النص المفهرس
صفحات 81-100
فقه البيوع رحمهما الله تعالى.(١) ٣١٥- صَرف ما فى الدّمّة وممّا يتعلق بشرط التّقابض صَرفُ ما فى الذّمّة. وله صورتان: الأولى: أن يكون لزيد عشرة دنانير على عمرو، فيُريد عمرو أن يُعطيه دراهم بدل الدنانير، ومعناه أنّه يُريد أن يصرف العشرة دنانير الّتى هيَ فى ذمّته بالدّراهم، فإنّ ذلك جائز عند الأئمّة الأربعة والجمهور (٢) بشرطين: الأول: أن يكون الصّرفُ بسعر يوم الأداء، والثّانى: أن يُصفّى كلُّ ما وقع عليه الصّرف فى مجلس العقد، أو المقدارُ الذى أريد استبدالُه، ولا يبقى فى الذّة شيئٌ ممّا أريد استبدالُه. فإن كان الدّين عشرة دنانير، وأريد استبدالُ كُلّه بالدّراهم، وسعرُالاستبدال فى يوم الأداء عشرة دراهم بدينار واحد، فيجوزُ الاستبدالُ بمائة درهم، ولكن يجب أن تؤدّى جميع هذه الدّراهم فى ذلك المجلس، ولا يؤجَّل شيئٌ منه إلى ما بعد المجلس. أمّا إذا أراد الطّرفان أن يقعَ الاستبدالُ فى نصفِ الدّين فقط، مثلَ أن يتّفقا على أن يُعطيّ عمرو نصفَ الدّين، وهو خمسة دنانير بالدنانير نفسها، ويستبدلَ الباقيَ بالدّراهم، فيعطى خمسين درهماً، فهذا جائزٌ أيضاً، بشرط أن يؤدّيَ خمسين درهماً فى نفسِ المجلس، ولا يؤخّرَ شيئاً منها إلى مابعده. وهذا الحكمُ مبنيٌّ على ما ثبت عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: (١) فتح القدير ٦: ٢٦٤ (٢) قال ابن قدامة: ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صَرفاً بعين وذمّة فى قول أكثر أهل العلم، ومنع منه ابن عباس وأبو سلمة ابن عبدالرحمن وابن شبرمة. (المغنى ٤: ١٧٢ و ١٧٣) ٧٠٥ المبحث السابع "كنت أبيعُ الإبلَ بالبقيعِ، فأبيعُ بالدّنانير، وآخذُ الدّراهم، وأبيع بالدّراهم، وآخذُ الدّنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطى هذه من هذه، فأتيتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو فى بيتِ حفصة، فقلت: يارسولَ الله! رُوَيْدَك، أسألك: إنّى أَبِيْعُ الإبلَ بالبَقيع فأبيعُ بالدّنانير، وأخذ الدّراهمَ، وأبيعُ بالدّراهم وآخذ الدّنانير، آخذُ هذه من هذه، وأُعطى هذه من هذه. فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: لابأسَ أن تأخذها بسعرِ يومِها، مالم تفترقا وبینکما شیئ."(١) والصورة الثّانية من صرف ما فى الذّمّة أن يكون كلُّ واحد من المتصارفَين مديوناً لآخر بعُملة مختلفة، فيُريدان أن يتصارفاها، وهيَ فى الذّمّة، بمعنى أن يتقاصًا دينيهما، مثل أن يكون لزيد على عمرو عشرة دنانير، ولعمرو على زيد مائة درهم، فهل يجوز أن يقول زيد لعمرو: بعنى المائة درهم الّتى لك عليّ بالعشرة دنانير الّتى لى عليك؟ وحاصل ذلك أن يُطفأ دينُ كلّ واحد منهما بالمقاصّة. وفيه اختلافٌ ذكره ابن رشد الحفید رحمه الله تعالى. قال: "واختلفوا فى الرجلين يكون لأحدهما على صاحبه دنانير، وللآخر عليه دراهم، هل يجوز أن يتصارفاها وهيَ فى الذّمّة؟ فقال مالك: ذلك جائز إذا كانا قد حلاّ معاً. وقال أبو حنيفة: يجوز فى الحالّ وفى غير الحالّ.(٢) وقال (١) سنن أبى داود، كتاب البيوع، باب فى اقتضاء الذهب من الورق، حدیث ٣٣٥٤ (٢) قال ابن عابدين: "لو تصارفا دراهم بدنانير ديناً، صحّ لفوات الخطر" (ردالمحتار، باب الصّرف ٥٤٤:١٥ فقره ٢٥١٨٣ فقه البيوع الشّافعيّ واللّيث: لا يجوز ذلك، حلاّ أو لم يحلاً. (١) وحجّة من لم يُجزه أنّه غائب بغائب. وإذا لم يجز غائب بناجز، كان أحرى أن لايجوز غائب بغائب. وأمّا مالك فأقام حلول الأجلين مقام النّاجز بالنّاجز، وإنّما اشترط أن يكونا حالين معاً لئلا يكون ذلك من بيع الدّين بالدّين. وبقول الشّافعيّ قال ابن وهب وابن كنانة من أصحاب مالك."(٢) والظّاهر فى مصارفة ما فى الذّمّة من الجانبين اشتراط أن يكون بسعر يوم المصارفة، كما فى الصّورة الأولى، ولاسيّما إذا كان أحد مافى الذّمّة مؤجلاً على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "فإن كان المقضيُّ الّذى فى الذّمّة مؤجّلاً فقد توقّف أحمدُ فيه : وقال القاضي: يحتمل وجهين: أحدهما: المنعُ وهو قولُ مالكٍ ومشهورُ قولَي الشّافعيّ، لأنّ ما فى الذّمة لا يستحقّ قبضه، فكان القبضُ ناجزاً فى أحدهما، والنّاجز يأخذ قسطاً من الثّمن، والآخر: الجوازُ وهو قولُ أبي حنيفة، لأنّه ثابتٌ فى الذّمّة بمنزلة المقبوض، فكأنّه رَضِيَ بتعجيل المؤجّل، والصّحيحُ الجوازُ إذا قضاه بسعر يومها، ولم يجعل للمقضيّ فضلاً لأجل تأجيل ما فى الذّمّة، لأنّه إذا لم ينقصه عن سعرها شيئاً، فقد رَضِيَ بتعجيل ما فى الذّة بغير عِوَض، فأشبه ما لو قضاه من جنس الدّين، ولم يستفصل النبيُّ صلى الله (١) وهو مذهب الإمام أحمد أيضاً كما فى المغنى ٤: ١٧١ (٢) بداية المجتهد، قبیل کتاب السّلم ص ٥٩٨ المبحث السابع عليه وسلم ابنَ عُمر حين سأله، ولو افترق الحال لسأل واستفصل."