع، ولكن ذكره بعضهم، فجاء فى الدّرّ المختار: "ويصحّ الحطُّ من المبيع إن
كان المبيعُ دَيناً، وإن عيناً، لايصحّ لأنّه إسقاط، وإسقاطُ العين لا يصحّ بخلاف
!! (٣)
الدّین.
وتفسيره ما نقله الطّحطاويّ عن المحيط: "اشترى قفيزَ حنطةٍ بعينه، فحطّ عن البائع
عن رُبعه قبل القبض، لم يجُز، لأَنّه عينٌ، وإسقاطُ العين لا يصحّ. ولو اشترى قفيزاً من
صُبرة، ثمّ حطّ رُبعَه قبلَ القبض، جاز، لأنّه دَين، وإسقاطُ الدَّين يصحّ. "(٤)
ومعنى عدم الصحّة فى حطّ العين أنّه لا يلتحق بأصل العقد، وإلاّ فيجوز بطريق الهبة
(١) تهذيب الفروق، فرق ١٩٩ على هامش الفروق للقرافيّ ٣: ٢٩٠
(٢) التّسوقيّ على الدردير ٣: ١٦٥
(٣) الدر المختار مع ردالمحتار ١٨١:١٥
(٤) شرح المجلة للأتاسى ١٧٨:٢ قبل المادّة ٢٥٤

المبحث الثامن
بشروطها، فيجوزُ للمشترى أن يهبَ بعضَ ما اشتراه بعد قبضه، ولاتتمّ الهبة إلاّ
بقبض البائع الموهوب له.
ثمّ إنّ الزّيادة أو الحطّ من الثّمن أو من المبيع يُشترط له أن يكون بإيجاب وقبول،
ولو بعد الافتراق عن مجلس العقد، وأن يكون القبولُ فى مجلس الإيجاب فى صورة
الزّيادة فى المبيع أو الثّمن. أمّا فى حطّ الثّمن، فلا يُشترط له المجلس، ولا القبول،
لأَنّه تصرّفٌ فى الثّمن بالإسقاط والإبراء عن بعضه، فيصحُّ من غير قبول، إلاّ أنّه يرتكُ
بالردّ كالإبراء عن الثّمن كلّه.
وكذلك يُشترط عند الحنفيّة فى ظاهر الرّواية أن يكون المبيعُ قائماً عند الزّيادة، فإن
هلك المبيعُ، لا تلتحق الزّيادةُ بأصل العقد، بخلاف حطّ الثّمن، فإنّه يصحّ بعد هلاك
المبيع أيضاً، كما فى الهداية. وتمامه فى بدائع الصنائع. (١)
ثمّ إن كان المبيعُ شيئين فى عقدٍ واحد، وحصلت الزّيادةُ فى الثّمن بتراضى الطّرفين،
فإنّ الزّيادة عند من يقول بإلحاقها بالأصل تنقسم على الإثنين بحسب قيمتهما. مثاله:
لواشترى أحدٌ هاتفين فى صفقةٍ واحدةٍ بألفين، وزاد المشترى أربعمائة، فصار
ثمنُهما مجموعاً ألفين و أربعمائة، ولكنّ الأربعمائة الزّائدة تُقسّم على كلٍّ من
الهاتفين بقدر قيمتِهما، فإن كان قيمةُ كلّ واحدٍ منهما ألفاً، يصيرُ الثّمنُ لكلّ واحدٍ
منهما ألفاً ومائتين، وإن كان قيمةُ أحدهما ألفاً وخمسمائة، وقيمةُ الآخر خمسُ مائة،
فالأربعمائة الزّائدةُ تُقسَّم عليهما أرباعاً، بأن يُعتبرَ ثمنُ الأوّل ألفاً وثلاثمائة، وثمنُ
(١) بدائع الصنائع ٤: ٥٢٢

