النص المفهرس

صفحات 561-580

الباب الثانى
فی
السلم والاستصناع
٢٥٥ - السّلم
والسَّلَمُ بيع الآجل بالعاجل، بمعنى أنّ المشتريَ يدفع الثّمن حالاً، ويلتزمُ البائع
بتسليم المبيع فى وقتٍ لاحق. ويُسمّى "سَلَماً" و"سَلَفاً". وإنّ هذا البيعَ ينعقد عادةً
فى حين أنّ المبيعَ معدوم، مثل أن يقع السّلم فى ثمرة لم تظهر بعد، أو فى حين أنّ
البائعَ لا يملك المبيع. وإنّ ذلك مخالفٌ للمبدأ العامّ من أنّه لايجوز بيع المعدوم ولا
بيعُ ما لا يملكه الإنسان، كما مرّ فى شروط المبيع. ولكن ثبتت مشروعيّتُه للحاجة
العامّة بقول الله عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ
[البقرة: ٢٨٢]
وروى سعيد بن منصور عن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال:
"أشهد أنّ السّلف المضمونَ إلى أجل مسمى قد أحلّه الله فى الكتاب، وأذن

0
المبحث الخامس
فيه. "ثمّ قرأ هذه الآية.(١)
وقد روى البخاريّ رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال:
"قدِمِ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم المدينةَ والنّاس يُسلفون فى الثّمر العامَ
والعامين .. فقال: من سلّف فى تَمْر، فليُسْلِفْ فى كيلِ معلومٍ ووزنٍ معلوم. "(٢)
وقال ابنُ المنذر رحمه الله تعالى: "أجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم أنّ السّلم
جائز. "وقال ابنُ قدامة رحمه الله بعد نقله: "ولأنّ المُثْمَن فى البيع أحدُ عوضي
العقد، فجاز أن يثبت فى الذّمّة كالثّمن، ولأنّ بالنّاس حاجةً إليه، لأنّ أربابَ الزّروع
والثّمار والتّجاراتِ يحتاجون إلى النّفقة على أنفسهم وعليها لتكمُل، وقد تُعْوزهم
النّفقة، فجُوّز لهم السّلمُ ليرتفقوا، ويرتفقَ المُسلِمُ بالاسترخاص."(٣)
والمشترى فى السّلم يُسمّى "ربّ السّلم" أو: "المُسلِم" والبائعُ "المسلَم إليه"
والثّمنُ "رأسَ المال" والمبيعُ "المسلَم فيه". وإنّ هذا البيعَ لايجوز إلاّ بشروطٍ
بعضُها ترجع إلى نفس العقد، وبعضُها إلى الثّمن، وبعضُها إلى المسلَم فيه، وبعضُها
إلى تسليم المسلَم فيه. وفى بعضها خلافٌ بين الفقهاء. ولنبيّن هذه الشّروط فى
فصول مستقلّة، والله سبحانه هو الموفق:
٢٥٦ - الشروط فى نفس العقد
أمّا الشّروط الّتى ترجع إلى نفس العقد، فاشترط بعضُ الفقهاء، بالإضافة إلى الشّروط
(١) أخرجه الحاكم فى المستدرك، كتاب التفسير، سورة البقرة، حديث ٣١٣٠ وسكت عليه الذّهبي
(٢) صحيح البخاري، أول كتاب السلم برقم ٢٢٣٩
(٣) المغني لابن قدامة ٣١٢:٤

٥٦
فقه البيوع
العامّة، أن يكونَ البيعُ بلفظ "السّلم" أو "السّلف" خاصّةً، وهو قولُ زفر، وأحدُ وجهي
الشّافعيّ رحمهما الله تعالى، لأنّ القياسَ ألاّ ينعقد أصلاً، لأَنّه بيعُ المعدوم، إلاّ أنّ الشّرع
ورد بجوازه بهذين اللّفظين، فيقتصرُ الجواز عليهما.(١)
أمّا الجمهور من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة، فلا يشترطون فيه لفظَ "السّلم" أو
"السّلف"، بل يجوّزونه بلفظ البيع أيضاً. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى:
"ولنا أنّ السّلمَ بيع، فينعقد بلفظ البيع، والدليل على أنّه بيعٌ مارُويَ أنّ رسولَ
الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخّص فى
!! (٢)
السّلم. "(٣)
ووجه الاستدلال به أنّ لفظ الرخصة يدلّ على أنّ السّلم قد استُثنيَ من بيع المعدوم.
والأصلُ فى المستثنی أن یکون داخلاً فى المستثنى منه.
والشّرطُ الثانى الَّذى يرجعُ إلى العقد عند جمهور الفقهاء أن يكون العقدُ باتّاً خالياً
عن شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "لأنّ جوازَ
البيع مع شرط الخيار فى الأصل ثبت معدولاً به عن القياس، لأنّه شرطٌ يخالف
مقتضى العقد بثبوت الحكم للحال ... إلاّ أنّا عرفنا جوازه بالنصّ. والنّصُّ ورد فى بيع
العَين، فبقيَ ماوراءه على أصل القياس، خصوصاً إذالم يكُن فى معناه، والسّلمُ ليس
فى معنى بيع العين فيما شُرع له الخيار، لأنّه شُرع لدفع الغيْن، والسّلَمُ مبناه على
(١) بدائع الصنائع ٤: ٤٣٠ ومغنى المحتاج ٢: ١٣٤
(٢) بدائع الصنائع ٤: ٤٣٠ وقال الزيلعيّ رحمه الله تعالى فى نصب الراية ٤: ٤٥: "غريب بهذا الفظ ...
لكن رأيت فى شرح مسلم للقرطبيّ ما يدلّ على أنه عثر على هذا الحديث بهذا اللفظ ... والّذى
يظهر أنّ هذا حديث مرکب."