(١) ٣١٦- الشرط الثانى: التّماثل فى صرف المتجانسين إن كان البدلان فى الصّرف من جنس واحد، مثل بيع الذّهب بالذّهب، أو الفضّة بالفضّة، فيجب أن يكونا متساويين فى الوزن، ولو اختلفا جودةً وصناعةً. وذلك مصرّح فى حديث أبى سعيد الخُدريّ رضى الله تعالى عنه الّذى مرّ نصّه. ومن أجل هذا الشرط أجمع الفقهاء على أنّ المجازفة فى الصَّرف لا تجوز، لأنّ التّماثل غير معلوم. ٣١٧- الشرط الثالث: الخلق عن خيار الشرط والشّرط الثالث: أن يكون عقدُ الصّرف خالياً عن خيار الشّرط، لأنّ خيارَ الشّرط يمنع ثبوت الملك أو تمامَه على القولين، كما سيأتى فى موضعه إن شاء الله تعالى، وذلك يُخِلّ بتمام القبض، وهو ما يحصِّل به التّعيين. أمّا خيارُ العيب، فيثبت فيه، لأَنّه لا يمنع تمام القبض عند العقد. وخيارُ الرّؤية يثبت فى المصوغ، دون الدّراهم الفضّيّة والدنانير الذّهبيّة، لأنّه لافائدةَ فى ردّها، إذ العقد لا ينفسخ بالردّ، لأنّه ما ورد على عين المردود، بل على مثله، وقيامُ العقد يقتضى ولايةَ المطالبة بمثله، فإذا قبض يردّه، فيطالبه بآخر، هكذا إلى مالا يتناهى. أمّا إذا وقع العقدُ على تِبْر أو مصوغ، فقد ورد العقد على عین، فينفسخُ العقد بالرّة، فلا يملك المطالبةَ بعين أخرى، فكان الردّ مفيدا.(٢) (١) المغني لابن قدامة ١٧٣:٤ و١٧٤ (٢) بدائع الصنائع ٤: ٤٥٩ و٤٦٠ والدر المختار مع ردالمحتار ٥٢٦:١٥ ٧٠٨ 03 فقه البيوع ٣١٨- ما يكون صَرْفاً وما لايكون أجمع الفقهاء أنّ الذّهب والفضّة إن كانا فى صورة التِّبر، أو كانا مسكوكين فى صورة الدّينار والدّرهم، فإنّ تبادلهما صَرْفٌ، سواءٌ وقع التّبادلُ بجنسها، مثل الدّينار بالدّينار، وتِبْر الذّهب بتِبْر الفضّة، أوبخلاف جنسها، مثل الدّينار بالدّرهم، وتِبر الذّهب بتِبْر الفضّة، فيجب فى الأوّل التّماثل والتّقابض جميعاً، وفى الثّانى يجوز التّفاضل، ويجب التّقابض. ٣١٩- هل بيع المصوغ بغير المصوغ صَرْف؟ أمّا إن كان الذّهب والفضّةُ مصوغين، مثل الحُليّ والأوانى المصوغة من الذّهب والفضّة، فالجمهورُ على أنّه صَرْف، وهو فى حكم التِّبر والمسكوك سواءً بسواء، فيجب التّمائلُ والتّقابضُ إذا بِيْعَ خُلِيُّ الذّهب بتِبره، أو بالدينار الذّهبيّ، أو بحُليّ آخر، ويجب التّقابضُ إذا بيع بخلاف جنسه. وهو المختارُ فى المذاهب الأربعة وجماهير العلماء، وحُكيَ عن الإمام مالك رحمه الله تعالى جوازُ بيع المضروب بقيمته من جنسه، وأنكر أصحابُه ذلك ونفَوه عنه. وحُكيَ عن الإمام أحمد أنّه قال: لا يجوزُ بيعُ الصَّحاح بالمكسّرة أصلاً، لأنّ للصّناعة قيمةً بدليل حالة الإتلاف، فيصيرُ كأنّه ضمّ قيمةَ الصّناعة إلى الذّهب. ولكنّ المختارَ فى مذهب المالكيّة والحنابلة ماذكرنا من أنّه يجوز بيعه بشرط التّساوى فى الوزن والتّقابض، ولا يجوز بالتّفاضل أو بدون التّقابض. (١) (١) راجع لكلّ ذلك المغنى لابن قدامة ٤: ١٠٩ ٧٠٩ المبحث السابع وخالف العلامة ابنُ القيّم رحمه الله تعالى الجمهورَ فى ذلك، وقال: يجوز بيعُ المصوغ بالدّنانير أو بالتّبر مع التّفاضل، ولا يُشترط فيه التّقابض، فكأنّه لم يَعتبره صَرْفاً، لأنّ الصّناعةَ أخرجتْه من حُكم الذّهب أو الفضّة، وجعلتْه كسائر العروض.