فقه البيوع
الثّانى ستمائة.(١)
هذا كلُّه فيما إذا كان المبيعُ من غير الأموال الرّبويّة. فإن كان العقدُ ممّا یجری فیه الرّبا
ولا يجوز التّفاضل، فالزّيادةُ بعد العقد بعد التحاقها بالعقد تجعلُها معاملةً ربويّة،
فيفسُد العقد عند الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وقال أبو يوسف: لا تلتحق الزّيادة
أو الحطّ بأصل العقد إن كان المبيعُ ربويّاً، فيصحُّ أصلُ العقد، وتبطُل الزّيادة. وقال
محمّد بقول أبى يوسف رحمهما الله تعالى فى الزّيادة. أمّا فى الحطّ، فقال: إنّه هبةٌ
مبتدأة.(٢)
٣٥٦- التّطوّعات من البائع
وقد جرى عملُ التّجَار بتطوّعٍ من عندهم زيادةً على المبيع. وإنّ مثلَ هذا التّطوّع فى
زماننا على ثلاثة أقسام:
الأوّل: ماجرتِ العادةُ فى بعض البقّالات أنّ البائعَ يزيد على المبيع شيئاً من عنده.
ويُقال له باللّغة الأرديّة "رُنكا"وباللّغة الإنكليزية Lagniappe (٣) أو Yapa وقد
يُطالِب به المشترى، وهو فى حكم الزّيادة فى المبيع، وبذلك أفتى شيخ مشايخنا
التّهانويّ رحمه الله تعالى. (٤) ومقتضى ذلك أن لا يجوزَ فى الأموال الرّبويّة إذا بيعت
بجنسها على قول الحنفيّة الّذين يُلحِقون الزّيادةَ بأصل البيع. ولا يبعُد أن يُقال: إنّه
(١) هذا معنى قول الكاسانيّ رحمه الله تعالى فى البدائع: "تنقسم الزّيادة على قيمتهما" (٤: ٥١٩)
(٢) بدائع الصنائع ٤: ٥٢٤
(٣) أصل هذه الكلمة فرنساويّ واسبانيّ كما فى Wikipedia
(٤) إمداد الفتاوى ٢٢:٣

المبحث الثامن
هبةٌ لاعلاقةَ لها بالمبيع، وإنّما هو لتشجيع المشترين، والله سبحانه أعلم.
الثّانى: ما يقع به الإعلانُ من البائع من أنّ المشتريَ إن اشترى عددين من شيئ، فإنّ
الثّالثَ يُعطى له مجّاناً. والظّاهرُ أنّه ليس من الزّيادة فى المبيع، بل هو بيعٌ للثّلاث معاً،
لأنّ العقدَ وقع على الثّلاث منذ البداية، ومعنى قول البائع: إنّ الثّالث مجّانيّ، أنّ ثمنَ
الثّلاث بالجُملة ماهو ثمنُ الإثنين بالقطاعيّ.
٣٥٧- الجوائز على المبيعات
الثّالث: ما جرى به عملُ بعضِ التّجّار أنّهم يُعطون جوائزَ لعُملائهم الّذين اشتروا
منهم كمّيّةً مخصوصة، ولو فى صفقاتٍ مختلفة. وقد تُعطى هذه الجوائز بقدر الكمّيّة
لكلّ أحد، وقد تُعطى الجوائزُ بالقُرعة. وليس هذا من قبيل الزّيادة فى المبيع، لأَنّها
تُعطى عادةً بعد صفْقاتٍ متعدّدة فى أزمنةٍ وأمكنةٍ مختلفة، فلاسبيل إلى نسبتها إلى
مبيع واحد. فهى هبةٌ مبتدأة موعودةٌ من البائع لتشجيع النّاس على أن يشتروا
البضائعَ منه. وجوازٌ أخذها مشروطٌ بأن لا يكون البائعُ زاد فى ثمن البضاعة من أجل
هذه الجوائز، وإلاّ صار نوعاً من القمار، لأنّ ما زاد على ثمن المثل إنّما طولب به على
سبيل الغرر، واحتمال أن يفوز المشترى بالجائزة. وكذلك إن كان الثّمنُ ثمن المثل،
فإنّه يُشترط أن يكونَ المشترى يقصِد شراءَ البضاعة حقيقةً، ولا يشتريها لمجرّد
احتمال الحصولِ على الجائزة، وإلاّ ففيه شبهةُ القمار. وقد فصّلتُ الكلام على ذلك
فى بحثى "أحكام الجوائز" (١)
(١) بحوث فى قضايا فقهية معاصرة للمؤلف ١٥٨:٢

