النص المفهرس
صفحات 61-80
٦٨٤ فقه البيوع المذاهب. فلنبيّن كلاً من المسائل الثّلاثة بصفة مستقلّة مع أقوال الفقهاء الأربعة فيها: المسئلة الأولى: إن كان ربويّان قُرِنا فى صفقة واحدة، ووقع بيعهما بربويّ آخر، مثل أن يكون المبيعُ مدَّ تمرة قُرن بدرهم، والثّمنُ درهمان، فمذهب الشّافعيّ رحمه الله تعالى: أنّه لا يجوزُ هذا البيع، إلّ أن يُفْصَل بيعُ الدّرهم والتّمر بصفقتين، فيُباعِ التّمرُ فقط بدرهمٍ واحد من الدّرهمين فى جانب آخر، والدّرهمُ فى الجانب الأوّل يُباعُ بالدّرهم فى الجانب الآخر، وكلاهما بالتّساوى فى الكيل والوزن، وذلك بصفقتين مستقلتين عن الآخر. وقد اتّفق الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة فى هذا الحكم. (١) وقال الحنفيّة: يجوز هذا البيعُ، ويُعتبر أنّ التّمر وقع بیعُه بدرهم واحد، وبيع درهم بدرهم آخر، وذلك تصحيحاً للعقد. والمسئلة الثّانية: أن يكون المبيعُ ربويّاً مركّباً بغير ربويّ، بحيث صار المركّب شيئاً واحداً، مثل حُليّ الذّهب المركّب من الفصوص، أو التّطريز الآخر، والثّمنُ من جنس الذّهب، لا يجوز بيعُه بالدّينار الذّهبيّ، أو بالذّهب المفرد، حتّى يُفصل ذهب الحليّ من غيره عند الشّافعيّة مطلقاً، فيقع البيع بصفقتين: الصّفقة الأولى للذّهب المركّب مع الذّهب المفرد بمثل وزنه، والثّانية للفصّ أو التّطريز بالذهب الباقى أو بشيئ غيره إن كان الذّهب المركّب لم يبق فيه شيئٌ بعد تماثل الذّهبين. وهذا الحكم عامّ عند الشّافعيّة والحنابلة، سواء أكان فصلُ الحُليّ ممكناً بغير نفقة أو مؤنة، أم كان فيه مؤنة. فلا فرق عندهما فى المسئلة الأولى والثّانية من وجوب (١) المجموع شرح المهذّب ١٠: ٣٠٦ قبيل كتاب الحوالة والدسوقيّ والمغنى لابن قدامة ٤: ١٥٦ ٦٨٥ المبحث السابع الفصل وعدم جواز البيع بغيره. أمّا المالكيّة، فقالوا: إن كان الذّهبُ تابعاً لغير الذهب من الفصّ وغيره، أو كان الفصّ تابعاً للذّهب، فبيعُه جائز صفقة واحدة بغير جنس الذّهب، مثل أن يُباع بفضّة، ولا يجوز أن يُباع بالذّهب إلاّ بفصل الذّهب من غيره بصفقتين. ولكن إن كان الذّهب مصوغاً بعرض لايُنزع منه إلاّ بفساد أو مؤنة، واتّخاذُه جائز فى الشّريعة، مثلُ حُليّ النّساء، وحُليّ السّيف والخاتم، وكانت الحِليةُ فيها تابعةً للسّيف أو الخُليّ أو الخاتم، جاز بيعُه بالدينار الذّهبيّ، لأنّ الشّارعِ أباح تحليته، ونزعُه يشقّ، وهو قليلٌ تَبَع، والأتباع لاتُقصد فى العقود. هذا ما ذكره الأتبيّ المالكيّ رحمه الله تعالى، ثمّ قال: "واختلف فى التَّبع، فقيل: الثّلث، وقيل: أدنى، وقيل: النّصف."(١) واقتصرابن عبدالبرّ رحمه الله تعالى على الثّلث، واعتبره بالقيمة، فقال: "من اشترى مُصحفاً، أو سيفاً، أو خاتماً، وفى شيئ من ذلك ذهبٌ أو فضّةٌ، بدنانير أو دراهم، فإنّ مَن اشترى ذلك، وفيه الذّهب، بالدنانير، فإنّه يُنظَر إلى قیمته، فإن کان قیمته النُّلثین، وقیمةُ ما فیه من الذهب الثّلث، فذلك جائز لابأس به." ثمّ قال: "ولم يزل ذلك من أمر النّاس عندنا."(٢) (١) إكمال إكمال المعلم، شرح صحيح مسلم، للأتيّ، حديث القلادة ٤: ٢٧٢ (٢) الاستذكار لابن عبدالبر رحمه الله تعالى، باب بيع الذهب بالفضّة تبرا وعيناً، ١٩: ٢٢٧ فقره ٢٨٨١٠ وهو الذى رجحه ابن رشد رحمه الله تعالى فى السيف والمصحف المحلّى، وخالف فى الحليّ المصوغ بالذّهب والفضّة، وراجعه للتّفصيل. ٦٨٦ فقه البيوع ففرّق المالكيّةُ بين المسئلة الأولى، والمسئلة الثّانية، بأنّ فى المسئلة الأولى، وهيَ مسئلة مدّعجوة، لم يجوّزوا البيع إلاّ بالفصل بين المدّ والدّرهم بعقدين منفصلين. أمّا فى المسئلة الثانية، وهيَ بيعُ الحُليّ فجوّزوا بيع حليّ الذّهب وفيها فصوص، بالذّهب المفرد إن كانت الفصوص تابعةً للذّهب، أو الذّهب تابعاً للفصوص، بأن لا يزيد التّابع عن الثّلث. أمّا الحنفيّة، فقالوا فى المسئلتين