(١) وهذا القولُ شاذٌ لاتُسانِده الرّوايةُ ولا الدّراية. أمّا الرّواية، فلما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى عن فضالة بن عبيد رضى الله تعالى عنه قال: "أُتِيَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بخيبر بقلادة فيها خرْز وذهب، وهى من المغانم تُباع، فأمر رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بالذّهب الّذى فى القلادة، فنُزع وحده، ثمّ قال لهم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: الذّهب بالذّهب وزناً بوزن." (٢) وظاهرٌ أنّ القلادةَ كانت مصوغةً، فلولا أنّ بيعَ المصُوغ يحرُم بالذّهب غيرِ المصوغ، لمّاً أمر بنَزْعِ الذّهب منه، ولو كان الذّهبُ المصوغُ فى حُكم العروض، كما قال ابنُ القيّم رحمه الله تعالى، لكانت هذه القلادةُ أحقَّ باعتبارها عروضاً لكون العروض وهو الخرْز مركّباً معه. وأخرج مسلم أيضاً عن أبى الأشعث قال: "غزونا غزاةً، وعلى النّاس معاوية، فغنِمْنا غنائمَ كثيرةً، فكان فيما غنِمْنا آنيةٌ من فضّة، فأمر معاويةُ رجلاً أن يبيعها فى أعطيات النّاس فى ذلك (أى نسيئةً إلى أن يخرج عطاءُ المشترى) فتسارع النّاسُ، فبلغ عُبادةَ (١) راجع إعلام الموقعين ٢: ١٠٤ (٢) صحيح مسلم، باب بيع القلادة فيها خرز وذهب، حديث ٤٠٤٦ فقه البيوع بن الصّامت رضى الله تعالى عنه، فقال: إنّى سمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم ينهى عن بيع الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة ... إلاّ سواءً بسواءٍ، عيناً بعين، فمن زاد أوازداد فقد أربى. فردّ النّاسُ ما أخذوا. فبلغ ذلك معاويةَ فقام خطيباً، فقال: ألا ما بالُ رجال يتحدثون عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحاديثَ كنّا نشهده ونصحبه، فلم نسمعها منه. فقام عُبادة بنُ الصّامت رضى الله تعالى عنه، فأعاد القصّة، وقال: لنُحدّثْنّ بما سمعنا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإن كره معاوية." (١) وأخرج مالك وأحمد والشّافعيّ عن عطاء بن يسار: "أنّ معاوية بن أبى سفيان رضى الله تعالى عنه باع سقايةً من ذهب أوورق بأكثرَ من وزنها، فقال له أبوالدرداء:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذُرنى من معاوية؟ أنا أُخْبره عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويُخبرنى عن رأيه، لاأُساكنك بأرضٍ أنت بها. ثمّ قدِمِ أبو الدرداء رضيَ الله تعالى عنه على عمربن الخطّاب فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية ألاّ يبيعَ ذلك إلاّ مثلاً بمثل، وزناً بوزن."(٢) وتأوّل ابن القيّم رحمه الله تعالى فى قصّة عُبادة رضي الله تعالى عنه بأنّ إنكاره على معاوية لم يكن بسبب أنّ بيعَ الآنية كان يستلزم الرّبا، وإنّما كان من أجل أنّ استعمال آنية الفضّة حرام، فبيعُه لا يجوز بجنسه أو بغير جنسه. ولكنّ هذا التّأويلَ غيرُ سائغ، لأنّ عُبادة رضى الله تعالى عنه لم يحتجّ على معاوية بحرمة استعمال الآنية، وإنّما (١) صحيح مسلم، باب الصَّرف وبيع الذّهب بالورق نقداً، حديث ٤٠٣٠ (٢) موطأ الإمام مالك، باب بيع الذهب بالورق عيناً وتبرا، ص ٥٨٢ المبحث السابع استدلّ بحديث حُرمة الرّبا، ولا يُعقلُ منه أن يأتيَ فى الرّدّ عليه بحديثٍ لا علاقةَ له بعّة الحرمة. ثمّ إنّ عمر رضى الله تعالى عنه أجاز فى قصّة أبى الدّرداء بيعَ السّقاية، ولكن اشترط فيه التّماثلَ فى الوزن، كما مرّ فى حديث الموطأ، ممّا يدلّ صراحةً على أنّ عّة المنع هو التّفاضلُ أو النّسيئة، وليس كونَ الآنية من الفضّة أو الذّهب. وقد أخرج مالك رحمه الله تعالى قصّةً أخرى فى الباب نفسه عن مجاهد أنّه قال: "كنتُ مع عبد الله بن عمر، فجاءه صائغٌ، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنّى أصوغ الذّهبَ، ثمّ أبيعُ الشّيئ من ذلك بأكثرَ من وزنه، فأستَفْضِلُ من ذلك قدرَ عمل يدى، فنهاه عبد الله بن عمر، فجعل الصائغُ يُردّد علیه المسئلة، وعبدالله ینهاه، حتّى انتھی إلى باب المسجد، أو إلى دابّة يُريد أن يركبها. ثمّ قال عبد الله بن عمر: الدّنارُ بالدّينار والدّرهمُ بالدّرهم لافضلَ بينهما. هذا عهدُ نبيّنا إلينا، وعهدُنا إليكم. "(١) فصرّحَ ابنُ عمر رضى الله تعالى عنهما فى هذا الحديث بأنّ المصوغَ وغيرَ المصُوغ لافرقَ بينهما فى حُرمة التّفاضُل وغيره. وأخرج محمّد رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "بُعث إلى عمر رضي الله عنه بإناء من فضّةٍ خُسروانيّ قد أُحكِمت صنعتُه، فأمر الرّسولَ أن يبيعَه، فرجع الرّسولُ فقال: إنّى أُزاد على وزنه، قال عمر رضي الله عنه: لا، فإنّالفضلَ رباً." (٢) (١) الموطأ، ص ٥٨٢ (٢) كتاب الآثار للإمام محمد رحمه الله تعالى، باب شراء الذهب والفضة تكون فى السبر والجوهر، حدیث ٧٥٨ ٧١٢ فقه البيوع وأخرج البيهقيّ رحمه الله تعالى عن أبى رافع قال: "كان عمر بن الخطاب يجلس عندى فيُعلِّمنى الآية، فأنساها فأناديه: يا أميرَ المؤمنين! قد نَسِيتُها. فيرجعُ فَيُعلّمنيها، قال: فقلت له : إنّى أصوغُ الذّهبَ فأبيعُه بوزنه، وآخذ لعُمالة يدى أجراً؟ قال: لا تَبع الذّهبَ بالذّهبِ إلاّ وزناً بوزنٍ، والفضّةَ بالفضّةِ إلاّ وزناً بوزنٍ ولا تأخذ فضلاً."(١) فهذه الأحاديث والآثار أدلّةٌ ناطقةٌ بأنّ المصوغَ وغيرَ المصوغ سواءً فى وجوب التّماثل والتّقابض، وأنّه مذهبُ الصّحابة رضي الله تعالى عنهم. أمّا مارُويَ عن معاوية فى قصّة عبادة رضي الله تعالى عنهما، فقد صرّح معاوية رضي الله تعالى عنه فيها أنّه لم يسمَعْ ما سمِعه عُبادة، وهذا كما لم يبلغ حديثُ ربا الفضل ابن عبّاس وغيره. وأمّا فى قصّة أبى الدرداء، فلعلّ معاوية رضي الله تعالى عنهم رأى فى مبدأ الأمر أنّ المصوغَ ليس فى حكم غير المصوغ، ومن أجل هذا نسب إليه بعضُ العلماء جوازَ التّفاضل والنّسيئة فيه، ولكنّ المذكورَ فى القصّة نفسِها أنّ الأمرَ لمّا بلغ عمربن الخطّاب رضي الله تعالى عنه، نهاه عن ذلك. والظّاهرُ أن يكون قد رجعَ عن رأيه بعدَ ما نهاه عمرُ رضي الله تعالى عنه. فلا ينبغى أن يُنسَب إليه هذا القولُ بيقين. والله سبحانه أعلم. أمّا الدّراية، فقال ابنُ القيّم رحمه الله تعالى: "أمّا إن كانت الصّياغةُ مُباحةً، كخاتَم الفضّة، وحلية النّساء، وما أبيح من حِلية السّلاح وغيرها، فالعاقلُ لا يبيعُ هذه بوزنها (١) السنن الكبرى للبيهقي، باب لا يباع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه بأكثر من وزنه، ٢٩٢:٥ قال شيخنا العثمانيّ التهانويّ رحمه الله تعالى: والحديث احتجّ به البيهقي، وسكت عنه ابن التركمانيّ، ولم يُعلّه بشيئ، فهو صحيح أو حسن، وعبدالوهاب بن عطاء صدوق من رجال مسلم، ودينار أبو فاطمة لم أعرفه بجرح ولا تعديل. " (إعلاء السنن ١٤: ٢٩٩ و٣٠٠) المبحث السابع من جنسِها، فإنّه سَفَةٌ وإضاعةٌ للصَّنعة، والشّارِعُ أحكمُ من أن يُلزِمَ الأمّةَ بذلك، فالشّريعةُ لا تأتى به، ولا تأتى بالمنع من ذلك وشراءه لحاجة النّاس إليه."(١) وإنّ هذا الكلام مستغرَبٌ من مثل ابن القيّم رحمه الله تعالى. أمّا أوّلاً، فلأنّه رأيٌ فى مقابلة النّصوص الظّاهرة المتكاثرة، وتسفية للسّلف القائلين بحرمة ذلك بمحض الرّأى، وأمّا ثانياً، فلأنّه يمكن أن يُقال مثلُ ذلك فى مبادلة التّمْرِ الجيّد بالرّديئ أنّه لا يبيعُ عاقلُ التّمرَ الجيّد بالرّديئ من جنسه، وأنّه سَفَهُ، مع كونه ممنوعاً بالنّصّ، ومعترفاً به من ابن القيّم رحمه الله تعالى أيضاً، وقد ذكر العلامة ابنُ تيميّة رحمه الله تعالى الجيّد والرّديئ، والمصوغَ وغيرَ المصوغ فى نسقٍ واحدٍ بلا فرق بينهما، فقال رحمه الله تعالى: "إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حرّم أشياءَ ممّا يخفى فيها الفساد لإفضاءها إلى الفساد المحقّق، كما حرّم قليل الخمر، لأنّه يدعو إلی کثیرها، ومثل ربا الفضل، فإنّ الحكمةَ فيه قد تخفى، إذ العاقلُ لايبيع درهماً بدرهمين إلاّ لاختلافِ الصّفات، مثلٍ كون الدّرهم صحيحاً والدّرهمين مكسورين، أو كون الدّرهم مصوغاً، أو من نقدٍ نافق ونحوذلك، ولذلك خفيَت حكمةُ تحريمه على ابن عبّاس ومعاوية وغيرهما، فلم يروا به بأساً حتّى أخبرهم الصّحابةُ الأكابر كعُبادة بن الصّامت وأبى سعيد وغيرهما بتحريم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لربا الفضل." (٢) (١) إعلام الموقعين ١٠٧:٢ (٢) مجموع فتاوى ابن تيميّة، قواعد جامعة فى عقود المعاملات والنّكاح، القاعدة الثّانية ١٧:٢٩ ٧١٤ فقه البيوع وإنّ هذا النّصّ من ابن تيميّة رحمه الله تعالى يدلّ على أنّه مع جمهور الأئمّة والصّحابة الأكابر فى هذه المسئلة، وأنّه يعتبر المصوغَ بغير المصوغ مثلَ الجيّد بالرّديئ فى حُرمة التّفاضل، وأنّ حكمةَ تحريمه خفيّةٌ عنده، مثل حكمة تحريم ربا الفضل فى سائر الأموال الرّبويّة. وما نُسِب إلى ابن تيميّة رحمه الله تعالى من أنّه يجوّز المصوغ بغيره متفاضلاً، مثل رأي ابن القيّم،(١) فلم أجده فى عبارته صريحاً، بل عبارتُه المذكورة تدلّ على خلاف ذلك، والله سبحانه أعلم. ثمّ ابنُ القيّم رحمه الله تعالى ذكر أنّ الحكمةَ فى تحريم ربا الفضل سدٌّ لذريعة