النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢٠
فقه البيوع
أمّا إذا كان المبيعُ غائباً، فيشترط الحنفيّةُ القبضَ الجديد، بأن يُحضِرِ المبيعَ إلى
مجلس العقد، أو يذهبَ المتبايعان إليه، ويحصُلَ التّخلّى بينه وبين المشترى، بينما
المالكيّةُ والحنابلةُ لا يشترطون ذلك. ويشترط الشّافعيّة (فى قول) أن تمضيَ مدّةٌ
يتمكّن فيها المشترى من القبض الجديد. وثمرةُ الخلاف تظهر فيما إذا كان المبيعُ
غائباً عن مجلس العقد، ثمّ هلك بدون تعدٍّ من المشترى قبلَ أن يُحضَر إلى مجلس
العقد، أو يذهبَ المتبايعان إليه. فبما أنّ القبضَ حصل بمجرّد عقد البيع عند المالكيّة
والحنابلة، فإنّه يهلك من مال المشترى. وعند الحنفيّة يهلك من مال البائع، لأنّه كان
بيد المشترى أمانةً، ولم يتحقّق القبض الجديدُ الذى ينتقل به ضمانُه إلى المشترى.
أمّا عند الشّافعيّة، فإن مضت مدةٌ يتمكّن فيها المشترى من القبض الجديد، يهلك
من مال المشترى، وإلاّ فمن مال البائع.
والّذى يظهر أنّ مقصود الحنفيّة أن تتميّزِ يدُ الأمانة من يد الضّمان، وتتبيّنَ الْنقطةُ الّتى
ينتقل فيها ضمانُ المبيع إلى المشترى، فلو هلك المبيعُ قبل أن يقبضَه المشترى من
جديد، فإنّه يمكنُ أن يُثير النّزاع بأن يقولَ المشترى إنّه هلك من مال البائع، لأنّه كان
بيدى أمانةً، ولم أقبضها بعد البيع، ويقولَ البائع إنّه هلك من مال المشترى، لأنّه تمّ عقد
البيع. والمقصودُ من اشتراطِ القبض الجديدِ فى صورة الرّهن أن تتميّز نوعيّةُ الضّمانين،
وأن تتبيّن النُّقطة الّتى تتغيّر منها نوعيّةُ الضمان. فالمرهونُ عند المرتهن مضمونٌ بالأقلّ
من قيمته ومن الدّين، بمعنى أنّه إن هلك فى يد المرتهن، سقط الدَّينُ بذلك المقدار،
وإن كانت قيمتُه أكثرَ من الدَّين لا يضمن المرتهنُ الزّيادة، فضمانُ المرهون ليس كاملاً.
أمّا ضمانُ المبيع بعد القبض، فضمانٌ كامل. فلو هلك عند المشترى بعد القبض، فإنّه هو

٤٢١
المبحث الثالث
الّذى يتحمّل الخسرانَ بكامله، فلابدّ من تعيين النقطة التى يتغيّر منها الضّمان من
النّاقص إلى الكامل، فإنّه إن هلك المبيعُ قبل القبض الجديد، يمكن أن يُثير النّزاعَ فى
نوعيّة الضّمان: هل هو مضمونٌ بنفسه أو بالدّين كما أسلفنا.
ومن هنا يظهر أنّ المهمّ هو تبيّنُ نقطة انتقال الضمان بالتّخلية، ولذاقالوا "يذهبُ إلى
حيثُ يتمكّنُ من قبضه بالتّخلّى". فالظّاهر فى البيوع الّتى تتمّ فيما بين المتباعدَين،
ويتعذّرُ تجديدُ القبض حسّاً، كما هو الحالُ فى التّجارة الدّوليّة اليوم، أنّ المقصودَ
يحصُل بتعيين نُقطة انتقال الضّمان بنصَّ فى العقد أنّ المشتريَ يُعتبرُ قابضاً منذ تلك
النُّقطة بقبض جديد. والله سبحانه وتعالى أعلم.

١٨٤ - الباب الثانى
فى
أحكام الّمن و ما يُشترط فيه
بعد الفراغ من أحكام البيع الّتى تتعلّق بالمبيع وشروطه، ننتقل الآن إلى أحكام
الثّمن. وإنّ أحكام الثّمن الّتى نريد أن نذكرها فى هذا الباب على ثلاثة أقسام:
الأوّل: شروطُ كون الشّيئ ثمناً فى البيع. والثّانى: الطُرقُ المختلفة لدفع الثّمن،
وما تبرأُ به ذمّةُ المشترى، وما يُعتبر قبضاً للثّمن من قِبل البائع. والثّالث: هل
تتعيّن النّقود بالتّعيين فى العقود؟ وبالله سبحانه التّوفيق.
١٨٥ - شروط كون الشّيئ ثمناً
أمّا الشّروط الّتى يجب أن تتوافر فى الثّمن، فهى ما يأتى:
الشّرط الأول: ماليّة الثمن
فالشّرط الأوّل فى الثّمن أن يكون مالاً متقوّماً شرعاً. وكلُّ ماذكرنا فى ماليّة المبيع