إنّ كلّ جنس يُعتبر ثمناً لخلاف جنسه تصحيحاً للعقد، ففى مسئلة مدّ عجوة، يكون مدّ عجوة مقابلاً للدرهم فى جانب آخر، والدّرهمُ فى الجانب الأوّل يكون مقابلاً للدّرهم الثّانى فى الجانب الآخر، فيصحٌ العقدُ بالتّساوى. وهذا إنّما يُمكن أن يكون المفرد أكثر من المقرون، كما فى المثال المذكور حيثُ الدَّرهمان فى الجانب الثانى زائدان على درهم فى الجانب الأوّل. أمّا إن كان المفردُ أقلّ، أو مساوياً لما فى المقرون، مثل أن يُباع مدّ عجوة ودرهم فى جانب، بنصف درهم فقط فى جانب آخر، لم يجز البيع، لفقدان التساوى بين درهم ونصف درهم، وكذلك إن باع مد عجوة ودرهم فى جانب، بدرهم واحد فى جانب آخر، فسد البيع، لأنّ الدّرهم قابل الدّرهم، ولم يبق لمُدّ عجوةٍ عوض. وكذلك إن كان الذّهب المفردُ أكثرَ من الذّهب المركّب فى الحلية أو السيف جاز العقد، فيكون مازاد من الذّهب المفرَد مقابلاً لغير الذّهب، تصحيحاً للعقد بقدر الإمكان، فلا يتحقّق التّفاضُل فى مبادلة الذّهب بالذّهب. وإن كان الذّهبُ المفرد مساوياً للذّهب المركّب، أو أقلَّ منه، فالبيعُ فاسد. أمّا إذا كان أقلّ، فالفساد ظاهرٌ لظهور التّفاضل، وأمّا إذا كان مساوياً، فلأنّ الذّهب حينئذٍ يكون مقابلاً للذّهب، ويبقى غيرُ الذّهب خالياً عن العوض. وأمّا إذا لم يُعرف قدرُ المركّب، فالبيع فاسد ٦٨٧ المبحث السابع أيضاً، لأنّ جهالة القدر فى الربويّات مفسدةٌ للعقد لشبهة التّفاضل.(١) وهذا القول مرويّ أيضاً عن الإمام الشّعبيّ والنّخعيّ وحمّاد بن أبى سليمان والإمام أحمد رحمهم الله تعالى، كما فى المغنى. استدلّ الشافعيّةُ بما أخرجه مسلم عن فضالة بن عبيد رضى الله تعالى عنه قال: "أُّتِيَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بخيبر بقلادةٍ فيها خرز وذهب، وهى من المغانم تُباع، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالّذهب الّذى فى القلادة، فنُزِع وحده، ثمّ قال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الذّهب بالذّهب وزناً بوزن." (٢) وأجاب الحنفيّةُ عن هذا الاستدلال بأنّه وقع فى طريق حَنَش الصّنعانيّ فى هذا الحديث أنّ فضالة رضى الله تعالى عنه قال: "اشتريتُ يوم خيبر قلادةً بإثنى عشر ديناراً فيها ذهبٌ وخرْز، ففصَلتُها، فوجدتُ فيها أكثرَ من اثنى عشر ديناراً. فذكرت ذلك للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: لاتُباع حتّى تُفصل. "(٣) فهذا دليلٌ على أنّ ثمنَ القلادة كان أقلَّ ممّا فيها من الذّهب، وهذه الصّورة ممنوعةٌ بالإجماع. وأمّا قوله صلّى الله عليه وسلّم: "لاتُباعُ حَتّى تُفصل"، فيُمكن أن يكون فى تلك الصّورة بخصوصها، حيثُ لم يَعلم فضالة رضي الله تعالى عنه مقدارَ ما فى القلادة من ذهب، وكان هو الواقعَ حسب الرّواية الّتى ذكرناها. ويُمكن حمله أيضاً على الإرشاد، لا التّشريع، فإنّه قلّما يوجد فى العوامّ من يُفرّق بين هذه المعاملات بهذه الفروق (١) المبسوط للسرخسي ٥:١٤ (٢) صحيح مسلم، باب بيع القلادة فيها خرز وذهب، رقم ٤٠٤٦ (٣) صحيح مسلم، رقم ٤٠٤٧ ٦٨٨ فقه البيوع الدقيقة، فأرشدهم إلى بيع الذّهب بالذّهب مفرداً، لئلا يبقى أيُّ خطر للتّفاضل. وقد استدلّ الحنفيّة بآثار عدّةٍ من الصّحابة والتابعين، حيث أجازوا مثل هذا البيع. وقد ذكرتُها فى تكملة فتح الملهم.(١) وقد صدر قرارٌ من مجمع الفقه الإسلاميّ فى هذه المسئلة بما يوافق الحنفيّة، و نصُّه: "تجوز المبادلة بين مقدارٍ من الذّهب ومقدارٍ آخر أقلَّ منه مضمومٍ إليه جنسٌ آخر، وذلك على اعتبار أنّ الزّيادة فى أحد العوضين مقابلةٌ بالجنس الآخر فى العوض الثّاني."(٢) والمسئلة الثّالثة: أن يُشترى عبدٌ مع ماله. وفيه حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "من ابتاع عبداً وله مالٌ، فمالُه للّذى باعه إلاّ أن يشترط المبتاع."