النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨٠ فقه البيوع ثمنَ الشّركة فى وقت تقديرها، ولا تمثّل رأس مال الشّركة عند إنشاءها، فهو بمثابة سندٍ لقيمة موجودات الشّركة.(١) والذى حَملَهم على هذا التّكييف أنّ حملة الأسهم ليس لهم حقٌّ مباشِرٌ فى التّصرّف فى موجودات الشّركة، ولاحقُّ الخروجِ عنها إلاّ ببيع الأسهم فى السّوق. وبما أنّها، على هذا القول، تمثّل نقوداً، وليست حصّةً مُشاعةٌ فى موجودات الشّركة، تنطبق عليها أحكامُ بيع النّقود. ولكنّ معظم العلماء المعاصرين اعتبروا السَّهم ممثّلاً لحصّة شائعة فى موجودات الشّركة. وهو الرّاجح، لأنّ العُرْف يَعتبر حَمَلة الأسهم مُلاّكًا للشّركة، وهُم الّذين تُوزَّع بينهم أرباحها، وهم الذين يتضرّرون بخسائرها، وهم الذين يستحقّون ثمنَ الموجودات عند تصفيتها. أمّا أنّهم لايستحِقّون التّصرّفَ المباشِر فى موجودات الشّركة، فلأنّ لكلّ واحدٍ من الشُّركاء مِلكاً مُشاعاً فى جميع الموجودات، فليس الشريكٍ واحدٍ أن يستبدّ بالتّصرّف فى ملكٍ مشترك. وقد اتّفق الشّركاءُ عند إنشاءٍ الشّركة أنّ التّصرّف فى الموجودات إنّما يتمّ حسبَ قراراتٍ مجموعِ الشّركاء الّذين تُمثّلهم الجمعيّةُ العموميّة، ومجلسُ الإدارة المخوّل بذلك من قبل الجمعية العموميّة. ومن هذه الجهة، فإنّ بيعَ السَّهم بيعُ حصّةٍ مُشاعة فى موجودات الشّركة، وينطبق عليه أحكامٌ بيع المشاع. وبذلك صدر قرار مجمع الفقه الإسلاميّ، ونصُّه: "إنّ المحلّ المتعاقد عليه فى بيع السّهم هو الحصّةُ الشّائعة من أصول الشّركة. وشهادةُ السّهم عبارةٌ عن وثيقة للحقّ فى تلك الحصّة. "(٢) (١) تقىّ الدين النبهانى، النظام الاقتصادىّ فى الإسلام ص ١٧٣ دار الأمة (٢) قرار رقم ٦٣ بشأن الأسواق الماليّة فى الدّة السّابعة المنعقدة بجدة فى شهر ذى القعدة ١٤١٢ هـفقره ٥ 0 المبحث الثالث وقد ذهب بعضُ المعاصرين إلى عدم جواز بيع أسهم الشّركات، لأنّ مشتريَ السّهم لا يعرف قدرَ الموجودات الّتى يمثّلها سهمٌ واحد. بل رُبّما لا يعرف جنسَها. وهذه جهالةٌ فاحشةٌ تُفسد البيع. والّذين أجازوا بيعَ الأسهم أجابوا عن ذلك بأنّ موجوداتٍ الشّركات مُعْلَنةٌ منشورةٌ فى موازناتها، وبياناتِ مركزها الماليَ، فعِلْمُها الإجمالىّ مُتاحٌ لكلّ من يُريد أن يشتريَ أسهُمها. أمّا عِلمُها التّفصيلىَ، فلايُشترطُ لصحّة البيع، کبیع کلِ ما فى هذا البيت الذى سبق جوازُه وهذا هو الأوجه. وبجواز بيع الأسهم أفتى كثيرٌ من علماء الهند، مثلُ الإمام الشّيخ أشرف علىّ التّهانوىّ رحمه الله تعالى.(١) ولكنّ هذا الجواز يخضع لجميع شروط البيع. فلو كانت الشّركةُ لم تَبدأ نشاطَها، وكانت موجوداتُها مقتصرةً على نقود، فإنّ أسهمَ تلك الشّركة لاتُمثّل إلاّ نُقوداً، فلو بيعَ السّهمُ بنقدٍ فى هذه الحالة، فإنّه لا يجوز بيعُها بأقلّ أو أكثرَ من قيمتها الاسميّة، لأنّ التّفاضُل يؤدّى إلى الرّبا. وكذلك إن كانت الشّركة تجارتُها حراماً، مثل الشّركات التى تتعامل فى الخمر أو الخنزير، أو البنوك الرّبويّة، يحرُم تداول أسهمها. أمّا إذا كانت الشّركةُ نشاطُها التّجارىُّ حلالاً، ولكنّها تُودِع فائضَ نقودها فى البنوك الرّبويّة، وقد تقترض منها قروضاً ربويّة، فاختلفت أنظارُ الفقهاء المعاصرين فى جواز شراء أسهمِها. فقالت جماعةٌ من العلماء: إنّه لا يجوز شراؤُ أسهمها، لأنّ حاملَ السّهم يشارك فى هذه العمليّات المحرّمة، فكان مثلَ شراء أسهم الشّركات الّتى نشاطُها التّجارىّ حراماً. وقال الآخرون: إنّ إيداعَ فائض النّقود فى البنوك الرّبويّة (١) إمدادالفتاوى ٤٨٦:٣ إلى ٥٠٥ ٣٨٢ فقه البيوع عمليّةٌ منفصلةٌ عن نشاطها التّجارىّ، فلايؤثّر على أصل النّشاط، بشرط أن يكون قليلاً بالنّسبة إلى نشاطها الأساسيّ، وقدّره أكثرُ المجيزين أن يكون مثلُ هذا الإيداع أقلّ من ثلاثين فى مائة بالنّسبة إلى قيمة موجوداتها، والعائدُ النّاتج منها أقلَّ من خمسة فى مائة من مجموع إيراداتها. وقالوا: إنّ حاملَ السّهم يجب عليه أن يرفع صوتَه فى الجمعيّة العموميّة ضدّ الإقراض أو الاقتراض الرّبويّ، ولكن إذا رُفض صوتُه بالأغلبيّة، ودخل هذا الكسبُ المحرّم فى أرباح