٨١٢
فقه البيوع
٣٥٨- البيع عن طريق شبكة التسويق (Marketing Network)
وقد جرى عملُ بعض الشّركات على أنّها تبيع مُنتجاً من منتجاتها، مع إعطاء الحقّ
للمشترى أن يُسوَّق ذلك المنتَج، ويلتمسَ له مشترين آخرين. فلو فعل ذلك، ونجح
فى الحصول على عددٍ من المشترين بشروطٍ يُعيّنها نظامُ الشّركة، فإنّه يفوز بمبلغ أو
شيئٍ ثمين من قِبل الشّركة. وكذلك المشترون الجدد الذين اشتروا هذا المنتج
بوساطة المشترى الأوّل يحقّ لهم أن يلتمسوا مشترين آخرين، فإن نجحوا فى إيجاد
عدد معيّن من المشترين بالشّروط المعيّنة فى النّظام، فإنّهم يستحقّون ذلك المبلغ أو
الشّيئ الثّمين أيضاً. وإن بلغ المشترون عن طريق هذه الشّبكة عدداً معيّناً، فلا يزال
المشترى الأول يحصُل على مبالغ أو أشياء معيّنةً فى النّظام عند دخول المشترين
الجُدد بشروط معيّنة، وإن كان قد عمِل فى الحصول على المشترين لأوّل مرّة فقط.
وإنّ هذا الطّريقَ بدأتْه بعض الشّركات فى البلاد الغربيّة، ثمّ اختارته بعض
الشّركات فى البلاد الإسلاميّة أيضاً. وقد تُسمّى "نظام شبكة
التّسويق "(Marketing Network system) أو "نظام عدّة مستويات للتّسويق"
(Multi- level Marketing System) وقد يُخفف فيُقال MLM وقدجرى
العمل به بطرق وشروطٍ مختلفة، ولكنّ القدرَ المشترك فى جميعها أنّ بيع المنتج
مصحوبٌ بنظام للتّسويق يدخل فيه المشترون، ويلتمسون مشترين آخرين،
ويفوزون فى بعض الحالات المشروطة فى النّظام بمبالغ أو أشياء ثمينة.
وإنّ الحكم الشّرعيّ لهذا النّظام وشراءِ منتجاته يختلف باختلاف الأحوال.
١- إن كان بيعُ المنتَج مشروطاً بأن يدخلَ المشترى فى شبكة التسويق، فهذا البيعُ

٨١٣
المبحث الثامن
فاسد، لاشتراط ما لا يقتضيه العقد.
٢ - إن كان الدّخولُ فى شبكة التّسويق غير مشروط فى بيع المنتَج، واقتصر المشترى
على شراء المنتج فقط، ولم يدخُل فى شبكة التّسويق، فهو شراؤٌ جائز، إذا استوفى
شرائط جواز البيع، ومنها أن يكون المبيعُ حلالاً.
٣- إن كان الدّخولُ فى شبكة التّسويق غيرَ مشروط فى بيع المنتَج، ولكنّ المنتَجِ يُباعُ
بثمن أكثر من سعر مثله فى السّوق، فلا يجوز شراؤُ المنتَج بنيّة الدّخول فى نظام
التّسويق، وذلك لأنّ الثّمنَ الزّائد لا يُدفع إلاّ للدخول فى هذا النّظام الّذى هو عقدٌ
مستقلّ عن شراء المنتَج. ولو فُرضَ أنّ الدّخول فى السّمسرة عقدٌ صحيحٌ، فإنّ هذه
الزّيادةَ فى الثّمن ليست إلاّ مقابلَ مجرّد الدّخول فى العقد، وذلك رشوة. وأمّا إذا اعتُبر
عقدُ السّمسرة عقداً فاسداً لما فيه من الغرر كما سيأتى، فإنّ هذه الزّيادةَ تعليقٌ للتّمليك
على الخطر، وهو قمارٌ محرّم.
٤- إن كان الدّخولُ فى شبكة التّسويق غيرَ مشروط فى بيع المنتَج، والمنتَجِ يُباعُ بسعر
السّوق، واشتراه المشترى بنيّة الدّخول فى نظام التّسويق، فالدّخولُ فى التّسويق عقدٌ
مستقلٌّ عن البيع، وهو سمسرةٌ من النّاحية الفقهيّة، وما يتسلّم من المبالغ بالتّسويق هو
أجرةٌ للسمسرة. فيجب أن يستوفيّ العقدُ شرائطَ جوازه الشّرعيّ. ولكنّ المتّبَع فى هذا
النّظام عادةً أنّ المشتريَ لا يستحقّ أجرةَ السّمسرة بإيجاد مشتر واحد، وإنّما يستحقّ
الأجرَ إذا أوجد عدداً من المشترين، وإن أوجد المشترين بذلك العدد، فإنّه لايزال
يحصل على حصّة من مبالغَ تُدفع على إيجاد المشترين من غيره. وهنا نقطتان لابدّ
من بحثهما:

