النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤٠
فقه البيوع
والتّوى عند الحنفيّة أن يجحَد المُحالُ عليه الدّينَ أو الحوالةَ، ويحلِف، ولابيّنةَ عند
المُحيل ولا عند المحال عليه، أو يُحكم عليه بالإفلاس على قول الصّاحبين، أو يموت
مفلساً عند الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى.(١)
وحجّةُ الحنفيّة فى ذلك ما رواه البيهقيّ عن عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه أنّه قال:
"ليس على مال امرئ مسلم توى، يعنى حوالة. "(٢) وقد بسطتُ الكلام على إسناده فى
شرح صحيح مسلم، كما ذكرتُ هناك أنّ مثلَ هذا القول مرويٌّ أيضاً عن عليّ بن أبى
طالب، والحسن البصريّ، وإبراهيم النّخعيّ، وشُريح رضيَ الله تعالى عنهم.(٣)
والواقعُ أنّ حقَّ الرّجوع على المحيل فى حالة التّوى هو الّذى يُميّز الحوالةَ عن بيع الدّين
بالدّين، وإلاّ فلا فرق بينه وبين بيع الكالئ بالكالئ الّذى نهى عنه رسولُ الله صلّى الله عليه
وسلّم. ولذلك اضطرّ الأئمّة الثّلاثة إلى القول بأنّ الحوالةَ مستثناةٌ من حُرمة بيع الدِّين
بالدّين. يقول ابنُ رشد الحفيد رحمه الله تعالى: "الحوالةُ معاملةٌ صحيحةٌ مستثناةٌ من
الدَّين بالدّين. "(٤)
وبعد تمهيد أحكام الحوالة الأساسيّة، نذكر البيوع المعاصرة الّتى تتمّ بطريق البنوك، إمّا
بالحوالة الحقيقيّة، أو بما يشبهها. وإنّ وفاء الثّمن عن طريق البنوك له صورٌ مختلفةٌ نذكرها
فيما يلى، وبالله سبحانه التّوفيق للسّداد والصّواب.
(١) فتح القدير ٦: ٣٥٣
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٧١
(٣) تكملة فتح الملهم ١: ٣٢٥ و٣٢٦
(٤) بداية المجتهد ٢٩٩:٢

0
المبحث الثالث
تطبيقات معاصرة لأداء الثّمن
عن طريق الحوالة
٢٠٠ - التّحويل المصرفيّ
١- ربما يقعُ تسليمُ النّقود عن طريق التّحويل المصرفيّ (Bank Transfer) وذلك
بأن يكون لزيدٍ رصيدٌ فى حسابه الجارى (current Account) لدى بنك ألف،
ولعمرو رصيدٌ فى حسابه الجارى (current Account) لدى بنك ب، فيأمر زيدٌ
بنك ألف أن يُحوّل مبلغاً إلى رصيد عمرو فى بنك ب. فحينما يدخلُ المبلغُ فى
رصيد عمرو فى بنك ب، يُعتبر عمروٌ قابضاً لتلك النّقود. وحقيقته فقهاً أن بنك ألف
مدينٌ لزيدٍ بمبلغٍ رصيدِهِ، وأَمْرُه بتحويلِ المبلغ أمرٌ بدفع دينه الّذى على البنك إلى
وكيل عمرو. وبنك ب وكيلٌ لعمرو فى قبض المبلغ. فقبضُه نيابةً عن عمرو قبضٌ
من عمرو حُكمًا. وبهذه الصّفة قبضُ بنك ب قبضُ أمانة. ثمّ بخَلْط البنك هذا المبلغَ
بأمواله الأخرى يُصبحُ مضموناً عليه، وينقلبُ إلى قبضِ ضمان. وقد يقعُ هذا
التّحويلُ بعُملاتٍ مختلفة، وسيأتى حكمُه فى مبحث الصَّرف إن شاء الله تعالى.
٢٠١ - وفاء الثّمن عن طريق الشّيكات
٢- وقديقع تسليمُ النّقود عن طريق الشّيكات (Cheques). والشّيكات جمع
شيك، وهو ورقٌ يُصدره مَن له حسابٌ فى بنك، فيُريد أن يسحب به مبلغاً من
رصيده عند البنك، إمّا ليأخذ ذلك المبلغ بنفسه، أو ليأخذ منه شخصٌ آخر
مكتوبٌ عليه اسمُه، أو ليأخذه من ذلك الحساب مَن يعرضه على البنك بدون

٤٤٢
فقه البيوع
تسميته. وفى هذه الحالة الأخيرة يُسمّى الشّيك "الشّيك لحامله" ( Bearer
.(Cheque
ورأى جمعٌ من العلماء المعاصرين أنّه ينبغى أن يُعتبر تسلّمُ الشّيك قبضاً لمبلغه. أمّا
احتمال فشَل الشّيك، فلا ينبغى أن يُلتفت إليه، لأنّ القانون يفرض عقوباتٍ شديدةً
على من أصدر شيكاً بدون رصيد. ومثلُ هذا الاحتمال قائم فى تسليم النّقود فعلاً،
وهو كونُ النّقود مزيّفة، ولكنّ هذا الاحتمال لا يمنع تمام القبض، فكذلك احتمالُ
فشل الشّيك.
وذكر بعضُ المعاصرين فى التّدليل على كون قبض الشّيك قبضاً حكميّاً أنّ الفقهاء
جعلوا الحوالةَ بمنزلة القبض.(١)
وذكر بعضُ المعاصرين أنّ حصول القبض أمرٌ يثبت بالعُرف. قال ابن قدامة رحمه
الله تعالى:
"لأنّ القبضَ مطلقٌ فى الشّرع، فيجبُ الرّجوعُ فيه إلى العرف، كالإحراز
(١) إنما ذكره ابن قدامة رحمه الله تعالى فى بيان أنّ الحوالة إنّما تصحّ على دين مستقرً فى ذمّة
المُحال عليه. فإن أحال البائعُ على مشتريه بالثّمن وقد ظهر فى المبيع عيبٌ، هل تبطل الحوالة؟
فذكرأنّ ظهور العيب إن كان قبل القبض من المحال عليه، فإنّ فيه وجهين: أحدهما تبطل
الحوالة، والثّانى: لاتبطل. وذكر فى التّدليل على عدم البطلان أنّ الحوالة بمنزلة القبض، فكأنّ
المحيل أقبض المحتال دينه، فيرجع عليه به، ويأخذ المحتالُ من المُحال علیه. وإن كان ظهور
العيب بعد القبض لم تبطل الحوالة وجهاً واحداً. (راجع المغنى لابن قدامة ٥: ٥٦) وهذا السّياق
يدلّ على أنّ المراد من كون الحوالة بمنزلة القبض هو براءةُ ذمّة المُحيل فقط.

