النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦٠ فقه البيوع فى الدّيون الحالة. جاء فى الهداية: "ومَن له على آخر ألف درهم، فقال: أذّ إليّ غداً منها خمسمائة على أنّك "(١) بريئ من الفضل، فهو بريئ. وجاء فى المدوّنة الكبرى للإمام مالك رحمه الله تعالى: "قلتُ: أرأيتَ لو أنّ لى على رجل ألف درهم قد حلّت، فقلت: اشهدوا إن أعطانى مائةَ درهم عند رأس الشّهر، فالتّسعمائة درهم له، وإن لم يُعطنى فالألف کلُها علیه. قال: قال مالك: لابأس به."(٢) وبما أنّ الدّينَ على مُصدر البطاقة حالٌ، فيجوز منه الحسمُ برضا الطّرفين. النّقطةُ الثّانية: أنّ مُصدر البطاقة أو وكيلَه يُزوّد التّاجرَ بالماكينة الّتى تتمّ به عمليّةُ قبول البطاقة، وهيَ بذاتها لها قيمة، وتكونُ مع التّاجر مملوكةً للمُصدر، يستخدمها التّاجرُ لصالحه، ويقوم المُصدر بصيانة هذه الماكينة دوريّاً، ويحِقّ له من هذه الجهة أخذُ الأجرة على ذلك. النّقطة الثّالثة: أنّ مُصدرَ البطاقة يوفّر للتّاجر الأوراقَ الّتى تُطبع عليها الفاتورةُ، ويوقّع عليها العميل، وتكون نُسخةٌ منها مع حامل البطاقة، ونُسخةٌ أخرى مع التّاجر الّتى يُطالبُ بها مُصدر البطاقة أو وكيلَه بمبلغ الفاتورة. النّقطة الرّابعة: أنّ مُصدر البطاقة يزوّد التّاجر بالتعليمات والإجراآت المطلوب (١) الهداية مع فتح القدير، كتاب الصّلح، باب الصّلح فى الدَّين ٣٩٧:٧ (٢) المدوّنة الكبرى، آخر كتاب الصّلح، ٣: ٣٩٧ وقد ذكرتُ نصوصاً أخرى فى الموضوع فى رسالتى "البيع بالتقسيط " فى "بحوث فى قضايا فقهية معاصرة"١: ٣٠ و ٣١ المبحث الثالث اتّباعُها منه عندما يتقدّم حاملُ البطاقة لشراء بضاعته منه. النقطة الخامسة: إنّ إصدارَ البطاقة وترتيبَ قبولها من التّاجر يجلب زبائنَ إلى التّاجر، ويُشجّع النّاس على الشّراء منه، لأنّ الشّراءَ ممّن يقبل البطاقةَ أيسرُ للمشترين. ففيه منافعُ للّاجر تُشبه منافع السمسرة. ونظراً للنّقطة الأولى، لو كان مُصدرُ البطاقة يطلبُ تخفيض الدَّين بدون أيّة خدمة، ورضيَ بذلك الدائن، لجاز ذلك لكون الدَّين حالاً، لاينطبق عليه حكم "ضع وتعجّل". ولكن لو كان الأمر مقتصراً على التّخفيض، لما جاز لمصدر البطاقة أن يرجع على حامل البطاقة (المحيل) بكامل الثّمن، لأنّ المحال عليه فى الحوالة المطلقة لو صالح الدائن على أقلَّ من الدّين، فإنّه يرجع على المحيل بما أدى، لا بما قبل الحوالة به. جاء فى الجوهرة النّيّرة: "ولو رضيَ المحالُ له من المحال عليه بدون حقّه، وأبرأه عن الباقى نحو أن يُصالحه على بعض حقّه، وأبرأه عن الباقى، فإنّه يرجع عن المحيل بذلك !(١) القدر لاغير. ولكنّ أداءَ الدّين فى مسئلتنا مصحوبٌ بهذه الخدمات الّتى ذكرناها فى النّقاط الثّلاثة الأخيرة، فالتّخفيضُ مقابلٌ لهذه الخدمات، فكأنّه عند قضاء الدّين أجرى مقاصّةً أجرته منه. ولذلك يستحقّ الرّجوعَ على حامل البطاقة بكامل الدِّين. ويتبيّن من هذا أنّ العمولةَ الّتى يأخذها مُصدِرُ البطاقة ليس بمثابة حَسْم الكمبيالة، وإنّما هى مُقابلةٌ لعدّة خدماتٍ متقوّمة يُقدّمها لصالح التّاجر، فليس هناك إشكالٌ فى جواز (١) الجوهرة النّيّرة شرح مختصر القدوري، أول كتاب الحوالة ١: ٣٨٠ ٤٦٢ فقه البيوع دفعها وأخذها. ٢١١- حكم غرامة التأخير والدخول فى العقد بهذا الشّرط المسألة الثالثة: حكمُ التّعاقد مع مُصدر البطاقة فى حين أنّ العقد يُصرّح بأنّ حامل البطاقة إن لم يُسدّد الفاتورة خلال فترة السّماح، الّتى هيَ شهرٌ عادةً، فإنّ المصدر يتقاضى عليه زيادةً، فإنّ مثل هذا الاشتراط محرّمٌ شرعاً لكونه رباً. ولكن يُمكن لحامل البطاقة التّحرّز منه بأن يأمر مُصدر البطاقة أن يخْسِم مبلغ الفاتورة من حسابه مباشرة. وقد تسمح بعض شركات البطاقة بذلك إمّا من حساب حامل البطاقة عند المصدر، وإمّا من حسابه فى بنك آخر. أمّا إذا لم يتيسّر ذلك، فهل يجوز لمسلم أن يأخذ البطاقة ويُوقّع على العقد الّذى فيه هذا الشّرط بنيّة أنّه سيدفع الفواتير فى حينها قبل أن تُفرض عليها زيادةٌ ربويّة، ولا يُطبق هذا الشّرط فعلاً؟ فيه خلافٌ للعلماء المعاصرين. فقال بعضهم: إنّ مجرّد التّوقيع على هذا الشّرط دخولٌ فى عقد محرّم، فلا يجوز، ولو كان بنيّة عدم تطبيقه فى الواقع. وقال آخرون: إنّ حامل البطاقة إن كان على يقين بأنّ هذا الشّرط لايُطبّقُ فعلاً لعزم أداءه مبلغ الفاتورة خلال الفترة المحدّدة، فإنّه يجوز. واستأنسوا لذلك بحديث عائشة فى قصّة بريرة رضى الله تعالى عنهما، حيثُ قال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "اشترطى لهم الولاء، فإنّ الولاء لمن أعتق."(١) فأجاز هذا الاشتراط، لأنّ الشّرط لايُطبق فعلاً. ولكنّ هذا الاستدلال فيه نظر، لأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان فى قدرته أن (١) أخرجه البخاري فى صحيحه، كتاب البيوع، باب ٧٣ حديث ٢١٦٨ المبحث الثالث يُبطل هذا الشّرط، وقد أبطل ذلك فى خطبته الّتى خطبها بعد ذلك. أمّا حاملُ البطاقة، فليس فى مُكنته أن يُبطل هذا الشّرط. غايةُ ما فى وسعه أن يؤدّيَ الفاتورة فى حينه لئلاّ يُطبّق الشّرط. ولكنّ مثلَ هذه الشّروط قد عمّت بها البلوى فى زماننا، فإنّ مثل هذه الشّروط تُوجد فى كثير من التّعاملات، مثل التّعامل مع شركة الكهرباء، وشركات الهواتف، وغيرها، فإنّ شرط غرامة التأخير موجودٌ فى جميع ذلك، ولكن يُشكل القول بأنّه لايجوز للإنسان أن يتعاقد مع هذه الشّركات للحصول على الكهرباء والهاتف وغير ذلك، بل جرى التّعامل على أنّ الإنسانَ يتعاقد معها من غير نكير بشرط أن يكون فى عزمه أن يؤدّيَ واجباته فى حينها. وإنّما أجيز ذلك لحاجة ء عامّة. فإن لم يتيسّر الحصول على بطاقة الحسم الفوريّ، ولا التّعاقد مع مُصدر البطاقة بأن يسحب مبلغ الفاتورة من حساب الحامل، واشتدّت الحاجةُ إلى مثل هذه البطاقة، فالمرجوّ أنّ حاملَه يُعتبر معذوراً فى الدّخول فى هذا العقد إن شاء الله تعالى بعد أخذ جميع الاحتياطات اللازمة لأن لايلجأ إلى دفع الفائدة الرّبويّة، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٢١٢-هل يُعتبر توقيع الحامل على الفاتورة قبضاً للثّمن من قبل البائع؟ قال بعضُ العلماء المعاصرين: التّوقيعُ من قِبل حامل البطاقة يُعتبر قبضاً من البائع للثّمن. جاء فى المعايير الشرعيّة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة من جُملة صُور القبض: "تسلُّمُ البائع قسيمةَ الدَّفع الموقّعة من حامل بطاقة الائتمان (المشترى) فى الحالة الّتى يُمكن فيها للمؤسّسة المصدرة للبطاقة أن تدفعَ المبلغَ إلى قابل ٤٦٤ فقه البيوع ؟!