فقه البيوع
النقطة الأولى: هل يجوز الاشتراطُ على السّمسار أنّه لا يستحقّ الأجرةَ إلّ إذا أتى
بمشتر أكثرَ من واحد؟ وفيه احتمالان:
الاحتمال الأول: أن يجوز على أساس الجعالة، أمّا كون جُهدِه يضيع دون عائد إن
أتى بمشتر واحد فقط، فإنّ جُهدَه يضيعُ فى السّمسرة العاديّة أيضاً إن لم يتمكّن من
التماس مشتر واحد. فإن تُحمّل هذا الغررُ فى عقد السّمسرة العاديّة، فلا يبعُد أن
يُتحمّل فى اشتراط عددٍ من المشترين.
والاحتمال الثّانى: أن لا يجوز، لأنّ الغررَ فى إيجاد مشتر واحد أقلّ، وقد جرى به
ء
التّعامل. أمّا إذا اشتُرط عددٌ أكثر، فإنّ الغررَ فاحش، ولم يجر به التّعامل، فلا يجوز.
ولذلك منع الإمام مالك رحمه الله تعالى الجُعلَ المشروطَ على بيع سلع كثيرة. جاء
فى المدوّنة الكبرى:
"قلت: والكثيرُ من السّلع لا يصلح فيه الجُعل فى قول مالك؟ قال: نعم! لا
يصلُح فيه الجُعل وتصلُح فيه الإجارة عند مالك. قلت: والقليلُ من السّلع
تصلُح فيه الإجارة والجعلُ جميعا فى قول مالك؟ قال: نعم! قلت: لِمَ كره
مالك في السّلع الكثيرة أن يبيعها الرّجل للرّجل بالجعل؟ قال: لأنّ السّلع
الكثيرة تشغل بائعها عن أن يبيع، أو يشتري، أو يعمل في غيرها، فإذا كثُرت
السِّلع هكذا حتّى يشتغل الرّجل، لم يصلح إلاّ بإجارة معلومة. قال لى مالك:
والثّوب والثّوبان وما أشبههما من الأشياء الّتي لا تشغل صاحبَها عن أن
يعمل في غيرها، فلا بأس بالجُعل فيها. وهو متى ما شاء أن يترك ترك

٨١٥
المبحث الثامن
والإجارة ليس له أن يتركها متى ما شاء."(١)
وإنّ الغرر فى مثل هذا النّظام كثير، وخاصّةً لأنّه يعتمد عادةً على شروطٍ معقّدة
یفحش بها الغرر.
والّذى شهدت به التّجربة أنّ المنتَج فى غالب الأحيان شيئٌ يسير يُباعُ بثمنٍ غال،
وقد لا يوجد له السّوق، وإنّما يشتريه النّاسُ طمعاً فى الحصول على مبالغ ضخمة
عن طريق شبكة التّسويق. وكان بعضُ النّاس قبل هذا النّظام لا يبيعون شيئاً، بل
يتسلّمون الأموال بدفعهم تذاكرَ ليس وراءها مالٌ أو منفعة، غير أنّ الذى يأخذ هذه
التّذكرة يدخل فى الشّبكة، ويلتمس آخرين لشراء التّذاكر، ويفوز بمبالغ إن بلغ
المشترون إلى عددٍ معيّن. وكان ذلك قماراً بَحتاً، ويُسمّى "الطّريقة الأهراميّة"
(Pyramid Scheme) ومنعته قوانين أكثر البلاد لأنّه اغتصب أموال النّاس بهذه
المقامرة. فلمّا مُنعت هذه الطريقة، أدخلوا بعض المنتجات بدل التّذاكر، ولكن زادوا
فى ثمنها، وسمَّوها "شبكة التسويق"، والمقصود نفسُ ما كان مقصوداً فى الطّريقة
الأهراميّة. وإنّه لم يُمنع فى كثير من البلاد حتّى الآن،(٢) ولكنّه بهذه الطّريقة ممنوعٌ
شرعاً.
(١) المدونة، كتاب الجعل والإجارة ٤٢٣:٣
(٢) راجع لتفصيله Wikipedia, "Multi- level Marketing" and "Pyramid
Scheme"