٤٤٣
المبحث الثالث
والتّفرّق."(١)
وجرى العرفُ بأنّ قبض الشّيك يُعتبر قبضاً لمحتواه.، فينبغى أن يبتنيَ حكم الشّرع
على هذا العُرف. ولكنّ الصّحيح عندنا أنّه لايُمكن إطلاقُ القول بأنّ قبضَ جميع
الشّيكات فى حكم قبض محتواه. وذلك لأنّ الواقع أنّ الشّيك على ثلاثة أقسام:
الشّيك المصرفيّ (Bank Draft or Cashiers Cheque) والشّيك المصدّق
(Certified Cheque) والشّيك الشّخصيّ، (personal cheque) وينبغى أن ننظر
فى حقيقة هذه الأقسام الثّلاثة لمعرفة الحكم الشّرعيّ فى كلّ واحدٍ من هذه الأقسام
على حدته، وبالله سبحانه التّوفيق.
٢٠٢ - الشيك المصرفىّ (Bank Draft)
وتعريف الشّيك المصرفىّ ما جاء فى معجم او كسفورد:
"A cheque drawn by a bank on itself or its agent. A person
who owes money to another buys the draft from a bank for
cash and hands it to the creditor who need have no fear that it
might be dishonoured."(2)
"الشّيك المصرفىّ شيكٌ يُصدِره بنكٌ فى ذمّته، أو ذمّة وكيل له. إنّ.
الشّخص الّذى هو مدينٌ لآخر يشترى الشّيك المصرفىّ من بنك بدفع
مبلغه نقداً، ويُسلّم الشيك المصرفىّ إلى دائنه، ليأمنَ الدائنُ من خوف أن
يفْشلَ الشّیك."
(١) المغني لابن قدامة ٤: ٢٢٠
(Y) Oxford Dictionary of Finance and Banking, p.34

٤٤٤
فقه البيوع
وحاصلُ هذا التّعريف أنّ الشّيك المصرفىّ ليس هو الشّيك العاديّ الَّذى يُسمّى
"الشيك الشّخصيّ". فإنّ الشّيك المصرفىّ يُصدره البنك نفسُه، وهو التزامٌ من
البنك بدفع مبلغَ الشّيك فى حساب من أُصدر لصالحه. ولا يُمكن للبنك الّذى
أصدره أن يرفُض الدّفع. والعادةُ أنّ الذى يُريد إصدارَ الشّيك المصرفيّ لصالح
دائنه، يدفع مبلغَ الشّيك نقداً إلى البنك المصدر فى بعض الحالات، ولكن فى أكثر
الأحوال يأمره بسحب مبلغه من حسابه فى ذلك البنك. ومن ثَمّ يسحب البنك ذلك
المبلغَ من حسابه، ويُودعه فى حساب خاصّ إلى أن يُدفعَ مبلغُ الشّيك إلى الدائن.
والمعمولُ به أنّ الدائنَ بعد تسلّم الشّيك المصرفىّ يُسلّمه إلى بنكه الذى يتقاضى
البنكَ المصدِرَ بتحويل المبلغ إلى حساب الدائن لديه.
وقد اعتبر جمع من العلماء المعاصرين تسلُم الشّيك المصرفیّ قبضاً حُكميًّا. وبه
صدر قرار مجمع الفقه الإسلاميّ العالمىّ، حيث ذُكرفى صور القبض الحكميّ ما
يأتى:
"تسلُم الشّيك إذا كان له رصيدٌ قابلٌ للسّحب بالعُملة المكتوب بها عند
استيفاءه، وحجزه المصرف."(١)
والمراد من الشّيك هنا الشّيك المصرفىّ، لأنّ الشّيك الشّخصيّ العاديّ لا يحجُز فيه
المصرفُ مبلغَ الشّيك، وإنّما يحْجُزه عند إصدار الشّيك المصرفىّ. وقد اعتبروه
قبضاً على أساس أنّ الذى دفع الشّيك المصرفىّ إلى البائع تمّت منه التّخليةُ الّتى
(١) مجلة مجمع الفقه الإسلامىّ، العدد السادس ١: ٧٧٢ قرار رقم ٥٥/٤/٦ بجدة ١٤١٠ هـ وبه أخذ
معيار المتاجرة فى العملات (بند ٦/٢ب) من المعايير الشرعيّة الصادرة من المجلس الشرعيّ
للمؤسسات المالية الإسلاميّة.