(١) البطاقة بدون آجل. ولى فيه نظر، لأنّ براءة ذمّة المشترى شيئٌّ، وحصول القبض من البائع شيئٌ آخر كما قدّمنا فى مبحث الشّيك الشّخصيّ. والّذى يحصل بتوقيع المشترى هو الأول دون الثّانى، لأَنّ توقيعَ حامل البطاقة على قَسيمة الدّفع لا يتجاوز من أنّه أحالَ البائعَ على المؤسّسة التى أصدرت البطاقة، وأصبح هُو دائناً لها، فلو أفلست المؤسّسةُ، يكونُ هو أسوةً لغرماءه على قول أبى حنيفة، ويرجعُ على حامل البطاقة على قول الصّاحبين، فلايتحقّق القبضُ من البائع بمجرّد قبول الحوالة، ولا يتأتّى ههنا ماذكرناه فى الشّيك المصرفىّ، لأنّ البنك مُصدر البطاقة لم يقبض شيئاً من قِبل المشترى المدين، حتّى يُقال: إنّه وكيلٌ للدائن فى قبض الدَّين كما ذكرناه فى مسئلة الشّيك المصرفيّ. والواقعُ أنّ البنك المصدر إنّما يدفع الثّمنَ إلى البائع قبل أن يُطالِب المشتريَ / حاملَ البطاقة بتسديد مبلغه إليه. فليس التّوقيعُ على قسيمة الدّفع قبضاً من البائع للثّمن، ولكن تبرأ به ذمَةُ المشترى، كما تبرأ بحوالة الدِّين. (٢) والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) المعايير الشرعية " معيار رقم ١ المتاجرة فى العملات، بند ٥/٦/٢ ج (٢) وليتنبه أن المعايير الشرعية قد أصدرت من قبل المجلس الشرعىّ لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية الذى يتكون من نحوعشرين من علماء البلاد المختلفة، وكنت رئيسا لذلك المجلس، ولكنّى أوضحت فى مقدمة المعايير الشرعية أن القرارات إنما اتّخذت فى بعض الأمور المختلف فيها بالأغلبية، وسُجّل الخلاف فى محاضر المجلس، وبما أن المعايير إنما صدرت باسم المجلس، وليس باسم الأعضاء بصفتهم الشخصية، كما هو شأن المجامع الدولية الأخرى، فإنه لم يظهر فيها الخلاف. ولذا فلا ينسب كل ماجاء فيها إلى كل عضوبصفته الشخصية. الباب الرابع فى أحكام تعين النقود ٢١٣- هل النّقود تتعيّن بالتعيين؟ وبما أنّ الغالبَ فى الثّمن أنّها نقود، فمن المناسِب هنا ذكرُ مسئلة تعيّنها فى العقود. فالنّقودُ عند الحنفيّة لاتتعيّنُ بالتّعيين. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "فالدّراهمُ والدّنانيرُ على أصل أصحابنا أثمانٌ لاتتعيّن فى عقود المعاوضات فى حقّ الاستحقاق وإن عُيّنت، حتّى لوقال: بعتُ منك هذا الثّوبَ بهذه الدّراهم، أو بهذه الدّنانير كان للمشترى أن يُمسِك المشارَ إليه ويرُدَّ مثله، ولكنّها تتعيّن فى حقّ ضمان الجنس والنّوعِ والصّفة والقدْر، حتىّ يجب عليه ردُّ مثل المشار إليه جنساً، ونوعاً، وقدراً، وصفةً. ولو هلك المشارُ إليه لا يبطُّل العقد."(١) (١) بدائع الصنائع ٤: ٤٨٢ ٤٦٦ فقه البيوع وقال الأئمّة الثّلاثة: تتعيّن الأثمانُ بالتّعيين. قال ابنُ قدامة رحمه الله تعالى: "والدّراهمُ والدّنانيرُ تتعيّن بالتّعيين فى العقد بمعنى أنّه يثبت المِلكُ بالعقد فيما عيّناه، ويتعيّن عوضاً فيه، فلايجوز إبدالُه. وإن خرج مغصوباً بطل العقد، وبهذا قال مالك والشّافعيّ. وعن أحمد أنّها لاتتعيّن بالعقد، فيجوز إبدالها، ولا يبطل العقد بخروجها مغصوبةً، وهذا مذهب أبى حنيفة."(١) ذكر ابنُ قدامة أنّ مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى موافقٌ لمذهب الشّافعيّة، ولكن ذكر القرافيّ رحمه الله تعالى أنّ مشهورَ مذهبه مثلُ مذهب أبى حنيفة رحمهما الله تعالى.(٢) ويتفرّع على هذا الخلاف أنّه لا يجوزُ للبائع عند الشّافعيّة وغيرهم أن يتصرّفَ فى الثّمن المتعيّن قبل أن يقبضه، (٣) ويجوزُ عند الحنفيّة، لأَنّه إن اشترى شيئاً بذلك الثّمن، فإنّ عقدَ الشّراء ينصرف إلى مطلق الثّمن، لا بالثّمن الذى يتسلّم من مشتريه، إلّ فى بدل الصَّرف، فلا يجوزُ فيه التّصرّفُ قبل القبض. جاء فى الهداية: " قال: (ولا يجوز التّصرّفُ فى ثمن الصَّرف قبل قبضه حتّى لو باع ديناراً بعشرة دراهمَ ولم يقبض العشرةَ، حتّى اشترى بها ثوبًا، فالبيع فى الثّوب فاسدٌ) لأنّ القبضَ مستحقِّ بالعقد حقّاً لله تعالى، وفى تجويزه فواتُه، وكان ينبغي أن يجوزَ العقدُ فى الثّوب، كما نُقل عن زفر