الشّركة، فإنّه يجب عليه أن يتخلّص من هذا الكسب المحرّم بالتصدّق بما يُساوى حصّتَه من الإيراد الذى دخل فى الشّركة تبعاً من خلال هذا الإيداع. أمّا عمليّةُ الاقتراض الرّبويّ، فحرامٌ بلاشكَ، ويأثَم بها فاعلُها، ولكنّ المبالغَ المقترَضة تدخلُ فى مِلكه وضمانِه، فلايحرُم ما يكسِبه بها. وعلى حامل السّهم أن لا يأذن مديرى الشّركة بهذه التّعاملات الرّبويّة برفع صوته فى الجمعيّة العموميّة. فإن امتنعوا فهو المقصود، وإن لم يمتنعوا، فلايُنسَب فعلُهم إلى حامل السّهم، لأنّ طبيعةَ الشّركة المساهمة مختلفةٌ من شركة الأشخاص من حيثُ إنّ القراراتِ فى الشّركة المساهمة تُتّخَذ على أساس الأغلبيّة، وليس بإجماع الشّركاء، كما هو الحالُ فى شركة الأشخاص، فلاتُنسب القراراتُ إلى حامل السّهم الذى صرّح بإنكاره عليها. وإلى هذا يبدو ميلانُ شيخ مشايخنا التّهانوىّ رحمه الله تعالى.(١) والله سبحانه وتعالى أعلم. ثمّ إن كان اقتناءُ أسهم الشّركات جائزاً، انطبق على بيعِه وشراءه جميعُ الشّروط (١) إمداد الفتاوى ٣: ٤٩١ ٣٨٣ المبحث الثالث الشّرعيّة لجواز البيع وصحّته. ولذلك لا يجوز لأحدٍ أن يبيعَ أسهماً لا يملكها، كما هو معمولٌ به فى البورصات، فإنّ النّاسَ يبيعون أسهماً لا يملكونها، ويُسمّونها Short Sale وهو ممنوعٌ فى الشّريعة قطعاً. وكذلك يجبُ أن تكونَ الأسهمُ مقبوضةً لدى البائع قبل أن يبيعها إلى آخر، وأن لا يكونَ بيعاً مُضافاً إلى المستقبل، وأن لا يستلزمَ محظوراً آخر، مثلَ الرّبًا. والبيوعُ التى تقعُ فى بورصاتِ الأسهُمِ على نوعين: البيوع المستقبلة ( forward sale) و"البيوع الفوريّة"(spot sales) ولنتكلّم على كلّ واحد من هذين النّوعين بشيئ من التّفصيل: ١٦٨ - البيوع المستقبلة للأسهم (forward sales) فأمّا البيوعُ المستقبلة، فالمراد منها البيوعُ المضافَة إلى المستقبل، بمعنى أنّ البائعَ فيها يعقد فى يوم العقد بيع أسهم شركة معيّنة فى تاريخ لاحق. وفيه عدّةُ محظوراتٍ من النّاحية الشّرعيّة: الأوّل: أنّه بيعٌ مضافٌ إلى المستقبل، وسيأتى (فى شروط البيع الّتى ترجع إلى صُلب العقد) أنّه محظورٌ شرعاً فى غير السّلم، وشروطُ السّلم منتفيةٌ فى مثل هذا البيع. الثّانى: أنّه يستلزم تأجيلَ البدلين، وبيعَ الكالئ بالكالئ، لأنّ ثمنَ البيع لايُدفعُ عادةً عند العقد، بل عند حلول التّاريخ المعقود عليه. الثّالث: أنّ المبيعَ فى معظم هذه العقود لايكونُ مملوكاً للبائع عند العقد. وفى معظم ٣٨٤ فقه البيوع الحالات، لا يُقصد بهذا البيع تسليمُ المبيع وتسلّمُه، وإنّما ينتهى العقدُ بتسوية فُروق الأسعار، وهو نوعٌ من المضاربات والمقامرة. وقد حاول بعضُ النّاس تخريجه على أساس الوعد المُلزم. ولكنّه غيرُ صحيح، لما قدَّمنا فى مبحث الوعد أنّ الأصلَ فى الوعد أنّه غيرُ لازم قضاءً، ولكنّه قد يلزم قضاءً للحاجة العامّة، أو لدفع حرج عامّ. ولاحاجةَ هُنا، لأنّ العقود المستقبلة فى الأسهم ليست ممّا تحتاج إليه التّجارة الحقيقيّة، بل إنّها تفتحُ بابَ المضاربات على أساس التّخمين (speculation) وإنّ مفاسدَها فى النّظامَ الاقتصاديّ واضحةٌ لا تحتاج إلى تدليل.(١) ١٦٩ - البيوع الفوريّة للأسهم (spot sales) أمّا البيوع الفوريّة، فالطّريق المتّبَعُ فيها فى البورصات أنّ عند عقد البيع يُسجَّل فى كمبيوتر البورصة ما يُثبت هذا البيع، وتكون البورصةُ ضامنةً لأداء واجبات البائع والمشترى، ولكنّ البائعَ يُسلّم المبيع، والمشترى يؤدّى الثّمن فى وقتٍ لاحق يكونُ تحديدُه مختلفاً فى بورصات مختلفة، ففى بعضها يكون ذلك بعد ساعاتٍ من يوم العقد نفسه، وفى بعضِها يكونُ بعد يوم واحد، وفى بعضها بعد يومين، أو ثلاثة، ولا يكونُ عادةً أكثرَ من ثلاثة أيّام. وإنّ فى هذا الوقت المحدّد من قِبل البورصة، تتمّ عمليّة التّسليم الّذي يُقال له: Delivery. والتّسليمُ فى الثّمن معناه أنّ المشتري يدفع الثّمن إلى البائع. أمّا تسليمُ الأسهم، فمعناه أنّ فى هذا الوقتِ يتِمّ انتقالُ الأسهم إلى (١) وقد أوضحت بعض هذه المفاسد فى مقالتى الانكليزيّة Present Financial Crisis: causes and remedies from Islamic perspective والتى نُشرت ترجمته