٤٤٥
المبحث الثالث
اعتبرها الفقهاء الحنفيّةُ قبضاً حكمیًا.
ويُمكن تخريجُه على أنّ المشتريَ دفَع المبلغَ إلى البنك المصدر للشّيك، أو أمره
بسَخْب ذلك المبلغ من حسابه ليدفعه إلى البائع. والبنك الذى أصدر الشّيك حَجَز
مبلغَ الشّيك عنده لصالح البائع، وقَبل دفعَه إليه عندما يُطلب منه ذلك. فكأنّ البائعَ
وكّل البنك المصدر لتسلّم ذلك المبلغ من المشترى. فحينئذٍ يُعتبرُ قبضُه قبضَ
الأصيل. جاء فى دُرر الحكّام:
"أمّا إذا سلّم البائعُ المبيعَ إلى شخص أمر المشترى بتسليمِه إليه، فقد
حصل القبض، كما لو سلّم البائعُ المبيعَ إلى المشترى نفسِه."(١)
ولكنّ البائعَ فى مسئلتنا لم يُوكّله بذلك صراحةً، إلاّ أن يُقال: إنّه حينما قبل البائعُ أن
يُدفعَ الثّمنُ بطريق الشّيك المصرفىّ، فكأنّه جعل البنكَ المصدِرَ للشّيك وكيلاً له
فى قبض الثّمن، وربّما يُشكل عليه أنّ البائعَ حينما يرضى بقبول الشّيك المصرفىّ،
قد لا يعرفُ البنكَ الّذي يُصْدِر الشّيك، فيكونُ توكيلاً للمجهول، وهو لا يجوز.(٢)
ويُمكن التّفصّى عن هذا الاعتراض بأنّ توكيلَ المجهول بقبضِ الدَّين إنّما لايجوز من
أجل أنّه يؤدّى إلى النّزاع، فإنّ المديونَ إذا دفع إلى رجلٍ ظناً منه بأنّه هو الوكيلُ
بالقبض، وادّعى الدّائنُ أنّه لم يكن وكيلاً، يؤدّى ذلك إلى نزاع. أمّا إصدارُ الشّيك
المصرفيّ، فقد صار الآن من أوثق الوسائل فى تسديد الدّيون، ولا يؤدّى إلى نزاع أبداً.
(١) درر الحكام، مادة ٢٦٢
(٢) شرح المجلة للأناسي ٤: ٤١٨ والإنصاف للمرداويّ، باب الوكالة ٥: ٣٥٥ والبيان للعمراني"
اليمني، كتاب الوكالة ٤٠٨:٦

٤٤٦
فقه البيوع
ولذلك أجاز بعضُ الفقهاء بعضَ صُور توكيل المجهول. فقد نُقل عن الإمام أبى حنيفة
رحمه الله تعالى أنّ الموكّل إن قال لشخصين: أيُّكما باع عبدى، فجائز. فإذا باعه
أحدُهما، صحّ.(١)
ويُمكن أن يُعترض على صحّة القبض بالشّيك المصرفيّ ثانياً: أنّ البنك لو كان وكيلاً
للبائع فى قبض المبلغ، لمّا جاز له أن يتصرّف فيه، فإنّ قبضَه قبضُ أمانة، ولكنّ
البنكَ بعد إخراج المبلغ من حساب المشترى، يجعلُه فى حساب مستقلٌ يُسمّى
"حسابَ المصروفات" (payables) وتُعتبر المبالغُ المودَعةُ فيه دَيناً على البنك،
والبنكُ يستخدمها فى العُرف لصالحه إلى أن يتسلّمها منه صاحبُ الحقّ.
ويُمكن التّفصّى عن هذا الإشكال بأنّه كان أمانةً ابتداءً، ثمّ صار مضموناً عليه بالخلط
بأمواله الأخرى، وقد جرى التّعاملُ بمثل هذا الخلط فى جميع حسابات البنوك.
وبهذا يُمكن أن يُقال إنّ القبض على الشّيك المصرفيّ قبضٌ على محتواه بطريق
الوكالة، لا الحوالة.
٢٠٣- الشيك المصدّق (Certified Cheque)
والقسم الثّانى: هو الشّيك المصدّق. وهو الشّيك الّذى يُصدَر من صاحب حساب
فى بنك لصالح المستفيد، ولكن يَحْمِل هذا الشّيك تصديقاً من البنك أنّ مبلغَ
الشّيك موجودٌ فى رصيد المصدر قابل للسّحب، ويكتب عليه البنكُ عادةً كلمة
"مقبول" (Accepted) وفى مثل هذا الشّيك يعزل البنكُ مبلغَ الشّيك من حساب
(١) البيان للعمرانيّ، كتاب الوكالة ٤٠٨:٦

٤٤٧
المبحث الثالث
المصدر إلى حساب نفسه.(١)
والظّاهر أنّ مثلَ هذا الشّيك لا يختلفُ عن الشّيك المصرفيّ إلاّ فى أنّ المصدرَ فى
الشّيك المصرفيّ هو البنك نفسُه، وفى البنك المصدَّق يُصدره صاحب الحساب.
ولكنّ مبلغَه محجوزٌ عند البنك، كما كان محجوزاً فى الشّيك المصرفيّ. ومادام أنّ
المبلغ محجوزٌ عند البنك، فإنّ ما ذكرناه فى الشّيك المصرفيّ ينطبق تماماً على
الشّيك المصدّق أيضاً.
٢٠٤ - الشّيك الشخصيّ (personal cheque)
أمّا الشّيك الشّخصيّ، فهو أمرٌ للبنك بسحب مبلغ من حساب مُصدره، وليس فيه
توثيقٌ من البنك بأنّ ذلك المبلغ مُيسّرٌ للسّحب فى حساب مُصدر الشّيك، ولا التزامٌ
من البنك بأداءه. فإن عُرض هذا الشّيك على البنك، ورأى البنكُ أنّ مبلغَه موجودٌ
فى حساب المصدر، ويحقّ له أن يسحبه من حسابه حسبَ التّعاقد معه، فإنّ البنكَ
ملزَمٌ بدفعه، وإن لم يكن فى حسابه ذلك المبلغ، أو كان، ولكن لايحِقّ للمُصدر
سحبُه حسبَ تعاقده مع البنك، فإنّه يحقّ له أن يرفُضه، ولا يدفع شيئاً.
وقد شاع فى كثيرٍ من البيوع الرّائجة اليومَ أنّ المشتريَ يُوفى الثّمن بطريق إصدار
الشّيك الشّخصيّ باسم البائع، أو يُصدر الشّيك لحامله، ليحصُل البائع على مبلغه من
البنك، إمّا نقداً إن كان الشّيك لحامله، وإمّا بإيداع ذلك المبلغ فى رصيد البائع فى
ذلك البنك، أو فى بنك آخر له فيه حساب.
(1) Wikipedia, in its article on Cheque: Variations on regular cheques.