الرّبًا، وهذه الحكمةُ لاتُوجد فى بيع المصوغ. ولكنّه استدلالٌ غير ناهض، أمّا أولاً، فلأنّ الحكمةَ إن لم تكن منصوصةً، فقد تختلف فى تخريجها الآراء، وقد وقع الاختلافُ فى بيان الحكمة فى هذه المسئلة فعلاً، (٢) وأمّا ثانياً، فلأنّ الحكمَ لا يدورُ على الحكمة، وإنّما يدورُ على العلّة، كما تقرّر فى موضعه،(٣) وأمّا ثالثاً، فسدُ الذّريعة متحقّقٌ ههنا أيضاً، لأنّه لو أجيز بيعُ المصوغ بغير المصوغ بزيادة مقابلَ الصّنعة، فليس هناك ما يُحدّد مقدارَ الزّيادة المقابلة للصّنعة، فيُمكن لبائع المصوغ أن يُطالبَ مقابلَ الصّنعة زيادةً كثيرةً يقصِد به الرّبا، مثل بيع خاتم بسيطِ الصّنعة بما يُساوى أضعافَ وزنه ذهباً. (١) جلاء العينين بمحاكمة الأحمدين ٦٢٨:١ (٢) فحكمة ربا الفضل التى ذكرها الشيخ وليّ الله الدهلويّ وابن رشد رحمها الله تعالى مختلفةٌ عمّا ذكره ابن تيميّة وابن القيّم رحمهما الله تعالى، فإنّ ابن رشد ذكر أنّ حكمته المنع من السّرف (بداية المجتهد ٢: ١٣٢) وذكر الشّيخ الدهلويّ رحمه الله تعالى أنّ حكمته كراهة الرفاهية البالغة. (حجة الله البالغة ٢: ٢٨٤) (٣) وقد فصّلتُ هذه المسئلة فى كتابى "أصول الإفتاء وآدابه" ص ٢٤١ المبحث السابع أمّا ما ذكره ابنُ القيّم رحمه الله تعالى من حاجةِ النّاسِ إلى مثل هذه المعاملة، فإنّ الحاجةَ تندفع ببيعِ المصوغِ بخلاف جنسه، وعلى ذلك فتُباعُ حِليةُ الفضّة بالذّهب، وحِليةُ الذّهب بالفضّة، ويجوزُ ذلك بالتّفاضُل إجماعاً بشرط التّقابض فى المجلس، كما أنّه يمكن أن تُباعَ الحِليةُ بالأثمان الاصطلاحيّة الّتى سيأتى حكمُها إن شاء الله تعالى فى البحث القادم. أمّا ماذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من قوله: "فلم يبق إلاّ أن يُقال: لا يجوز بيعُها بجنسها البتّة، بل يبيعُها بجنسٍ آخر، وفى هذا من الحرج والعُسر والمشقّة ما تتّقيه الشّريعة، فإنّ أكثرَ النّاس ليس عندهم ذهبٌ يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك، والبائعُ لا يسمح ببيعه ببر وشعیر وثیاب." فإنّ مثلَ ذلك يمكن أن يُقال فى مبادلة جميع الرّبويّات بعضها ببعض، مثل أن يقال: إنّ مشتريَ جيّد التّمر لا يجد إلاّ تمراً رديئاً، والبائعُ لا يسمحُ أن يبيعَه ببُرّ أو شعير، وبمثل هذا لاتُردّ الأحاديث والآثار الصّحيحة. وقد ثبت فى حديث أبى سعيد الخدري وأبي هريرة رضى الله تعالى عنهما قالا: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أكلّ تمر خيبر هكذا؟" قال: لا، والله يا رسول الله! إنّا لنأحذ الصّاعَ من هذا بالصّاعين والصّاعين بالثلاث، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "لا تفعلْ، بِعِ الجَمْعَ بالدّراهم ثمّابتعْ بالدّراهم جنيباً."(١) (١) صحيح البخاري، باب إذا أراد بیع تمر بتمر خیر منه، حدیث ٢٢٠١ و ٢٢٠٢ ٧١٦ فقه البيوع وقد ثبتَ فى هذا الحديث أنّ النّاسَ كانوا يتعاملون بيعَ الجيّد بالرّديئ، وما ذلك إلاّ لأنّ التّعاملَ بالنّقود فى ذلك العهد كان قليلاً، وكان فى نزْعِهم عن تلك العادة مشقّةٌ فى الظّاهر، ولكنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم منعهم من ذلك، وأمرهم بأن يبيعوا التّمر بالدّراهم أولاً، ثمّ يبتاعوا الجيّد بالدّراهم. فثبت أنّ مثلَ هذا العُسْرِ لا اعتبارَ له فى الشّريعة لتحليلِ ما ثبت تحريمُه بالنُّصوص. فإن لم يكن عند أحد الذّهبُ، وهو يُريد حُليَّ الفضّة، فلابدّ أن تكون عنده دراهمُ يرضى من أجلها أن يؤدّيَ أكثر من وزن الفضّة الموجودة فى الحُليّ، كما يقترح ابن القيّم رحمه الله تعالى، فليفعلْ مثلَ ما أمر النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم، أن يشتريَ الذّهبَ بالدّراهم، ثمّ يشترى خُليّ الفضّة بذلك الذّهب. وليس ذلك من الحيلة الممنوعة فى شيئ، لأنّ النّبيّ الکریم صلّى الله عليه وسلّم هو الذى علّم ذلك. ٣٢٠- هل الأثمان الاصطلاحيّة يجرى فيها الصّرف؟ ثمّ إنّ الدّراهمَ المضروبة بالفضّة، والدّنانيرَ المضروبةَ بالذّهب يجرى فيها الصّرف بالإجماع، فإن بيعت بجنسها، وجب التّماثل والتّقابض، وإن بيعت بغير جنسها، لم يجب التماثل ولكن وجب التّقابض. أمّا الأثمان العرفيّة أو الاصطلاحيّة المسكوكة بغير الذّهب والفضّة، مثلُ الفلوس، فاختلف الفقهاء فی حکمها. فذهب الإمام مالك رحمه الله تعالی أنّها فی حکم دنانیر الذّهب ودراهم الفضّة، فيجب التّبادلُ بينها بجنسها بالتّماثل والتّقابض فى المجلس، وبغير جنسها بشرط التّقابض فقط. جاء فى المدوّنة الكبرى: "قلت: أرأيتَ إن اشتريتُ فلوساً بدراهمَ، فاقْترقْنَا قبل أن نتقابض؟ قال: لا ٧١٧ المبحث السابع يصلُح هذا فى قول مالك، وهذا فاسد. قال لى مالك فى الفلوس: لا خيرَ فيها نَظِرَةً بالذّهب ولا بالوَرق، ولو أنّ النّاسَ أجازوا بينهم الجلودَ حتّى تكون لها سِكّةٌ وعينٌ، لكرهتُها أن تُباعَ بالذّهب والوَرقِ نَظِرَةً. قلتُ أرأيتَ إن اشتريتُ خاتمَ فِضَّةٍ أو خاتمَ ذَهَبٍ أو تِبْرَ ذَهَبٍ بقُلُوسٍ فافترقْنَا قبل أن نتقابض، أيجوز هذا فى قول مالك؟ قال: لا يجوز هذا فى قول مالك، لأنّ .. مالكاً قال: لا يجوز فَلْسٌ بِفَلْسَيْن، ولا تجوز الفلوسُ بالذّهب والفضّة ولا بالدّنانير نَظِرَةً. ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن أنّه قال: الفلوسُ بالفلوسِ بينهما فضلٌ فهو لا يصلح فى عاجلِ بأَجلٍ، ولا ء عاجلٍ بعاجلٍ، ولا يصلحُ بعضُ ذلك ببعض إلا هاء وهاء، قال اللّيث بن سعد عن يحيى بن سعيد وربيعة أنّهما كرها الفُلُوسَ بالفُلُوسِ وبينهما فضلٌ أو نَظِرَةٌ، وقالا: إنّها صارت سِكّةً مثل سِكّةِ الدّنانير والدّراهم. اللّيث عن يزيد بن أبي حبيب، وعبيد الله بن أبي جعفر، قالا: وشيوخُنا كلّهم إنّهم كانوا يكرهون صرفَ الفلوس بالدّنانير والدّراهم إلاّ يداً بيدٍ. وقال يحيى بن أيوب: قال يحيى بن سعيد: إذا صرفت درهماً فلوساً، فلا تفارقه حتى تأخذها كلّها."(١) أمّا الشّافعيّة، فعلّةُ حرُمة الفضل والنّسيئة فى الذّهب والفضّة وإن كانت عندهم الثّمنيّة، ولكنّهم يُقيّدونها بجوهريّة الثّمن، ويعنُون بذلك ما اعتُبر ثمناً بخلقته، وهو الذّهب أو الفضّة. أمّا ما أصبح ثمناً بالاصطلاح، كالفلوس، فإنّها قد تكونُ ثمناً وقد (١) المدونة الكبرى، كتاب الصرف، باب "التأخير فى صرف الفلوس"، ٣: ٥ و٦ فقه البيوع لا تكون، فلا يوجدُ فيها جوهريّة الثّمن، فلذلك لا توجد فيها العلّةُ الّتى من أجلها حرُم التّفاضل والنّسيئة. فلا رباً عندهم فى بيع الفلوس بعضها ببعض، ويجوز فيها التّفاضل والنّسيئةُ جميعاً. (١) أمّا الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فعنه فى هذه المسئلة روايتان: إحداهما آنّه يجوز بيع الفلس بالفلسين، لأنّ العلّةَ عنده الوزن، ولا تُوجد فى الفلوس، لكونها عدديّةً. وهو الذى صحّحه ابنُ قدامة. والرّواية الثّانية: أنّه يجرى فيها الرّبا والصَّرف، لأنّها معمولةٌ من النُّحاس، أو الصُّفر، أو الحديد، فأصلُها موزون. واختار القاضى أنّ ما كان يُقصَد وزنُه بعد عمله كالأسطال(٢) ففيه الرّبًا، وما لا فلا(٣) وأمّا الحنفيّة، فالعلّةُ عندهم الوزنُ لا الثّمنيّة، ومقتضى هذا فى الظّاهر أن لا يجريَ الرّبا فى الفلوس، لأنّها عددية، ولكنّهم لم يُجيزوا التّفاضلَ فى الفلوس من جهةٍ أخرى، وهيَ أنّ الفلوسَ لمّا كانت من الأثمان، فإنّها لاتتعيّن، فإن بيعَتْ بغير التّعيين، فإنّها أمثالٌ متساويةٌ قطعاً، فالزّيادةُ فى أحد الجانبين زيادةٌ من غير عوض، وهو رباً. وتوضيحُه كما ذكره البابرتيّ رحمه الله تعالى أنّه إن باع زيدٌ فلساً واحداً من عمرو بفَلسين، والفلوسُ غير متعيّنة، فيجوزُ لزيدٍ أن يقول لعمرو: لى عليك فلسان، ولك (١) راجع نهاية المحتاج للرّملي ٣: ٤١٨ وتحفة المحتاج لابن حجر مع حاشيته للشرواني ٢٧٩:٤ (٢) الأسطال آنيةُ الصُّفر، وقد يُقال: "أسطان" بإبدال اللام نونا. وراجع تاج العروس للزبيديّ، مادة "سطن" (٣) المغنى لابن قدامة ١٢٨:٤ و ١٢٩ المبحث السابع عليّ فلسٌ، فأنا أقاصُّ الفلسَ الّذى عليّ بالفلس الواحد الّذى عليك، فلا أعطيك فلساً، وبقيَ لى عليك فلسٌ آخر، فأعْطِنى ذلك الفلس. وبهذا يستحقّ زيدٌ فلساً من عمروٍ دونَ أن يُعطَه أيّ عوضٍ على ذلك، وهو ظاهرُ البطلان.