٤٢٣
المبحث الثالث
وتقوّمه يجرى فى ماليّة الثّمن أيضاً. فإن كان الثّمنُ والمبيعُ كلاهما عروضا سُمّيَ
"مُقَايَضَة"، ويُشترط لجوازه أن لا يستلزم الرّبوا. وسيأتى الكلامُ عليه فى باب مستقلٌ
إن شاء الله تعالى. وإن كان كلاهما نقداً سُمّي صَرفاً، وسيجيئ حكمُه فى باب
الصَّرف إن شاء الله تعالی.
١٨٦ - الشّرط الثانى أن يكون الثّمن معلوماً
والشّرط الثّانى هو معلوميّة الثّمن، وهو من شرائط الصحّة، دون الانعقاد عند الحنفيّة،
فالبيعُ فاسدٌ إن كان الثّمنُ مجهولاً، سواء أكانت الجهالةُ فى جنس الثّمن، أم فى تعيينه أم
فى قدره، كما بينًا فى المبيع. والدليلُ على فساد البيع بجهالة التّمن أنّ فیه غرراً، وقد نهى
النّبيّ الكريمُ صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر. وقدّمّنا فى شروط المبيع (الشّرط
الخامس) تعريف الغرر وما يتضمّنه هذا الاصطلاح، وذكرنا هناك أنّ جهالةَ الثّمن نوعٌ
من أنواع الغرر. وكذلك يدلّ عليه حديثٌ آخر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن
بيعتين فى بيعة. أخرجه الترمذىّ والنّسائيّ عن أبى هريرة رضى الله عنه(١). وقال
الترمذيّ: "حديث حسن صحيح". ورواه مالك بلاغاً. وقال الإمام الترمذيّ رحمه الله
تعالی فی تفسيره:
"وقد فسّر بعضُ أهل العلم، قالوا: بيعتين فى بيعة أن يقول: أبيعك هذا
الثّوب بنقدٍ بعشرة، وبنسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعتين، فإن
(١) سنن النسائي، كتاب البيوع، باب ٧٣ حديث ٤٦٣٦ وجامع الترمذى، كتاب البيوع، باب ١٨
حديث ١٢٣١

٤٢٤
٥
فقه البيوع
فارقه على أحدهما فلابأس، إذا كانت العقدةُ على أحدٍ منهما."(١)
فعلّة الفساد فى "بيعتين فى بيعة" أنّ الثّمن متردّد، ولم يجزم به العاقدان عند العقد.
١٨٧ - وقتُ كون الثَّمن معلوماً
ثمّ هُناك اختلافٌ بين الإمام أبى حنيفة والجمهور، (ومنهم صاحباه، رحمهم الله
تعالى)، فى وقت كون الثّمن معلوماً، فعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يجب أن يكون
الثّمنُ معلوماً عند العقد. وذهب الجمهورُ إلى أنّ العقدَ يصحّ إذا كان الثّمنُ يؤول إلى
علم، وإن لم يكن مقدارُ الثّمن معلوماً عند العقد.
وعلى هذا لو قال البائع: "بعتُ منك هذه الصُّبرةَ من الحنطة، كلُّ قفيز منها بدرهم"
ولم يُسمّ جملة قفزانها، لم يجُز البيعُ عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى إلاّ فى قفيز
واحد منها بدرهم، فيصحّ البيع فى هذا القفيز الواحد فقط، ولكن له الخيار إن شاء
أخذ (٢) القفيز بدرهم، وإن شاء ترك. ولا يجوز فى الباقى، إلاّ إذا علم المشترى جملة
القِفزان قبل الافتراق، بأن كالَها، فله الخيار. وإن لم يعلم حتى افترقا عن المجلس
تقرّر الفساد.
وعند أبى يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى يلزمه البيع فى كلّ الصُبرة، كلُّ قفيز منها
(١) جامع الترمذي، كتاب البيوع، باب ١٨ حديث ١٣٣١
(٢) والظاهر مما نقله الكاسانيّ فى البدائع أن البيع لازم فى القفيز الواحد ولاخيار للمشترى عند أبى
حنيفة، ولكن ذكر المتأخرون أن له الخيار فى هذه الصورة أيضا، لتفرق الصفقة عليه، وسمّوه
"خيار التكشف" كمافى الدر المختار، ولكن الظاهر من كلام ابن عابدين رحمه الله تعالى أنه
رجح ماجاء فى البدائع من أن البيع لازم على المشترى ولاخيارله فيه. (راجع ردالمحتار ١٤:
١٤٥).

٤٢
٥
NT4 ::
المبحث الثالث
بدرهم، سواءٌ أعلم مقدارَ جملة الصُّبرة أم لم يعلم. وهو قول الإمام مالك والشافعيّ
وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى، كما فى المغنى(١) وثمرةُ الخلاف تظهر فى
أمرين: الأول: أنّه لو كال فى المجلس، وعلِم جُملة القفزان، لزمه البيعُ عند الصّاحبين
والجمهور.
أمّا عند أبى حنيفة، فللمشترى الخيارُ؛ إن شاء أخذ الصُّبرة، وإن شاء تركه. والثّانى:
أنّه إن كيلت الصُّبرة بعد الافتراق، فالظَّاهرُ من مذهب أبى حنيفة أنه يحتاجُ إلى عقدٍ
جديد بتراضى الطرفين، فلايُجبرُ البائع على البيع، ولا المشترى على الشّراء. والبيعُ
عند الصّاحبين والجمهور لازمّ على الطّرفین.
وجهُ قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّ الثّمن لا يكون معلوماً حتىّ يُسمّيَ جملة
القفزان، فالصُّبرة يمكن أن تتعيّن وتُعرف بالإشارة، فيجوز بيعُها إن سمّى للجُملة
ثمناً واحداً. ولكن حينما قال: "كلُّ قفيز بدرهم " صار قدرُ الثّمن مجهولاً، فلم يجُز
البيعُ فى الجملة، غير أنّ القفيزَ الواحد معلومٌ قدرُه وثمنُه، فانعقد البيع فى ذلك
القدر. فإن صار قدرُ الجملة معلوماً قبل افتراق المجلس، فللمشترى الخيار، لأنّه
عَرف الثّمن الآن، فيحتاجُ إلى نظر جديد، لأَنّه قد يُقَدِّرِ الصُّبرةَ أقلّ من الواقع، .
فيرضى بثمن المجموع، ولكن يتبيّن له بعد الكيل أنّ قدرَ الصُّبرة أكثرُ ممّا كان
يتوقّع، وأنّه يجب عليه ثمن أزيد ممّا كان رضي به، فيفوت رضاه.
وقال أبويوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى والأئمّةُ الثّلاثة: إنّ جملةَ المبيع معلومةٌ
بالإشارة، وجملةُ الثّمن ممكنُ الوصول إلى العلم بالكيل، فكانت هذه الجهالةُ ممكنة
(١) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٢٩