٤٤٨
فقه البيوع
وحقيقةُ هذه العمليّة فقهاً أنّ المشتريَ يُحيل البائعَ على بنكه، فهو مُحيل، والبائع مُحتال،
والبنك مُحالٌ عليه. فإن رضيَ البائع بقبول الشّيك، حصل به رضا المحيل والمحتال. أمّا
البنك، فلم يرضَ بهذه الحوالة بعدُ، فتمّت الحوالةُ عند من لا يشترط رضا المحتال عليه
لصحّة الحوالة، وهم الحنابلة والمالكيّة والشّافعيّة فى الرّاجح من مذهبهم. ولكن تصحّ
الحوالةُ عندهم بشرط أن يكون لمصدر الشّيك رصيدٌ قابلٌ للسّحب بقدر مبلغ الشّيك،
فإنّ الحوالةَ عندهم مقيّدةٌ دائماً بدين المحيل على المحال عليه. أمّا الّذين يشترطون
رضا المحتال عليه لصحّة الحوالة، مثل الحنفيّة، فلا تتمّ الحوالةُ عند إصدار هذا الشّيك
وتسليمه إلى المحال، لأنّ البنك، وهو المحال عليه، لم يتمّ رضاه بعدُ. ولكن إن قبل
البنكُ الشّيك، تمّت الحوالةُ فى ذلك الوقت، وحصل الاستيفاءُ بطريق الحوالة.
والسّؤال: إن قبض البائعُ على الشّيك الشّخصيّ الموقّع من قِبَل المشترى، هل يُعتبر
ذلك قبضاً من البائع للثّمن قبل عرضه على البنك المحال عليه واستيفاء مبلغه منه؟
والظّاهر فى مثل هذا الشّيك أنّه لا يعدُو من كونه حوالةً، فتبرأُ به ذمّةُ المشترى أو
المديون عند تمام الحوالة، وتنتقل الذّمَّةُ إلى البنك. ولكنّ اعتباره قبضاً فى عمليّة
الصَّرف فيه إشكالٌ قويّ، لأنّ القبضَ لا يتحقّق إلّ بأن يستطيع القابضُ التّصرّفَ فى
المقبوض بدون حائل. وتصرّفُ حامل الشّيك فى محتواه معلّقٌ على ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون ذلك المبلغُ فى رصيد المصدر،
والثّانى: أن يكون سحب المبلغ مستحقّاً له حسب تعاقده من البنك.
والثّالث: أن لا يمنعَ المصدرُ البنكَ بإيقاف الدّفع بعد إصدار الشّيك وتسليمِه إلى
المستفید ..

٤٤٩
0
المبحث الثالث
فإن فات واحدٌ من هذه الشّروط، لم يتمكّن حاملُ الشّيك من استيفاء المبلغ حقيقةً.
صحيحٌ أنّ إصدار الشّيك الفاشل جريمةٌ فى القانون، ولكنّ المعاقبةَ القانونيّةَ
للمُصدِرِ لا ترُدّ الواقع أنّ حاملَ الشّيك لم يحصل على حقّه بوساطة الشّيك.
والقياسُ على النّقود المزيّفة لا يبدو صحيحاً، لأنّ النّقود هيَ محلٌّ عقد الصَّرف،
وهى المقصودُ بالعقد، فالقبضُ عليها قبضٌ على المبيع، سواءٌ كان معيباً. فإن ظهرت
مزيّفةً، بطل الصَّرف، أو وجب بدلُها على اختلاف القولين. أمّا الشّيك، فليس محلاً
للعقد، ولا مقصوداً بذاته، وإنّما المقصودُ ما يُمثّله من المبلغ. فإن فشِل الشّيك، فلا
يُقال إنّ العيب ظهر فى المعقود عليه.
أمّا ماذكره بعضُ الفقهاء من أنّ الحوالةَ بمنزلة القبض، فالمقصودُ منه أنّ الحوالةَ
تُبرئ ذمّة المشترى أو المديون، وليس مرادُهم فى الظاهر أنّه قبضٌ فى عقد الصَّرف.
ویتبیّن ذلك بما قاله ابن قدامة رحمه الله تعالى:
"وإن أحال المكاتَبُ سيّدَه بنجم قد حلّ عليه، صحّ، وبرئت ذمّةُ المكاتَب
بالحوالة، ويكون ذلك بمنزلة القبض." (١)
فالظّاهر كونُ الحوالة بمنزلة القبض فى حقّ براءة ذمّة المحيل فقط، على أنّ الحوالة
لا تتمّ بمجرد إصدار الشّيك الشّخصيّ عند الفقهاء الّذين يشترطون رضا المحال
عليه لصحّة الحوالة، وهم الحنفيّة وبعض الشّافعيّة وبعضُ المالكيّة، كما قدّمناه.
أمّا القولُ بأنّ العُرف يعتبر القبضَ على الشّيك قبضاً حكميّاً، فإنّه منقوضٌ لوجهين:
(١) المغني لابن قدامة ٥٦:٥