(١) هذا إذا كانت الفلوسُ غيرَ متعيّنة. أمّا إذا باع زيدٌ فلسَه المتعيّن بفلسين معيّنين من عمرو، ففيه خلافٌ فى الأئمّة الحنفيّة. فقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى: إنّ الفلوسَ بالتّعيين صارت كسائر العروض، فيجوز فيها التّفاضل. وتوضيحُه أنّ الفلوسَ أصلُها نحاسٌ أو صُفْر، أو حديد. وكلُّ ذلك عروض يتعيّن بالتّعيين. ولكنّها أصبحت أثماناً باصطلاح النّاس، فكما يجوز الاصطلاحُ على ثمنّتها، يجوزُ للعاقدين أن يصطلحا على إبطال ثمنيتها وإعادةٍ أصلها. قال صاحبُ الهداية فى توجيه قول الشّيخين رحمهما الله تعالى: "لهما أنّ الثّمنيّة فى حقّهما تثبت باصطلاحهما، إذ لاولايةَ للغير عليهما، فتبطُل باصطلاحهما، وإذا بطلت الثّمنيّةُ تتعيّنُ بالتّعيين، ولا يعودُ وزنيّاً لبقاء الاصطلاح على العدّ." وخالفهما الإمامُ محمّد رحمه الله تعالى، فقال: لا يجوز التّفاضلُ فى الفلوس، "لأنّ الثّمنيّة تثبت باصطلاح الكلّ، فلا تبطُل باصطلاحهما، وإذا بقيَت أثماناً، لاتتعيّن، !! ( ٢) فصار كما إذا كانا بغير أعیانهما، و کبیع الدرهم بالدرهمین. (١) وهذا معنى قول البابرتيّ: "لأنه لو جاز أمسك البائع الفلس المعيّن وطلب الآخر، وهو فضل خال عن العوض. " (العناية على هامش فتح القدير٦: ١٦٢) (٢) الهداية مع فتح القدير٦: ١٦٢ فقه البيوع ثمّ إنّ الأئمّة الحنفيّة، بالرّغم من اختلافهم المذكور فى جواز التّفاضل فيها، كلُّهم متّفقون على أنّ بيعَ الفلوس بالفُلوس ليس صَرْفاً، ومن هذه الجهة، أفتى بعضهم بأنّه لا يجب فيها التّقابضُ فى المجلس، بل يُشترط أن يقع قبضُ أحد البدلين فى المجلس، لئلاّ يلزمَ الافتراقُ عن دَينٍ بدين.(١) (١) وهذا ما مشى عليه متن تنوير الأبصار والدّرّ المختار، وذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى أنّه مُفاد قول الإمام محمّد فى الأصل. (راجع ردالمحتار، باب الربا، ١٥: ٢٥٣ إلى ٢٥٥ فقره ٢٤٤٠٢ والحقيقة أنّ عباراتِ الفقهاء الحنفيّة مختلفةٌ فى بيان مذهب الشيخين فى مسئلة التّقابض، كما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى أيضا، والّذى يظهر أنّ بيعَ الفلوس إن كان بالتّماثل، فلا تتعيّن الفلوس عندهما بالتعيين، كما سيأتى فى المتن فى عبارة الكاسانيّ رحمه الله تعالى، فيجوز بيع الفلس بفلس آخر بدون التّعيين أيضاً، وفى هذه الحالة اختلفت العبارات، فذكر فى بعضها أنهما يشترطان قبض أحد البدلين فى المجلس، لأنّ الفلوس إن لم تكن معيّنةً، فإنّها دین، فإن افترقا بدون قبض أحدهما، صار افتراقاً عن دين بدين. أمّا إذا قبض أحدُهما فلساً، فصارذلك الفلسُ عيناً بالقبض، فلم يكن الافتراق عن دين بدين، وإنّما صار افتراقاً عن عين بدين. وذكر فى بعض العبارات أنّ الشيخين يشترطان التقابض فى المجلس فى هذه الحالة، لالأنّه صَرْف، بل لأنّ البدلين من جنس واحد، والجنس بانفراده يُحرّم النسيئة، كما سيأتى فى عبارة الكاسانيّ رحمه الله تعالى. هذا كلّه إن بيعت الفلوس بالتّماثل، لأنّ عبارة تنوير الأبصار والكاسانيّ مفروضةٌ فى هذه الصّورة. أمّا إذا بيعت بالتّفاضل، فلا يجوز عندهما إلاّ بتعيين كل واحد منهما، وهذا التعيين معتبر عندهم، وحينئذٍ فينبغى أن لا يُشترط عندهما التقابض ولا قبض أحد البدلين فى المجلس، لأنّه لا يستلزم عدمُ قبض أحدهما افتراقاً عن دين بدين، وإنما يكون افتراقً عن عين بعين، ولكن لايجوز النّسيئة عندهم، لالكونه صَرْفاً، بل لكونه مبادلتها بجنسها، والجنس بانفراده يُحرّم النسيئة. والفرق بين النسيئة وعدم التقابض أنّ الأجل فى النّسيئة شرطٌ فى العقد. أمّا إذا تعيّن البدلان، ثمّ تأخر القبض بدون شرط، فإنّه لا يُعدّنسيئةً، كما فى الحنطة المعيّنة بالحنطة المماثلة المعيّنة، فإنّه يجوز عند الحنفيّة بدون التّقابض إن لم يكن التأخير شرطاً فى العقد. هذا ما ظهر لى بعد سبر العبارات فى هذا الموضوع والتعمق فيها، والله سبحانه وتعالى أعلم. المبحث السابع ولكن ذكر الكاسانيّ رحمه الله تعالى أنّه يجب التّقابض فى بيع الفلوس بعضها ببعض، لالكونه صَرْفاً، بل لكونه بيعَ فلس بجنسه، والجنسُ بانفراده يُحرَمِ النّسيئة عند الحنفيّة كما مرّ. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "وكذا إذا تبايعا فَلساً بعينه بفلس بعينه، فالفلسان لا يتعيّنان وإن عيّنا، إلاّ أنّ القبضَ فى المجلس شرطٌ، حتّى يبطل بترك التّقابض فى المجلس، لكونه افتراقاً عن دين بدين. ولو قُبض أحدُ البدلين فى المجلس، فافترقا قبل قبض الآخر، ذكر الكرخيّ أنّه لا يبطُل العقد، لأنّ اشتراطَ القبض من الجانبين من خصائص الصَّرْف، وهذا ليس بصَرْف، فيُكتفى فيه بالقبض من أحد الجانبين، لأنّ به يخرج عن كونه افتراقاً عن دین بدین. وذكر فى بعض شروح مختصر الطّحاوىّ أنّه يبطُل، لالكونه صَرْفاً، بل لتمكّن ربا النّساء فيه لوجود أحد وصفى علّة ربا الفضل، وهو الجنس، وهو الصّحيح."