العربية باسم "أسباب الأزمة المالية وعلاجها فى ضوء الشريعة الإسلامية". ٣٨٥ المبحث الثالث اسم المشترى فى دفاترِ الشّركة التى وقع بيعُ أسهُمِها. وعلى هذا، فإنّ هناك مسائلَ يجب تنقيحُها من النّاحية الفقهيّة: المسئلة الأولى: أنّ التّسليم والتّسلّم لايقع فى بيع الأسهم عند العقد، فإنّ البائعَ رُبّما يبيعُ أسهماً ليس فى ملكه فى ذلك الوقت. وقد تقدّم أنّ ذلك لا يجوز شرعاً. المسئلة الثّانية: أنّه إن كانت الأسهم المبيعةُ فى ملك البائع عند العقد، ولكنّ التّسليم والتّسلّم لا يقع فى بيع الأسهم عند العقد، فهل يُعتبر ذلك تأجيلُ البدلين؟ والجواب: أنّه ليس من قبيل تأجيل البدلين، لأنّ البيعَ حالٌّ بمعنى أنّ ملكَ الأسهم ينتقلُ إلى المشترى فورَ تمام العقد، ويحقُّ للبائع أن يُطالب بالثّمن فوراً، ولكن يتأخّر التّسليمُ لأسباب إجرائيّة. وهذا مثلُ حَبس البائع المبيعَ إلى تسديد الثّمن، فإنّه بيعٌ حالٌّ، ولكن يتأخّر فيه التّسليم والتّسلّم. المسئلة الثالثة: أنّ الَّذى يجرى عليه العمل فى سوق الأسهم التقليديّة أنّ المشتريَ بعد عقد شراء الأسهم، رُبّما يبيعُ الأسهمَ المشتراةَ إلى شخص ثالث قبل موعد التّسليم (Delivery) فهل يُعتبر ذلك بيعاً قبل القبض، فلا يجوز؟ فربّما يُظنّ أنّه ليس بيعاً قبل القبض، لأنّ معنى القبض أن تنتقل إلى المشترى حقوقُ المبيع والتزاماتُه، وأن يدخلَ المبيعُ فى ضمانه. وإنّ كلّ ذلك يحصُل بمجرّد عقد البيع الأوّل، حيثُ يُسجَّل هذا البيعُ فى الكمبيوتر، كما اعترف به أصحابُ البورصة. وإنّ ما يقع فى موعد التّسليم هُو تسجيلُ الملكيّة باسم المشترى فقط، وإنّ التّأخيرَ فى تسجيل المبيع باسم المشترى لا يمنع من تمام القبض، كما أنّه يُمكن أن يشتريَ رجلٌ سيّارةً، ويقبضها، ولكن يتأخّر تسجيلها فى الجهات القانونيّة إلى وقتٍ لاحق، فلا يتوقّف ٣٨٦ فقه البيوع القبض على ذلك التّسجيل، بل يتحقّق القبض بدونه. فكذلك يتحقّق القبضُ فى الأسهم قبل تسجيلها باسم المشترى فى موعد التّسليم. ولكنّ الحقيقة، كما يظهر بالتّأمّل فى ضوابط البورصة، أنّ الَّذى ينتقل إلى المشترى عند العقد هو مِلكُ الأسهم فقط. أمّا القبض، فإنّه لايحصُل إلاّ عند موعد التّسليم. ويدلّ على ذلك دلائل آتية: (١) قبضُ كلّ شيئ يكون بحسبه فى عرف ذلك الشّيئ، كما تقرّر فى الفقه. وإنّ عُرفَ البورصة والمتعاملين فيها أنّهم لا يعتبرون الأسهمَ مُسلّمةً إلى المشترى إلاّ عند التّسليم الفعليّ الذى يقع فى موعده، ويُسمّونها تسليماً (Delivery) وإنّ هذا الاصطلاحَ فيه تصريحٌ بأنّ المشتريَ إنّما يتسلّم الأسهمَ عند ذلك، لاقبله، والتّسلّم هو القبض. (٢) إنّ سهم شركة معيّنة يُمثّل حصّةً شائعةً فى جميع موجودات الشّركة، كما تقدّم. وإنّ بيع الحصّة المشاعة جائز، ويتحقّق قبضُها بالتّخلية،(١) بأن يتمكّن المشترى من الانتفاع به أو من التصرّف فيه متى شاء. وإنّ هذا التّمُّن لا يحصُل لمشترى الأسهم إلاّ بعد التّسليم، لأنّه لايُعتبر حاملاً لأسهُم الشّركة قبل ذلك. ولهذا لو انعقدت الجمعيّة العموميّة قبل موعد التّسليم، فإنّه لا يحقّ له أن يُصوّت فيها، لأنّه لم تعترف الشّركةُ بعدُ أنّه حاملٌ لأسهمها. وكذلك لو وُزّع ربحُ الشّركة، فإنّ الشّركةَ تُوزّعُها على البائع (المالك القديم)، وإن كان البائعُ يُرُدّ ذلك الرّبحَ إلى المشترى بحكمٍ انتقال المِلك إليه. (١) المبسوط للسّرخسيّ، كتاب الإجارة ١٥: ١٤٦ والهداية، كتاب الإجارة، مع فتح القدير ٤١٠٨ ٣٨٧ المبحث الثالث (٣) تُصرّح ضوابطُ البورصة أنّه لو تخلّف البائعُ من التّسليم فى موعده، فإنّه يحقّ للمشترى أن يشتريَ تلك الأسهمَ من السّوق، وتُسمّى هذه العمليّةُ Buy In ولئن اضطُرّ المشترى إلى دفع ثمن أكثر من الثّمن المتّفَق عليه مع البائع، فإنّ البائعَ يجبُر ضررَه بدفع الفرق إليه. (١) وهذا دليلٌ واضحٌ على أنّ المشتريَ لم يكن تسلّم الأسهمَ إلى موعد التّسليم، وإلاّ فلم تكن هناك إمكانيّةُ التّخلّف من قِبل البائع. لأنّ تخلُّف البائع إنّما يُتصوّر فى صورتين: إمّا أن يكون قد باع ما لم يملكه، ولم يقدر على تملّكها عند التّسليم، وإنّ بطلانَ البيع فى هذه الصّورة واضح كما