النص المفهرس
صفحات 341-360
فقه البيوع ولذلك ذكر الفقهاء أنّه لا يجوز بيعُ العبد الآبق، فإنّه رغم كونه مملوكاً للبائع، لا يُمكن تسليمُه عند العقد. ويدخلُ فيه كلُّ ما فَقَده البائع من مملوكاته. وقال الكرخىّ رحمه الله تعالی: ینعقد بيعُ الآبق، حتىّ لوظھر وسلّمه البائعُ إلى المشترى يجوز، ولا يحتاجُ إلى تجديد البيع، إلاّ إذا كان القاضى فَسَخه عند مطالبة المشترى بالتّسليم وعجز البائع. وجوابُ ظاهر الرّواية أنّه لا ينفذ بظهور الآبق، بل يحتاج إلى عقدٍ جديدٍ بالإيجاب والقبول، أو بالتّعاطى. وفى حُكمه بيعُ الطّائر الذى كان فى يد البائع وطار: أنّه لا ينعقدُ فى ظاهر الرّواية، وكذلك بيعُ السّمكة التى أخذها ثم ألقاها فى حظيرة، بعد أن كان لا يمكنُه أخذُها بدون اصطياد. أمّا إذا كان يمكنه أخذُها بدون اصطياد، بأن كان فى حوض صغير، يجوزُ بيعُها، لأنّه مقدورُ التّسليم. أمّا إذا كان المبيعُ بيدِ غاصب معيّن، فباعه المالكُ إلى غير الغاصب، انعقد البيعُ موقوفاً على التّسليم، لأنّ المغصوبَ فى هذه الصّورة مقدورُ التّسليم بقُدرة السّلطان والقاضى، وجماعة المسلمين، إلاّ أنّه لم ينفُذ فى الحال لقيام يدِ الغاصب صورةً. فإذا سلّم زال المانع، فينفُذ بخلاف الآبق، لأنّه معجوزُ التّسليم على الإطلاق.(١) وذكر ابنُ قُدامة رحمه الله تعالى أنّ بيعَ العبد الآبق لا يصحّ، سواءً علِمٍ مكانَه أو جهلَه، وكذلك ما فى معناه من الجمل الشّارد، والفرس العائر وشبههما، وبهذا قال مالك، والشّافعيّ، وأبوثور، وابنُ المنير وأصحابُ الرّأى. ثمّ ذكر جوازَه عن ابن عمر، وابن سيرين، وشُريح رحمهم الله تعالى، واحتجّ عليهم بحديث أبى هريرة رضى الله عنه أنّ (١) هذه خلاصة ما فى بدائع الصنائع ٤: ٣٤١ و٣٤٢ المبحث الثالث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر.(١) ١٤٨ - بيع الدَّين ممّن هُو عليه ومن بيوع الغرر أن يبيع دائنٌ دَينه من غير مديونه. فإن كان إلى المديون نفسه، فهو جائزٌ بثمن حالٌّ فى غير السّلم والرّبويّات. وذلك مثلَ أن يقولَ الدّائن للمديون: "بغنى هذا الثّوبَ بدَينى الذى فى ذمّتك" أو يقول: "بعتُك دينى فى ذمّتك بثوبك هذا" فهو جائزٌ. وهو الذى يُسمّيه الفقهاء بيع الدّين ممّن هو عليه. وهو جائزٌ عند جمهور الفقهاء. قال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "ويجوز بيعُه (أى بيع الدّين) ممّن عليه، لأنّ المانع هو العجزُ عن التّسليم، ولا حاجةَ إلى التّسليم ههنا. ونظيره بيعُ المغصوب أنّه يصحّ من الغاصب، ولا يصحّ من غيره إذا كان الغاصبُ منكِراً، ولا بيّنة للمالك." (٢) وإنّما قلنا "فى غير السّلم "لأَنّه لا يجوز بيعُ المسلَم فيه من المسلّم إليه قبل أن يقبضه ربُّالسلم، لأنّه بيعٌ قبل القبض، وهولا يجوز. قد صرّح به الكاسانى رحمه الله تعالى. وقال الشّیرازی رحمه الله تعالی: "وإن كان الدّينُ غيرَ مستقرّ نَظَرْتَ، فإن كان مُسْلَماً فيه، لم يجز بيعُه، لمارُوي أنّ ابن عباس رضى