الباب الثانى
فى الخيارات فى البيع الصحيح
٣٥٩- البيعُ الّذى فيه خيارٌ لأحد العاقدين
والقسمُ الثّانى من البيع الصّحيح : هُو الذى ثبت فيه الخيارُ لأحد المتعاقدين.
والخياراتُ على قسمين: الأوّل خياراتٌ ثبتت شرعاً، ولا تحتاجُ إلى شرطٍ فى العقد.
والثّاني: خياراتٌ تثبت بالشّرط فى العقد. فأمّا القسم الأوّل، فتدخل فيه خياراتٌ
تية(١):
١ - خيار الرؤية
٢ - خيار العيب
٣- خیارُالخُلف
٤- خيار المغبون
٥- خيار التّغرير أو التّدليس
(١) ولم نذكر هنا خيار المجلس وخيار القبول وخيار الرجوع عن الإيجاب لأننا فرغنا عن هذه
الخيارات فى مباحث الإيجاب والقبول، وإنّما المقصود هنا الخيارات الّتى تثبت بعد إنجاز العقد
بالإيجاب والقبول.

٨١٧
0
المبحث الثامن
وأمّا القسمُ الثّانى، فتدخل فيه خياراتٌ آتية:
١- خيارُ الشّرط
٢- خيارُالنّقد
٣- خيارُ التّعيين
وإن كان بعضُ الفقهاء توسّعوا فى تنويع الخيارات إلى أقسام كثيرة، حتّی ذکروا ٣٣
قسماً للخيارات، ولكنّ معظمَ أقسام الخيارات تندمج فى الأقسام التى ذكرناها.
فلنذكر أحكام هذه الخيارات بهذا الترتيب، والله سبحانه وتعالى هو الموفّق للسّداد
والصواب.
٣٦٠- خيار الرّؤية
أمّا خيارُ الرّؤية، فإنّما يثبت إذا وقع العقدُ على شيئٍ غائب. وهو حقٌّ يتخيّر به
المتملّك بين فسخ العقد أو إمضاءه عند رؤية المعقود عليه. وثبوتُ هذا الخيار
موقوفٌ على جواز بيع الشّيئ الغائب، فإنّ من لايُجيز بيعَ الشيئ الغائب لا يحتاج إلى
إثبات خيار الرّؤية كماهو ظاهر. واختلف الفقهاء فى بيع الشّيئ الغائب على أقوال:
المذهب الأوّل: أنّه باطلٌ مطلقاً، سواءٌ أكان بالصّفة أو بغير الصّفة، ويدخلُ فى الشّيئ
الغائب ما لم يرَه المتعاقدان، سواءً كان حاضراً، لأنّ هذا البيعَ فيه غرر. وهو قول الإمام
الشّافعيّ رحمه الله تعالى فى مذهبه الجديد. وبناءً على اشتراط الرؤية لصحّة البيع عند
الشّافعيّة قالوا: تكفى رؤيةُ المبيع قبلَ العقد فيما لايتغيّر غالباً إلى وقت العقد، كالأرض
والحديد، دونَ ما يتغيّر غالباً كالأطعمة. وتكفى رؤيةُ بعضِ المبيع إن دلّ على باقيه،

٨١٨
0
فقه البيوع
كظاهر الصُّبرة من حنطة أو نحوها.(١)
المذهب الثّانى فى بيع الشّيئ الغائب: أنّه يصحُ إذا وُصِف المبيعُ بصفات، فإن وَجده
المشترى كما وُصِف، لزم المشتريَ ولاخيارَ له إذا رآه، وإن وُجد على غير الصّفة،
فله الخيار. وهو قولٌ للإمام أحمد وإسحق، وروايةٌ عن الإمامين مالك والشّافعيّ،
وهو مرويّ عن ابن سيرين، وأيّوب، والحارث العُكليّ والحكم، وحمّاد، وأبى ثور،
وأهل الظّاهر، رحمهم الله تعالى جميعاً.
والمذهب الثّالث: أنّه يصحّ مطلقاً، ويثبتُ للمشترى الخيارُ إذا رآه. وهو قول الإمام أبى
حنيفة وأصحابه، ورُويَ ذلك عن ابن عبّاس، والنّخعيّ، والشّعبيّ، والحسن البصريّ،
ومكحول، والأوزاعيّ وسفيان. وهو روايةٌ فى مذهب الشّافعيّة والمالكيّة أيضاً.(٢)
ولكن يُشترط لصحّة بيع الغائب عند الحنفيّة أن يكون ذاتُه معلوماً، إمّا بالتّسمية، أو بالإشارة،
أو ببيان مكانه الخاص، أو ببيان حدوده، بحيث لاتبقى فى مفهومه جهالةٌ فاحشة،(٣) ولكن
لا يجب أن تكونَ أو صافُه معلومة، لأنّ جهالةَ الوصف تزولُ بإثبات خيار الرؤية.
واستدلّ القائلون بجواز بيع الغائب ما أخرجه الدار قطنيّ والبيهقيّ عن أبى هريرة
رضى الله تعالى عنه، قال قال رسول الله صلّى الله عليه سلم:
"من اشترى شيئاً لم يرَه، فهو بالخيار إذا رآه." (٤)
(١) مغنى المحتاج ٢: ٢٥
(٢) راجع لهذه المذاهب عمدة القارى، باب بيع الملامسة ٣٨١:١١
(٣) راجع لتفصيله ردالمحتار، باب خيار الرؤية ١٤: ٣٤٥ و٣٤٦ فقره ٢٢٨٢٧
(٤) السنن الكبرى للبيهقيّ ٢٦٧:٥