المبحث الخامس
الغبْن ووكسِ الثّمن، لأنّه بيعُ المفاليس، فلم يكُن فى معنى مورد النصّ. "(١)
وقال المالكيّة: يجوز اشتراطُ الخيار لأحدهما، أو لهما، أو لأجنبيٍّ إلى ثلاثة أيّام، إن
تأخّر قبضُ رأس المال إليها، فإنّ هذا التأخيرَ يجوز عندهم، (٢) كما سيأتي إن شاء الله
تعالى فى شروط رأس المال.
٢٥٧ - الشروط فى رأس المال
أمّا الشّروط التى ترجع إلى رأس المال، فهيّ ما يأتى:
(١) بيانُ جنس رأس المال. فإن كان من النّقود، وجب تعيينُ العُملة، مثلُ الدّراهم أو
الدنانير، أو الرّيالات أو الرّبّيات وغيرها. وإن كان من الأعيان، وجب بيانُ جنسِه، مثل
الحنطة أو التّمر أو الثّوب.
(٢) بيانُ نوعه، فإن كان من النّقود، وكان فى البلد أنواعٌ مختلفةٌ من العُملة الواحدة،
وجب بيانُ النّوع الّذى وقع عليه العقد، وإن كان من الأعيان، مثل الثّوب، وجب
تعیین نوعه، مثل الكتّان أو الحریر.
(٣) بيانُ صفته إن كان رأسُ المال يتفاوت فى صفاته.
(٤) بيانُ قدره إن كان العقدُ يتعلّق بقَدْره من المكيلات والموزونات والعدديّات
المتقاربة، ولا يكفى الإشارةُ إليه عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، خلافاً لصاحبيه
وللإمام الشّافعيّ رحمهم الله تعالى، فإنّهم على أنّ الإشارةَ تكفى عن بيان القدر، كما
(١) بدائع الصنائع ٤: ٤٣١ ومثله فى المجموع شرح المهذب ١٠٦:١٣
(٢) الدسوقيّ على شرح مختصر خليل ٣: ١٩٦

٥٦٤٠
فقه البيوع
فى الذّرعيّات والعدديّات المتفاوتة الّتى يتّفق الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى معهما
فى أنّ الإِشارةَ تكفى فيها، ولا يلزم بيانُ القدر. وصورةُ المسئلة: إذا قال: أسلمتُ إليك
هذه الدّراهم، ولا يُعرف وزنُها، أو هذه الصُّبرة، ولم يُعرف كيلُها، يجوز عندهما وعند
الشّافعيّ، لأنّ الإشارةَ أغنت عن بيان القدر، كما أنّها تُغنى عنه فى البيع الحالّ. ولا يجوز
عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لأنّ جهالةَ القَدر فى رأس المال قد تؤدّى إلى الجهالة
فى المسلَم فيه، مثل أن يُستحقّ بعضُ رأس المال، فينفسخ السّلم بقدر المستحقّ،
ويبقى فى الباقى، وذلك غير معلوم. ولو قال: أسلمتُ إليك هذا الثّوبَ ولم يعرف
ذَرْعه، أو هذا القطيعَ من الغنم، ولا يعرفُ عدده، جاز فى قولهم جميعا.
وجهُ الفرق على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّ القدرَ فى المزروعات
والعدديّات المتفاوتة مُلحَقٌ بالصّفة، وإعلامُ صفة رأس المال ليس بشرط لصحّة
السّلم إذا كان معيَّناً مُشاراً إليه. (١) وظاهرٌ أنّ هذا مبنيٌّ على كون الذّراع وصفاً،
لاقدراً، وسيجيئ الكلامُ على ذلك فى مبحث خيار فوات الوصف إن شاء الله
تعالی.
(٥) أن يكونَ مقبوضاً فى مجلس عقد السّلم. لأنّالمسلَم فيه إن كان نقداً، فإنّه لا يتعيّنُ
بدون القبض، فيكونُ ديناً، والمسلَمُ فيه دينٌ أيضاً، والافتراقُ بدون قبض رأس المال
افتراقٌ عن دين بدين، وإنّه يجعله بيعَ الكالئ بالكالئ، وقد مرّ أنه لايجوز بنصّ
الحديث. وأمّا إن كان رأسُ المال عيناً، فوجهُ اشتراطِ قبضِه فى المجلس أنّ السّلمَ بيعُ
آجلٍ بعاجل، فقبضُ العاجلِ داخلٌ فى معناه. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "ولأنّ
(١) راجع بدائع الصنائع ٤: ٤٣١ و٤٣٢ للتفصيل