رحمه الله تعالى، لأنّ (١) المغني لابن قدامة ٤: ١٦٩ فصول فى أحكام الصرف (٢) الفروق للقرافيّ، الفرق التّاسع والثّمانون والمائة ٣: ٢٥٥ (٣) المجموع شرح المهذّب ٩: ٢٦٩ المبحث الثالث الدّراهمَ لا تتعيّن، فينصرف العقدُ إلى مطلقها، ولكنّا نقول: الثّمنُ فى باب الصّرف مبيعٌ، لأنّ البيعَ لا بدّ له منه، ولا شيءَ سوى الثّمنين، فيُجعلُ كلُّ واحدٍ منهما مبيعًا لعدم الأولويّة، وبيعُ المبيع قبل القبض لا يجوز، وليس من ضرورة كونه مبيعًا أن يكون متعيّناً، كما فى المسلّم فيه."(١) وبحث فيه ابنُ الهمام فى فتح القدير وأيّد قول زفر رحمهما الله تعالى، لكون الدّراهم والدنانير لاتتعيّن. وهذا إذا اشترى الثّوبَ بتصريح أنّ الثّمنَ ما سيحصُل عليه المشترى الثّانى من المشترى الأوّل. أمّا إذا أطلق واشترى الثّوب بدراهم، ولم يُصرّح بتعيينها، فلا خلاف فى جواز البيع. وكذلك يتفرّع على الخلافِ فى تعيين النّقود أنّ المتعاقدين فى الصَّرف إذا تصارفا، بأن باعَ أحدُهما دراهمَ بدينار مثلاً، فهلك الدّينارُ والدّراهم قبل التّقابض أو استُحِقّت، فاستقرض كلُّ واحدٍ منهما ما وجب عليه بالصَّرف، وأدّيا قبل التفرّق، جاز عند الحنفيّة، ولا يجوز عند الشّافعيّة، (٢) لأنّ العقدَ وقع على نقودٍ معيّنة، وقد هلكت أو استُحقّت، فبطل العقد. أمّا عند الحنفيّة، فلم تتعيّن الدّراهم ولا الدينار، فلو وقع التّسليمُ والتّسلّمُ بنقودٍ أخرى جاز البيع. ٢١٤ - العقود التى تتعيّن فيها النّقود عند الحنفيّة ولكنّ عدمَ تعيّن النّقود عند الحنفيّة مختصٌّ بالمعاوضات. أمّا الأمانات، فإنّها تتعيّن فيها، مثلُ الوديعة والشّركة والمضاربة والوكالة، فإن هلكت النّقودُ فى هذه العقود بعد (١) الهداية مع فتح القدير، كتاب الصرف ٦: ٣٦٣ و ٣٦٤ (٢) جامع الفصولين، الفصل السابع عشر ١: ٢٢٧ ٤٦٨ فقه البيوع التّسليم، بطلت العقودُ كلُّها، لأنّها وردت على نقودٍ متعيّنة وقد هلكت، وكذلك إن انفسخت هذه العقود لسبب من الأسباب، وجب على آخذ النّقود أن يُرُدّ عينَها، ولا يجوز له استبدالُها بغيرها، فلو استبدلها صار ضامناً. وكذلك تتعيّن النّقودُ فى الهبة والصّدقة، بمعنى أنّ الواهبَ لووهب نقوداً معيّنة، وهلكت النّقودُ قبل التّسليم بطلت الهبة والصّدقة. وكذلك تتعيّنُ النّقودُ فى الصَّرف بعد فساده، فيُردّ عينُ النّقد الذى ورد عليه العقد.(١) وتتعيّن أيضاً إن بطل البيعُ بهلاك المبيع قبل تسليمِه إلى المشترى، فيرُدّ البائعُ عينَ ما قبضَ من المشترى فى ثمنه، كما أنّها تتعيّن فى الدَّين المشترك، إذا قبضَه أحدُ الشّريكين، فيؤمرُ بردّ نصف ماقبض على شريكه، وفيما إذا تبيّن بُطلانُ القضاء، بأن أقرَّ بعد الأخذ أنّه لم يكن له على خصمه شيئٌّ فيرُدّعين ما قبض لو كان قائماً.(٢) وكذلك تتعيّن النّقودُ المغصوبةُ والمكتسبةُ بطريق محرّم، مثل الرّبا. ولذلك وجب ردُّها على مالكها، فإن تعذّر ردُّها إلى مالكها، وجبَ التصدّقُ بها بقصد التّخلّص منها، وإيصال ثواب الصّدقة إلى مالكها. وبما أنّه صدقةٌ نافلةٌ عن مالكها، فيجوز صرفُها إلى من له قرابةُ الزّواج أو الولاد مع الّذى وجب عليه التّصدّق. وكذلك ينبغى أن لايُشترط فيه التّمليك. وقد ذكرتُ أدلّة ذلك فى "فتاوى عثمانى"(٣) فإن وهبَ هذه النّقودَ (المكتسبة بطريق محرّم) بعينها لغنيّ، لا يجوز له أن يقبلها، ولو اشترى بعينها شيئاً، لا يجوزُ للبائع أن يقبلَ هذه النّقود ثمناً للمبيع، ولو قبلها البائع، لم (١) مثاله فى مسئلة عند السرخسيّ فى المبسوط، باب الصّرف فى المرض ١٤: ٧٥ (٢) راجع ردالمحتار ١٤: ٧٠٢ و٧٠٣ والأشباه والنظائر، الفنّ الثالث، أحكام النّقد ٣: ٥٢٫٥١ (٣) هى مجموع فتاوى باللغة الأردية، وهذا المبحث تجده فى ص ١٢٨ ج٣ المبحث الثالث يحِلَّ للبائعِ الانتفاعُ بها. وعلى القول بتعيين النّقود المغصوبة والمكتسبة بطريق حرام، فرّع الكرخيّ رحمه الله تعالى ما ذكره ابنُ عابدين عن التّتار خانيّة: "رجلٌ اكتسب مالاً من حرام، ثمّ اشترى، فهذا على خمسة أوجه: إمّا أن دفع تلكَ الدّراهمَ إلى البائع أولاً، ثمّ اشترى منه بها، أو اشترى قبل الدفعِ بها ودفعَها، أو اشترى قبلَ الدّفع بها ودفع غيرها، أو اشترى مطلقاً، ودفع تلك الدّراهم، أو اشترى بدراهمَ أُخَرَ، ودفع تلك الدّراهم. قال أبو نصر: يطيبُ له، ولا يجبُ عليه أن يتصدّق إلّ فى الوجه الأوّل. وإليه ذهب الفقيهُ أبو اللّیث. لكنّ هذا خلافُ ظاهر الرّواية، فإنّه نصّ فى الجامع الصّغير: إذا غصبَ ألفاً، فاشترى بها جاريةً، وباعها بألفين، تصدّق بالرّبح. وقال الكرخيُّ؛ فى الوجه الأوّل والثّانى لا يَطِيب، وفى الثّلاث الأخيرة يطيب. وقال أبو بكر: لا يطيبُ فى الكلّ، لكنّ الفتوى الآن على قول الكرخيّ دفعاً للحرج عن النّاس اهـ وفي الولوالجيّة: وقال بعضهم: لا يطيبُ في الوجوه كلّها، وهو المختار، ولكنّ الفتوى اليومَ على قول الكرخيّ دفعاً للحرج لكثرة الحرام اهـ وعلى هذا مشى المصنّف فى كتاب الغصب تبعاً للدّرر وغيرها."(١) وسيأتى تمام الكلام على ذلك مع تحقيق قول الكرخيّ رحمه الله تعالى فى مبحث المال المكتسب بطريق حرام إن شاء الله تعالى. (١) رد المحتار، كتاب البيع، باب المتفرقات ٤٤١:١٥ و ٤٤٢ فقره ٢٤٩٦٧ ٤٧٠ فقه البيوع ٢١٥ - تعيّن النّقود فى البيع الفاسد وأمّا فى البيع الفاسد، ففيه روايتان عن الحنفيّة. وذكر فى الدّرّ المختار أنّ الأصحّ أنها تتعيّن فى البيع الفاسد. وقال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى تحتَه ناقلاً عن الأشباه والنّظائر: "النّقدُ لايتعيّن فى المعاوضات، وفى تعيينه فى العقد الفاسد روايتان." وأشار الحصكفيّ رحمه الله تعالى إلى الرّواية الّتى تقولُ بعدم تعيّن النّقود فى البيع الفاسد أنّها صحيحة، والّتى تقول: إنّها تتعيّن فى العقد الفاسد هى الأصحّ، (١) لأنّ صاحبَ الهداية جعلها أصحّ. (٢) ولكن ذكر ابنُ الهمام رحمه الله تعالى أنّ الأصحَّ عدمُ تعيّن النّقود فى البيع الفاسد. وذلك لأنّه مستنبطٌ من مسئلة ذكرها الإمام محمّد رحمه الله تعالى فى الجامع الصّغير. ونصّها: "ومن اشترى جاريةً بيعاً فاسداً، وتقابضا، فباعها وربح فيها، تصدّق بالرّبح، ویطیبُ للبائع ما ربح فى الثّمن." وعلّله صاحبُ الهداية بقوله: "والفرقُ أنّ الجاريةَ ممّا يتعيّن، فيتعلّقُ العقدُ بها، فيتمكّنُ الخبثُ فى الرّبح. والدّراهم والدّنانيرُ لا يتعيّنان فى العقود، فلم يتعلّق العقدُ الثّانی بعینھا، فلم یتمكّن الخبث، فلا يجبُ التّصدّق." وذكر صاحبُ العناية وابنُ الهمام وكثيرٌ من الفقهاء أنّ هذا إنّما يستقيمُ على الرّواية (١) راجع الدر المختار مع رد المحتار ٧٠٣:١٤ و ٧٠٤ (٢) الهداية مع فتح القدير٦: ١٠١ باب البيع الفاسد، تحت قول المتن: "وإن مات البائع فالمشترى أحقّ به حتّى يستوفى الثّمن. المبحث الثالث الّتى تقول: إنّ النّقودَ لاتتعيّنُ فى البيع الفاسد، ولا يستقيمُ على الرّواية الّتى تقول: إنّها تتعيّن فيه، لأنّ القول بأنّ العقد الثّانيَ لم يتعلّق بعينٍ ما فيه الخبث إنّما يستقيمُ إذا قلنا بأنّ الدّراهمَ المقبوضةَ بالبيع الفاسد لم تكن متعيّنة. ولكن اعترض عليه