الله عنهما سُئل عن رجلٍ أسلف فى حُلَلِ دِقاق، فلم يجد تلك الخلل، فقال: آخذمنك مقامَ كلِّ حُلّة من الدقاق خُلّتين من الجلّ. (٣) فكرهه ابن عباس رضى الله (١) المغنى لابن قدامة ٤: ٢٧١ (٢) بدائع الصنائع، كتاب البيوع، فصل وأما الذى يرجع إلى نفس المعقود عليه ١٤٨:٥ (٣) الجلّ بالكسر ضد الدقّ، كما فى تاج العروس ٣٤٢ فقه البيوع (١) عنهما. وسيأتى تمام الكلام على ذلك فى بحث السّلم إن شاء الله تعالى. وأمّا قولنا "فى غير الربويّات" فالمقصود منه أنّه إذا كان الدّينُ وعوضُه ربويّين، يُشترط فى بيعه ما يُشترط فى مبادلة الرّبويّات بعضها ببعض، فيُشترط فى المتجانسين التّساوى. فإذا اشترى المدينُ دينَه من الدائن بثمن أكثرَ مؤجّل، فهذا عينُ الرّبوا. وهو فى معنى "أتقضى أم تُربى؟" وقد صرّح بحرمته القرآن الكريم. وكذلك منَع أكثرُ الفقهاء من أن يُعجّل الدِّينُ المؤجّل مُقابلَ إسقاطِ بعض الدَّين. وهو مذهب الأئمة الأربعة، وهو مروىٍّ عن عبد الله بن عمر وزيدبن ثابت من الصّحابة رضى الله عنهم، وعن محمد بن سيرين والحسن البصرى وابن المسيّب والحكم بن عتيبة والشّعبىّ رحمهم الله تعالى. (٢) وهى مسألة "ضع وتعجّل" وقد أشبعنا الكلام فيها فى رسالتنا "البيع بالتقسيط "(٣) والحمد لله تعالى. هذا إذا بِيعَ الدِّينُ من المدين بثمنٍ حالٌ. أمّا بيعُ الدّين منه بثمن مؤجّل، فلا يجوز، لأَنّه يؤدى إلى بيع الكالئ بالكالئ الّذي سيأتى حكمُه إن شاء الله تعالى. ولا يقال: إنّ الدّينَ مقبوضٌ للمديون من قبل، فلا يؤدّى إلى بيع الكالئ بالكالئ، لأنّ الدِّينَ مادام ديناً فى ذمّة المدين، لا يُعتبر عيناً. ولهذا ذكروا أنّ الدِّينَ الَّذى لربّ السّلم على (١) المهذّب للشيرازي، مع شرحه المجموع، كتاب البيوع ٩: ٢٧٢ ولم أهتد إلى تخريج أثر ابن عباس هذا فى كتب الحديث. ولكن سيأتى فى بحث السّلم إن شاء الله تعالى حديث مرفوع: "من أسلف فى شيئ، فلايَصْرفْه إلى غيره. " وسيأتى تمام الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. (٢) موطأ الإمام مالك ٦٠٦ ومصنف عبد الرزاق ٧١٠٨ (٣) بحوث فى قضايا فقهية معاصرة ١: ٢٥ المبحث الثالث المسلَم إليه لا يجوزُ أن يكون رأسَ مال السّلم. كما فى تنوير الأبصار مع الدّر المختار: "فإن أسلمَ مائتى درهم فى كُرِّبُرِّ، مائةً ديناً عليه (أى على المسلم إليه) ومائةً نقداً، وافترقا على ذلك، فالسّلمُ فى حصّة الدَّين باطل، لأَنّه دينٌ بدين."(١) ولم يُجزْه أحدٌ من الفقهاء الأربعة. ولكن أجازه العلامة ابنُ تيمية وتلميذه ابنُ القيّم رحمهما الله تعالى، وسمّاها ابنُ القيّم رحمه الله تعالى "بيع الواجب بالسّاقط". قال: "وأمّا بيعُ الواجب بالسّاقط، فكما لو أسلم إليه فى كُرّ حنطة بعشرة دراهمَ فى ذمته، فقد وجب عليه دينٌ، وسقط له عليه دينٌ غيرُه. وقد حُكِيَ الإجماعُ على امتناع هذا، ولا إجماعَ فيه. قاله شيخُنا، واختار جوازَه، وهو الصّواب، إذ لا محذورَ فيه. وصُورته: أنّ زيداً استقرض عشرةَ دراهم من عمرو. فقال عمروّ لزيد: أشترى منك عشرةَ كيلو من القَمْحِ سَلَماً بالمائة الّتى هيَ قرضٌ عليك، وتؤدّى عشرةَ كيلو من القمح بعد شهر. فوجب دَينُ عشرة كيلو من القمح على عمرو، وسقط دينُ عشرة دراهم من ذمّته، فصار بيعَ الواجب بالسّاقط. وكذلك أجاز ابنُ تيميّةٍ وابنُ القيّم رحمهما الله تعالى ما سمّياه "بيعَ السّاقط بالواجب"، كمالو باعَه ديناً له فى ذمّته بدين آخرَ من غير جنسه، فسقط الدّينُ (١) تنوير الأبصار مع الدر المختار ورد المحتار، باب السلم ١٥: ٣٨٦ و٣٨٧ ٣٤٤ فقه البيوع المبيعُ، ووجب عوضُه، وهو بيعُ الدِّين ممّن هو فى ذمته. (١) وصورتُه: أنّ زيداً أسلم عشرة دراهمَ فى عشرة كيلو من القمح إلى عمرو يؤديها بعد شهر مثلاً، فصار القمحُ ديناً فى ذمّة عمرو. وحين حلّ أجلُ القمحُ، قال زيدٌ أبيعُك عشرة كيلو من القمح الّتى هيَ فى ذمّتك بعشرة كيلو من الشّعير تؤدّيها بعد شهر. فسقط عن عمرو دينُ عشرة كيلو من القمح، ووجب عليه دينُ عشرة كيلو من الشّعیر. وسيأتى تمامُ الكلام على ذلك فى باب السّلم إن شاء الله تعالى. ١٤٩ - بيع الدَّين بالدَّين أمّا بيعُ الدّين بالدّين، الذى يُسمّى "بيعَ الكالئ بالكالئ"، فقد يكون مع المديون نفسِه، وقد يكون مع ثالث. مثالُ الأول: أن يقول شخصٌ لآخر: اشتريتُ منك طناً من القمح تُسلّمها لى بعد شهر بألفى ربية أدفعُها لك بعد شهرين مثلاً. وهذا ما سمّاه الفقهاء "ابتداءَ الدّين بالدّين"(٢) فالقمحُ دينٌ فى ذمّة البائع، وألفاروبية دينٌ فى ذمّة المشترى، وكلُّ واحدٍ منهما يُريد أن يُنشِأ ديناً على الآخر بالمعاوضة بينهما. ومثل أن يبيع زيدٌ طّاً من القمح سلماً، فإذا حلّ الأجل، عجزَ عن التّسليم، فيقولُ له: بعنى القمْحَ الَّذى هُو فى ذمَّتی بثلاثة آلاف روبية أودّيها إليك بعدشهر. وهذا ما عبّر عنه بعض الفقهاء ب "فسخ الدِّين (١) إعلام الموقعين، بحث الحوالة، ١: ٣٣١ وليُنظر أنّ إطلاق الجواز على بيع السّاقط بالواجب يُمكن أن يؤدّى إلى التحيّل على الرّبوا، بأن المدين حينما عجز عن الأداء فى موعده باعه الدائن ذلك الدّين بشيئ مؤجل من خلاف جنسه بقيمة أزيد، وبذلك ربح من خلال تأجيل الدَّين. (٢) الشرح الكبير للدّردير ٣: ١٥٨ قبيل فصل فى المرابحة. المبحث الثالث فى الدَّين"، لأنّ مقصود العاقدين فسخُ مافى ذمّة المدين من الدّين الأول بالتزام المدين الدینَالثانى بدله (١) ومثالُ الثّانى، يعنى بيع الدّين من غير المدين: أن يكون لزيدٍ طَنِّ من القمح على عمرو سَلَمًا، فيقول زيدٌ لخالد: بعتُ منك دَينى الّذى هو فى ذمّة عمرو بخمسة آلافٍ تدفعها لی بعد شهر. وقد اتّفق جمهورُ الفقهاء على كون مثل هذه البيوع ممنوعةً شرعاً، واستندوا فى ذلك بالحديث المعروف أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ. وهذا الحديث أخرجه الحاكم، والطّحاوىّ، والدّارقطنيّ، والبيهقىّ، وعبدالرزّاق، وابنُ أبى شيبة، والبزّر عن عبد الله بن عمر ورافع بن خديج رضى الله تعالى عنهما.