٨١٩
المبحث الثامن
وقد أعلّه المخالفون بأنّ مدارَه على عُمربن إبراهيم الكُرديّ، وهو متّهَم بالوضع.
والجوابُ: أنّ الإمام أبا حنيفة قد روى هذا الحديث عن الهيثم بن حبيب الصّيرفيّ، عن
محمّد بن سيرين، عن أبى هريرة رضي الله عنه، كما فى جامع مسانيد الإمام (١)، وإنّما
جاء عمرُ بن إبراهيم الكرديّ بعد أبى حنيفة، كما هو ظاهر من الدارقطنيّ وجامع
المسانيد. وقد ذكر الإمام محمّد بن الحسن الشيبانيّ هذا الحديثَ فى كتابه "الحجّة
على أهل المدينة "(٢)، باب الرّجل يبيع المتاع من بارنامجه فقال: "الحديثُ المعروف
الذى لا يُشكّ فيه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وعليه أمورُ المسلمين إلى يومهم هذا
فى الآفاق: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "من اشترى شيئاً ولم يره فهو بالخيار
إذا رآه ".
وفيه دلالةٌ على أنّ الحديثَ كان معروفاً بالصّحة لا يُشَكَ فيه عند أهل العراق، وكان
حكمُه مجمعاً عليه عندهم قبل أن يرويَه عمرُ بنُ إبراهيمَ الكرديّ، فلا يضرُّ الحديثَ
ضعفُه، وإذا اشتهر الحديثُ وتلقّاه العلماء بالقبول، استغنى عن الأسناد. وقد ذكر
شمس الأئمّة السّرخسيّ رحمه الله تعالى أنّ هذا الحديثَ قد رُوي فى المشاهير، ثمّ
قال: "وهذا الحديثُ رواه عبد الله بن عبّاس، وعطاءٌ، والحسن البصريّ، وسلمةُ بنُ
المجير(٣) رحمهم الله تعالى مرسلاً عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم.(٤)
وقد تأيّد هذا الحديثُ أيضاً بما أخرجه البيهقيُّ عن مكحولٍ مرسلاً عن النّبيّ صلّى
(١) جامع مسانيد الإمام ٢: ٢٥
(٢) الحجة على أهل المدينة ٦٧١:٢
(٣) كذا فى النسخة المطبوعة من المبسوط، ولعله سلمة بن المحبق، والله أعلم.
(٤) مبسوط السرخسي ٦٩:١٣ باب الخيار بغير الشرط

٨٢٠
فقه البيوع
الله عليه وسلّم قال:
"من اشترى شيئاً لم يرَه فهو بالخيار إذا رآه، إن شاءً أخذه وإن شاء تركه."
وفى إسناده أبو بكر بنُ أبى مريم، وهو مع ضُعفه يصلح مؤيّداً، وقد بنى عليه الحسنُ
البصريُّ مذهبَه، كما أخرج عنه البيهقيّ فى سننه(١) وكذلك محمّدُ بنُ سيرين، كما
يظهر من الدّار قطنيّ:
وبناءً على اختلاف الفقهاء فى بيع الشّيئ الغائب، اختلفوا فى أحكام خيار الرّؤية.
فخيارُ الرّؤية ليس بشيئ عند الشّافعيّ فى قوله الجديد ومَن وافقه فى ذلك، لأنّ بيعَ
ما لم يرَه المشترى باطلٌ عندهم من أصله. وإنّ أصحاب القول الثّانى، وهم المالكيّة
والحنابلة، يُقيّدون خيار الرؤية بما إذا لم يوافقِ المبيعُ بعد الرُّؤية ما وصفه به البائع.
فإن وُجد المبيع حسبَما وصفه البائع، فلا خيارَ للمشترى عندهم، كما تقدّم.
٣٦١- هل يثبت خيار الرؤية بحكم الشّرع أو بالشرط
ثمّ إنّ خيار الرّؤية فى بيع الموصوفِ يثبُت عند الحنابلة تلقائيّاً بحكم الشّرع،
ولاحاجةَ لشرطه فى العقد. (٢) والظّاهرُ من مذهب المالكيّة أنّ خيارَ الرؤية لايثبت
تلقائيّاً، بل لابدَّ من شرطه فى العقد. وهذا يظهر ممّا لخّصه الدّسوقيّ من حكم بيع
الشّيئ الغائب. قال رحمه الله تعالى:
"إعلم أنّ بيعَ الغائب فيه ستُّ صور: لأَنّه إمّا أن يُباع على الصّفة، أوبدونها، وفى
(١) سنن البيهقيّ ٢٦٨:٥
(٢) قال ابن قدامة: "لأنّه خيار ثبت بمقتضى العقد من غير شرط، فيتقيّد بالمجلس." (المغنى لابن
قدامة ٤: ٧٩)