(٣) ودلّ الاستثناء فى الحديث على أنّه يجوز لمشترى العبد أن يشترط أنّ ما بيد العبد من المال داخلٌ فى البيع، فكان البيع للعبد وماله جميعاً. وإنّ الشّافعيّة والحنفيّة مشَوا فى هذه المسئلة على أصلهم فى مدّ عجوة، على الاختلاف المذكور بينهم فى ذلك . فقال الشّافعيّة: لا يجوز هذا البيع إن كان مالُ العبد من النّقود، لأنّه ربويّ، وقد قُرِن مع العبد الّذى هو غير ربويّ، ووقع البيعُ على (١) تكملة فتح الملهم، باب بيع القلادة فيها خرز وذهب ١: ٣٨٠ (٢) قرارات مجمع الفقه الإسلاميّ، قرار رقم ٨٤ (٩/١) فى دورته التاسعة فى أبوظبى ذو القعدة ١٤١٥ هـ (٣) صحيح البخاري، کتاب المساقاة، باب ١٧ حدیث ٢٣٧٩ مجموعهما بالنّقود التى هيَ ربويّة. فصار مثل مسئلة مدّ عجوة،(١) فلا يجوز إلاّ أن يُباع العبد والنّقود الّتى هيَ بيده بصفقتين، وتكون نقودُ الثّمن مساويةً للنّقود التى هيَ مع العبد. أمّا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، فحمل الشّافعيّة جوازاشتراط ماله فيه على أن لا يكون مالُه ربويّاً. (٢) وكذلك مشى الحنفيّة على أصلهم فى المسئلتين السّابقتين، أنّ النّقود الّتى هي ثمنُ العبد إن كانت أكثرَ من النّقود الّتى هيَ مع العبد، جاز البيع، فإنّ مقدارَ نقود العبد من الثّمن يُعتبر مقابلاً لنقود العبد، وباقى الثّمن يُعتبر مقابلاً للعبد. ولا يجوز البيع إن كان الثّمنُ مساوياً لمال العبد أو أقلّ منه، كما فى مسئلة مدّ عجوة ومسئلة الحليّ مع الفصوص. أمّا المالكيّة والحنابلة، فمذهبُهم فى بيع العبد وله مال، يختلف عن مذهبم فى المسئلتين السّا بقتين. فقال فيها الإمام مالك رحمه الله تعالى: إن وقع البيع على العبد واشترط فيه المشترى مالَ العبد، فإنّه يجوز فى كلّ حال، سواءٌ كان قيمةُ العبد أقلّ من المال النّقد الّذى هو مملوك للعبد. قال مالك رحمه الله تعالى: "الأمر المجتمعُ عليه عندنا: أنّ المبتاعَ إن اشترط مالَ العبد فهو له، نقداً كان، أوديناً، أوعرضاً، يعلم أو لايعلم، وإن كان للعبد من المال أكثرُ ممّا اشْتُريَ به، كان ثمنُه نقداً أوديناً أو عرضاً."(٣) (١) المجموع شرح المهذّب ٢٣٧:١٠ (٢) فتح البارى، ٥: ٥١ كتاب المساقاة، باب ١٧ (٣) موطأ الإمام مالك، كتاب البيوع، باب مال المملوك إذا بيع.، مع الاستذكار لابن عبد البر ٣٢:١٩ ٦٩٠ فقه البيوع وإنّ هذا مبنىٌّ على مذهبه أنّ العبدَ يملك المال، ولو كان من حقّ المولى أن ينتزعَه منه. قال الباجى رحمه الله تعالى: "يُريد أنّ اشتراطَ المبتاعِ هذا المالَ لايُفسد العقد، بأن يكونَ المالُ المشترَطُ عيناً أكثرَ ممّا اشتُريَ به من العين، أو يكون ديناً مؤجلا فيُشترى بالدّين، أو بالنّقد، أو يكونَ المشترَط من المال مجهولاً عند المتبايعين، أو أحدِهما، لأنّ ما اشتُرط من ذلك ليس بعوضٍ فى البيع، فيؤثّرَ فيه الفسادُ بشيئ ممّا ذكرناه، لأنّ المبتاعَ لم يشترطه لنفسه، وإنّما اشترطَ بقاءَه على مِلك العبد، فليس بعوضٍ فى البيع."(١) ويُقاربه مذهب الحنابلة، حيثُ أجازوا هذا البيع إذا قصد المشترى شراءَ العبد دون المال، واشترط المالَ تبعاً. يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى: "إذا باع عبداً بألف درهم، ومعه ألف درهم، فالبيع جائز إذا كان رغبةُ المبتاع فى العبد لا فى الدّراهم، وذلك لأنّه دخل فى البيع تبعاً غيرَ مقصود .. فأمّا إن كان المالُ مقصوداً بالشّراء، جاز اشتراطُه إذا وُجدت فيه شرائط البيع، من العلم به، وأن لا یکون بینه وبین الثّمن ربا. "(٢) ولكنّ الفرق بين مذهب المالكيّة ومذهب الحنابلة فى هذه المسئلة أنّ المالكيّة أخرجوا هذه المسئلة على أساس كون العبد يملك المال، ولذلك لا تجب فيه الزكاة على السّيد، فكأنّ المشتريَ لم يشترط شيئاً لنفسه، بل اشترط أن يظلّ العبد مالكاً (١) المنتقى للباجىّ، كتاب البيوع، باب ماجاء فى مال المملوك ٣: ٣٦٠ (٢) المغنى لابن قدامة، باب المصرّاة ٤: ٢٥٥ المبحث السابع المالِه، كما كان يملكه قبل البيع، فليس لماله حصّةٌ من الثّمن. ولذلك ذكر النّوويّ رحمه الله قول الإمام مالك: "وكأنّه لا حصّةً للمال من الثمن"(١) وأصرح منه ما ذكرنا من عبارة الباجيّ رحمه الله تعالى. أمّا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فإنه يجوّز اشتراط مال العبد بالبيع، ولو كان أكثر من الثّمن، ولكن ليس على أساس أن العبد يملك المال، بل على أساس أن يكون مقصود الشّراء هو العبد، ويكونَ مالُه تابعا للعبد. أمّا إذا كان المقصودُ هو المال فلا يجوز اشتراطه إلا بتوافر شروط البيع. وقد صرّح ابن قدامة أنّ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لم يُجز الاشتراط على أساس كون العبد يملك المال، وقد ردّ على من خرّج قول الإمام أحمد على كون العبد مالكا للمال، وقال: "وهذا خلاف نصّ أحمد، وقول الخرقي، لأنهما جعل الشرط الّذي يختلف الحكم به قصد المشتري دون غيره، وهو أصحّ إن شاء الله تعالى. واحتمال الجهالة فيه لكونه غير مقصود كما ذكرنا، وكالّبن فى ضرع الشّاة المبيعة، والحمل في بطنها، والصّوف على ظهرها، وأشباه ذلك، فإنّه مبیع." وأمّا طريق معرفة المقصود بالشّراء، ففيه كلامٌ وجية للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى فى شرحه على زاد المستقنع، فننقله هنا بنصّه. قال رحمه الله تعالى: (١) شرح صحيح مسلم للنووي، البيوع المنهي عنها ١٠: ١٩٢ فقه البيوع " إذاً كيف نعلم أنّ قصدَه المال، أو أنّ قصدَه العبد؟ نعلم ذلك بالقرائن، إذا كان هذا الرّجل محتاجاً إلى خادم - أعنى المشترى - ويبحث عن رقيق يملكه، ويجعله خادماً له، لكنّه اشترط أن يكون ماله تبعاً له؛ لأنّه لا يُحبّ أن يصرف هذا العبدَ عن تصرّفه الذى كان عليه من قبل؛ لأنّ المال لو أخذه البائع الأول، ربّما يتأثر العبد، فاشترط أن يكون مالُه تبعاً له من أجل راحة العبد. فهنا: لا يُشترط علمُه بالمال، ولا يُشترط ألاّ يكون بينه وبين عوضه رباً، ولا يُشترط أيُّ شيء من الشّروط. فلو قيل للمشترى: أنت اشترطتَ أن يكون ماله تبعاً له، فهل تعلم مالَه؟ قال: لا، ما أعلمه، لكنّني لا يهُمّني المال، يُهُمّني العبد، قلنا: لا يضرّ أن تجهل المال؛ لأنّ قصدَك العبد، لكن لو قال المشتري: قصدي المال، حيثُ إنّي رأيت هذا العبد يتّجر فى محلّ تجارة، وهو ناجح، والمحلّ فيه أنواعٌ من التّجارة، فنقول: إنّما الأعمال بالنيّات، فما دام قصدُك المال لا بدّ أن تُجرّد المال كلّه، حتّى علبة الكبريت، ولا بدّ أن يكون هذا المالُ لا يجرى فيه الرّبا بينه وبين الثّمن، فليُفرد المالَ بعقد، والعبدَ بعقد آخر، حتّى لا ترد علينا مسألة ((مدّ عجوة))، ولا بدّ أن يكون المبيعُ مشاهداً معلوماً، المهمّ أنّه يشترط جميع شروط البيع."(١) ويُقاس على هذه المسئلة كلُّ مبيع مركّب بأشياء يجوز التّفاضل فى بعضِها ولا يجوزُ فی بعضها. (١) الشرح الممتع على زاد المستقنع ٩: ٤٥ إلى ٤٧ المبحث السابع ٣١١- بيع الأسهم المشتملة على النقود والذيون وعلى هذا يُخرّج حكمُ بيع أسهم الشّركة التّجاريّة، فإنّ السّهمَ يُمثّل حصّة شائعةً فى جميع ممتلكات الشّركة، وفيها أعيانٌ، وفيها نقودٌ وديونٌ على الآخرين، فكلُّ سهمٍ مركّبٌ من حصّة شائعة فى الأعيان وفى النّقود والدّيون.