(١) أمّا إذا بيعت الفلوسُ بالدّراهم، فيكفى قبضُ أحد البدلين فى المجلس، لأنّه بيعٌ بخلاف الجنس، وبه صرّح الكاسانيّ رحمه الله تعالى فى بيع الدّرهم أو الدّينار بالفلوس، فقال: "ولو لم يوجد القبضُ إلاّ من أحد الجانبين، دون الآخر، فافترقا، مضى العقدُ على الصّحّة، لأنّ المقبوضَ صار عيناً بالقبض، فكان افتراقاً عن عين !! (٢) بدین. فالحاصلُ أنّه إن بيعت الفلوس بجنسها يشترط التّقابض، لالكونه صَرْفاً، بل لوجود (١) بدائع الصنائع ٤: ٤٨٧ و ٤٨٨ (٢) بدائع الصنائع ٤: ٤٨٧ ٧٢٢ فقه البيوع أحد علّتي الرّبا، وهو الجنس. أمّا إذا بيعت بخلاف جنسها، جاز بقبض أحد البدلين فى المجلس، ولم يجُزْبدون ذلك. ٣٢١- السّلم فى الفلوس وعلى هذا يُخرّج حكمُ السَّم فى الفلوس. فهو ممنوعٌ فى مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، وقدّمنا نصّ المدوّنة: " الفلوسُ بالفلوسِ بينهما فضلٌ فهو لا يصلح فى عاجلٍ بآجلٍ ولا عاجلٍ بعاجلٍ، ولا يصلحُ بعضُ ذلك ببعض إلا هاء وهاء، قال اللّيث بن سعد عن يحيى بن سعيد وربيعة أنّهما كرها الفُلُوسَ بالفُلُوسِ وبينهما فضلٌ أو نَظِرَةٌ، وقالا: إنّها صارت سِكّةً مثل سِكّةِ الدّنانير والدّراهم. " وكذلك قال ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: "وكره مالك السّلم فى الفلوس، وكذلك كره التفاضل فيها وبيع بعضها ببعض نسيئة، ولم يُجزها إلاّ يداً بيد. وأجاز ذلك كلّه غيره من العلماء بالحجاز والعراق." (١) ومذهب الحنابلة أنّ السّلم فى الفلوس إنّما يجوز إن كان رأسُ مال السّلم عرضاً، فإن كان نقداً، لم يجز. قال البهوتيّ رحمه الله تعالى: "ويصحّ السّلم فى فلوس، ولو نافقة، وزناً وعدداً على ما فى الإقناع، ويكون رأسُ مالها عرضاً، لانقداً، لأنّها مُلحَقةٌ بالنّقد. "(٢) وهذا مبنيٌّ على رواية الإمام أحمد الّتى تقول: إنّها يجرى فيها الصَّرف. ويجوز السّلَمُ فى الفلوس عند الشّافعيّة إطلاقاً. قال الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى: "وإنّما (١) الكافى لابن عبد البر، باب الصّرف ص ٣٠٩ (٢) شرح منتهى الإرادات، باب السّلم ٢: ٢١٥ ٧٢٣ المبحث السابع أجزتُ أن يُسلَّم فى الفلوس بخلافه فى الذّهب والفضّة، بأنّه لازكاةَ فيه، وأنّه ليس بثمن للأشياء كما تكون الدّراهم والدنانير أثماناً للأشياء المُتَلَفة. "(١) وكذلك يجوز السّلمُ فى الفلوس عدداً عند الحنفيّة. والصّحيحُ أنّه يجوز فى قول الشّيخين والإمام محمّد رحمهم الله تعالى جميعاً، ولا خلاف فيه للإمام محمّد، وحكى بعضُهم عنه عدمَ الجواز قياساً على قوله فى عدم جواز بيع الفلس بالفلسين، فإنّه اعتبرها ثمناً، ولم يُبطل ثمنيّتها باصطلاح العاقدين كما تقدّم. ولكنّ ظاهرَ الرّواية عنه جوازُ السّلم فيه، فإنّه صرّح به فى الجامع الصّغير. وذكرابنُ الهمام عن الفقيه أبى اللّيث رحمهما الله تعالى وجهَ الفرق عنده بين البيع والسّلم بأنّ من ضرورةِ السّلمِ كونَ المُسلَم فيه مُثمناً، فإذا أقدما على السّلم، فقد تضمّن إبطالَهما اصطلاحَهما على الثّمنيّة، ويصحّ السّلمُ فيها على الوجهِ الّذى يُتعاملُ فيها به، وهو العَدّ بخلاف البيع، فإنّه يجوزُ ورودُه على الثّمن، فلا موجبَ لخروجها فيه عن الثّمنّة، فلا يجوزُ التّفاضل. فامتنع بيعُ الفلس بالفلسين. ولعلّ الأوجهَ فى الفرق عند الإمام محمّد رحمه الله تعالى أنّه لم يُحرّم الفلسَ بالفلسين أو النّسيئةَ فيها لكونهما من الأموال الرّبويّة، لأنّ علّةَ تحريم الرّبا عنده ليست الثّمنيّة، وإنّما حرّم التّفاضلَ فى مبادلةِ الفلوس بعضها ببعض لأنّ ذلك يستلزم الفضلَ الخاليَ عن العِوض لكونها أمثالاً متساويةً قطعاً، كما شرحناه فى تلك المسئلة، وحرّم النّسيئةَ فيها لأنّ الجنسَ بانفراده يُحرَم النّسيئة عند الحنفيّة. أمّا إذا أُسلمت الدّراهمُ فى الفلوس، فلا يظهر فيها أحدٌ من المحظورين، لأنّ الفلوسَ عدديّةٌ يفوتُها القدر، والدّراهم وزنيّةٌ، فلا يظهر فيها الفضل الخالى عن العوض، (١) كتاب الأمّ، باب فى الآجال فى السّلف والبيع ٤: ١٩٥