٤٢٦
فقه البيوع
الرَّفع، ومثلُ هذه الجهالة لا تمنع صحّةَ البيع، كما إذا باع بوزن هذا الحجر ذهباً. وأجاب
عنه أبو حنيفة رحمه الله تعالى بأنّ الجهالةَ موجودةٌ عند العقد إلى أن ترتفع، وإن
ارتفعت فى المجلس انقلب العقد إلى الجواز، والبيعُ بوزن هذا الحجر ذهباً ممنوعٌ
أيضاً عند أبى حنيفة، فلايتمّ به الإلزام.(١)
وعلى هذا الخلاف جميعُ المثليّات من المكيلات والموزونات والمذروعات
والعدديّات، فإن كان جملةُ الثّمن مجهولةً عند العقد، لا يصحّ البيع عند أبى حنيفة فى
الجملة، ويصحّ عندهم، غير أنّ الإمام أباحنيفة يجوّز البيع فى وحدة واحدة فى
المكيلات والموزونات والعدديّات المتقاربة فقط. أمّا فى المزروعات أو العدديّات
المتفاوتة، فيفسُد عنده البيع فى الكلّ، فإذا قال: بعتُ منك هذا الثّوب أو هذه الأرض
أو هذه الخشبة كلٌّ ذراع منها بدرهم، ولم يُسمّ حملة الدُّرعان، أو قال: بعت منك
هذا القطيعَ من الغنم، كلُّ شاة منها بعشرة دراهم، ولم يُسمّ جملة الشّياه فسد البيع فى
الكلّ، لأنّ فى المزروعات ربما لايرضى المشترى بذراع فقط، وفى العدديّات
المتفاوتة إذا أجزنا البيع فى واحد، فتعيينُ ذلك الواحد يُفضى إلى النّزاع، فلاسبيل
إلى جواز البيع فى وحدة واحدة، فالبيع فاسد فى الكلّ. وكذلك الأصحّ من مذهب
أبى حنيفة أن المشتري لو علم جملة الذّرعان أو جملة الشّياه فى المجلس لا ينقلب
الغقد صحيحاً، فيحتاج إلى عقد جديد، ويكفى التّعاطى لهذا العقد الجديد، كما فى
الدّر المختار وردالمحتار.
ثمّ هذا أصل مذهب أبى حنيفة، ولكنّ المتأخرين من الحنفيّة اختاروا قولَ
(١) هذا ملخص مافى بدائع الصنائع ٤: ٣٥٩ و٣٦٠

٤٢٧
المبحث الثالث
الصّاحبين للفتوى، كما فى الدّر المختار. وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "(قوله
وبه يُفتى) وعزاه فى الشّرنبلاليّة إلى البرهان، وفى النّهر عن عيون المذاهب: وبه
يُفتى لا لضعف دليل الإمام، بل تيسيراًهـ وفى البحر: وظاهرُ الهداية ترجيحُ قولهما
لتأخیره دلیلهما، کماهو عادته اهـ قلت: لکن رجّح فی الفتح قوله وقوّی دلیله غلی
دليلهما، ونقل ترجيحَه أيضاً العلاّمة قاسم عن الكافى والمحبوبيّ والنّسفىّ
وصدر الشّريعة، ولعلّه من حيثُ قوّةُ الدَليل، فلايُنافى ترجيحَ قولهما من حيثُ
التّيسير. ثم رأيتُه فى شرح الملتقى أفاد ذلك، وظاهره ترجيحُ التّيسير على قوّة
الدليل."(١)
١٨٨ - البيع بالرقم
وتحدّث الفقهاء فى هذا المجال عن البيع بالرَّقْم. والرَّقْمُ علامةٌ يُعرف بها مقدارُ ما
وقع به البيعُ من الثّمن.(٢) وكان البائعُ ربما يقول: بعتُك هذا الشّيئَ برَقْمِه، يعنى
بالثّمن الّذى يظهرُ بالعلامة الموجودة على المبيع، لا يغلمُ المشترى معناها عند
العقد. وهذا البيعُ غير جائز عند معظم الفقهاء، إلاّ إذا علم المشترى الثّمنَ فى
المجلس فيُخيّر. وليس معناه أنّ العقد ينقلب جائزاً، بل المقصود أنّه يحتاج إلى عقد
جديد بالتّراضى، ولو بالتّعاطى. قال الإمام شمس الأئمة الحلوانىّ رحمه الله تعالى:
"وإن علم بالرقم فى المجلس، لا ينقلب ذلك العقدُ جائزاً، ولكن إن كان البائع دائماً
(١) ردالمحتار ١٤٩:١٤ و١٥٠
(٢) رد المحتار ١٤: ١٥٠