٤٥٠
فقه البيوع
الوجه الأول: أنّه ليس ذلك غُرفاً عاماً، بل يحِقّ للدائن أو البائع أن يرفُض فى العُرف
والقانون قبولَ الشّيك الشّخصيّ من حيثُ كونه أداةً لاستيفاء حقّه. ولذلك جاء فى
الموسوعة المعروفة Wikipedia:
"In the USA, a check as a form of payment can legally be
refused for any reason (or no reason). Simply put: a payment
via check is not a "payment" until the check was cashed and
1(clears the bank."
يعنى: "يُمكن فى أمريكا قانوناً أن يُرفض كونُ الشّيك أداةً للاستيفاء لأيّ سبب، بل
بلاسبب أيضاً. وبعبارة بسيطة: تسديدُ مبلغ عن طريق الشّيك ليس "تسديداً" ما لم
يُنضّض الشّیك إلى نقد، و يقبله البنك."
وجاء فى المادّة ٤٥ (٢) من قانون بيع المال الإنكليزيّ ١٨٩٣ ما خلاصتُه أنّه إن
أُصدر من قبل المشترى ورقٌ قابلٌ للتّداول (وهذا الاصطلاح يتناول الشّيك أيضاً)
وتسلّمه المشترى بصفته "وفاءً مشروطاً" ولم يحصل ذلك الشّرطَ بسب فشل
الورق أو بسبب آخر، فإنّه يُعتبر أنّ البائعَ لم يوفَ له الثّمن." (٢) وبهذا يتبيّن أنّ
(1) Wikipedia, under the article "Payment"
(Y) "The seller of goods is deemed to be an "unpaid seller" within the meaning of
this Act
(a) ...
(b) when a bill of exchange or other negotiable instrument has been received as
conditional payment, and the condition on which it is received has not been
fulfilled by reason of the dishonor of the instrument or otherwise." (Sale of
Goods Act, Section 45)

المبحث الثالث
الأصلَ أنّ تسليم الشّيك لايُعتبر قبضاً لمحتواه، ولكن يحقّ للطّرفين فى بعض
الأوراق القابلة للتّداول، مثل الكمبيالة، أن يتّفقا على كونه نهائيّاً، وحينئذ يكون العقد
عقد بيع الدّين، كما مرّ فى حكم الكمبيالة
والوجهُ الثّانى: أنّ القبضَ الحكميّ إنّما يُعتبر فى البيوع العاديّة. أمّا عقود الصَّرف،
فإنّه يلزم فيها القبض الحقيقيّ: وإنّ مذهب الحنفيّة أوسعُ المذاهب فى اعتبار
التّخلية قبضاً حكميّاً، (لأنّ غيرهم من الأئمّة الأربعة لايعتبرون التّخليةَ فى حكم
القبض الحقيقيّ فى غير العقار). ثمّ قد صرّح الحنفيّةُ بأنّ التّخليةَ لا تقوم مقامَ القبض
فى الصَّرْف. فقد جاء فى الدّرّ المختار عند بيان شروط صحّة الصَّرْف: "والتّقابضُ
بالبراجم، لا بالتّخلية. " وقال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى تحته:
"قوله: "لا بالتّخلية" أشار إلى أنّ التّقييد بالبراجم للاحتراز عن التّخلية،
واشتراطِ القبض بالفعل، لاخصوص البراجم، حتّى لو وضعه له فى كفّه أو
فی جیبه، صار قابضاً. "(١)
ومن هذه الجهات يصعُب أن يُقال إنّ قبض الشّيك الشّخصيّ قبضٌ لمحتواه فى
الصَّرف. ولذلك قيّد مجمع الفقه الإسلاميّ اعتباره قبضاً حكميّاً بأن يحجُز البنك
مبلغَه، وهذا لايقع فى الشّيك الشّخصيّ. ومعنى ذلك أنّ المجمع قصر قرارَه على
الشّيك المصرفيّ، ولم يقُلْ بأنّ تسلّم الشّيك الشّخصيّ يقوم مقام القبض الحقيقيّ.
والّذى يظهر لى- والله سبحانه أعلم - أنّ العلماء الّذين اعتبروا قبض الشّيك
الشّخصيّ قبضاً حكميًا إنّما فعلوا ذلك لضرورة إرسال المبالغ عن طريق البنك، وقد
(١) ردالمحتار" باب الصَّرف ١٥: ٥٢٠ فقره ٢٥١٢٣

٤٥٢
فقه البيوع
اعتبروه صرفاً يُشترط فيه التّقابض فى المجلس. وسوف نبحث هذه القضية فى باب
الصَّرف إن شاء الله تعالی.
٢٠٥ - إيفاء الثّمن عن طريق بطاقات الإئتمان
٣- وقد يقع دفعُ الثّمن عن طريق بطاقة الائتمان (Credit Card) وخلاصة هذه
العمليّة أنّ بعض البنوك تُصدر هذه البطاقات وتُعطيها لعملائها لقاءَ رسوم محدّدة،
وللبنوك تعاقدٌ مع التّجّار بأنّ حاملَ هذه البطاقة حينما يشترى منهم بضاعةً أو خدمةً
متقوّمة، فإنّه بدلاً من دفع قيمتها أو أجرتها نقداً، يُريهم هذه البطاقة، والتّاجرُ بعد التّأكّد
من صحّتها، يحصل على توقيع من المشترى على فاتورة البيع أو الإجارة. وبذلك
تنتهى مسئوليّةُ حامل البطاقة. ثمّ البنكُ مُصدِرُ البطاقة قد يسحَب مبلغ الثّمن من
حساب المشترى لديه، ويُحوّله إلى حساب البائع، وقد يدفعُ الثّمنَ إلى التّاجر بنفسه
بعد حَسْم عمولته، ويحصُّل على ذلك الثّمن من المشترى حامل البطاقة فى مدّة
معلومة. فإن لم يؤدّ المشترى ذلك الثّمن فى مدّة محدّدة ، فإنّ مُصدر البطاقة يتقاضى
عليها فائدةً ربويّة.
وإنّ اسم "بطاقة الإئتمان" وإن كان يُطلق فى العرف العامّ لجميع البطاقات التى
يُدفع الثمن بها ، ولكنّ الواقع الاصطلاحيّ أنّ هذه البطاقاتِ على أقسام ثلاثة،
وحكمُ كلّ واحدٍ منها يختلف عن الآخر فى بعض الحالات. فنذكر حكم كلّ واحد
منها وتكييفها الشّرعيّ بصفة مستقلّة فيما يأتى إن شاء الله تعالى، وبالله سبحانه
التّوفيق للسّداد والصّواب.