(١) فأمّا الأعيان، مثلُ البناء والمفروشات والبضائع، فيجوز بيعُها مطلقاً، ولكنّ النّقود، سواءٌ أكانت نقوداً معدنيّةٌ أم نقوداً ورقيّةً، لايجوز فيها التّفاضل، كما سيأتى تحقيقُه إن شاء الله تعالى فى مبحث الصَّرف. فبيعُ هذا السّهم مركّبٌ ممّا يجوز فيه التّفاضل وممّا لايجوز، فينطبق عليه الأصلُ المذكور فى مسئلة مدّ عجوة. فقياسُ قول الشافعيّة أن لا يجوزَ بيعُها أصلاً، حتّى تُفْصَل الأعيانُ من النّقود والدّيون. وهذا شبهُ المستحيل فى أسهُم الشّركات. أمّا على مذهب الحنفيّة، فيجوز بيعُ السّهم إن كان ثمنُ السّهم أكثرَ من النّقود والدّيون الممثّلة بالسّهم. أمّا إن كان الثّمنُ أقلّ منها أو مساوياً لها، فلايجوز بيعُه. مثالُه: إن كانت الشّركةُ تملك من الأعيان الّتى قيمتها مليون دولار، وعندها من النّقود والدّيون ما قيمته مليون، فصارت قيمةُ مجموع ممتلكاتها مليوني دولار، وقد أصدرت الشّركة مليون سهم، فكلّ سهمٍ يُمثّل دولارين، دولاراً يمثّل قيمة الأعيان، ودولاراً آخر يُمثّل قيمة النقود والدّیون. فيجوز بيعُ هذا السهم بأكثر من دولار واحد. فإذا وقع بيعُه بدولار ونصف مثلاً، يكون الدولارُ الواحد مقابلاً لحصّة هذا السّهم فى (١) هذا هو اتجاه أكثر العلماء المعاصرين فى تكييف أسهم الشركة المساهمة، كما جاء فى قرار مجمع الفقه الإسلاميّ: "إنّ المحلّ المتعاقد عليه فى بيع السهم هو الحصّة الشائعة من أصول الشركة، وشهادة السهم عبارةٌ عن وثيقة للحق فى تلك الحصة. " (قرارات مجمع الفقه الإسلاميّ الدولي، قراررقم ٦٣ (٧١١) بشأن الأسواق الماليّة ٦٩٤ فقه البيوع النّقود والدّون، ويكون نصفُ الدولار مقابلاً لحصته فى الأعيان. وأمّا شرطُ التّقابض فى بيع الدولار بالدّولار، فيتحقّق من البائع فعلاً، بأنّه يقبض الدولارَ الّذى هو ثمنُ الدّولار الّذي يمثّله السّهم. أمّا قبضُ المشترى للدولار الَّذى هو مبيع، فوجّهه الإمام أشرف عليّ التهانويّ رحمه الله تعالى بأنّ مايدفعه المشترى إلى البائع يُعتبرُ قرضاً، ثمّ يُحيلُه البائعُ على الشّركة لتسلّم هذا القرض منها، (١) ويحصُل ذلك التسلُّم بتسلّم شهادة السّهم الذى يُمثّل جزءٌ منه هذا الدولار. ويُمكن أيضاً تخريجُه على أساس أنّ المشتريَ حينما يتسلّم شهادةَ السّهم، فإنّها تُمثّل حصّةً مشاعةً فى الشّركة بما فيها أعيانٌ ونقود، ويتحقّق قبضُه لها بتسلّم هذه الشّهادة، لأنّ ذلك القَدْرَ من النّقود قُيَد فى حصّته فوراً. وسيأتى فى مبحث الصَّرف أنّ تقييدَ مبلغٍ فى حساب أحدٍ يُمكن أن يُعتبر قبضاً بشرطِ أن يحصل ذلك فوراً، ولا يكون فيه تأخير. وهذا إذا كان الثّمنُ من جنس النّقود الموجودة فى الشّركة. أمّا إذا كان الثّمنُ من غير جنسه، مثل أن تكونَ النّقودُ فى الشّركة دولارات، والثّمنُ رُبّيات باكستانيّة، أو بالعكس، فيُمكنُ أن يُكتفى بقبض أحد البدلين، ولا يُشترط التّقابض، كما سيأتى إن شاء الله تعالى فى باب الصَّرف عند بيان الموقف الثّالث فى تكييف الأوراق النّقديّة. أمّا إذا وقع بيعُ هذا السّهم بأقلَّ من دولار واحد، فلا يجوز، لأنّه يكونُ بيعَ الدولار بأقلّ منه، وهو رباً. وكذلك إن كان الثّمنُ دولاراً واحداً، فيكون الدُّولار مقابلاً للدّولار، وتبقى الأعيانُ خاليةً من العوض، فلا يجوز. وأمّا على قول المالكيّة، فإن خرجنا بيع السّهم على أساس المسئلة الأولى من مسائل (١) إمداد الفتاوى ٣: ٤٩٢ القصص السنى فى حكم حصص الكمبني ٦٩٥ 0 المبحث السابع مدّ عجوة، فينبغى أن لا يجوز بيعُ السّهم، حتّى تُفصَل النّقود من الأعيان. وإن خرّجناه على أساس المسئلة الثّانية من السّيف المحلّى، فينبغى أن يجوز البيعُ إن كانت النّقودُ والدّيونُ قليلةً بقدر الثّلث، ويشُقّ فصلها، كما هو الواقع فى بيع السّهم، فإنّ فصلَ الأعيان من الدّون شبه المستحيل. وقد خرّج بعض المعاصرين بيع الأسهم على مذهب المالكيّة فى المسئلة الثالثة، وهي بيعُ العبد وله مال. ولكنّ هذا التّخريج فيه نظر، لأنّ جواز العبد وله مال مستند فى مذهب المالكيّة على أنّ العبد يملك المال، فكأنّ المال لم يدخل فى البيع، وليس له حصّةٌ من ثمن العبد، كما أسلفنا عن الباجيّ رحمه الله تعالى فى المسئلة الثّالثة. نعم! يُمكن تخريجُه على بيع العبد وله مال على قول الحنابلة، فإنّهم أجازوا ذلك على أساس التّبعيّة كما سبق. ومعناه أنّه يجوز للمشترى أن يشترطَ فى البيع أنّ مالَ العبد داخلٌ فى جُملة المبيع، ولكن من أجل كونه تابعاً