٤٢٨
فقه البيوع
على الرِّضا، فرضيَ به المشترى ينعقد بينهما عقدٌ ابتداءً بالتّراضى."(١)
أمّا إذا علم المشترى معنى الرقم عند العقد، وعلم به مقدار الثمن، كما هو المعروف فى
زماننا من أنّالثّمنَ يكون مكتوباً على المبيع، ويعرفه المشترى، فلاخلاف فى جواز البيع،
لأن الثّمن مغلوم. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "قال أحمد: ولا بأس أن يبيع بالرَقْم
ومعناه أن يقول: بعتُك هذا الثّوب برقمه، وهو الثّمنُ المكتوبُ عليه إذا كان معلوماً لهما
حالَ العقد. وهذا قولُ عامّة الفقهاء، وكرهه طاوس .. فإن لم يكن معلوماً لهما، أولأحدهما،
لم يصحّ، لأنّ الثّمن مجهول." (٢)
١٨٩ - البيع بسعر السُّوق
اذا عقد المتبايعان البيعَ على سعر السُّوق، فإن كان معلوماً لهما عند العقد، فلا إشكال
فى جوازه. وأمّا إذالم يكن معلوماً لهما عند العقد، ففيه كلام. وأصلُ المذهب عند
الأئمة الأربعة أنّه لايجوز، إلاّ إذا علم المشترى بالقدر فى المجلس ورضيَ به.(٣)
ولكن هناك وجة فى مذهب الشافعيّة، حكاه النّوىّ قال: "وحكى الرّافعىّ وجهاً
ثالثاً أنّه يصحّ مطلقاً، للتّمكن من معرفته، كما لوقال بعتُ هذه الصُّبرة، كلُّ صاع
(١) فتح القدير ٥: ٤٧٤
(٢) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٦٤
(٣) ردالمحتار ١٤: ١٠٥ ما يُبطل الإيجاب، والمجموع شرح المهذب ٩: ٣٣٣ والدسوقى على الشرح
الكبير ٣: ١٥ وكشاف القناع ١٦٣:٣ وشرح منتهى الإرادات ١٥٢:٢

٤٢٩
المبحث الثالث
بدرهم، يصحّ البيع وإن كانت جملةُ الثّمن فى الحال مجهولة. وهذاضعيفٌ شاذّ."(١)
وكذلك هناك روايةٌ عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى فى جواز البيع بما ينقطع عليه
السّعر، ذكره المرداوىّ روايةً عنه، وقال: اختاره الشيخ تقيّ الدّين.(٢) كذلك ذكر ابنُ
القيّم رحمه الله تعالى أنّه منصوصٌ عن الإمام أحمد، وهو الذى اختاره شيخُه ابن تيميّة
رحمهم الله جميعا. وإنّ ابن القيّم رحمه الله تعالى حينما أجاز هذا البيع لم يُفرِّق بين ما
يتغيّر أسعارُه وبين مالا يتغيّر سعره، فإنّه ذكره فى مسئلة بيع الاستجرار، وذكر فيه ارتفاعَ
الأسعار وانخفاضه.(٣)
أمّا المتأخّرون من الحنفيّة، فأجازوا البيع بسعر السّوق فيما لاتتفاوت آحاده، ولا يتغيّر
سِعِرُه لآحاد النّاس. قال ابنُ الهمام رحمه الله تعالى: "وممّا لا يجوز البيعُ به البيعُ
بقيمته أو بما حلّ به، او بما تُريد أو تُحبّ، أو برأس ماله، أوبما اشتراه، أوبمثل
مااشترى فلان، لايجوز. وكذا لايجوز بمثل ما يبيع النّاس، إلاّ أن يكون شيئاً
لا يتفاوت كالخبز واللّحم. "(٤) وهو الذى حكاه ابنُ عابدين عن صاحب النّهر، قال:
"ومنه (أى ممّالايجوز) أيضاً مالو باعه بمثل مايبيع النّاس، إلاّ أن يكون شيئاً
لايتفاوت."(٥)
(١) المجموع شرح المهذب ٩: ٣٣٣ وليتنبه أنه لم يذكر البيع بسعر السوق صراحة، ولكن
قال: "ولوقال بعتك هذه السلعة برقمها أى بالثمن الذى هو مرقوم به عليها، أوما باع به فلان
فرسه أوثوبه ... " والظاهر أنّه ينطبق على سعر السوق أيضا.
(٢) الإنصاف للمرداوى، مدخل كتاب البيوع ٤: ٢٢٤
(٣) إعلام الموقعين ٤: ٧و ٨
(٤) فتح القدير مع الكفاية ٥: ٤٦٧
(٥) ردالمحتار ١٠٥:١٤