تقدّم، وإمّا أن يكون مالكاً للأسهم عند العقد، ولكن تغيّر رأيُه عند التّسليم، وأراد أن يبيعها إلى شخصٍ آخر. وهذا يدلّ على أنّه لم يكن سلّم تلك الأسهمَ إلى المشترى، وإلاّ لم يُمكن له تغييرُ رأيه وبيعُها إلى آخر، ولما احتاج المشترى أن يشتريها من السّوق. فبهذه الوجوه يتّضح أنّ قبضَ المشترى على الأسهم لا يتحقّق قبل التّسليم. أمّا ما يُقال إنّ حقوق السّهم والتزاماته تنتقل إلى المشترى بمجرّد العقد، فإنّ ذلك ليس بصحيح، كما أوضحناه فى النّقاط المارة، وإنّما يُقال ذلك بمعنى أنّه إن انخفضت قيمةُ السّهم قبل التّسليم، فإنّ المتضرّرَ هو المشترى، وإن زادت قيمتُه، فإنّ الرّابح هو المشترى، دون البائع. ومجرّد هذا الأمر لا يكفى لانتقال الحقوق والالتزامات. فلو اشترى أحدٌ سيّارةً ببيع صحيح، ولم يقبضها، ووقع التّغيّر فى قيمتها السّوقيّة قبل القبض، فإنّ المستفيدَ أو المتضرّر بهذا التّغيّر هو المشترى، وليس البائع، ولكن لايُمكن أن يُقال: إنّ هذه الاستفادةَ أو التّضرّر يقوم مقام القبض. (1) Rules For Ready Delivery Contracts, Karachi Stock Exchange, clause 1 (b) & (c) ٣٨٨ فقه البيوع والحاصلُ من هذه الدّراسة أنّ مَن اشترى سهماً، فإنّه لايجوز له شرعاً أن يبيعه قبل التّسليم الفعليّ الّذى يتمّ فى موعده. وهذا من أقوى الأسباب لتفادى المضاربات التى تقعُ فى سوق الأسهم على أساس التّخمين، والّتى أفسدت النّظامَ كلَّه، والله سبحانه وتعالى أعلم. ١٧٠ - حكم طعام البوفيه وممّا شاع فى عصرنا فى المطاعم والفنادق طعامُ البوفيه، وهو أنّ صاحب المطعم يضعُ أنواعاً من الأطعمة فى صُحون كبيرة، ويأذَن للمشترى أن يأكل منها ما شاءَ بثمنٍ معلومٍ معيَّن. فالثّمنُ فى هذه المعاملة معلوم، ولكنّ المبيعَ غيرُ معيّن، لاجنسُه ولامقدارُه. والقياسُ أن لا يجوزَ هذا البيع، لأنّ المبيعَ وقدره مجهولٌ عندالعقد جهالةً تؤدى إلى الغرر. ولكنّالنّاسَ تعاملوا به من غير نكير، والظّاهرُ أنّ الغررَ فيه مغتفَر، لأنّ الفقهاءَ أجمعوا على أنّ الغرر اليسير غيرُ مفسد للعقد. وقد فسّروا الغرر اليسير بما يرجع إلى العُرف وعدم إفضاءه إلى النزاع. فعرّف الدسوقىّ رحمه الله تعالى الغرر اليسير بقوله: "هو ماشأنُ النّاس التّسامحُ فيه."(١) وقال النووىّ رحمه الله تعالى: "قال العلماء: مدارُ البطلان بسبب الغرر، والصّحّة مع وجوده على ماذكرناه، وهو أنّه إن دعت حاجةٌ إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكنُ الاحتراز عنه إلّبمشقّة، وكان الغررُ حقيراً، جاز البيع، وإلافلا."(٢) ومن نظائر مسألتنا ما أجمعوا عليه من دخول الحمّام بأجرة، فإنّه لا يُعرف عند العقد قدرُما (١) حاشية الدسوقى على شرح الدردير ٣: ٦٠ (٢) شرح صحيح مسلم للنووى، باب بطلان بيع الحصاة، والمجموع شرح المهذب، باب ما نهى عنه من بیع الغرر وغیرہ ٢٥٨:٩ ٤١٠ ٣٨٩ المبحث الثالث يُستعمَّل من الماء، ولاقدرُ ما يمكث فيه المستأجر، وكذلك جوازُ الشُّرب من ماء السَّقاء بعوض، مع اختلاف النّاس فى استعمال الماء، كما ذكره النّوى رحمه الله تعالی. وأقرب نظير لطعام البوفيه هو استئجار الظّئر بطعامها وكسوتها. قال الجصاص رحمه الله تعالى: "وفى هذه الآية (أى فى قوله تعالى: وعلى المولودله رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف) دلالةٌ على جواز استئجار الظّر بطعامها وكسوتها، لأنّ ما أوجبه الله تعالى فى هذه الآية للمطلّقة هما أجرة الرضاع، وقدبيّن ذلك بقوله تعالى: "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهنّ."(١) وذكر السّرخسيّ رحمه الله تعالى أنّ إجارةَ الظّئر بطعامها وكسوتها غيرُ جائز عند ء الشافعىّ وأبى يوسف ومحمّد رحمهم الله تعالى، لأنّ الطّعامَ والكسوةَ مجهولان. وأجازه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ثم قال السّرخسيّ رحمه الله تعالى: "وأبو حنيفة رحمه الله تعالى استدلّ بقوله تعالى: ((وعلى المولودله رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف)) يعنى أجراً على الإرضاع بعد الطّلاق، ألا ترى أنه قال: ((وعلى الوارث مثل ذلك)) وذلك أجر الرّضاع، لانفقة النكاح. ولأنّ الناس تعارفوا بهذا العقد بهذه الصّفة، وليس فى عينه نصّ يُبطله، وفى النّزعِ عن هذه العادة حرج، لأَنّهم يَعُدّون الظّئْرَ من أهل بيتهم، فالظّاهر أنّهم يستنكفون عن تقدير طعامِها وكسوتها كما يستنكفون عن تقدير طعام (١) أحكام القرآن للجصاص ١٠٦:٢ ٣٩٠ ٥ فقه البيوع "(١) الزوجات وكسوتهن. والظّاهر، كما ذكره السّرخسيّ فى أوّل هذه المسئلة، أنّ جواز الإجارة بالطّعام والكسوة مختصّ بالظّئر عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، ولا يجوز فيما سواه من عقود الإجارات، ولكنّ المالكيّة والحنابلة يُجوّزون ذلك فى استئجار أىّ أجير. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "اختلفت الرّواية عن أحمد فيمن استأجر أجيراً بطعامه وكسوته، أو جعل له أجراً، وشرط طعامه و کسوته، فرُوي عنه جواز ذلك، وهو مذهب مالك و إسحاق، ورُوي عن أبى بكر وعمر وأبى موسى رضي الله عنهم أنّهم استأجروا الأجراءَ بطعامهم وكسوتهم. ورُوي عنه أنّ ذلك جائزٌ في الظئر دون غيرها، اختارها القاضي، وهذا مذهبُ أبى حنيفة، لأنّ ذلك مجهول، وإنما جاز في الظّئر لقول الله تعالى ((وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)) فأوجب لهنّ النّفقة والكسوةَ على الرّضاع، ولم يفرّق بين المطلّقة وغيرها، بل في الآية قرينةٌ تدلّ على طلاقها، لأن الزّوجة تجب نفقتُها وكسوتُها بالزّوجيّة، وإن لم تُرْضِع، لأنّ الله تعالى قال : ((وعلى الوارث مثل ذلك)) والوارثُ ليس بزوج، ولأنّ المنفعةَ في الحضانة والرّضاع غيرُ معلومة، فجاز أن يكون عوضُها كذلك. ورُوي عنه روايةٌ ثالثةً: (١) المبسوط السرخسي، باب إجارة الظئر ١١٩:١٥ ٣٩١ المبحث الثالث لا يجوز ذلك بحال، لا في الظّئر ولا في غيرها، وبه قال الشافعيّ وأبو يوسف ومحمّد وأبو ثور وابن المنذر، لأنّ ذلك يختلف اختلافاً كثيراً متبايناً، فيكونُ مجهولاً، والأجرُ من شرطه أن يكون معلوماً. ولنا ما روى ابن ماجه عن عتبة بن المنذر(١) قال: "كُنّا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقرأ ((طس)) حتىّ إذا بلغ قصّةَ موسى، قال : إنّ موسى آجرَ نفسَه ثمانيَ حِجج أو عشراً على عفّة فرْجه وطعام بطنه. "(٢) وشَرْعُ مَن قبلَنا شرعٌ لنا ما لم يثبت نسخُه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال: "كنت أجيراً لابنة غزوان بطعامٍ بطني وعُقبة رجلي، أحطِب لهم إذا نزلوا، وأحدوبهم إذا ركِبوا. "(٣) ولأنّ مَن ذكرنا من الصّحابة وغيرهم فعلوه، فلم يظهر له نكير، فكان إجماعاً، ولأنّه قد ثبت في الظّئر بالآية، فيثبت في غيرها بالقياس عليها، ولأنّه عوضُ منفعة، فقام العُرف فيه مقامَ التّسمية، كنفقة الزّوجة، ولأنّ للكسوة عُرفاً، وهي كسوة الزّوجات، وللإطعام غُرف، وهو الإطعام (١) كذا فى نسخة المغنى، ولكنّ المذكور فى سنن ابن ماجه: "عقبة بن النُّدّر" (٢) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه فى أبواب الرهون، باب إجارة الأجير على طعام بطنه، حديث ٢٤٤٤ وقال البوصيري رحمه الله تعالى فى زوائدابن ماجه: "ليس لعتبة بن الندّرهذا عندابن ماجه سوى هذا الحديث، وليس له شيئ فى شيئ من الكتب الخمسة، وإسناد حديثه ضعيف لتدليس بقيّة رواه الإمام أحمد فى مسنده من حديث عتبة بن الندّر، و كذلك أخرجه ابن الجوزىّ فی کتابه جامع المسانید بسنده." (٣) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه أيضا بعد الحديث السابق، وقال البوصيري رحمه الله تعالى: "هذا إسناد صحيح موقوف، وحيّان هوابن بسطام بن مسلم بن نمير، ذكره ابن حبّان فى الثقات، وباقى رجال الإسناد ثقات. وهكذارواه الحاكم فى المستدرك من طريق عمروبن مرزوق عن ابن مهدی به، ورواه البيهقی فی الکبری عن الحاکم به." ٣٩٢ فقه البيوع فی الکفّارات، فجاز إطلاقه کنقد البلد."