٤٥٣
المبحث الثالث
٢٠٦ - القسم الأول: بطاقة الإئتمان
المراد من "بطاقة الإئتمان" فى الاصطلاح المصرفيّ بطاقةٌ يُتيحُ لحاملها فرصةً أن
يشتريَ بها بضائع، وأن يؤدّيَ مُصدرُ البطاقة ثمنَها إلى التّاجر، ثمّ إنّه يُعطى حاملَ
البطاقة أجلاً لدفع ذلك الثّمن مع فائدة ربويّة. وإنّ العمليّةَ فى هذه البطاقة عمليّةٌ
ربويّةٌ بحتة لاتجوز، ولا يحتاج بيانُ حكمها إلى تفصيل آخر.
٢٠٧ - القسم الثّاني: بطاقة الحسم الفوريّ (Debit Card)
وإنّ هذه البطاقة تُصدَر لمن له حسابٌ فى البنك المصدر. وحينما يشترى حاملُ
البطاقة بضاعةً من التّاجر، ويوقّع على الفاتورة، فإنّ مبلغَ الثّمن يُسحب من حسابه
فوراً، ويدفع البنكُ المصدِر ذلك المبلغ إلى التّاجر. ومِيزة هذه البطاقة أنّه ليس فيها
احتمالُ فرض الفائدة الرّبويّة على حاملها، لأنّها لاتُستخدم إلا فى حدود رصيده فى
البنك، وإنّ البنك يسحب المبلغَ من ذلك الحساب فوراً.
وإنّ تكييفها الفقهيّ أنّ المشتريَ أصبح مديناً للتّاجر، ووجب عليه دفعُ الثّمن، ولكنّه
حوّل البائعَ إلى مُصدر البطاقة، ليتقاضى البائعُ الثّمنَ منه، وقَبل البائع ذلك.
فالمشترى مُحيلٌ، والبائعُ مُحال، ومُصْدِرُ البطاقة مُحالٌ عليه. وبما أنّ المحالَ علیه،
وهو البنك، مديونٌ للمُحيل (حامل البطاقة) بدين مستقرٍّ فى ذمّته، لأنّ له رصيداً
كافياً لدى البنك، فإنّ هذه الحوالةَ مقيّدةٌ تجوز فى جميع المذاهب. وقد تمّت
الحوالةُ برضا كلّ واحدٍ من هذه الأطراف، لأنّ إصدارَ البطاقة لصالح المشترى
موافَقةٌ من البنك المصدر على قبول الحوالة بحدود رصيد المشترى عنده.
والعادةُ فى كثير من بطاقات الحسم الفوريّ أنّ المصدر لايتقاضى على الإصدار أيّةَ

٤٥٤
فقه البيوع
رسوم، ولئن كان أحدٌ من البنوك يتقاضى عليها رسوماً، فإنّه ينطبق عليها ما سيأتى
من حكمها فى القسم الآتى إن شاء الله تعالى. وكذلك ليس فى هذه البطاقة احتمالُ
فرض الفائدة الرّبويّة. ولذلك ليس هناك محظور شرعيّ فى استخدام هذه البطاقة
بالنّسبة لحاملها. أمّا بالنّسبة إلى التّاجر الذى يقبل البطاقة ويبيع البضائع على أساس
ذلك، فحكمُه سيأتى فى القسم الثّانى إن شاء الله تعالى.
٢٠٨- القسم الثّالث: بطاقة الحسم المتأخر (Charge Card)
أمّا بطاقةُ الحسم المتأخّر، فإنّه لايُشترطُ فيها أن يكونَ لحامل البطاقة رصيدٌ فى
البنك المصدر، بل يُصدِرُها البنكُ ثقةً بمَلاءة حاملِها. وكلّما يشترى حاملُ البطاقة
بضاعةً أو خدمة، فإنّ المصدرَ يدفع الثّمنِ إلى البائع بعد حَسْم عمولته، ثمّ يتقاضى
ذلك من المشترى، والعادةُ المتّبعة أنّ المشتريَ يُعطى فترةً قصيرةً، مثل شهر، ليُسدّد
فيها الثّمن إلى مُصدر البطاقة. وفى هذه الفترة لا يتقاضى المُصدرُ أيّة زيادة ربويّة
على الثّمن، وتُسمّى هذه الفترةُ "فترة السّماح" (Grace Period)، ولكن يُشترطُ فى
التّعاقد معه أنّه إن لم يُسدّد الثّمن فى تلك الفترة، فإنّ المصدِرَ يتقاضى عليه فوائدَ
ربويّةً عادیّة.
وإنّ هناك مسائل ثلاثة بالنّسبة إلى هذه البطاقات من الناحية الشّرعيّة:
الأوّل: حكمُ الرّسوم الّتى يتقاضاها مُصدِر البطاقة من حامل البطاقة.
والثّانى: حكمُ العمولة التى يتقاضاها مُصدر البطاقة من التّاجر.
والثّالث: حكم التّعاقد مع مُصدر البطاقة للحصول عليها مع أنّ العقد يُصرّح بأنّ