٤٣٠
فقه البيوع
والحاصلُ: أنّ الأشياءَ على قسمين: قسمٌ تتفاوت أسعاره بتفاوت الآحاد، ولا يمكن
تحديدُ سعرها بمعيار منضبط معلوم، فمن التجّار من يبيعه بعشرة مثلاً، ومنهم من
يبيعه بأقلّ أو أكثر، وحينئذٍ لا يجوز البيعُ بسعر السّوق، لأنّ سعر السّوق، إن لم يكن
معلوماً للمتبايعين عند العقد فى مثل هذه الأشياء، اصطلاحٌ غير مستقرّ، فيبقى الثّمن
مجهولاً بجهالة فاحشةٍ تُفضى إلى النّزاع.
والقسم الثّانى للمبيعات: هو الذى لا تتفاوت آحاده، ولا تتفاوت أسعارُه فيمابين الآحاد،
وإنّها تنضبط بمعيار معلوم يعرفه المتعاملون، ولا يحتمل أن يقع الخطأ أو النّزاع فى
تطبيقه. فالبيعُ بسعر السّوق فى هذا القسم جائز، لأنّ ذكر مثل هذا المعيار المنضبط يقوم
مقام ذكر الثّمن، فليس فيه جهالةٌ تُفضى إلى النّزاع. ويبدو أنّ هذا القولَ أعدلُ وأوفقُ
بالقواعد. وهناك أشياءٌ تتغيّر قيمتُها كلَّ يوم، بل كلَّ ساعة فى بعض الأحوال، مثل
الذّهب والفضّة وأسهم الشّركات، ولكنّها منضبطةٌ لا تتغيّر بتغيّرِ التّجّار، وقيمتُها مسجّلةٌ
حسبَ الأوقات. فلو بيعت هذه الأشياءُ بسعر السّوق، فلابدّ من ذكر وقت التّقييم عند
العقد، والله سبحانه أعلم.
١٩٠ - تعيين الثّمن على أساس التّعامل السّابق بين العاقدين
ربّما يشترى المرأ من البائع أشياء مرّةً بعد أخرى، ويتعيّن الثّمنُ بينهما عند أوَّل شراء،
وحينئذٍ لا يحتاجان لبيان الثّمن فى كلّ مرّة، بل يكون الثّمنُ ما وقع عليه التّعاملُ بينهما،
ويجوز أن تكون العقود الآتيةُ مبنيّةً على أساس التّعامل، ويسرى مفعولُه إلى أن يطلب
أحدُ العاقدين التّغيير فى الثّمن. وحينئذٍ لا يسرى مفعول التّعامل، بل يجب أن يتّفق
العاقدان على الثّمن من جديد. وقد استدلّ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى على ذلك بما

٤٢
٥
المبحث الثالث
رواه تعليقاً عن الحسن البصريّ رحمه الله تعالى أنّه اكترى من عبد الله بن مِرداس حماراً،
فقال: "بكم؟" قال: "بدانقين". فركبه، ثمّ جاء مرّةً أخرى، فقال: "الحمار! الحمار!"
فركبه، ولم يُشارطُه، فبعث إليه بنصف درهم. وقال الحافظ العينيّ رحمه الله تعالى فى
شرحه:
"وقد جرى العُرفُ أنّ شخصاً إذا اكتری حماراً، أو فرساً، أو جملاً، للركوب
إلى موضع معيّن بأجرة معيّنة، ثمّ فى ثانى مرّة إذا أراد ركوبَ حمار هذا على
العادة، لايُشارطه الأجرة لاستغناءه عن ذلك باعتبار العُرف المعهود
بينهما ... ووصل هذا التّعليقَ سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس، فذكر
مثله."(١)
والذى يتحصّل من الأحكام الفقهيّة المتعلّقة فى الموضوع أنّه يجبُ لصحّة البيع أن
يكون الثّمنُ معلوماً للعاقدين عند العقد، أو يكونا قد اتّفقا على معيار منضبطٍ لتعيين
الثّمن، بحيثُ لا يبقى فى تعيينه مجالٌ للنّزاع، أو يكون الثّمن متعيّناً على أساس
التّعامل الجاری بينهما.
١٩١ - تعيين الثّمن فى القوانين الوضعية
أمّا القوانين الوضعيّة، فقد فَسحت المجالَ لعقود البيع بدون تعيين الثّمن عند العقد، وبدون
تعيين معيار منضبط لتعيينه فيما بعد. فالشّقّ الأول للمادة ٩ من "قانون بيع المال " المطبق
من قبل الحكومة الإنكليزيّة فى شبه القارة الهندية، تذكُر ثلاثة طرق لتعيين الثّمن: الأوّل:
(١) عمدة القارى، كتاب البيوع، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم فى البيوع
والإجارة الخ ٢٢:١٢