(٢) واعترض عليه بأنّ إسنادهما ضعيف، لأنّ فى كليهما موسى بن عبيدة الذى قال فيه أحمدبن حنبل رحمه الله تعالى: "لا تحِلّ الرّوايةُ عنه." ولكنّه مؤيَّد بما أخرجه عبدالرزاق في مصنَّفه من طريق إبراهيم بن أبى يحيى الأسلميّ الّذى أكثر عنه الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى، ووثّقه ابن عُقدة وابنُ عدىّ وغيرهما، وإن كان الأكثرون ضعفوه. ثمّ هذا الحديثُ متلقَّى بالقبول من جمهور علماء الأمّة بما يجبُر ضعفَه. ورُوي عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنّه قال: "ليس فى هذا حديثٌ يصحّ، لكنّ الإجماعَ (١) المرجع السابق (٢) المستدرك للحاكم ٢: ٦٥ رقم٢٣٤٢ وسنن الدارقطنى ٣: ٧١ رقم ٢٦٩ وسنن البيهقى ٥: ٢٩٠ ومصنف عبد الرزاق ٠٨ ٩٠ رقم ١٤٤٤ ومصنف ابن أبى شيبة ٦: ٥٩٨ رقم ٢١٦٩ وشرح معانى الآثار للطحاوى ٤: ٢١ وكشف الأستار ٢: ٩١ ٣٤٦ فقه البيوع على أنّه لا يجوز بيعُ دينِ بدين. "(١) والحقّ أن الإجماعَ على منع بيع الدَّين بالدّين إنّما وقع على بعض صُوره، مثل عقد السّلم برأس مال مؤجّل إلى ما فوق ثلاثة أيّام، أو استبدال المسلّم فيه بثمن أكثر من رأس مال السّلم. وقد أجاز المالكيّةُ بعض صُوَرَ لبيع الدّين بالدين. فمثلاً أجاز معظمُ المالكيّة تأجيلَ رأس المال فى السّلم إلى ثلاثة أيّام بالشّرط.(٢) وكذلك إذا باع الدائنُ دينَه على المديون من ثالثٍ بشيئ معيّنِ يتأخّر قبضُه أو بمنافع ذاتٍ معينة، كما لو كان لزيدٍ على عمرو دَين، فيبيعُه من خالدٍ بسيّارة معيّنة يُسلّمُها خالدٌ إليه بعد شهر مثلاً، أو بمنافع السيّارة إلى شهر مثلاً، فهذا جائزٌ عندهم(٣) بشروط جواز بيع الدَّين من غير المدين الّتى ستأتى إن شاء الله تعالى. ولا يجوز ذلك عند غيرهم، لأَنّهم حرّموا بيعَ الدَّين بالدَّين مطلقاً، ولم يستثنَوا منه شيئا (٤) وقد صرّح الشّافعيّة بعدم جواز الصُّورة الّتى أجازها المالكيّة. قال النّوويّ رحمه الله تعالى: "فأمّا بيعُه (أى الدَّين) لغيره، كَمن له على رجل مائةٌ، فاشترى من آخرَ عبداً بتلك المائة، ففى صحّته قولان مشهوران: أصحُّهما: لا يصحّ، لعدم القُدرة على التّسليم، والثّانى: يصحّ بشرطِ أن يقبض مشترى الدَّينِ الدَّينَ ممّن هو عليه، (١) فيض القدير للمناوی، ٢٣:٦ (٢) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير،باب السلم ٣: ١٩٥ (٣) حاشية الدسوقى، كتاب البيوع، ٣: ٦٣ والحقيقة أنّ السيارة إن تعيّنت، لم تبق ديناً، وإنّما هى عين، وإن تأخر قبضها، فالظّاهر أنّه ليس من قبيل بيع الدّين بالدّين، ولكن أدخله المالكيّة فى بيع الدّين بالدين، لأنّ القبض فیه متأخر. (٤) كشاف القناع للبهوتی ياب الربوا ٣: ٢٥٢ وردالمحتار ١٤: ٦٠ فقره ٢٢٢٦٨ المبحث الثالث وأن يقبضَ بائعُ الدَّين العوضَ فى المجلس. فإن تفرّقا قبل قبض أحدهما بطل العقد "(١) ١٥٠ - بيع الدّين من غير المدين أمّا بيعُ الدَّين من غير المدين الّذى يعبّر عنه الفقهاء ببيع الدَّين من غير مَن هو