٨٢١
المبحث الثامن
كلٍّ منهما إمّا أن يُباعَ على البتّ، أو على الخيار، أو على السُّكوت. وكلّها جائزة،
إلاّ ما بيع بدون صفةٍ على اللّزوم أو السّكوت."(١)
وظاهره أنّ الموصوفَ بيعُه جائزٌ فى جميع الصّور، سواءٌ أكان بشرط الخيار، أو بشرط
اللّزوم، أو بالسّكوت، وأنّ بيعَ غير الموصوف جائزٌ بشرطِ الخيار فقط.
أمّا الحنفيّة، فخيارُ الرّؤية عندهم ثابتٌ بحكم الشّرع، فلا يحتاجُ إلى الشّرط فى
العقد، ويتخيّر المشترى عند الرّؤية، سواءً أوجد المبيع حسبما وصفه البائع، أم وُجد
بخلاف الوصف، حتّى قالوا إنّ المشتريَ لو رضيَ بالمبيع قبل الرّؤية، وقال: رضيتُ
بالمبيع، كائناً ما كان، فإنّه لايُسقِط خيارَ الرّؤية، بل يثبت له الخيار بعد ما يراه.(٢)
٣٦٢- خيار الفسخ قبل الرؤية
ثمّ المذكورُ فى أكثر كتب الحنفيّة أنّ الشّراء إن كان فيه خيار، فإنّه شراءٌ غير لازم،
بمعنى أنّه يجوز للمشترى أن يفسُخه قبلَ الرّؤية. وذلك لأنّ عدمَ الرَّؤية يمنعُ تمامَ
الصّفقة، ولأنّ جهالةَ الوصف تؤثّر فى الرّضا، فتوجب خللاً فيه. واختلالُ الرّضا فى
البيع يوجب الخيار. (٣) ولم يذكر صاحبُ الهداية فيه خلافاً فيما بين الحنفيّة. وذكر
الكاسانيّ رحمه الله تعالى فيه خلافاً للمشايخ، ثمّ رجّح عدمَ اللّزوم. ولكن قال ابنُ
الهمام رحمه الله تعالى: "وقد سلك المصنّفُ (يعنى صاحبَ الهداية) رحمه الله
مسلك الطّحاويّ فى عدم نقل خلافٍ فى جواز الرّدّ قبل الرّؤية، ونقل فى "التّحفة"
فيه اختلافَ المشايخ، منهم من مَنع وأنّه لاروايةَ فيه. " ثمّ ردّ ابنُ الهمام رحمه الله
(١) حاشية الدّسوقيّ على شرح مختصر خليل للدردير ٣: ٢٥
(٢) فتح القدير ٥٣٢:٥
(٣) بدائع الصنائع ٤: ٥٧١