٤٣٢
فقه البيوع.
تعيينُه بنصٍّ فى العقد، والثّانى: ذكرُ طريق لتعيينه فيما بعد، والثّالث: تعيينُه حسبَ تعامل
العاقدين. ثمّ تقول المادّة فى شقّها الثّانى:
"Where the price is not determined in accordance with the
foregoing provisions, the buyer shall pay the seller a
reasonable price. What is a reasonable price is a question of
fact dependent on the circumstances of each particular case."
"إن لم يُعيّن الثّمنُ بالطّرق المذكورة فى الشّقّ الأوّل، يدفعُ المشترى إلى
البائع "ثمناً معقولاً". ووكونُ الثّمن معقولاً أمرٌ يتعلق بالواقع وهو موقوفٌ
على أحوال خاصّة بكلّ قضيّة بذاتها."
وهذا النّصّ صريحٌ فى أنّ البيع يصحّ وإن لم يكن الثّمن معلوماً بإحدى الطّرق
الثلاثة. وهذا الرّغم من أنّ المادة ٢٩ من قانون العقود يُصرّح بأنّ العقود الّتى تشتمل
على إبهام (Uncertainty) باطلة. ومن أجل أنّ قانون بيع المال فَسَح المجال لعدم
تعيين الثّمن، قد وقعت نزاعاتٌ كثيرةٌ فى المحاكم حكاها شرّاح هذا القانون.(١)
وإنّ الشّريعةَ الإسلاميّة أولَتْ عنايةً بالغةً بكون العقد شفّافاً لا يُثير النّزاعات، ولذلك
منعت العقود التى فيها جهالةٌ مفضيةٌ إلى النّزاع. فإن لم يتعيّن الثّمن بأحد الطّرق الثلاثة
الّتى ذكرناها، فإنّ البيعَ فاسدٌ شرعاً، ويجب على المتعاقدين فسخُه، وردُّ المبيع إلى
البائع إن قبضه المشترى، ثمّ إن أرادا عقدا البيع من جديد بتعيين الثّمن. وإن تصرّف
المشترى فى المبيع بأن باعه إلى آخر مثلاً، أثم بذلك، ولكن صحّ البيعُ الثّانى إن
استوفى شرائط الصّحّة، ووجب على المشترى الأوّل مثل المبيع إن كان من ذوات
الأمثال، والقيمةُ السّوقيّة إن كان من ذوات القِيم، كما سيأتى فى مبحث البيع الفاسد إن
(1) See Pollock & Mulla: On Sale of Goods Act. Sec. 9.

المبحث الثالث
شاء الله تعالى.
١٩٢ - أثر النّفقات الإجرائيّة على الثّمن
إنّ البيوع المعاصرة ربّما تحتاج إلى إجراات كثيرة، مثل صياغة العقود من قبل ذوى
الاختصاص من المحامين، وتسجيلها فى الجهات الرسميّة، وكلّ ذلك يتطلّب نفقات.
وبما أنّ هذه الإجراآت يحتاج إليها وينتفع بها كلّ واحد من العاقدين، فالأصلُ فيها أن
يتشاركا فى تحمّل هذه النّفقات. ولكن إذا اتّفقا بالتّراضى على أن يتحمّلها أحدهما،
فلا يظهر هناك مانعٌ شرعيٌّ من ذلك، بشرط أن لايُتّخذ ذلك حيلةً لمطالبة ما هو
محظورٌ شرعاً. وبهذا أخذ المجلس الشّرعيّ لهيئة الحاسبة والمراجعة للمؤسسات
الماليّة الإسلاميّة فى المعيار الشّرعيّ رقم ٨ للمرابحة للآمر بالشّراء. وتنصّ الفقرة
٣/٤/٢ منه ما يأتى:
"مصروفاتُ إعداد العقود المبرمة بين المؤسّسة والعميل تُقسّم بينهما، مالم
يتّفق الطّرفان على تحمّل أحدهما لها، على أن تكون تلك المصروفات
عادلةً، أى على قدر العمل، حتّى لا تشتمل ضمناً على عمولة ارتباط، أو
عمولة تسهيلات.(١)"
١٩٣ - أثر الضرائب الحكوميّة على الثّمن
إنّ من عادة التّجار أنّهم يأخذون فى الاعتبار الضّرائبَ المفروضة عليهم عند تعيين
(١) "عمولة ارتباط" عمولة تتقاضى من أحد الطرفين لمجرد استعداده للتعاقد مع الآخر، سواء أتمّ
العقد بينهما أم لم يتمّ. و"عمولة تسهيلات" هى العمولة التى تأخذها مؤسسة ماليّة لمجرد
استعدادها لتقديم التمويل إلى الآخر. وكلاهما ممنوع شرعاً، لأنّهما داخلتان فى معنى الرشوة.