عليه، فقد وقع فيه اختلافٌ بين فقهاء المذاهب. فقال الحنفيّة والحنابلة والظّاهريّة: إنّ بيعَ الدَّين من غير من عليه الدَّين لا يجوز إطلاقاً. قال الإمام محمّد بن حسن الشيبانىّ رحمه الله تعالى: "لاينبغى للرّجل إذا كان له دينٌ أن يبيعَه حتى يستوفيَه، لأنّه غرر، فلا يدرى أيخرُج أم لا يخرج. "(٢) وقال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "ولا ينعقد بيعُ الدَّين من غير مَن عليه الدَّين، لأنّ الدّينَ إمّا أن يكون عبارةً عن مال خُكميّ فى الذّمّة، وإمّا أن يكون عبارةً عن فعل تمليكِ المال وتسليمه، وكلُّ ذلك غيرُ مقدور التّسليم فى حقّ البائع. ولو شُرط التّسليمُ على المديون، لا يصحّ أيضاً، لأنّه شرطُ التّسليم على غير البائع، فيكونُ شرطاً فاسداً، فيُفسِد البيع."(٣) وقال المرداوىّ رحمه الله تعالى فى بيان مذهب الحنابلة: "لا يجوز بيعُ الدَّين المستقرّ لغير من هو فى ذمّته، وهو الصّحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. "(٤) وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: "ولا يحلّ بيع دَينِ يكون الإنسان على غيره، لابنقدٍ ولابدين، لابعينٍ، ولا (١) المجموع شرح المهذب، باب ما نهى عنه من بيع الغرر وغيره ٩: ٢٧٥ دار الفكر (٢) الموطأ للإمام محمد، باب الرجل يكون له العطايا أو الدين على الرجل فيبيعه، ص ٢٦٦ (٣) بدائع الصنائع ١٤٨:٥ (٤) الإنصاف للمرداوى، ١١٢:٥ فقه البيوع بعرْض، كان ببيّنة، أو مُقْرَاً به، أولم يكن ... برهانُ ذلك أنّه بيعُ مجهول، ومالايُدرى عينُه .. ورُوِيّنا من طريق وكيع، نازكريا بن أبى زائدة قال: "سُئل الشعبىّ عمّن اشترى صكّاً فيه ثلاثةُ دنانير بشِرب، قال: لا يصلُح. قال وكيع: وحدثنا سفيان عن عبد الله بن أبى السّفر عن الشّعبیّ قال: هو غرر."(١) أمّا المالكيّة، فالأصلُ عندهم عدمُ جواز بيع الدَّين من غير المدين، ولكنّهم أجازوا ذلك بشروط لخّصها الزُّرقانىّ رحمه الله تعالى بقوله: " ومُنِعٍ بِيعُ دَينٍ على حاضرٍ، ولو ببيّنة، إلاّ أن يُقِرّ، والدَّينُ ممّا يُباعُ قبل قبضه، وبِيعَ بغير جنسه، وليس ذهباً بفضّة، ولاعكسَه، وليس بين مشتريه ومَن عليه عداوة، ولاقصدُ إعناتِه. فلا بدّمن هذه الخمسة شروط."(٢) والحاصل أنّ بيعَ الدَّين من غير المدين يجوز عند المالكيّة بشروط آتية: الأوّل: أن يكون المدينُ حاضراً، أى فى البلد، وإن لم يكن حاضراً فى مجلس العقد. فإن كان غائباً، لم يجُز، ولو قرُبت غَيبتُه. الثّانى: أن يكون المدينُ مُقِراً بالدّین. الثّالث: أن يكون الدَّين شيئاً يجوز بيعه قبل قبضه عند المالكيّة. فإن كان الدَّينُ طعاماً، لم يجُز بيعه إلى غير المدين، لأَنّه لايجوز بيعُه قبل قبضه. وبما أنّ المالكية يجوِّزون البيعَ قبل القبض فى غير الطّعام، فإن كان الدِّينُ غيرَ الطّعام، جاز بيعه (١) المحلى لابن حزم ٦:٩ (٢) شرح الزرقانى على مختصر خليل، ٣: ٨٣ المبحث الثالث عندهم إذا توافرت الشُّروط الأخرى. الرّابع: أن يُباع الدَّينُ بغير جنسه، فإن كان الدّين قطناً، فلا يجوز بيعه بالقطن. وزاد الدسوقىّ أنّه إن كان من جنسه، فلابدّ من التّساوى.