المبحث الخامس
مأخذ هذا العقد دليلٌ على هذا الشّرط، فإنه يُسمّى "سَلماً" و"سلفاً" لغةً وشرعاً. تقول
العرب: "أسلمتُ" و"أسلفتُ" بمعنى واحد، وفى الحديث: "من أسلم، فليُسلمْ فى
كيل معلوم. "وروي: "من أسلف فليُسلف فى كيل معلوم. " والسّلم يُنبئ عن التّسليم،
والسّلف يُنبئ عن التّقدّم، فيقتضى لزومَ تسليم رأس المال، ويُقدَّم قبضُه على قبض
المسلم فيه."(١) وهذا مذهبُ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة.(٢)
أمّا الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، فخالف الجمهورَ فى أمرين:
الأول: أنّه أجاز تأخيرَ قبض رأس المال إن كان عروضاً، ولو إلى أجل المسلّم فيه، (٣)
لأنّ العروض تتعیّن بالتّعیین، فلا یکون دیناً بدين.
والثّانى: أنّه إن كان رأسُ المال نقداً، فإنّه يجوّز تأخيرَ رأس المال إلى ثلاثة أيّام، لأنّ
ما قاربَ الشّيئَ يُعطَى حُكمَه. وذهب بعضُ المالكيّة إلى أنّ التّأخير إلى ثلاثة أيّام
إنمّا يجوز إذا كان بدون شرط، واختاره عبدالحقّ وابنُ الكاتب وابنُ عبدالبرّ رحمهم
الله تعالى. وقال آخرون: يجوز بشرطٍ أيضاً، واختاره فى مختصر خليل. (٤)
أمّا تأخيرُه فوق الثّلاث بشرط، فلا يجوز بالاتفاق. أمّا إن كان بدون شرط، فإن كان
رأسُ المال من العروض، وتأخّر قبضُه فوقَ الثّلاث، لم يُفسخ العقد، وإن كان من
النّقود، يفسُد العقد على ما فى المدوّنة، ولا يفسُد عند ابن حبيب بشرط أن يكون
(١) بدائع الصنائع ٤٣٣:٤
(٢) راجع المغنى لابن قدامة ٤: ٣٣٤
(٣) الدسوقيّ على شرح مختصر خليل ٣: ١٩٧
(٤) الدسوقي على شرح مختصر خليل ٣: ١٩٥

**:*.
فقه البيوع
بدون شرط فى العقد.(١)
وبما أنّ قبضَ رأس المال شرطٌ لصحّة السّلم، فإنْ قبضَه المسلمُ إليه، ثمّ انتقض
القبضُ بعيب أو استحقاق مثلاً، فإنّه يوجبُ بطلانَ السّلم. (٢)
أمّا إذا عجّل ربُّ السّلم بعضَ رأس المال، وأخّر بعضه، ففيه خلافٌ بين الفقهاء. قال
الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة: يبطُل السَّلَمُ فيما لم يقبض، ويسقطُ بحصّته من المسلَم
فيه، ويصحّ فى الباقى بقسطه.(٣) وعلّله ابنُ نُجيم رحمه الله تعالى بقوله: "وصحّ فى
حصّة النّقد لوجود قبض رأس المال بقدره، ولا يَشِيعُ الفساد، لأَنّه طارئ، إذ السّلمُ
وقع صحيحاً فى الكُلّ، ولذا لو نقد الكُلَّ قبل الافتراق، صحّ. "(٤)
وظاهرٌ أنّ هذا إنّما يُمكنُ إن كان المُسلمُ فيه ممّا يحتملُ التّبعيض، ويُمكن
تبعيض الثّمن على حصص. فأمّا إذا كان المسلمُ فيه ممّا لا يقبلُ التّبعيض أو
يضرّه التّبعيضُ، مثل الثّوب، فالظّاهرُ أنّ تأخيرَ بعض رأس المال يُفسد العقد.
وقال المالكيّة: إن قدّم بعضَ رأس المال، وضربَ لبعض رأس المال أجلاً بطل
السّلمُ فى الصّفقة كلّها، ومتى قبض البعض، وأخّر البعضَ فسد، لأنّه دَين بدين. (٥)
(١) کذا فی المقدمات الممهدات لابن رشد ٢٨:٢
(٢) بدائع الصنائع ٤: ٤٣٥
(٣) المغنى لابن قدامة ٤: ٣٣٤ و ٣٣٥
(٤) البحر الرائق ١٧٨:٦
(٥) المدوّنة الكبرى، كتاب السّلم الثّانى ٣: ٨٧ وكفاية الطالب الرباني على رسالة أبى زيد القيروانى
للمنوفي، مع حاشية العدويّ ٣٦٧:٣

المبحث الخامس
٢٥٨ - هل يجوز أن يكون الذينُ فى ذمّة المسلَم إليه رأسَ مال السّلم؟
ولو أراد ربُّ السَّلم أن يجعلَ الدّينَ الّذى فى ذمّة المسلم إليه رأسَ مال السّلم، فإنّ
ذلك غيرُ جائز عند الأئمة الأربعة والجمهور، لأنه يؤدّى إلى بيع الكالئ بالكالئ. وإن
نقدَه فى المجلس جاز، لأنّ المانعَ ههنا ليس إلاّ انعدام القبض حقيقة، وقد زال. وقد
ذكرنا فى مبحث بيع الدّين أنّه أجاز العلاّمةُ ابنُ تيميّة وتلميذُه ابنُ القيّم رحمهما الله
تعالى أن يُجعلَ الدَّينُ على المسلم إليه رأسَ مال السّلم، وإن لم ينقُده فى المجلس.
وسمّياه بيعَ الواجب بالسّاقط.(١) هذا إذا كان الدِّينُ فى ذمّة المسلَم إليه حالاً. أمّا إذا
كان مؤجّلاً، فلا يجوزُ عندهما أيضاً، لأنّه ليس من الدَّين السّاقط.
والظّاهرُ أنّ مذهبَ الجمهور أوفقُ بمقاصد السّلم. وذلك لأنّ السّلمَ إنّما شُرع لدفع
حاجة فاقدى السيولة الّذين يُريدون أن يحصلوا على نقدٍ يستخدمونه للاستثمار فى
نشاطاتهم الزّراعيّة أو التّجاريّة. ومن أجل ذلك ربّما يَرضون بالوَكْس فى الثّمن. فلو
جاز أن يكون الدَّينُ الَّذى عليهم رأسَ مال السّلم، فإنّهم لا يحصلون على نقد، مع
كون السَّم بثمنٍ أوكس، فتفوتُ المصلحةُ الّتى شُرِعِ السّلم من أجلها.
وبالتّالى: إنّ إجازة مثل هذا السّلم ربّما يستغلّها الدائنون، بأنّه إذا حلّ الدّينُ على
المديون، ولم يكن قادراً على أداءه، أسلم إليه الدائنُ بدَينه فى حنطة مثلاً بثمن
أوكس، لأنّ السّلم يكون عادةً بثمن أقلّ من القيمة السّوقيّة. وهذا عينُ قَلب الدِّين
الذى كرهه الكثيرون، وشدّد فيه الإمامان ابنُ تيميّة وابنُ القيّم رحمهما الله تعالی.
(١) إعلام الموقعين، بحث الحوالة، ١: ٣٣١