٤٣٤
فقه البيوع
الثّمن. وهذا القدرُ لا مانع منه شرعاً. ولكن قد يُنصّ فى عقد البيع أنّ الحكومة إن
حسمت مبلغاً من الثّمن المدفوع بسبب البيع، فإنّ المشتري يلتزم بأنه يدفع إلى
البائع مبلغاً يُساوى المقدار المحسوم من قبل الحكومة، حتّى يكون ما حصل عليه
البائع صافياً هو مقدارُ الثّمن المتّفق عليه. فهل يجوز النّصّ بمثل هذا الشّرط فى
العقد؟ والذى يظهر لى أنّ ما تقتطعه الحكومة من ثمن البيع كضريبة هو على
قسمین:
القسم الأول: ما تقتطعه الحكومة كجزء من ضريبة الدّخل (Income Tax)
المفروض على البائع، وإنّ ضريبة الدخل المفروضة على البائع سنوياً ينتقص بذلك
القدر، ويُسمّى فى العادة withholding tax أى "الضّريبة المحبوسة". فإن كان
مقدارُها معلوماً عند العقد، جاز تضمينه فى الثّمن بتراضى الطّرفين، لأنّه لاغررَ فيه. أمّا
إذا لم يكن معلوماً، ففيه غررٌ لايجوز تحميلُه على المشترى، لأنّ ما يُقتطع من الثّمن
ينتفع به البائع عند تصفية ضرائبه السنويّة، فكأنّ هذا المقدار يعود إليه عند التصفية،
فلا يجوز إلزام المشترى به وفيه غرر.
والقسم الثانى من الضّرائب: هو ما تفرضه الحكومة على عمليّة البيع، وليس جزءً من
ضريبة الدخل، ولا يُحتسب به عند تصفية حساب ضريبة الدخل السنويّة لأحد
الطّرفين. وبما أنّ هذه الضّريبة مفروضةٌ على عمليّة البيع نفسها، فإنّها فى حُكم النّفقات
الإجرائيّة، وقدّمنا أنّ الأصلَ فيها أن يتحمّلها الطرفان، ولكن يجوز بتراضى الطَّرفين أن
يتحمّلها أحدُهما. وعلى هذا، يجوز أن يُشترط ذلك فى نصّ العقد أنّ المُشتريَ هو
الذى يتحمّلها، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٤٣٥
المبحث الثالث
١٩٤ - معلومية الأجل
ويجب لمعلوميّة الثّمن إن كان البيعُ مؤجّلاً أن يكون الأجلُ معلوماً، وسيأتى بيان
ذلك فى أحكام البيع المؤجّل إن شاء الله تعالى.
١٩٥- لايُشترط كونُ الثّمن مملوكاً للمشترى عند العقد
وإن كان الثّمنُ من النّقود أو الفلوس، فإنّه لايُشترط لصحة البيع أن يكون الثّمنُ
مملوكاً للمشترى عند العقد، كما يجب أن يكون المبيعُ مملوكاً للبائع، فإنّ الثّمن
إنّما يجبُ فى ذِمّة المشترى، ويجوزُ له فى البيع الحالّ أن يتملّك النّقودَ بعد العقد،
ويدفعها إلى البائع، ويجوز أيضاً أن يكون الثّمنُ مؤجّلاً. قال السّرخسيّ رحمه الله
تعالى:
"وإذا اشترى الرّجلُ فلوساً بدراهم ونقد الثّمنَ، ولم تكن الفلوسُ عند البائع،
فالبيعُ جائز، لأنّ الفلوسَ الرائجة ثمنٌ كالنّقود، وقد بيّا أنّ حكمَ العقد فى
الثّمن وجوبُها ووجودُها معاً، ولا يُشترط قيامُها فى ملك بائعها لصحّة العقد،
كما لا يُشترط ذلك فى الدّراهم والدنانير."(١)
(١) المبسوط للسّرخسى ١٤: ٢٤

الباب الثالث
فى
الطّرُق المختلفة لأداء الثّمن
١٩٦ - أحكام أداء الثمن عن طريق الحوالة
ثمّ لأداء الثّمن طرقٌ مختلفةٌ أبسطُها دفعُ الثّمن نقداً. ولكن قد يقع ذلك بطريق
الحوالة. ومعناه أنّ المشتريَ بدلاً من أن يوفيَ الثّمن بنفسه، يُحيلُ البائعَ على أحدٍ
غيره، ليتسلّم البائعُ الثّمن منه. وإنّ الفقهاءَ لم يذكروا هذا القسم من جملة أقسام
البيع، لأنّ الحوالةَ لا تختصّ بالبيع، بل يُمكن حوالةُ أَيّ دين، ولذا، فإنّهم ذكروا
أحكام الحوالة فى كتاب مستقلّ، ولأنّ وفاءَ الثّمن بطريق الحوالة لم يكن فاشياً فى
عهدهم. أمّا فى عصرنا، فقد شاع هذا الطّريقُ فى معظم البياعات الّتى يُوفى فيه الثّمنُ
عن طريق الشّيكات، أو البطاقات. ولذلك أردنا أن نذكره بصفته قسماً من البيع.
فنذكرُ أولاً موجز أحكام الحوالة العامّة، ثمّ نذكرُ تطبيقاتِها فى التّجارات المعاصرة
إن شاء الله تعالی.
١٩٧ - حقيقة الحوالة
الحَوالة فى الاصطلاح الفقهيّ نقلُ الدَّين من ذمّةٍ إلى ذمّةٍ أخرى. والأصلُ فى

المبحث الثالث
مشروعيّته ما رواه أبو هريرة رضى الله تعالى عنه أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم
قال: "مَطْلُ الغنيّ ظُلمٌ، فإذا أُتبع أحدُكُم على مَلِيءٍ فَليْبَعْ."(١)
وحاصلُه أنّ المديونَ، بدلاً من أن يؤدّيَ دَينه بنفسه، يأمر المديونَ أن يُطالِبَ شخصاً
آخرَ يلتزمُ أداءَ دَينه بدلاً منه. والمديونُ الأصليَ يُسمَّى "المحيل " والدائنُ "المحالّ
أو "المحتال" والشّخصُ الآخر الذى أحيل عليه الدَّين "المحتال عليه" أو "المُحال
عليه". والفرقُ بين الحوالة والكفالة أنّ الحوالةَ تنتقل به ذمّةُ المُحيل إلى "المحال
عليه " وتبرأ ذمّةُ المحيل. أمّا الكفالةُ، فهو ضمُّ ذمّة إلى ذمّة، بأنّ المديونَ لاتبرأ ذمَّتُه
بالكفالة، بل ينضمّ إليه الكفيل، بحيثُ يجوز للدائن أن يُطالب كليهما.
ثمّ الحوالةُ عند الحنفيّة على قسمين: الحوالةُ المقيّدة، والحوالةُ المطلقة.
١٩٨ - الحوالةُ المقيدة
أمّا الحوالةُ المُقيَّدة، فأن يُقيّد قضاءُ دين الحوالة بأن يكون من مال المحیل الذی عند
المحال عليه، أو فى ذمّته. مثالُه: كان لزيدٍ على عمرو ألفُ درهم ديناً، أووديعةً، أو
غصباً. ثمّ صار زيدٌ مديناً لخالد بألف درهم. فيقول زيدٌ لخالد: "أحلتُك على عمرو،
لتأخذ منه الألفَ الّتى هيَ لى فى ذمته. " فحينما يُعطيه عمروّ ألف درهم، يُستوفى به
الدینان.
١٩٩ - الحوالةُ المطلقة
والحوالةُ المطلقة: أن لايُقيَّد فيها قضاءُ دَين الحوالة من دين المحيل على المحال
(١) صحيح البخاري، برقم ٢١٦٦ باب الحوالة.