(١) والظّاهر من كلام الفقهاء فى هذه المسائل أنّ للعُرف دخلاً كبيراً فى إخراج عمليّة من الغرر الفاحش الممنوع، ولاشكّ أنّ ما تُعورف فى البوفيه من هذا القبيل، لأنّ النّاسَ يتعاملون به ولا تؤدى هذه الجهالة إلى نزاع. ثمّ العُرف فى طعام البوفيه أنّه يؤذَن للمشترى أن يأكل ما شاء، ولكن لا يُسمَح له بأن يحمِل منه شيئاً، أو يُطعمَ أحداً غيره، فالظاهر أنّه إباحةٌ ابتداءً، وتمليكٌ انتهاء. والتملّك إنّما يتحقّق عند الأكل، فإن أخذ أشياءَ للأكل ولم يأكلها، فالحكمُ يتوقّف على العُرف، فما تُعورف فيه أنّه لايُعاد إلى الصّحون، صار ملكاً له، وإن كان ممّا يُعاد لا يملكه. والله سبحانه أعلم. ١٧١- الشّرط السّابع: أن يكون مقبوضاً للبائع الشّرط السّابع المتعلّق بالمبيع: أن يكون البائعُ قد قبض المبيعَ قبضاً حقيقيّاً أو حكميّاً. وهذا من شرائط الصحّة، فبيعُ ما لم يقبضه بعدُ فاسدٌ شرعاً، ولو كان مملوكاً له. والأصلُ فيه قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "من ابتاع طعاماً، فلايبعه حتىّ يستوفيه." (٢) وقد اختلف الفقهاء فى هذه المسئلة على أقوال: الأول: قول عثمان البتّىّ رحمه الله تعالى: إنّه لا يشترط لصحّة البيع أن يكون البائعُ قبضه. فيجوزالبيعُ عنده قبل قبضه فى كلّ شيئ. ولكن قال ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: "هذا قولٌ مردودٌ بالسنّة والحجّة المجمعة على الطّعام، وأظنّه لم يبلغه هذا (١) المغني لابن قدامة ٦٨:٦ (٢) صحيح البخارى، كتاب البيوع، باب بيع الطعام قبل أن يُقبض، حديث ٢١٣٦ المبحث الثالث !(١) الحديث. ومثل هذا لايلتفت إليه. الثّاني: قال الشافعيّ ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة: يحرُم بيع كلّ شيء قبل قبضه، طعاماً كان أوغيرَه، منقولاً كان أو غيرَ منقول، وهو ظاهرُ قول ابن عبّاس رَضي الله تعالى عنهما، وهو رواية ابن عقيل عن أحمد كما فى المغني. الثّالث: قال أحمد بن حنبل في أظهر رواياته: إنّما يختصّ النّهي بالطعام، فلا يجوز بيعُه قبل قبضه، ويجوز فيما سواه، كما حقّقه ابن قدامة. الرّابع: قال مالك رحمه الله: إنّما يمتنعُ البيع قبل القبض فى المكيل والموزون من الطّعام خاصّةً، وقال سحنون وابن حبيب من المالكيّة: إنّه ممتنعٌ فى كلّ مكيلٍ أو موزون أو معدود، ثمّ هل يختصّ بالطعام أو بالربويّات عندهم؟ فيه قولان حكاهما الأبي. الخامس: قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى: يمتنعُ البيع قبل القبض فى سائر المنقولات، ويجوز في العقار الّذي لا يُخشى هلاكُه، كما فى فتح القدير.(٢) استدلّ الحنابلة على أنّ النّهي مقصورٌ على الطّعام بالحديث الذى رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "من ابتاع طعاماً فلا" يبعْه حتى يستوفيَه. "(٣) لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نصّ فيه على الطّعام، واستدلّوا أيضاً بما روي عن ابن عمر قال: (١) المغني لابن قدامة ٤: ٢٢٠ (٢) فتح القدير، كتاب البيوع ١٣٧:٦ و١٣٨. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، حديث ٣٨١١. ٣٩٤ فقه البيوع "كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير، وآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير، فأتيت النبيَّ صلّى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فقال: لا بأس به بالقیمة." أخرجه أصحاب السنن الأربعة وأحمد وابن حبّان والحاكم من طريق سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، ولم يرفعه عنه إلاّ سماك بن حرب، كما في تلخيص الحبير للحافظ.(١) ووجه الاستدلال منه على ما بيّنه ابن قدامة، أنّه تصرّفٌ فى الثّمن قبل قبضه، وهو أحدُ العوضين. فلو جاز بيعُ الثّمن قبل قبضه، جاز بيعُ المبيع قبل قبضه أيضاً، إلاّ في الطّعام؛ فإنّه ورد فيه النّهي أيضاً. وهذا الاستدلال غيرُ ناهض على الشّافعيّة والحنفيّة، لأَنّه صَرْفٌ اقتضاءً، ولا غررَ فيه للانفساخ بالهلاك لعدم تعيّنه بالتّعيين. وإنّما الكلام فى بيع المبيع، فإنّه ممكنُ الهلاك، وسيأتى ما يدلّ على عموم النّهي عنه. واستدلّ ابنُ قدامة أيضاً بحديث ليلة البعير عن جابر رضي الله تعالى عنه، فإنّ النّبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم اشتراه من جابر، ثمّ وهَبه له قبل أن يقبضه. وليس فيه حجّةٌ لهم خلاف محمّد رحمه الله تعالى، فإنّه يفرق بين البيع والهبة، ويقول: إنّ هبة المبيع جائزةٌ قبل قبضه، ولا يجوز بيعه قبل قبضه، كما في فتح القدير. (٢) وأمّا أبو حنيفة وأبو