للعبد جاز هذا الاشتراط، سواءٌ أكان الثّمنُ من جنسٍ ماله أو من غير جنسه، ومساوياً لماله، أو أقلّ، أو أكثر منه. أمّا عند الشافعيّة والحنفيّة فيخرّج حكمُ المسئلة على أصل مدّعجوة، فيجوز بشرط أن لا يؤدّيَ إلى الرّبا، على الاختلاف المذکور فيها. وإنّ كثيراً من العلماء المعاصرين أجازوا بيعَ الأسهم بشرط أن تكون النّقودُ والدّيونُ تابعةً للأعيان، وهذا صحيحٌ على مذهب الحنابلة، بشرط أن يكون المقصود الأعيان، حسبما ذكرناه عن الشّيخ عثيمين رحمه الله تعالى. وحدّد بعضُ المعاصرين التّبعيّة بأن تكون نسبةُ الأعيان والمنافع المملوكة للشّركة غالبةً، (ومعناه أن تكون نسبتها ٥١ فى المائة على الأقلّ) وقد صدر بذلك قرارٌ من ٠٦٩٦ جداا فقه البيوع مجمع الفقه الإسلاميّ بشأن سندات المقارضة وسندات الاستثمار، أمّا إذا انتقصت النّسبة من هذا القدر، فقد ذُكر فى نفس القرار أنّه "تُراعى فى التّداول الأحكامُ الشّرعيّة الّتى ستُبيّنها لائحةٌ تفسيريّة توضع وتعرض على المجمع فى الدّورة القادمة"(١) ولكن لم يتّفق للمجمع بعد ذلك وضعُ هذه اللائحة، ولكن فُهم من أصل القرار أنّه إذا كانت نسبةُ الأعيان والمنافع أقلّ من ٥١ فى المائة، فلا يجوز بيعُ السّهم إلاّ بشروط الصّرف، لأنّ النّقود والدّيونَ إن زادت على نصف الممتلكات لم تكن تابعةً للأعيان. ولكنّ هذا القرارَ إن كان تخريجُه على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى فى مسئلة بيع العبد وله مال، فإنّ المختارَ من مذهبه رحمه الله تعالى فى ذلك أنّه لم يشترط لجوازه أن تكون نسبةُ قيمة العبد غالبةً على ما عنده مال، بل الصّحيح من مذهبه أنّ المقصودَ إن كان بيعَ العبد، وليس بيعَ المال الذى عنده، فإنّ ذلك يُجعل تابعاً، وإن كانت النّسبةُ قليلةً أو كثيرة. وعلى هذا الأساس أجاز بعضُ المعاصرين بيعَ الأسهم، وإن كانت نسبةُ النّقود والدُّون فيها أقلّ من نسبة الأعيان والمنافع. أمّا الحنفيّة. فأصلُ مذهبهم أن يكون ثمنُ السّهم أكثرَ من حصّته فى النّقود والدّیون، كما فصّلناه فيما سبق. وليس هناك نسبةٌ معيّنةٌ عند الحنفيّة للأعيان فى هذا الحكم، فيجرى هذا الحكمُ وإن كانت الأعيان بنسبة ضئيلةٍ جداً. ولكن اشترط المعاصرون أن لاتقلّ القيمة السّوقيّة للأعيان والمنافع والحقوق عن نسبة ٣٠ فى المائة من (١) قرارات مجمع الفقه الإسلاميّ، قرار رقم ٣٠ (٤١٥) بشأن سندات المقارضة وسندات الاستثمار المبحث السابع إجماليّ موجودات الشركة.(١) وهذا لئلاّ تُتخذ مسئلةُ "مدّ عجوة " حيلةً للربا. أمّا ما يُستشكل على بيع الأسهم من أنّ بعض موجودات الشركة ديونٌ على الآخرین، فبيعُ السّهم بجميع مافيه يؤدّى إلى بيع الدَّين، فينطبق عليه كلُّ ما سبق منّا فى مسئلة بيع الدّين تبعاً لموجودات جهةٍ تجاریّة، ولُراجَعْ مبحثُ بیع الدّين. (١) المعايير الشرعيّة، معيار الأوراق الماليّة، رقم ٢١ بند ٣١١٩ الباب الثالث فى الصَّرف القسم الثّالث للبيع حسبَ التّقسيم الثّالث هو الصَّرف. وتعريفه فى الاصطلاح كما عرّفه الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "الصَّرف فى متعارَف الشّرع اسمٌ لبيع الأثمان المطلقة بعضها ببعض، وهو بيعُ الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة، وأحدُ الجنسين بالآخر."(١) ومن أحكامه أنّه يجب فيه التّماثل بين البدلين إن كانا من جنس واحد، ولاتجوز فيه النّسيئة، سواءٌ أكانا من جنس واحد أو من جنسين، ويجبُ فيه التّقابض فى المجلس، وهذا ما يميّزه عند الحنفيّة عن الأموال الرّبويّة الأخرى، مثل الحنطة والشّعير وغيرها، حيثُ يمتنع فيها النّسيئة ولكن لا يجب فيها التّقابض فى المجلس، كما يجب فى الصَّرف. ولا يجوز فى الصَّرف خيارُ الشّرط بالاتفاق، لأنّه يمنع التّقابض الحقيقيّ. ومن أجل هذه الأحكام أُفرد الصّرف عن البيوع العامّة. (١) بدائع الصنائع ٤: ٤٥٣ ٦٩٩ المبحث السابع ٣١٣- الصَّرف فى الدّراهم المغشوشة إنّ أحكام الصَّرف تجرى فى عُملة الفضّة أو الذّهب باتّفاق العلماء إن كانت العُملةُ خالصةً ليس فيها غشّ. أمّا الدّراهمُ والدّنانيرُ المغشوشة، فمذهبُ الحنفيّة فيها أنّ الغِشَّ إن كان مغلوباً، فحكمُه حكمُ الخالص، وتجرى فيها أحكامُ الصَّرف، كما فى الدّراهم والدنانير الخالصة سواءً بسواء، فلايصحّ بيعُ الخالص بها، ولا بيعُ بعضها ببعض متجانس إلاّ متساوياً وزناً. وذلك لأنّ النّقودَ لاتخلُو عن قليلٍ غِشّ للانطباع، وقد يكون خلقيّاً كما فى الرّديئ، فيُعتبر القليلُ بالرّديئ، فيكون كالمستهلك.(١) وظاهره أنّها إن تساوت وزناً، جاز البيعُ وإن تفاوتَ قدرُ غِشّهما، ولكن يجب التّقابضُ فى المجلس، لكونه صَرْفاً. أمّا الدّراهمُ الّتى غلب عليها الغشَ، فهيَ عند الحنفيّة فى حُكم العروض، فيصحّ بيعُها بالخالص إن كان الخالصُ أكثرَ من المغشوش، ليكونَ مايُساوى الفضّةَ الموجودةَ فى المغشوشِ بمثلها، والزّائدُ مقابلاً للغش. ويجوز بيعُها بجنسها متفاضلاً، فغِشُّ كلّ واحدٍ من البدلين يُقابلُ الفضّة المغلوبة، صرفاً للجنس إلى خلاف الجنس لتصحيح العقد، كما هو أصلُ الحنفيّة فى مسئلة مُدّعجوة، ولكن يجب التّقابض، لأنّه صَرفٌ فى الفضّة من الجانبين، ويُشترط فى الغشّ أيضاً، لأنّه لا يتميّز إلاّ بضرر.(٢) أمّا المالكيّة، فالَّذى يظهرُ من مذهبهم أنّه يجوز عندهم بيعُ المغشوش بمثله مراطلةً (١) الدر المختار مع رد المحتار، باب الصّرف ٥٤٦:١٥ (٢) ردالمحتار ٥٤٨:١٥ فقره ٢٥١٩٧ عن البحر الرائق ٢١٧:٦ ٧٠٠ 0 فقه البيوع أو مبادلةً (١) قال الحطّاب: "ظاهره ولولم يتساوَ غِشُّهما،" وهو ظاهر كلام ابن رشد. أمّا بيعُ المغشُوش بالخالص، فلهم فيه قولان: الجوازُ وعدمُه. ونقل الحطّب عن التّوضيح أنّهم إنّما تكلّموا فى المغشوش الَّذى لايجرى بين النّاس، (يعنى ما لا يُستعمل بصفته عُملةً) ويؤخذ من كلامهم جواز بيعِ المغشوش بصنفه الخالص إذا كان يجرى بين النّاس، (يعنى فى المسكوك الّذى يُستعمل بصفته عُملة) ثمّ نقل عن صاحب الشّامل قوله: "أمّا بمغشوش يُتعامل به، فيُباعُ بصنفه وزناً.(٢) " ولم أجد عندهم ما يدلّ على الفرق بين ما غلب عليه الغشّ وبين ما لم يغلب عليه، ولعلّ وجهَه أنّه إن كان المغشوش يجرى بين النّاس بصفته عُملةً، فالغشُّ تابعٌ للأصل. والتّابعُ عندهم لا حُكمَ له، فلا فرق بين الغالب وغير الغالب، مادام تابعاً. والله سبحانه أعلم. أمّا الشّافعيّة، فلايُجيزون بيعَ المغشوش، لابمثله ولا بالخالص، إلاّ إذا كان الغِشُّ قليلاً مستهلكاً بحيثُ لا يأخذ حظّاً من الورق، فلاتأثيرَ له فى إبطال البيع، لأنّ وجوده كعدمه، وقدقيل: يتعذّر طبعُ الفضّة إذا لم يُخالطها خلطٌ من جوهر آخر.(٣) وفصّل الحنابلة فى المسئلة بأنّ بيعَ المغشوش بالخالص لايجوز، لأنّ الذّهب أو (١) المراطلة فى اصطلاح المالكيّة بيع نقد بجنسه بالوزن، والمبادلة: بيع نقد بجنسه بالعدّ أمّا اصطلاح الصّرف فيختصّ عندهم ببيع النقد بنقد خلاف جنسه، مثل الذّهب بالفضّة. (راجع مواهب الجليل للحطّاب، كتاب البيوع ٤: ٢٢٦ والدّسوقيّ، باب ينعقد البيع بما يدلّ على الرضا ٣: ٢) (٢) مواهب الجليل للخطاب ٤: ٣٣٥ (٣) تكملة شرح المجموع للسبكيّ ١٠: ٤١٠ ٥ ٧٠١ المبحث السابع الفضّة فى المغشوش قليلٌ بالنّسبة إلى ما فى الخالص، فالتّفاوتُ معلوم، وهو رباً. أمّا بيعُ المغشوش بالمغشوش، فجائزٌ بشرط أن يُعلَم أنّ القدرَ المغشوشَ فيهما متساو. أمّا إذا عُلم أنّ الغِشّ متفاوت، أو لم يُعلم مقدارُه فلا يجوز، لكون كلّ من التّفاوت والجهالة ممنوعاً فى الصّرف.