سعدى جلبى رحمه الله تعالى، وقال: "فيه بحثٌ، فإنّ عدمَ التّعيين، سواءً كان فى المغصوب أو ثمن المبيع الفاسد، إنّما هُو فى العقد الثّانى، ولا يضُرُّتعیُّنه فى الأوّل." وحاصلُه أنّ الدّراهمَ وإن تعيّنت فى البيع الأوّل، فإنّها لا تتعيّنُ فى البيعِ الثّانى، وعلّله ابنُ عابدين رحمه الله تعالى بقوله: "لكونه عقداً صحيحاً، حتّى لو أشارَ إليها وقتَ العقد، له دفعُ غيرها، فعدمُ تعيّنها فى هذا العقد الصّحيح لايُنافى كونَ الأصحّ تعيّنَها فى العقد الفاسد. " وأقرّ ابنُ عابدين كلام جلبى ونقل عن الخير الرّمليّ مثله. والحقُّ أنّ كونَ الدّراهم تتعيّن له معنيان: الأوّل: أن تصيرَ بالتّعيينِ مثلَ العروض، بحيثُ إذا اشتُريَ بعينها شيئٌّ، تعيّنت للدّفع، كما قال الشّيخان فى بيع الفَلس بالفَلسين بأعيانهما، حيثُ يقعُ البيعُ على عينهما مثل العروض. وما ذكره ابنُ الهمام وصاحبُ العناية صحيحٌ بهذا المعنى، يعنى أنّ الدّراهمَ إن تعيّنت فى البيع الفاسد كما تتعيّنُ العروض، يقعُ العقدُ الثّانى على عينها إن وقع العقدُ عليها، ونقد المشترى منها، فيتمكّن الخبثُ فيما يُشترى بها. وبما أنّ روايةَ الجامع الصّغير صريحةٌ فى أنّ ما يُشترى بها طيّبٌ، فلا يُمكن القولُ بتعيينها بهذا المعنى. والمعنى الثّانى لتعيُّن الدّراهم فى البيع الفاسد هو أنّه يجبُ ردُّ عينِها إلى المشترى، ولا يجوز أن يردّ إليه دراهمَ أخرى مكانها، ولكن لا تصيرُ بهذا التّعيينِ فى حُكم ٤٧٢ 0 فقه البيوع العروض المتعيّنة من كلّ وجه، بل إذا وقع شراؤُ شيئ آخرَ بها، فإنّه يجرى على الأصل العامّ أنّ البيعَ الثّانيَ لا تتعيّن فيه الدّراهم، ويجوزُ أن يُشيرَ إلى تلك الدّراهم ويدفعَ غيرها. وإنّ ما قاله جلبى وأيّده ابنُ عابدين رحمهما الله تعالى هو التّعيينُ بهذا المعنى. فإن أخذنا التّعيينَ بهذا المعنى، فإنّ مسئلةَ الجارية الّتى ذكرها الإمام محمّد رحمه الله تعالى فى الجامع الصّغير لاتدلّ على أنّ الدّراهمَ لا تتعيّن فى البيع الفاسد، لأنّه يُمكن أن تكونَ تعيّنت بمعنى أنّها يجبُ ردُّ عينها إلى المشترى، ولكن لا تتعيّن إذا وقع شراؤُ شيئٍ آخر بها، بل يقعُ البيعُ على دراهمَ مطلقة. وقد صرّح السّرخسيّ رحمه الله تعالى فى الدّراهم المودَعة بأنّها تتعيّن بهذا المعنى، ولكن إذا وقع شراؤُ شيئ بها، فإنّها لا تتعيّن فى البيع الثّانى. قال رحمه الله تعالى: "فإن كانت (الوديعةُ) دراهمَ، فالدّراهمُ يُشترى بها، ثمّ يُنظر: إن اشترى بها بِعَيْنِها ونَقَدَها، لا يطيبُ له الفضلُ أيضاً، وإن اشترى بها، ونَقَدَ غيرَها، أو اشترى بدراهمَ مطلقة، ثمّ نَقَدَها، يطيب له الرِّيحُ هنا، لأنّ الدّراهمَ لا تتعيّن بنفس العقد، ما لم ينضمّ إليه التّسليمُ. ولهذا لو أراد أن يُسلِّم غيرَها كان له ذلك، فأمّا بالقبض يتعيّن نَوْعَ تَعَيُّن، ولهذا لا يَملِك استرداد المقبوض من البائع لُيُعْطِيَه مثلَها. فلهذا قلنا: إذا استعان فى العقد والنَّقد جميعاً بالدّراهمِ الوديعة أو المغصوبة، لا يطيبُ له الفضلُ، وكذلك إن اشترى بها مأكولاً ونَقَدَها، لم يَحِلَّ له أن يأكل ذلك قبل أداء الضّمان. "(١) ففى هذه العبارة، صرّح السّرخسيّ رحمه الله تعالى بأنّ التّعيينَ فى الدّراهم المودَعة (١) المبسوط للسرخسيّ، كتاب الوديعة ١١٢:١١ المبحث الثالث هو بالمعنى الثّانى، لا بالمعنى الأوّل، ولهذا قال فى الجملة الّتى تحتها خطّ: "وإن اشترى بها، ونَقَدَ غيرَها، أو اشترى بدراهمَ مطلقة، ثمّ نَقَدَها، يطيب له الرِّبحُ هنا" وإلاّ فإن كان التّعيينُ بالمعنى الأوّل، لَما كان هناك معنىٌ للاشتراء بها ونقْدِ غيرها. فإن كان التّعيينُ فى الدّراهم المودَعة بالمعنى الثّانى، فالظاهرُ أنّه كذلك فى الدّراهم المقبوضة بالبيع الفاسد. وعلى هذا، فإنّ مسئلةَ الجارية المذكورة فى الجامع الصّغير لا تدُلّ على عدم تعيين النّقود فى البيع الفاسد، ولا على تعيينها. فهذه المسئلةُ لاعلاقة لها بتعيين النّقود فى البيع الفاسد، لا نفياً ولا إثباتاً. أمّا ماذكروه فى الدّراهم المغصوبة من أنّ ربحها لا يطيب، فليس لكونها متعيّنةً بالمعنى الأوّل، بل لما ذكره صاحبُ الهداية وابنُ الهمام نفسُه بأنّ عدمَ الطّيب مقصورٌ على ما إذا عُقد الشّراؤُ بها، ونُقِد منها، لأنّ اجتماعَ الإشارة إليها والنّقدِ منها أورثَ شُبهةَ أنّ العقد وقعَ عليها، فتمكّن فيها الخبثُ بسبب هذه الشّبهة. وكذلك هذه الشّبهةُ موجودةٌ فى الدّراهم المقبوضة ببيعٍ فاسد إذا وقع البيعُ الثّانى بها ونُقد منها، ولكن انضمّت إليها شبهةٌ أخرى، وهيَ شبهةُ عدم الملك، لأنّ المقبوضَ ببيع فاسد وإن كان يملكُه العاقد بعد القبض عند الحنفيّة، فإنّ فيه شبهةَ عدم الملك. لحصوله بطريق غير مشروع. فلمّا اجتمعت فيه شبهتان، نزلت الشّبهةُ إلى شُبهة ے الشّبهة، ولا تؤثّر شبهةُ الشّبهة فى طِيب ما حصل بها، ولذلك ظهر الفرقُ بين المقبوض فاسداً وبين الدراهم المغصوبة، حیثُ لا یطِیب ربح الأوّل، ویطیبُ ربحٌ الثّانى. فظهر بهذا أنّه لا يصحّ الاستدلالُ بمسئلة الجارية على أنّ الإمام محمّداً رحمه الله فقه البيوع تعالى يقول بعدم تعيين النّقود فى البيع الفاسد. بل رُويت عنه روايتان: فروى عنه أبوسليمان أنّ النّقود تتعيّن فى البيع الفاسد كما فى الغصب أو البيع الباطل، وروى عنه أبو حفص أنّها لا تتعيّن فى البيع الفاسد. وجهُ رواية أبى حفص أنّ البيع الفاسدَ قد اعتُبر كالبيع الصّحيح فى بعض الأحكام، مثل ثبوت الملك بعد القبض، فكما أنّ النّقود لاتتعيّن فى البيع الصّحيح، لا تتعيّن فى البيع الفاسد أيضاً. ووجهُ رواية أبى سليمان أنّ الثّمن فى يد البائع بمنزلة المغصوب فى كونهما مقبوضين لاعلى وجه مشروع، فكما أنّ النّقود المغصوبةَ تتعيّن، فإنّها تتعيّن فى البيع الفاسد أيضاً. وذكر صاحبُ الهداية أنّ روايةَ أبى سليمان أنّ النّقود تتعيّن فى البيع الفاسد هى الأصحّ.(١) (١) الهداية مع العناية ٦: ١٠١ المبحث الرابع فی الشَّروط التى ترجع إلى صُلب العقد 2 كر ٢١٦- البابالأول فی تعليق البيع أو إضافته إلى المستقبل وبعد الفراغ من شروط صحّة البيع الّتى ترجع إلى المتعاقدين والمعقودعليه من المبيع والثّمن، نرجع الآن إلى الشّروط التى ترجع إلى صُلب العقد، والله سبحانه ولىّ التوفيق. ٢١٧-الشرط الأول: أن يكون البيع مُنجّزا فمن شروط صحّة البيع أن يكون العقدُ منجَّزاً، فلا يجوز البيعُ المعلّق على شرط، فإنّ الفقهاءَ اتّفقوا على أنّ البيعَ من العقود الّتى لاتقبل التّعليق. (١) وذكر الفقهاء رحمهم (١) ذكرت الموسوعة الفقهية الكويتية ١٢: ٣١٦ أن هذا الأمر متفق عليه بين الفقهاء. وسيأتى فى المتن عبارات الحنفية. وأمّا المذاهب الثلاثة الأخرى، فقال شمس الدين ابن قدامة فى تعليل مسألة: "وإنما فسدالبیع لأنه معلق بشرط مستقبل، فلم یصح .. کما لوقال: إن ولدت ناقتی فصیلا فقد بعتكه بدینار." (الشرح الكبير مع المغنى ٤: ٥٨) وقال البهوتي: "الثالث: مالا ينعقد معه بيع، وهو المعلق عليه البيع كبعتك كذاإن جئتنى. لأنه عقد معاوضة، وهو يقتضى نقل الملك حال العقد، والشرط يمنعه" = ٤٧٨ فقه البيوع الله تعالى