٥٦٨
٥
فقه البيوع
أمّا إذا كان مالُ ربّ السّلم موجوداً فى يدِ المسلَم إليه قبل العقد، وأراد رُّ السّلم أن
يجعله رأس مال السّلم، فهل ينوب القبضُ السّابق عن القبض المستحقّ فى مجلس
عقد السّلم؟ قال الحنابلةُ: إنّه ينوب عن ذلك ولا يحتاج إلى قبض جديد.(١) أمّا الحنفيّة،
ففرَّقوا بين يدِ الضّمان ويد الأمانة. فقالوا: إن كان القبضُ السّابق قبضَ ضمان، كقبض
الغاصب، جاز أن ينوب عن القبض المستحقّ فى مجلس السّلم، وإن كان قبضَ أمانة،
كقبض الوكالة أو الوديعة، فإنّ القبضَ السّابق لا يقوم مقامه، ويحتاج إلى تجديد القبض
إن لم يكن حاضراً فى مجلس العقد. وقد فصّلنا موقف الحنفيّة فى هذا الصّدد تحت
الشّرط السّابع من شرائط المبيع تحت عنوان "هل يكفى القبض السّابق على البيع؟"
٢٥٩ - السّلم بين البلدين
إن كان المتعاقدان فى بلدین، ويُريدان أن يعقدا السّلم، فطريقُه عند الجمهور أن یُرسِل
ربُ السّلم مبلغَ رأس المال إلى المسلم إليه مقدّماً، ويكونُ هذا المبلغُ أمانةً عند المسلَم
إليه، فلمّا تسلّمه، عقدا السّلمَ بطريق الهاتف، أو آلات الاتّصال الأخرى. وبما أنّ المبلغَ
مقبوضٌ للمسلَم إليه قبل العقد، فلا يحتاجُ إلى قبض جديد عند الحنابلة، وبما أنّه أمانةٌ،
فإنّه يحتاجُ إلى قبضٍ جديدٍ عند الحنفيّة، ويتأتّى فيه ما قدّمنا فى مبحث القبض من أنّ
المقصودَ من القبض الجديدِ تحديدُ النُّقطة الّتى ينتقلُ فيها قبضُ الأمانة عن قبضٍ
الضّمان. أمّا عند المالكيّة، فيمكنُ أن يعقدا السّلمَ بطريق الهاتف وغيره، ثمّ یُرسِلُ ربُ
(١) كشاف القناع، فصل الشرط السادس للسلم ٢٩١:٣

المبحث الخامس
السّلم رأسَ المال بحيثُ يَصِل إليه فى خلال ثلاثة أيّام. والله سبحانه وتعالى أعلم.
٢٦٠ - الشروط فى المسلم فيه
أمّا الشّروط الّتى ترجع إلى المسلم فيه، فهي ما يأتى:
١ - أن يكونَ جنسُ المسلم فيه معلوماً، مثل التّمر، أو الثّوب.
٢- أن يكون نوعُه معلوماً، مثلُ التّمر البرنيّ، وثوبُ الكتّان. فإن لم تختلف أنواعُ
المسلَم فيه، فلا يشترط بيانُ النّوع.
٣- أن تكونَ صفتُه معلومة، مثل كونه جيّداً، أو وسطاً، أو رديئاً، وقد تُعورف فى
زمننا أنّ الأنواعَ تُقسّم إلى الدّرجة الأولى والثّانية وغيرها، فإن كان كذلك،
يُشترط بيانُ الدّرجة المطلوبة. وحاصلُ هذه الشّروط الثّلاثة أن ينضبط المسلَمُ
فيه، بحيث لا يبقى فى ضبطه احتمالُ النّزاع.
٤- أن يكون قدرُه معلوماً بالكيل أو الوزن أو العدد. قال النّبيّ الكريم صلّى الله
عليه وسلّم: "مَن سلّف فى تمر، فليُسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم." (١).
ويُشترط أن يكون معيار القدر ممّا يؤمن علیه فقدُه عن أیدی النّاس. فإن اشترط
الكيلَ بمكيال لايُعرف عيارُه بأن قال: "بهذا الإناء " ولم يُعرف كم يسعُ فيه، أو
بحجر لا يُعرف عيارُه، ولا يُعلم كَمْ وزنُه، أو بخشبة لايُعرف قدرُها، أوبذراع يده،
لا يجوز السّلم.(٢)
(١) صحيح البخاري، أول كتاب السلم برقم ٢٢٣٩
(٢) بدائع الصنايع ٤: ٤٤٠