(١) وكان الظّاهرُ من مذهبهم فى مسئلة مدّعجوة أن لا يجوز البيعُ أصلاً بدون الفَصل بين الذهب والغشّ، ولكنّهم صرّحوا بأنّ بيع الخالص بالمغشوش ليس من قبيل مُدّ عجوة، لأنّ مسئلةَ مدّ عجوة إنما تتأتّى عندهم إذا كان كلُّ جزءٍ من المركّب مقصوداً بالبيع، ولا تتأتّى هنا، لكون الغِشّ غير مقصودٍ. ٣١٤- شرائط صحّة الصّرف ولمّا ثبت فى عقدٍ أنّه صَرْف، فيشترط لصحته شروط آتية الشرط الأول: التّقابض فى المجلس يجب لصحّة الصَّرف أن يتقابض المتعاقدان البدلين فى مجلس العقد. وذلك لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "الذّهبُ بالذّهب رباً إلاّ هاء وهاء."(٢) ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: "لا تبيعوا الذّهبَ بالذّهب إلّ مثلاً بمثل، ولاتُشِفّوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلاّ مثلاً بمثل، ولاتُشِفّوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا منها !! (٣) غائباً بناجز."(٣) (١) هذه خلاصة مافى المغنى لابن قدامة ٤: ١٦٠ و ١٦١ وكشاف القناع ٣: ٢٤٩ (٢) أخرجه البخاريّ عن عمربن الخطّاب رضى الله تعالى عنه، كتاب البيوع، حديث ٢١٧٤ (٣) أخرجه البخاري عن أبى سعيد الخدريّ رضى الله تعالى عنه، كتاب البيوع، حديث ٢١٧٧ ٧٠٢ فقه البيوع فلابدّ لصحّة الصّرف أن يقع التّقابضُ قبل الافتراق بالأبدان. وتفسيرُ الافتراق أن يفترق العاقدان عن مجلسهما، فيأخذُ هذا فى جهةٍ، وهذا فى جهةٍ، أويذهبَ أحدهما ويبقى الآخر فى مكانه، حتىّ لوكانا فى مجلسهما، لم يتحقّق الافتراق وإن طال المجلس. ولو نادى أحدُهما صاحبه من وراء جدارٍ أو ناداه من بعيدٍ لم يجُز الصّرف، لأنّهما مفترقان بأبدانهما عند العقد.(١) وإنّ التّخلية وإن كانت كافيةً عند الحنفيّة فى تحقّق القبض فى البيوع الأخرى، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد، (٢) ولكن لا يكفى التّخليةُ فى الصَّرف بالإجماع، بل يجب أن يقع التّقابضُ من الطّرفين فعلاً وحقيقةً. جاء فى الدّرّ المختار عند بيان شروط صحّة الصَّرْف: "والتّقابضُ بالبراجم، لا بالتّخلية." وقال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى تحته: "قوله: "لا بالتّخلية" أشار إلى أنّ التّقييد بالبراجم للاحتراز عن التّخلية، واشتراطِ القبض بالفعل، لاخصوص البراجم، حتّى لو وضعه له فى كفّه أو فى جيبه، صار قابضاً. "(٣) وقال شمسُ الدّين بن قدامة رحمه الله تعالى: "إذاكان المبيع دراهم أودنانير، (١) بدائع الصنائع ٤: ٤٥٣ و ٤٥٤ (٢) الشرح الكبير على المقنع مع المغنى ٤: ١٢٠ (٣) ردّالمحتار" باب الصَّرف ١٥: ٥٢٠ فقره ٢٥١٢٣ ٧٠٣ المبحث السابع فقبضُها باليد."(١) وقال ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: "ولا يجوزفى شيئ من الصَّرف تأخيرُ ساعة فما فوقها، ولا أن يتوارى أحدهما عن صاحبه قبل التّقابض، ولاتجوز فيه حوالة ولاضمان، ولا خيار ولاعِدة، ولاشيئ من النَّظِرة، ولا يجوز إلاّ هاء وهاء، ويتقابضان فى مجلس واحد ووقت واحد."(٢) وبهذا يظهر أنّ الصَّرف لا يمكن إنجازُه بالهاتف، إلاّ عن طريق الوكالة، بأن يوكّل كلُّ واحدٍ منهما وكيلاً للقبض، فيتقابضان أثناءَ المكالمة الهاتفيّة. وفرّع الحنفيّةُ على اشتراط التّقابض أنّه لا يجوزُ التصرّف فى ثمن الصَّرف قبل قبضه بهبة، أو صدقة، أو بيع، حتّى لو باعَ ديناراً بدراهم، واشترى بها ثوباً قبل قبضها، فسد بيعُ الثّوب فى ظاهر المذهب، كما فى الهداية وغيرها، وهذا إذا صرّح فى شراء الثّوب أنّه يشتريه بالدّراهم التى وقع عليها الصّرف، لأنّ قبضَ الدّراهم واجبٌ حقّاً لله تعالى، وفى إجازة شراء الثّوب تفويتٌ لهذا الحقّ. وفيه خلاف لزفر رحمه الله تعالى، حيثُ أجاز العقد فى الثّوب، لأنّ الدّراهم لاتتعيّن، فإضافةُ العقد إلى بدل الصَّرف كعدم إضافته، فلا مانعَ من صحّة شراء الثّوب، ويُعتبر إضافته إلى بدل الصّرف تقديراً لثمن الثوب، فيدفع إلى البائع مثل تلك الدراهم، فلا يفوت القبض. وقوى ابن الهمام قول زفر (١) الشرح الكبير على المقنع مع المغنى ٤: ١٢٠ (٢) الكافى فى فقه أهل المدينة لابن عبد البر ص ٣٠٣