أنّ ما كان مبادلةَ مال بمال يُبطله التّعليقُ بالشّرط. فإن قال البائع: "بعتُك هذا الثّوبَ إن نجحتُ فى الامتحان. " وقَبله المشترى، لم يصحّ البيع. وعدمُ جواز التّعليق فى البيع هو المقرّر فى المذاهب الأربعة. والحجّةُ لهم أنّ البيعَ كلّما تعلّق بأمر دخله الغرر. وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر. وقدّمنا أنّ الغرر يشمل معانى ثلاثة، منها تعليقُ التّمليك على الخطر. ولأنّ من شرط صحّة البيع رضا العاقدين عند انتقال الملك كما هو مصرّحٌ فى قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَّكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ (النساء: ٢٩) وفى حديث أبى سعيد الخدرىّ رضى الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "إنّما البيعُ عن تراضٍ. "(١) والتّراضى إنّما يتحقّق بالجزم. وإن كان البيعُ معلّقاً على أمر فى المستقبل، فقد يفوتُ رضا أحد العاقدين عند وجود الشّرط. وبهذا عّل القرافيّ رحمه الله تعالى عدمَ = (شرح منتهى الإرادات ٢: ١٦٤) وذكر النووىّ رحمه الله تعالى البيع والإجارة فيمالا يقبل التعليق (روضة الطالبين ٣: ٣٣٨) وذكر القرافيّ رحمه الله تعالى البيع مما لا يقبل التعليق، فقال: "ولا يصحّ التعليق عليه بأن يقول: إن قدم زيد فقد بعتك أو آجرتك بسبب أن انتقال الأملاك يعتمد الرضا، والرضا إنما يكون مع الجزم، ولاجزم مع التعليق، فإنّ شأن المعلق عليه أن يكون يعترضه عدم الحصول، وقديكون معلوم الحصول كقدوم الحاجّ وحصاد الزرع، ولكن الاعتبار فى ذلك بجنس الشرط دون أنواعه وأفراده، فلوحظ المعنى العام، دون خصوصيات الأنواع والأفراد." (الفروق للفراقى، الفرق الخامس والأربعون ٢٢٩:١) (١) السنن الكبرى للبيهقي، كتاب البيوع، باب بيع المضطر، ج٦ ص ١٧ المبحث الرابع جواز البيع المعلّق. (١) أمّا ابنُ تيميّة وابنُ القيّم رحمهما الله تعالى، فرأيا جوازَ تعليق البيع بشرط، إذا كان فيه منفعةٌ للنّاس. قال ابنُ القيّم رحمه الله تعالى: "وتعليقُ العقود والفسوخ والتبرّعات والالتزامات وغيرها بالشّروط أمرٌ قد تدعو إليه الضّرورة أو الحاجة أو المصلحة، فلا يستغنى عنه المكلّف ... ونصَّ الإمام أحمدُ على جواز تعليق البيع فى قوله: "إن بعتَ هذه الجاريةَ، فأنا أحقُّ بها بالثّمن. "واحتجّ بأنّه قول ابن مسعود "(٢) وأثرُ ابن مسعود رضى الله تعالى عنه الّذى أشار إليه ابنُ القيّم أخرجه مالك رحمهما الله تعالى فى الموطأ: "أنّ عبدالله بن مسعود ابتاع جاريةً من امرأته زينب الثّقفيّة، واشترطتْ عليه أنّك إن بعتَها فهي لى بالثّمن الذى تبيعُها به، فسأل عبدُ الله بنُ مسعود عن ذلك عمرَ بنَ الخطّاب، فقال: لاتقرُبُها، وفيها شرطٌ لأحد."(٣) وبمثله أخرجه أبويوسف فى كتاب الآثار، ومحمّد فى الموطأ، وسعيدبن منصور فى سننه.(٤) وجميع هذه الرّوايات متّفقةٌ على أنّ ابن مسعود رضى الله تعالى عنه لم يُفتِ (١) الفروق للفراقى، الفرق الخامس والأربعون ٢٢٩:١ (٢) إعلام الموقعين ٣: ٣٣٨ فصل الحيلة فى الصلح عن المال ببعضه، طبع دار الجيل، بيروت ١٩٧٣ (٣) موطأ الإمام مالك، كتاب البيوع، باب ما يُفعل فى الوليدة إذا بيعت والشّرط فيها، ص ٥٧٢ (٤) وزاد سعيد بن منصور فى رواية: "أخبرنا سعيد، نا عيسى بن يونس، نا الأوزاعيّ، قال: "ابتعت جاريةٌ واشْتُرِط عليّ أن لا أبيع ولا أهب ولا أمهر، فإذا متُّ فهي حرّةٌ، فسألت عطاءً - أو سُئِل - فكّرِهه، وسألتُ الحكمَ بنَ عتيبةَ قال: ليس به بأسٌ، وسألت مكحولاً، فقال: لا بأس به، فقلت: أتخاف عليّ فيه=