يوسف، فالهبةُ عندهم كالبيع، والجوابُ من قِبَلهم عن حديث (١) أخرجه الترمذي ١٢٤٢، وأبو داود ٣٣٤٥، والنسائي ٤٥٨٩، وابن ماجه ٢٤٦٢، والدارمي ٢٥٨١، وأحمد ٢: ١٥٤، انظر التلخيص الحبير ٣: ٢٥ و٢٦، باب القبض وأحكامه برقم ١٢٠٤. (٢) فتح القدير ٦: ١٣٥ ١٣٩٥ 0 المبحث الثالث البعير أنّ النّبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم إنّما وهبه للبائع بعد قبضِه على الثّمن، وذلك يجوز، لأنّه هبةٌ للثّمن حقيقةً، وليس هبةً للمبيع، وإنّما الكلامُ فى هبةِ المبيع لغير البائع قبل قبضه. وأمّا الشافعيّ ومحمد بن عقيل ومن وافقهم في تعميم النهي، فاستدلوا بمايأتى: ١- أخرج أبو داود عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما، قال: "ابتعتُ زيتاً في السُّوق، فلمّا استوجبتُه لقيَني رجل، فأعطانى به ربحاً حسناً، فأردتُ أن أضربَ على يده، فأخذ رجلٌ من خلفي بذراعي، فالتفتُّ فإذا زيدُ بن ثابت، فقال: لا تبعْه حيثُ ابتعتَه، حتىّ تحوزَه إلى رَحلك، فإنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم نهى أن تُباعَ السّلَع حيثُ تُبتاع، حتىّ يحوزها التُّجّار إلى رحالهم."(١) فقد عمّم هذا الحديثُ الحكمَ فى جميع السّلَع، ولم يقصره على الطّعام. وتكلّموا في إسناد هذا الحديث بأنّ فيه محمّد بن إسحاق، ولكن قال صاحب التّنقيح: "سنده جيّد، وابنُ إسحاق صرّح فيه بالتّحديث " كما فى فتح القدير (٢) وأخرجه أيضاً ابنُ حِبّان فى صحيحه، والحاكم فى مستدركه وصحّحه، وأقرّه عليه الذّهبيّ. ٢- عن حكيم بن حزام قال: "قلت: يا رسول الله، إنّى أبتاع هذه البيوع، فما يحلّ لى منها وما يحرم علىّ؟ قال: "يا ابن أخي!لا تبيعنّ شيئاً حتىّ تقبضه" وفي رواية أبان: "إذا اشتريتَ بيعاً، فلا تبعه حتىّ تقبضه. " هذا اللّفظ للبيهقيّ فى سننه، وقال: "هذا إسنادٌ حسن متّصل. " وأخرجه أيضاً ابنُ حِبّان فى صحيحه، وأحمد في (١) أخرجه أبو داود برقم ٣٣٥٦، والحاكم ٢: ٤٠ وصحّحه، وأقره الذهبي. (٢) فتح القدير ٦: ١٣٦ ٣٩٦ فقه البيوع مسنده، وفيه تعميمُ الحكم لكلّ شيء، وأعلّوه بعبد الله بن عصمة، لكن قال ابنُ القيّم رحمه الله تعالى فى تهذيب السّنن: "هذا إسنادٌ على شرطهما، سوى عبد الله بن عصمة، وقد وثّقه ابن حبّان، واحتجّ به النسائي." وقال صاحب التنقيح: "فيه عبد الله بن عصمة، وهو الجشميّ، حجازيّ، وقد ذكره ابن حبّان في الثّقات، وقال عبد الحقّ فى أحكامه بعد ذكر هذا الحديث: عبد الله بن عصمة ضعيفٌ جدّاً، وتبعه على ذلك ابنُ القطّان، وكلاهما مخطئ في ذلك، وقد اشتبه عليهما عبد الله بن عصمة هذا بالنّصيبيّ أو غيره ممن يُسمّى عبد الله بن عصمة. " كذا فى نصب الرّآية للزّيلعي.(١) ٣ - عن عبد الله بن عمرو أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا يحلّ سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربحُ ما لم يضمن، ولا بيعُ ما ليس عندك. " أخرجه التّرمذيّ فى باب كراهية بيع ما ليس عنده، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. (٢) فنهى فيه (٣) رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم عن ربحِ مالم يضمن، والبيعُ قبل القبض يتضمّنه، لأنّ المبيعَ لا يدخل فى ضمان المشترى حتىّ يقبضه. فإن باعه قبل ذلك بالرّح، كان ذلك ربحاً لما لم يضمنه، وهذه العلّة تعُمّالطّعامَ وغيرَه. وبعين هذه الأدلة يستدلّ أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى، غير أنّهما يستثنيان العقار من عموم النّهي، لأن علّة النّهي منتفيةٌ فيه، فإنّ الحديث الأخير - (١) وأخرجه البيهقي ٥: ٣١٣ وحسنه، وأحمد ٤٠٢:٣، وانظر تهذيب السنن ١٣١:٥ ونصب الراية ٣٣:٤. (٢) أخرجه الترمذي برقم ١٢٣٤، ١٢٣٥ وأبو داود برقم ٣٥٠٤، والنسائي ٤٦١١، ٤٦١٢، (٣) وكذا في قوله عليه السلام: "الخراج بالضمان." أخرجه أبو داود المبحث الثالث حديث عبد الله بن عمرو- دلّ على أنّ العلّة فى النّهي عن بيع المبيع قبل القبض، هي أنّه يستلزمُ ربحَ ما لم يضمن، وإنّما يضمن الإنسانُ ما يخاف فيه الهلاك. وأمّا العقار، فلا يُخشى فيه ذلك إلاّ نادراً، حتّى لو كان العقارُ على شطّ البحر، أو كان المبيع علواً، لا يجوز بيعُه قبل القبض. كما فى فتح القدير.