المبحث الثالث
حامله إن لم يُسدّد الثّمن، فإنّ مُصدر البطاقة يتقاضى عليها فائدةً ربويّة.
ولنتكلّم على كل واحد من هذه المسائل:
٢٠٩ - حكم عمولة إصدار البطاقة
أمّا المسئلة الأولى، وهيَ أنّ مُصدرَ البطاقة يتقاضى رسوماً على إصدارها، فإنّه
يتقاضى نوعين من الرّسوم. الأوّل: رسومٌ يُطالَبُ بها حامل البطاقة مرّةً واحدةً عند
أوّل طلبه للبطاقة، وقد تُسمّى "رسوم العضويّة". والثّانى: رسومٌ سنويّةٌ لتجديد
البطاقة. وكلُّ واحدٍ من القسمين مبلغٌ مقطوعٌ لا يرتبط باستخدام البطاقة فعلاً.
واعتبر العلماء المعاصرون النّوعَ الأوّل من الرّسوم أجرةً لإصدار البطاقة الَّذى يحتاج
إلى الإجراات والخدمات الّتى يُقدّمها مُصدرُ البطاقة من فَتْح ملفِّ العميل عنده،
وإجراءٍ حسابه، وتعريفِ الجهات الّتى سيحتاج إلى التّعامل معها، وإعداد البطاقة،
(فإنّ البطاقةَ تحتاج إلى إعدادٍ فَنّيّ من قِبَل أصحاب الاختصاص) وإرسالها إليه،
وهى مملوكةٌ للمُصدر، وتلقّى تعليماتِه من حين لآخر، وإيصال دينه إلى التّاجر.
أمّا النّوع الثّانى من الرّسوم، وهى رسومُ التّجديد كلّ سنة، فهى مقابلةٌ أيضاً لمثل هذه
الإجراآت والخدمات،(١) لأنّ التّجديدَ يحتاجُ إلى إصدار بطاقة جديدة، فإنّ أوضاعَ
حامل البطاقة ومُصدرها وقابليها ربّما تختلف بمرور سنة، فإنّ هذه الإجراآتِ تحتاج
إلى تجديد، غير أنّ الإجراآت السّنويّة أقلّ بالنّسبة للإجراآت فى أوّل إصدار البطاقة،
فرسومُ التّجديد أقلّ من رسوم العضويّة الأولى.
(١) بحث فضيلة الدكتور عبدالستار أبو غدة فى مجلة مجمع الفقه الإسلاميّ، العدد السابع ١: ٣٦٢
وفضيلة الشيخ عبدالوهاب أبو سليمان فى العدد العاشر من المجلّة ٧٠٦:١

٤٥٦
فقه البيوع
والظّاهرُ أنّ هذا التّكييف صحيح، فإنّ مثل هذه الإجراات والخدمات لا يجب أن
تكون أجرتُها محدّدةً بالنّفقات الفعليّة، ولكن يجب أن لا تتجاوز أجرة المثل لهذه
الخدمات.
وقد يُظَنّ أنّ هذه الرّسوم مقابلةٌ للقروض الّتى يُقدّمها المصدر إلى حامل البطاقة عند
شراء البضاعات وغيرها بدفع ثمنها إلى التّجّار قبل أن يُطالِب به حامل البطاقة. ولكنّ
الظَّاهر أنّ هذا التّكييف غيرُ صحيح. وذلك لأنّ هذه الرّسومَ لا ترتبط بالمبالغ
المدفوعة من مُصدر البطاقة، وذلك لعدة أسباب:
أولاً، قد يكون لحامل هذه البطاقة حسابٌ فى البنك المصدر، ويأمره حامل البطاقة
بأن تُسدّد الفواتير من حسابه مباشرةً، فلا ينشأ على حامل البطاقة دينٌ إطلاقاً، ومع
ذلك يجب عليه أن يَدفع هذه الرّسوم لإصدار البطاقة. وهذا دليلٌ على أنّ الرّسوم
لاعلاقة لها بالدّین.
وثانياً: إنّ هذه الرّسوم يُطالَب بها عند إصدار البطاقة أو تجديدها قبل أن ينشأ دينٌ،
وإنّها تُدفع ولولم يستخدمها صاحبُها أبداً، ولم يدفع مُصدرُها شيئاً بالنيابة عن حامل
البطاقة.
وثالثاً: إنّ الرّسوم لا تختلف بقدر استخدام البطاقة، فيمكن أن لا يشتريَ بها أحدٌ من
النّاس طولَ السّنة إلاّ بضاعةً واحدةً بعشرة دولارات فقط، ويُمكن أن يشتريَ بها
آخرُ بضائعَ قيمتُها عشرةُ آلاف دولار، أو أكثر، وإنّ الرّسومَ فى كلتا الحالتين واحدةٌ
لا تختلف.
فالظّاهرُ أنّ هذه الرّسومَ مقابلةٌ للخدمات المذكورة لإصدار البطاقة والإجراآت الّتى

المبحث الثالث
يُحتاج إليها لاستخدامها من قِبل الحامل. ولكن لاشكَّ أنّ فى معظم الأحوال يدفع
البنك المصدر مبالغَ من عنده لتسديد فواتير حامل البطاقة قبل أن يُطالبه بتلك
المبالغ، وهيَ فى هذه الفترة قرضٌ يُقدّمه البنك للحامل، فتكونُ هذه الخدمات
مصحوبةً بالقرض فى تلك الحالة، ومتى كانت الخدمات متعلّقةً بالقرض أو
مصحوبةً به، فإنّ الواجبَ أن لايُتقاضى عليها أجرةٌ أكثرُ من أجرة المثل، لتفادى
شبهة الرّبا فى ما زاد على أجر المثل.
ونظيره ما ذكره الفقهاء من أنّه لا يجوز أخذُ الأجرة على القضاء والإفتاء، ولكن
يجوزُ أخذُ الأجرة على كتابة الوثائق وغيرها. قال الحصكفيّ رحمه الله تعالى:
"يستحقّ القاضى الأجر على كتب الوثائق والمحاضر والسّجلاّت قدر ما يجوز
لغيره كالمفتى، فإنّه يستحقّ الأجر على كتابة الفتوى، لأنّ الواجب عليه الجواب
باللّسان، دون الكتابة بالبنان. ومع هذا الكفّ أولى، احترازاً عن القيل والقال،
وصيانةً لماء الوجه عن الابتذال."(١)
فعلى هذا ينبغى أن تكونَ أجرةُ الأعمال الإداريّة والخدمات المتعلّقة بها بقدر أجر
المثل لتلك الخدمات، ولا تتجاوز أجر المثل، لئلاّ تبقى هناك شائبةٌ لتقاضى الفائدة .
على القروض التى تنشأ باستخدام البطاقة.
٢١٠ - حكم العمولة المأخوذة من التّاجر
المسألة الثّانية: حكمُ العمولة الّتى يتقاضاها مُصدِر البطاقة من التّاجر، وهى نسبةٌ
(١) الدر المختار مع ردالمحتار، كتاب الإجارة، مسائل شتّى ٩٢:٦