(١) الخامس: أن لايُباعَ دَينُ الذّهب بالفضّة، أو بالعكس، لكونه صَرْفً، وانعدم فيه التّقابض. السّادس: أن لا يكون بين المَدين ومشترى الدَّين عداوة، حتىّ لا يكونَ فى البيع إعنات للمدين بتمكين عدوّه منه. وزاد الدسوقىّ عليها شرطين آتيين: الثّامن: أن يكون الثّمنُ نقداً، وهو ظاهرٌ، لأنّ المبيعَ إن كان دَيناً، ولم يكن الثّمن نقداً، صاربيعَ الدَّين بالدّين، وقد مرّ امتناعه. ولكن أوضح الدسوقيّ رحمه الله تعالى معنى كونه "نقداً" بأنّ: "المراد بالنّقد ما ليس مضموناً فى الذّمّة، ولاشكّ أنّ المعيّن ومنافعَه ليست مضمونةً فى الذّمّة، لأنّها لاتقبل المعيّنات، فهى نقدٌ بهذا المعنى، وليس المرادُ بالنّقد المقبوضَ بالفعل."(٢) التّاسع: أن يكون المديونُ مَن تأخذه الأحكام، ليمكنَ تخليصُ الحقّ منه عند القاضى إذا امتنع عن الأداء. ثمّ إن كان أصلُ الدَّين موثّقاً برهن أو كفالة، فإنّ الرّهن والكفالة لا يدخُلان فى البيع بمجرّد العقد. وإن اشترطا ذلك فى البيع، ففيه تفصيل يُراجع له الحطّاب رحمه الله تعالى.(٣) (١) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ٣: ٦٣ ولا يتأتى هذا فى النقود لما سيأتى أنه يجب أن لايكون صرفا. (٢) الدسوقيّ ٦٣:٣ (٣) مواهب الجليل للحطاب ٤: ٣٦٨ فصل فى علة طعام الربوا فقه البيوع ١٥١- مذهب الشافعية فى بيع الدين أمّا الشّافعيّة، فقد اختلفت عنهم الرّواياتُ فى بيع الدَّين من غير المدين. فعلى بعض الرّوايات لا يصحّ إطلاقاً، وفى بعضها يصحّ بشرط أن يقبض مشترى الدَّينِ الدِّينَ ممّن هو عليه، وأن يقبضَ بائعُ الدَّين العوضَ فى المجلس، فإن تفرّقا قبل قبض أحدهما بطل العقد.(١) وهذا الشّرط يؤول إلى عدم الجواز، لأنّ الدَّين متى قُبض فى المجلس لم يبقَ دَيناً. ولكنّ كثيراً من علماء الشّافعيّة الّذين جوّزوا بيعَ الدَّين من غير المدين، لم يذكروا هذا الشّرط، مثل الشّيرازىّ فى متن المهذّب. وقال الشّربينى الخطيب رحمه الله تعالی: "وصرّح فى أصل الرَّوضة باشتراط قبض العوضين فى المجلس، وهذاهو المعتمد، وإن قال المطّلب: مقتضى كلام الأكثرين يخالفه."(٢) ومنهم من وفّق بين القولَين بأنّ شرطَ القبض فى المجلس محلُّه إذاكان الدِّينُ وعوضُه من الأموال الرّبويّة، وإطلاقُ الجواز محلُه فى غير الرِّبويّات. ولكن ردّه الشّربينىّ والرملىَ رحمهما الله تعالى بأنّ مَن قيّد الجواز بالقبض جاء بمثال غير ربوىّ، وهو العبد.