٥٧٠
فقه البيوع
٥- أن يكونَ المسلمُ فيه من المثليّات، فيجوز السّلمُ فى المكيلات، أو الموزونات،
أو المزروعات، أو العدديّات المتقاربة التى لاتتفاوت آحادُها إلاّ تفاوتاً يسيرا
يُتسامح فى مثله عرفاً، كالجوز والبيض. وهذا قولُ الإمام أبى حنيفة ومالك وأحمد
رحمهم الله تعالى. وقال الشّافعيّ رحمه الله تعالى: لا يجوز السّلم فى الجوز والبيض
عدداً، ويجوزُ وزناً، لأنّ ذلك يتباين ويختلف، فلم يجُزْ عدداً، كالبطيخ.(١) وهو قول
زفر رحمه الله تعالى.(٢) ودليلُ الجمهور أنّ التّفاوت بين صغير الجوز وكبيره يسيرٌ
أعرض النّاس عن اعتباره، فلايُعتبر. ولهذا كان مضموناً بالمثل عند الهلاك، بخلاف
الرُّمَان والبطّيخ، فإنّ التّفاوتَ فى آحادهما تفاوتٌ فاحش، ولهذا كان الضّمانُ فيهما
بالقيمة. والظّاهرُ من كلام المالكيّة أنه يجوز السّلم فى الجَوز والبيض عدداً، ولكن
يُقاس حَجْم آحادها بمقياسٍ كالخيط وغيره.(٣)
وبما أنّ السّلم يجوز فى العدديّات المتقاربة، فإنّه يجوزُ فى السيّارات
والدّرّاجات والطّائرات والثلاجات والمكيفات والأدوات المنزلية والكهربائيّة
الّتى ينضبط نوعُها ووصفُها وموديلُها ولونُها، ونحوذلك من الأوصاف الّتى لها
دخلٌ فى رغبة المشترين، ولا بأس بتعيين المصنع أو العلامة التّجاريّة، بشرط أن
يكون المسلَمُ فيه عامَّ الوجود فى محلّه بحكم الغالب عند حلول أجله، كما
سيأتى تفصيله فى الشّرط السّابع إن شاء الله تعالى. (٤)
(١) المغني لابن قدامة ٤: ٣٢٧
(٢) بدائع الصنائع ٤: ٤٤١
(٣) الشرح الكبير مع التّسوقي ٢٠٧:٣
(٤) المعيار الشّرعيّ رقم ١٠ بشأن السّلم والسّلم الموازى الصادر من المجلس الشّرعيّ بند ٨/٢/٣

المبحث الخامس
ولا يجوز السّلمُ فى العدديّات المتفاوتة من الجواهر، واللآلئ، والجلود، والأدم،
والرّؤوس، والأكارع والبطّيخ، والقّاء، والرّمّان، والسّفرجل، ونحوها من العدديّات
التى تتفاوت آحادها، لأَنّه لا يمكن ضبطُها بالوصف، إذ يبقى بعد بيان جنسها
ونوعها وصفتها وقدرها جهالةٌ فاحشةٌ مفضيةٌ إلى المنازعة.
٢٦١ - السّلم فى الحيوان
وكذلك لا يجوز السّلم فى الحيوان عند الحنفيّة، (١) وهو روايةٌ فى مذهب أحمد
رحمه الله تعالى، وجوّزه الشافعيّة والمالكيّة(٢)، وهو ظاهرُ المذهب عند الحنابلة.(٣)
لأنّ الجهالةَ فيه تزول ببيان الجنس والنّوع والصّفة والسنّ، فكان مضبوطَ الوصف.
والتّفاوتُ فيما وراء ذلك لايُعتبر، ولهذا وجب ديناً فى الذّمّة فى النّكاح، فأشبه
الثّياب. وقال الحنفيّة: إنّ بعدَ بيان هذه الأشياء يبقى بين فرس وفرس تفاوتٌ فاحشٌ
فى الماليّة، فتبقى جهالةٌ مفضية إلى المنازعة، وإنّها مانعةٌ من صحّة العقد.
وأخرج عبدالرزاق عن سيّدنا عمربن الخطّاب رضى الله تعالى عنه قال:
"إنّكم تزعُمون أنّا لانعلم أبوابَ الرّبوا، ولَأَن أكونَ أعلمُها أحبُّ إليّ من أن
يكون لى مثلُ مصر وكُورها. ومن الأمور أمورٌ لايكُنّ يخفَيْن على أحد، هو
أن يُبتاع الذّهبُ بالوَرِق نسيئةً، وأن يُبتاع الثّمرةُ وهى معصفرةٌ لم تطِب، وأن
(١) بدائع الصنائع ٤: ٤٤٢
(٢) الدسوقى على الشرح الكبير ٣: ٢٠٧
(٣) المغني لابن قدامة ٤: ٣١٤

٥٧٢
فقه البيوع
. "(١)
يُسلّم فی سِنّ. "(١)
أمّا قياسُه على وجوبه فى النّكاح، فقال فيه الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "والاعتبارُ
بالنّكاح غيرُ سديد، لأَنّه يتحمّل جهالةً لا يتحمّلها البيع. ألاترى أنّه يصحُّ من غير
ذكر البدل، وببدل مجهول، وهو مهرُ المثل، ولا يصحّ البيع إلاّ ببدل معلوم، فلا يستقيمُ
الاستدلال."
٦- الشّرط السّادس عند الحنفيّة أن يكون المسلَمُ فيه موجوداً من حين العقد إلى
حينِ المحلّ، حتّى لو كان منقطعاً عند العقد، موجوداً عند المحلّ، أو على العكس، أو
منقطعاً فيما بين ذلك، لا يجوز السّلم. وهو قولُ الثّوريّ والأوزاعيّ رحمهم الله
تعالى. وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، لايُشترط ذلك، ويجوز السّلم إذا كان
موجوداً عند المحلّ. واستدلوا على ذلك بأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قدِمِ المدينة
وهم يُسْلِفون فى الثّمار السّنةَ والسّنتين، فقال: "من أسلف فليُسلف فى كيل معلوم
أووزن معلوم وأجل معلوم. " ولم يذكر الوجود، ولوكان شرطاً لَذَكَره، ولنهاهم عن
السّلف سنتين، لأَنّه يلزم منه انقطاعُ المسلم فيه أوسطَ السّنة، ولأَنّه يثبت فى الذّة،
ويوجدُفى محلّه غالباً، فجاز السّلم فيه كالموجود.
واستدلّ الحنفيّة بالأحاديث الّتى نهى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم فيها عن بيع
الثّمرة حتّى يبدوَ صلاحُها، ولأنّ القدرةَ على التّسليم بالتّحصيل، فلابدّ من استمرار
(١) مصنف عبدالرزاق، باب السلف فى الحيوان ٢٦:٨ رقم ١٤١٦١ وأخرجه البيهقيّ فى سننه
الكبرى ٦: ٢٣ وقال: هذا منقطع. وقال الماردينيّ رحمه الله تعالى فى الجوهر النقيّ: "قد تقدم أن
ابن سيرين أيضا رواه عن عمر، ومراسيل ابن سيرين صحيحة.