٤٥٨
فقه البيوع
متّفقٌ عليها من ثمن المبيعات، تتراوح ما بين ٢% و ٤%.
واختلفت آراء العلماء المعاصرين فى تكييف هذه العمولة. فقيل: إنّ هذه العمولةَ بمثابة
حسم الك مبيالات، بمعنى أنّ مُصدر البطاقة يُسدّد دين البائع على المشترى بعد حَسْم
نسبة منه لتعجيل الدّفع، وهو فى حكم الرّبًا، كما تقرّر فى حكم حسم الكمبيالة. ولكنّ هذا
ء
التّكييفَ غيرُ صحيح. أمّا أولاً، فلأنّ أَثْمانَ الشّراء بالبطاقة كلُّها حالَّةٌ، وليست مؤجّلةً، مثل
ما تكون مؤجّلةً فى الكمبيالات، وإنّما يحرُم حسم الكمبيالات لأنّ حَسم بعض الدِّين
يكون مقابلَ تخفيض الأجل، وهو شعبةٌ من شُعب الرّباء أمّا حسمُ بعض الدّين الحالّ عند
الأداء، فإنّه ليس مقابل تخفيض الأجل، فلا يُعتبر رباً، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والتّكييفُ الثّانى الّذى ذكره بعضُ المعاصرين أنّ التّاجرَ وكّل مُصدِر البطاقة بتسلُم
دَينه من حامل البطاقة، فمُصدِرُ البطاقة وكيلٌ له بتسلّم الدِّين، وإنّ العمولة الّتى
يحسمها المصدرُ هى أجرةٌ للوكالة من هذه الجهة. ولكنّه يُشكِّل عليه أنّ المصدر
يدفع دَين الحامل من عنده، ثمّ يُطالب الحامل بأصل الدَّين، ولو كان توكيلاً، لطالَب
الحاملَ بذلك الدَّين، وأدّاه إلى التّاجر. وأجاب عنه فضيلة الدكتور عبد الستّار أبو
غُدّة، حفظه الله تعالى بقوله:
"أنّ العمليّة فيها تقديمٌ وتأخير اقتضاها سهولةُ أداء المُهمّة المزدوجة، وهی
تحصيل الفواتير، وأداءُ المبالغ المستحقّها، فقد بادرت شركةُ البطاقة بالدّفع من
طرفها لقيمة الفواتير إلى أصحاب المحلات والخدمات، ثمّ حصّلتها من
حاملى البطاقات، وذلك لضبط التزاماتها مع أصحاب البضائع والخدمات، إذ
لا تستطيع شركةُ البطاقة ضبط مواعيد التّحصيل من العملاء فى حين أنّها

المبحث الثالث
يُمكن التّحكّم فيما تدفعه من عندها، ثمّ تقوم بتحصيله. ومن المقرّر شرعاً
جوازُ أخذ أجر معلوم متّفق عليه على كلّ من تحصيل الدَّين، أو توصيل
الدِّين."(١)
وإنّ هذا التّكييف وإن كان له وجهً، ولكنّ الّذى يظهرلىوالله سبحانه وتعالى
أعلم - أنّ العمليّةَ فى بطاقة الحسم الآجل عمليَّةُ الحوالة. فإن كان لحامل البطاقة
حسابٌ فى البنك المُصدر بقدر فاتورة التّاجر، فإنّه حوالةٌ مقيّدةٌ تجوز عند جميع
الفقهاء، وإن لم يكن له حسابٌ فى البنك المُصدر، فإنّه حوالةٌ مُطلقة، والحوالةُ
المطلقةُ، وإن كان فيها خلافُ الأئمّة الآخرين، فإنّها جائزةٌ عند الحنفيّة. وحاملُ
البطاقة وجب عليه دينٌ للّاجر، وإنّه أحال التّاجرَ على البنك المصدر للبطاقة، فصار
هو مُحيلاً، والتّاجرُ مُحالاً، ومُصدرُ البطاقة مُحالاً عليه، وتمّت الحوالةُ على قول
الحنفيّة برضا الأطراف الثّلاثة، لأنّ إصدار البطاقة لصالح الحامل موافقةٌ من المصدر
على قبول الحوالة. والحوالةُ كما هو معروفٌ فقهاً: نقلُ ذمّة إلى ذمّة أخرى. فانتقلت
ذمّةُ الحامل إلى ذمّة المصدر، وصار مُصدرُ البطاقة مديوناً للتّاجربدَين حالٌ.
وبعد تعيين هذه العلاقة بين المُصدر والتّاجر، ينبغى أن تُراعى النّقاط الآتية:
الأولى: أنّ هذا الدَّينَ الّذى وجب على المصدر دينٌ حالٌّ، وليس مؤجّلاً، فلو حَسم
منه شيئاً برضا التّاجر الدائن، فإنّه ليس حَسماً مقابلَ تخفيض الأجل، ولا داخلاً فى
"ضع وتعجّل " الممنوع. لأنّ "ضع وتعجّل " ممنوعٌ فى الدّيون المؤجّلة فقط، ولیس
(١) بحث الدكتور عبد الستار أبو غدة، "بطاقة الإئتمان وتكييفها الشّرعيّ" مجلّة مجمع الفقه
الإسلاميّ، العدد السابع ١: ٣٦٥ و٣٦٦