٤٣٨
فقه البيوع
عليه، أو من ماله عنده، بل يُحيلُ فيه المحيلُ من غير ذكر ما لَه على المحال عليه. فقد
لا يكونُ فى ذمّته للمُحيل شيئٌّ، ولكنّه يقبَلُ الحوالةَ تبرُّعاً، أو يكونُ فى ذمته شيئ،
ولكن لا يذكره عند الحوالة، بل يُرسل إرسالاً،(١) فيقول: "أحلتُك على فلان بدينك
الذى عليّ" ويقبله المحال عليه.
أمّا جمهور المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، فلا تكون الحوالةُ عندهم إلاّ مقيّدةً بدين
للمُحيل على المحال عليه. فإن لم يكن على المحال عليه دينٌ للمُحيل، فهو ليس
حوالةً، وإنّما هو كفالةٍ (٢) ولا يوجد عندهم اصطلاحُ "الحوالة المطلقة"، غير أنّ ابنَ
الماجشون من المالكيّة أجاز الحوالة على مَن لا دينَ عليه للمُحيل، بدون أن يُسمّيه
حوالةً مطلقة، ولكن اشترط أن يكونَ بلفظ "الحوالة"، وإلاّ فإنّه يصير حمالة، يعنى
كفالة.(٣)
وتبيّن ممّا سبق أنّ عقدَ الحوالة إنّما يتِمّ بين ثلاثة أطراف: المحيل، والمحال،
والمحال عليه. فأمّا المحيل، فَيجبُ رضاه لصحّة الحوالة عند المالكيّة والشّافعيّة
والحنابلة قولاً واحداً، وكذلك فى رواية القدوريّ للحنفيّة، بخلاف رواية الزّيادات،
حيثُ لاتَشترط رضا المحيل، بل تصحّ الحوالةُ على تلك الرّواية باتّفاق المحال
والمحال عليه فقط. (٤)
(١) البحر الرائق ٤٢٢:٦
(٢) المغنى لابن قدامة ٥: ٥٧ ومغنى المحتاج ٢: ١٩٤ والمنتقى للباجى، جامع الدين والحول ٣: ٤٥١
(٣) المنتقى للباجيّ ٣: ٤٥١
(٤) فتح القدير٦: ٣٤٦ و٣٤٧

المبحث الثالث
وأمّا المحتال، فيُشترط رضاه عند الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة، ولا يُشترط عند
الحنابلة، لأنّ الحوالةَ إن كان على مليئ، وجب على المحتال أن يقبلها، وإن لم يقبل،
أجبره الحاكم على ذلك، فإنّ الحنابلة حملوا حديث " فإذا أتبع أحدُكُم على مَلِيءٍ
فليْبَعْ " على الوجوب، (١) وحمله الأئمّة الثّلاثة على الإرشاد.
وأمّا المحتالُ عليه، فيُشترط رضاه عند الحنفيّة، وكذلك عند بعض المالكيّة
والشّافعيّة، ولا يُشترط ذلك عند الحنابلة، وهو المشهورُ من مذهب المالكيّة، وهو
الأصحّ فى مذهب الشّافعيّة.(٢)
وإذا تمّ عقد الحوالة، برئت ذمّةُ المحيل، ووجب على المحتال عليه أداءُ دَين
المحال. ولكنّ هذه البراءةَ مطلقةٌ عند الأئمّة الثّلاثة، بحيثُ لا يحِقّ للدائن المحال أن
يرجع على المحيل، ولوتخلّف المحالُ عليه عن أداء الدّين بأن جحد الدَّين أو
الحوالة، أو أفلس، إلاّ أن يكون المحالُ قد اشترط فى عقد الحوالة أنّه لولم يفِ
المحالُ عليه الدَّين، فإنّه يرجع على المحيل. وكذلك إن اشترط فى الحوالة ملاءةً
المحال عليه، إذا عجز عن أداء الدّين، فإنّه يستحقّ الرّجوع على المحيل عند المالكيّة
والحنابلة، وبعض الشّافعيّة. ولكنّ الجمهور من الشّافعيّة يعتبرون هذا الشّرط باطلاً.(٣)
أمّا عند الحنفيّة، فبراءةُ المحيل ليست على هذا الإطلاق، بل يجوز عندهم أن يرجع
المحالُ على المحيل فى حالة التّوى، وإن لم يكن ذلك مشروطاً فى عقد الحوالة.
(١) المغني لابن قدامة ٥: ٦٠
(٢) المغني لابن قدامة ٥: ٦٠ وبداية المجتهد ٢: ٢٩٩ ومغنى المحتاج ٢: ١٩٤
(٣) المنتقى على الموطأ ٣: ٤٥١ والمغنى لابن قدامة ٥٩:٥ ومغنى المحتاج ١٩٦:٢