المبحث الخامس
الوجود فى مدّة الأجل ليتمكّن من التّحصيل.(١)
وقال الحنفيّة: ولو انقطع المسلمُ فيه بعد المحلّ، فرُ السّلم بالخيار: إن شاء فسخ
السّلم، وإن شاء انتظرَ وجودَه، لأنّ السّلم قد صحّ، والعجزُ الطّارئ على شَرَف
الزّوال، فصار كاباق المبيع قبل القبض.(٢)
٢٦٢ - تعيين المسلم فيه بالمحلّ أو المصنع
٧- الشّرط السّابع: أن لا يكون المسلَمُ فيه معيّناً بمحلٌّ يُمكن أن ينقطع، مثل أن يُسلِم
فى ثمرة شجرة بعينها، أو بُستان بعينه. قال ابنُ قدامة رحمه الله تعالى: "لايجوز أن
يُسلم فى ثمرة بستان بعينه، ولاقرية صغيرة، لكونه لا يؤمّن تلفُه وانقطاعه. قال ابنُ
المنذر: إبطالُ السّلم إذا أسلم فى ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم، وممّن
حفظنا عنه ذلك الثّريّ، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأصحابُ الرّأي
وإسحق. "(٣)
والدليل على ذلك ما أخرجه ابن ماجه عن عبدالله بن سلام رضى الله تعالى عنه قال:
"جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: إنّ بنى فلان أسلموا، لقومٍ
من اليهود، وإنّهم قد جاءوا، فأخافُ أن يرتدّوا، فقال النّبيّ صلّى الله عليه
وسلّم: مَن عنده؟ فقال رجلٌ من اليهود: عندى كذا وكذا لشيئ قد سمّاه، أُراه
قال: ثلاثمائة دينار بسعر كذا وكذا من حائط بنى فلان. فقال رسولُ الله صلّى
(١) الهداية مع فتح القدير٦: ٢١٣ والمغنى لابن قدامة ٤: ٣٣٢ و٣٣٣
(٢) الهداية مع الفتح ٦: ٢١٤
(٣) المغني لابن قدامة ٣٣٢:٤

٥٧٤
٥
فقه البيوع
الله عليه وسلّم: بسعر كذا وكذا إلى أجل كذا وكذا، وليس من حائط بنى
!(١)
فلان.
وهذا صريحٌ فى أنّ تسميةَ حائط مخصوص أو شجر مخصوص لايجوز فى السّلم،
لأنّه لايُعرف هل يبقى ذلك الحائط أو تلك الشجرةُ إلى حلول الأجل أولا. وعلى
هذا لا يجوز السّلمُ فى منتَج مصنَع معيّن، أو شركة معيّنة لا يؤمَن انقطاعُه. أمّا إذا
كانت الشّركة الصّناعيّة كبيرةً، وكان الأجلُ قصيراً يؤمَن انقطاعُ القدرِ المسلَم فيه فى
حدود ذلك الأجل، فينبغى الجواز. وذلك لأنّ الفقهاءَ منعوا السّلم فى ثمرة قرية
معيّنة صغيرة، كما مرّ فى عبارة ابن قدامة. ومفهومُه أنّه إن كانت القريةُ كبيرةً بحيثُ
يؤمَن انقطاعُ ثمرتها فى حدود الأجل المضروب، جاز السَّم، لأنّ علّة المنع، وهيَ
الانقطاع، لا توجد فى تلك الصّورة. وقال ابنُ نُجيم رحمه الله تعالى:
"بخلاف ما إذا أسلم فى حنطة صعيديّة، أو شاميّة، فإنّ احتمال أن لا يثبت
فى الإقليم شيئٌ برُمَته ضعيف، فلا يبلغ الغرر المانع فى الصّحّة. ولذا قيّد
بالقرية، احترازاً على الإقليم. "(٢)
فظهر بهذا أنّ علّة فساد السّلم فى منتج مكان معيّن هو خشيةُ انقطاع المنتَج فى ذلك
(١) سنن ابن ماجه، باب السلف فى كيل معلوم ووزن معلوم حديث ٢٢٨٠ وفيه عنعنة الوليدبن
مسلم، ولكن أخرجه ابن حبّان فى حديث طويل فى إسلام زيدبن سعنة، وقد صرّح فيه الوليد
بن مسلم بالتحديث، وفيه: أنّ زيدبن سعنة قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هل لك أن
تبيعنى تمرا معلوما من حائط بنى فلان إلى أجل كذا وكذا، فقال: لا يا يهوديّ! ولكن أبيعك تمرا
معلوما إلى أجل كذا وكذا، ولاأُسمّى حائط بنى فلان. "(ترتيب ابن حبّان لابن بلبان ١: ٥٢٢)
(٢) البحر الرائق ٦: ٢٦٥