(١) لأنّ الهلاك فيه غيرُ نادر. وقال صاحب الهداية: "لهما (يعني في جواز بيع العقار قبل قبضه) أنّ ركنَ البيع صدر من أهله فى محلّه، ولا غررَ فيه، لأنّ الهلاك فى العقار نادر، بخلاف المنقول، والغررُ المنهيّ عنه غررُ انفساخ العقد، والحديث معلولٌ به بدلائل الجواز. وقال ابن الهمام تحته: "والحديث معلولٌ به، أى بغرر الانفساخ، والدليل عليه أنّ التّصرُّف الذى لا يمتنع بالغرر نافذٌ فى المبيع قبل القبض، وهو العتق والتزوّج عليه."(٢) ١٧٢ - مايكون قبضاً وما لايكون ثمّ القبضُ عرّفه الفقهاء بعباراتٍ مختلفة. فجاء فى القوانين الفقهيّة لابن جُزىّ: "القبضُ عبارةً عن حيازة الشّیئ والتّمكّن منه، سواءٌ أکان ممّا يُمكن تناولُه باليد أو لم يكن."(٣) وقال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "معنى القبض: هو التّمكين والتخلّى، وارتفاعُ الموانع عرفاً وعادةً حقيقةً " وقال العزّ بن عبد السّلام رحمه الله تعالى: (١) فتح القدير ١٣٨:٦ (٢) فتح القدير ٦: ١٣٨ (٣) الموسوعة الفقهية الكويتية، مادة "قبض "ج٣٢ ص ٢٥٧ ٣٩٨ فقه البيوع "قولهم: قبضتُ الدّار، والأرض، والعبد، والبعير: يُريدون بذلك الاستيلاء والتمكّن من التّصرف."(١) ولكن بالرّغم من اتّفاق الفقهاء على هذه التّعريفات المتقاربة، فإنّ هناك تفصيلاً فى تعيين طريق القبض فى أشياء مختلفة، وفى بعضها خلاف. فلنذكر هذه التّفاصيل بالنسبة إلى المقبوضات: ١٧٣ - القبض فى العقار اتّفقت المذاهب الأربعة على أنّ القبضَ فى العقار يحصلُ بالتّخلية، (٢) وهو كما قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى، "أن يُخلِّيَ البائعُ بين المبيع وبين المشترى برفع الحائل بينهما على وجهٍ يتمكّن المشترى من التّصرّف فيه، فيُجعل البائعُ مُسلِّما للمبيع، والمشترى قابضاً له." وذكر النّووىّ رحمه الله تعالى فى شرح المهذّب أنّ فى معنى الأرض الشّجر الثابت، والثّمرة المبيعة على الشّجر قبل أوان الجذاذ. والتّخليةُ فى الدّار تتحقّق بتسليم مفتاحها، ولولم يدخلها المشترى، ولو كانت الدّار بعيدةً عنهما. واشترط فى الخانيّة أن يقول مع دفع المفتاح: "خلّيتُ بينك وبين الدّار فاقبضه" فإن لم يقل ذلك، لم يكن قبضا، (٣) ولم يُشترط ذلك فى البحر والهنديّة (١) الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٥٧:٣٢ (٢) المجموع شرح المهذب ٩: ٢٧٣ و٢٧٤ والمغنى لابن قدامة ٤: ٢٢٠ والدسوقى على الشرح الكبير ٣: ١٤٥ وبدائع الصنائع ٤٩٨:٤، حكم البيع (٣) الخانية بهامش الهندية ٢٥٧:٢ 80 المبحث الثالث وغيرهما، والظّاهرُ أنّ المقصود بهذا الشّرط أن يتعيّن دفعُ المفتاح لغرض التّسليم، لأنّه يحتمل أن يكون دفع لغرض آخر. وعليه، فلا ينبغى أن يُشترط هذا اللّفظ بخصوصه، بل إذا دُفع المفتاح ودلّت القرائن على أنّ المقصود منه التّسليم، كفى ذلك، ولهذا لم يذكر الفقهاء الآخرون هذا الشّرط. والله أعلم. أمّا إذا قال: "سلّمتها إليك" فإن كانت الدَارُ قريبةً من المشترى بحيث يتمكّن من إغلاقها فى الحال، تحقّق القبض، وإن كانت بعيدةً، لا يتحقّق القبضُ حتّى تمضيَ مدّةٌ يمكن فيها الذّهاب إليها.(١) ١٧٤ - القبض فى الدّار الّتى يسكنها البائع ثمّ اشترط الفقهاء لصحّة تسليم الدّار أن تكون خاليةً من أمتعة البائع. فإن كانت مشغولةً بها لا يتحقّق القبض حتى يُفرغها.(٢) ولكن جاء فى الفتاوى الهندية عن فتاوى أبى اللّيث: "فإن أذن البائعُ للمشترى بقبض الدّار والمتاع، صحّ التّسليم، لأنّ المتاعَ صار وديعةً عند المشترى. "(٣) وكذلك ذكروا حيلةً فى نفاذ هبة ماهو مشغولٌ بمتاع البائع فقالوا: "وحيلةُ هبة المشغول أن يُودِع الشّاغلُ أولاً عند الموهوب له، ثمّ يُسلّمه الدار مثلاً، فتصح لشغلها بمتاعٍ فى يده. !! (٤) (١) راجع مجلّة الأحكام العدليّة، مادّة ٢٧٠ مع شرحها للأتاسى" ٢: ١٩٦ إلى ٢٠٠ (٢) المجموع شرح المهذب ٩: ٢٧٤ (٣) الفتاوى الهندية ٣: ١٧ باب ٤ من كتاب البيوع (٤) الجوهرة النيرة، أوائل كتاب الهبة ٢: ١١ ونقله الحصكفى فى الدر المختار ولم يتعقبه ابن عابدين بشيئ. (رد المحتار ٥: ٦٩٢) ولكن قال الكاسانى رحمه الله تعالى: "وفى هذه الحيلة=