٨٢٢
فقه البيوع
تعالى أدلّةَ من يُجيز فسخَ البيع من المشترى قبل رؤيته للمبيع، وقال:
"بل نقول: قبلَ الرّؤية البيعُ باتِّ فليس له فسخُه، فإنّ الشّارعَ علّق إثبات قدرة
الفسخ والإجازة الّتى هى الخيارُ بالرؤية، فقبْلَه يثبت حكم السّبب، وهو اللّزومُ
إلى غاية الرَؤية، ثمّ يرفعُه عندها، فتثبت قدرةُ الفسخ والإجازة معاً."(١)
وهذا كلامٌ وجيه، لأنّالمشتريَ مادام بالخيار عند الرؤية، فله فسخُ البيع بعد الرؤية، حتّى
أنّه لا يلزمه بيانُ سبب الردّ، فلا داعيَ لإعطاءه الخيارَ قبل ذلك، والله سبحانه أعلم.
٣٦٣- هل يثبت خيار الرؤية لمن باع مالم يره؟
وإن كان البائعُ لم يرَ المبيع قبل العقد، بأن ورث عيناً فى بلدٍ آخر مثلاً، فكان
أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول أولاً: إنّ له خيارَ الرؤية مثلَ ما يثبت للمشترى إذا لم
يرَ المبيع، ونقل ابن قدامة رحمه الله تعالى أنّه قول الشّافعيّ وأحمد فى رواية. وقولُه
الآخر إنّه لا يصحّ البيع. ثمّ رجع الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن قوله، ولم يُثبت
الخيارَ للبائع، استدلالاً بما أخرجه البيهقيّ عن ابن أبي مليكة:
"أنّ عثمانَ ابتاع من طلحة بن عبيد الله أرضاً بالمدينة، ناقله بأرض له بالكوفة.
فلمّا تباينا، ندِمِ عثمان، ثمّ قال: بايعتُك ما لم أرَه. فقال طلحة: إنّما النّظرُ لى، إنّما
ابتعتُ مغيباً، وأمّا أنتَ، فقد رأيتَ ما ابتعتَ. فجعلا بينهما حَكَماً، فحكّمًا جُبيربن
مُطعم، فقضى على عثمان أنّ البيعَ جائز، وأنّ النّظرَ لطلحة أنّه ابتاع مغيباً. "(٢)
(١) فتح القدير ٥: ٥٣٣
(٢) السنن الكبرى للبيهقيّ ٥: ٢٦٨ وأخرجه الطّحاويّ فى شرح معاني الآثار، باب تلقّى الجلب ٤: ١٠
عن ابن أبى مليكة عن علقمة بن وقّاص اللّيثيّ بمعناه.

المبحث الثامن
٣٦٤- حدود الرّؤية
والرّؤيةُ الّتى يسقط بها الخيار رؤيةُ ما يدلّ على العلم بالمقصود، لأنّ رؤيةَ جميع
أجزاء المبيع غيرُ مشروطٍ لتعذّره، فيُكتفى بماهو مقصود، والباقى تبعٌ له. ولذلك قالوا:
من نظر إلى وجه الصُّبرة، أو إلى ظاهر الثّوب مطويّاً فلا خيارَ له، إلاّ إذا كان فى طَيّه ما
كان مقصوداً، مثل موضع العَلَم. وقد ذكر الفقهاء تفريعاتٍ كثيرةً على الأصل المذكور،
فبيّنوا أحكامَ مبيعاتٍ مختلفة على هذا الأساس، ولكنّ كونَ الشّيئ مقصوداً أو تبعاً
يختلف باختلاف المبيعات وأحوال الزّمان. ولذلك رُويَ عن أبى حنيفة رحمه الله
تعالى أنّه قال: لو رأى صحْنَ الدّار، سقط خيارُ الرّؤية، وإن لم يُشاهِدْ بيوتَها، وكذلك
إذا رأى خارج الدّار، أو رأى أشجارَ البُستان من خارج. وقال زفر رحمه الله تعالى: لابدّ
من دخول داخل البيوت. وقال صاحب الهداية بعد نقل هذا الخلاف:
" والأصحّ أنّ جواب الكتاب على وفاق عادتهم فى الأبنية، فإنّ دُورهم لم
تكن متفاوتةً يومئذٍ. فأمّا اليوم فلابدّ من الدّخول فى داخل الدّار للتّفاوت،
والنّظرُ إلى الظّاهر لا يُوقع العلم بالداخل."(١)
فينبغى أن يُنظرَ إلى ما هو مقصودٌ فى كلّ نوعٍ من المبيعات حسبَ العُرف والعادة.
ولا يغِبْ عن البال أنّ سقوطَ خيارَ الرّؤية لاينفى خياراً آخر، مثلَ خيار العيب، أو
خیار الخلف، کما سیأتی فی محلّه إن شاء الله تعالی.
وبما أنّ المقصودَ بالرّؤية العلمُ بما هو مقصودُ البيع، فإنّ الرّؤيةَ لا تختصّ برؤية
النّظر، بل قد يحتاج المشترى إلى الجَسّ كما فى الحيوان، أو إلى الشّمّ كما فى
(١) الهداية مع فتح القدير ٥٣٨:٥