٥٧٥
المبحث الخامس
المكان. فإن وقع الأمنُ من ذلك، أو كان احتمال الانقطاع نادراً ضعيفاً، فلا يفسُد به
السّلم.
وكذلك قد يكون ذكرُ مكان معيّن لبيان صفة المسلَم فيه، لا لكونه مصنوعاً أو ناتجاً
فى ذلك المكان بخصوصه، وإن أتى المسلمُ إليه بمصنوع أو ناتج من غير ذلك
المكان مستوفياً لصفاته، جاز السّلم، وأجبر ربُّ السّلم على قبوله. وكون المقصود
صفةً، لا مكاناً، يتعيّن بالعُرف. قال ابنُ نُجيم رحمه الله تعالى:
"وفى الخلاصة وغيرها: ولو أسلم فى حنطة الهراة لا يجوز، وفى ثوب هراةً،
وذَكرَ شروطَ السّلم، يجوز، لأنّ حنطتَها يُتوهّم انقطاعُها، إذ الإضافةُ
لتخصيص البقعة، فيحصُل السَّلم فى موهوم الانقطاع، بخلاف إضافة
الثّوب، لأنّها لبيان الجنس والنّوع، لا لتخصيص المكان. وكذا لو أتى المسلمُ
إليه بثوب هَرويّ نُسِج فى غير ولاية هراة من جنس الهرويّ، يعنى من
صفته ومؤنته، يُجبرُ ربُّ السّلم على قبوله. فظهر أنّ المانعَ والمقتضيَ
العُرف. فإن تُعورف كونُ النّسبة لبيان الصّفة فقط، جاز، وإلاّ فلا. كذا فى فتح
القدير." (١)
أمّا السّلمُ فى أسهم شركة معيّنة، فقد منعه المجلس الشّرعيّ للمؤسسات الماليّة
الإسلاميّة، لأنّ الشّركاتِ ممّا يمكنُ انقطاعُها أو تصفيتُها، فصار مثلَ السّلم فى ثمرة
بستان معيّن. وهناك علّةٌ أخرى لعدم جواز السّلم فى أسهم الشّركات. وهيَ أنّ
الأسهم، كما مرّ فى تكييفها الشّرعيّ، حصّةٌ مُشاعةٌ فى موجودات الشّركة.
(١) البحر الرائق ٢٦٦:٦

٥٧٦
٥
فقه البيوع
وموجوداتُ الشّركة مجموعةٌ من النّقود، والدّيون، والأعيان غير المنقولة، والأعيان
الّتى هيَ داخلةٌ فى العدديّات المتفاوتة، ولا يجوز فيها السّلم. والله سبحانه أعلم.
٢٦٣ - الشّروطُ التى ترجع إلى تسليم المسلم فيه
أمّا الشّروط الّتى ترجع إلى تسليم المسلَم فيه، فهيَ مايأتى:
الشّرط الأوّل عند الجمهور أن يكون تسليمُ المسلّم فيه مؤجلاً.
فلا يصحّ السّلم الحالّ عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة، لأنّ السّلم يُنبئ عن الدَّين، فالأجلُ
داخلٌ فى معناه، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: "من أسلف فى شيئ ففى كيل معلوم ووزن
معلوم إلى أجل معلوم." وقال الشّافعى رحمه الله تعالى: يصحّ السّلم حالاً ومؤجّلاً، فإن
أطلق عن الحلول والتأجيل، وكان المسلمُ فيه موجوداً، انعقد حالاً، لأنه إذا جاز السّلمُ
مؤجّلًا، فلَأن يجوزَ حالاً أولى، لبُعده عن الغرر. والمراد من الحديث "إلى أجل معلوم"
عنده هو العلمُ بالأجل، لا الأجلُ نفسُه.
والمقصودُ من السَّلم الحالّ عند الشافعيّة أنّ ربَّ السّلم له حقُّالتسلُّم فى أيّ وقتٍ شاء
بعد العقد، ويُشكل عليه أنّ ذلك ممكنٌ فى كلّ بيع، وإن لم يكن سلماً، فلا داعيَ لعقده
بالسّلم. والجوابُ أنّ الشّافعيّةَ لا يُجيزون بيعَ الشّيئ الغائب، إلاّ عن طريق السّلم الحالِ.
فقد ذكر الخطيبُ الشربينيّ رحمه الله تعالى أنّ فائدةَ العُدول من البيع إلى السّلم "هو
جواز العقد مع غَيْبة المبيع، فإنّ المبيع قد لا یکون حاضراً مرئياً فلايصح بیعُه (أى عند
الشافعيّة) وإن أخّره لإحضاره، ربّما فات على المشترى، ولا يتمكّنُ من الانفساخ إذاهو

المبحث الخامس
متعلّقٌ بِالذّمّة.(١)
وعلى القول بالسّلم الحالّ يجوز أن يتأخّر تسليمُ المبيع إلى أيّ وقت إذا كان
بتراضى الطَّرفين. وكذلك يجوز أن يُضرب أجلٌ قصير، مثل يوم أو يومين.
٢٦٤ - الشرط الثانى: أن يكون أجل التّسليم معلوما
الشّرط الثّانى: أن يكون أجلُ التّسليم معلوماً. وهذا القدرُ متّفق عليه بين الفقهاء، لقول
الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة
: ٢٨٢] ولقول الرّسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم: "من أسلف فى شيئ ففى كيل
معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. "(٢) أمّا كيفيّةُ الأجل، ففيه اختلاف فصّلناه فى
مباحث البيع المؤجّل تحت عنوان "معلوميّة الأجل".
٢٦٥ - أقلّ مدّة السّلم
ثمّ اختلف الفقهاء فى تحديد أقلّ مدّة فى تأجيل السّلم، لأنّه لم يرد فيه نصّ. فرُويَ
عن الإمام محمّد بن الحسن رحمه الله تعالى أنّه مقدّر بشهر، لأنّه أدنى الآجل وأقصى
العاجل. ويقرُب منه مذهبُ الحنابلة حيث قالوا: "مِن شَرْط الأجل أن يكون مدّةً لها
وَقْعٌ فى الثّمن، كالشّهر وما قاربه.(٣) وقد رُويت عن مشايخ الحنفيّة رواياتٌ مختلفة،
منها مارُويَ عن الكرخِيّ رحمه الله تعالى أنّه مقدارُ ما يمكن تحصيلُ المسلم فيه،
وعنه أنّه يُنظر إلى مقدار المسلم فيه، وإلى عُرفِ النّاس فى تأجيل مثله، وقدّره
(١) مغنی المحتاج، کتاب السلم ١٣٨:٢
(٢) صحيح البخاري، كتاب السلم، حديث ٢٢٤٠ عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما
(٣) المغني لابن قدامة ٤: ٣٣٠

٥٧٨
فقه البيوع
بعضُهم بثلاثة أيّام قياساً على خيار الشّرط، وبعضُهم بنصف يوم. واختار صاحبُ
الهداية وابنُ الهمام التّقديرَ بشهر على قول الإمام محمّد رحمه الله تعالى.(١) وقدّر
المالكيّةُ أدنى مدّة السّلم بنصف شهر.(٢) أمّا الشّافعيّة، فليس عندهم أجلٌ مقدّر، بل
إنّھم یجوّزون السّلم الحال، کما مرّ.
وبما أنّه ليس هناك نصٌّ فى تحديد مدّة السّلم، فإنّ المجلس الشّرعيّ لهيئة
المحاسبة والمراجعة للمؤسسات الماليّة الإسلاميّة لم يُحدّد مدّةً لأجل السّلم. فجاء
فى المعيار الشّرعيّ للسّلم:
"يُشترط أن يكون أجل تسليم المسلَم فيه معلوماً على نحو يُزيل الجهالةَ
المُفضية إلى النّزاع. ولامانع من تحديد آجال متعدّدة لتسليم المُسلّم فيه
على دفعاتٍ بشرط تعجيل رأس مال السّلم كلّه."(٣)
وهذا مبنيٌّ على قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم "فليُسلف فى أجل معلوم"
بدون تقييد الأجل بمدّة معيّنة. فظهر أنّ المقصود تعيينُ الأجل، سواءٌ أكان قصيراً أم
طويلاً. والله سبحانه وتعالى أعلم.
٢٦٦ - الشرط الثالث: أن يكون محلُّ التّسليم معلوما
الشّرط الثّالث: أن يكون محلُّ التّسليم معلوماً. قال أبو حنيفة والثّوريّ والشافعيّ فى
روايةٍ عنه أنّه إن كان للمُسلَم فيه حَمْل ومُؤْنة، فيجب لصحّة السّلم أن يُذكر فى
(١) فتح القدير٦: ٢١٨ و٢١٩
(٢) حاشية الدسوقي ٢٠٥:٣
(٣) المعيار الشّرعيّ رقم ١٠ بند ٩/٢/٣

المبحث الخامس
العقد مكانُ التّسليم. وقال أبويوسف ومحمّد وأحمد والشّافعيّ فى رواية أخرى إنّه
لا يُشترط ذكرُه فى العقد، ويجبُ التّسليمُ فى محلّ العقد،(١) وبه قال المالكيّة، غير
أنّهم قالو: "الأفضل اشتراطُه. "(٢) لأنّ النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم لم يشترط
ذلك حين أجاز السّلم، ولأنّ سبب وجوب الإيفاء هو العقد، والعقدُ وُجد فى
هذاالمكان، فیتعیّن مكانُ العقد لو جوب الإيفاء فیه، کما فی بیع العين.
وقال أبو حنيفة وغيرُهُ ممّن يشترط بيانَ المكان أنّ كونَ مكان التّسليم مكانَ العقد
ليس من مقتضى العقد، بدليل أنّهما لو عيّنا مكاناً آخر جاز اتّفاقاً، ولو كان مقتضى
العقد التّسليم فى محلّ العقد، لكان ذلك تغييراً لمقتضى العقد، فكان ينبغى أن
لا يجوز. وإذا لم يتعيّن مكانُ التّسليم فى العقد، بقي مجهولاً جهالةً مُفضيةً إلى
المنازعة.
وأمّا إذالم يكن للمسلم فيه حمل ومُؤْنة، ولم يُذكر محلُّ التسليم فى العقد، فعن أبى
حنيفة فيه روايتان: الأولى: أنّه لا يتعيّن مكانُ العقد، ويُوفيه فى أيّ مكان شاء، لأنّ
ماليس له حمل ومؤنة لا تختلف قيمتُه باختلاف الأماكن، فلم تكن جهالتُه مُفضيةً
إلى المنازعة. والرّواية الثّانيةُ عنه أنّه يتعيّن فيه مكانُ العقد كقول الصّاحبين. ومن
المشايخ مَن جمع بينهما بأنّه إن لم يتنازع، فإنّه يُوفيه فى مكان العقد، وإن تنازعا،
فإنّه يأخذه بالتّسليم حيثُ ما لقيه.(٣)
(١) المغني لابن قدامة ٤: ٣٣٩
(٢) بداية المجتهد ٢: ٢٠٤
(٣) بدائع الصنائع ٤: ٤٥٠