(٣) فالظّاهر أنّ عند الشّافعيّة فى ذلك ثلاثة أقوال، الأوّل: عدمُ الجواز مطلقاً، والثّانى: الجوازُ مطلقاً، والثّالث: الجوازُ بشرط التّقابض فى المجلس، (١) روضة الطالبين للنووى، ٣: ٥١٤ والتهذيب للبغوى ٣: ٤١٧ والمجموع شرح المهذب، كتاب البيوع، باب ما نُھی عنه من بیع الغرروغیر٥ ٢٧٥:٩ (٢) مغنى المحتاج ٢: ٧١ (٣) مغنى المحتاج ٢: ٧١ ونهاية المحتاج ٤: ٩٠ المبحث الثالث والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنشأ الخلاف فى موضوع بيع الدَّين من غير مَن هو عليه أنّ مَن جعل الدِّينَ مستورَ العاقبة من حيثُ إنّه لايُعلم هل يحصّل أم لا، جعل بيعَه من بُيوع الغرر، ومَنعَه بتاتاً، كالحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة فى أحد قوليهم، ومَن زعمَ أنّ الدَّينَ متى وثّق بإقرار المدين الحاضر، صار كالمتيقّن حصولُه، فإنّه أجازَه بشروط كالمالكيّة. والظّاهرُ أنّ مذهبَ الجمهور أقوى دليلاً، لأنّ المُقِرّ بالدَّين لا يُقِرّ إلاّ بشُغل ذمّته بالدّين، ولا يستلزمُ ذلك تيقّنَ أداء الدَّين، فكم من مدينٍ لايُبالى بالأداء، ويُماطل رغمَ اعترافه بالمديونيّة، وكم من مُقِرٍّ يرجعُ عن إقراره، فيلجأُ الدائنُ إلى الخصومة، فلا يُمكن القولُ بتيقّن الحصول بمحض إقرار المدين، فصار غرراً. ١٥٢- الأوراق المالية المعاصرة وقد راج اليومَ بيعُ الأوراق الماليّة فى الأسواق. وهِى أوراقٌ تُمثِّل حقَّ حاملها فى تسلُّم مبلغ من المال فى تاريخ لاحق. وإن كان هذا الاصطلاحُ ربّما يُطلق على أسهم الشّركات أيضاً، ولكنّنا سوف نتناولُ حُكمَها إن شاء الله تعالى فى الشّرط السّادس لصحّة البيع، وهو كونُه معلوماً. ولذلك المقصودُ هُنا الأوراقُ الماليّةُ الَّتِى تُمثّل ديناً على مُصدِرها لصالح حاملِها. وقد شاع فى الأسواق الماليّة أنّ حاملَ هذه الأوراق الذى هو الدائنُ الأصيلُ تجاهَ مُصدِرها، ربّما يبيع هذه الأوراقَ فى السّوق، ليحُلّ مشتريها محلَّ الحامل الأوّل، ويحِقّله أن يحصل على الدَّين المكتوب على الورقة. وبما أنّه بيعٌ للدّين من غير مَن هو عليه، فيتّضح حكمُه بما ذكرناه فى بيع الدَّين من فقه البيوع غير المدين. وإنّ هذه الأوراق على أنواع كثيرة نذكر منها أنواعاً: ١٥٣ - الجامكيّة قد ذكر الفقهاءُ المتأخّرون نوعاً منها تُسمّى "الجامكيّة". وهى عبارةٌ عن ورقة كانت تُصدَر من بيت المال، أو من ناظر الوقف، لصالح رجل له حقٍّ مالىٌّ على بيت المال أو الوقف. وهى كلمة معرَّبَةٌ من الكلمة الفارسيّة "جامكى" وهى مأخوذة من "جامه" بمعنى الثّوب، وكانت موضوعةً فى الأصل لأجرة تُدفع إلى من يحفَظ الثّياب، ثمّ أُطْلِقت على كل أجرة أوراتب.(١) وفسّره فى "المنجد" بمرتَّب خدّام الدولة من العسكريّة والملكيّة، وذكر أنّ أصله تركىٌّ، و جمعه جوامك. وقد أفتى الفقهاء من الحنفيّة والحنابلة بأنّ بيعَ الجامكيّة لايجوز، لكونه بيعَ الدِّين من غير مَن عليه. (٢) وأجازه الحطّاب من المالكيّة، فقال: "بخلاف الجامكيّة، فإنّ المِلكَ محصّلٌ فيها لمن حصل له شرطُ الواقف. فلا جَرم صحّ أخذُ العوض بها وعنها"(٣) ولا يخفى أنّ جوازَ هذا البيع عندهم مشروطٌ بأن يكون بيعُه بخلاف جنسه. وإن كان بجنسه، فلا بدّ من التّساوى، وأن لا يكون صَرْفاً لانعدام التّقابض، كما مرّ التّصریحُ بذلك فى عبارة الزرقانيّ والدّسوقىّ رحمهما الله تعالى. وأمّا الشّافعيّة، فبما أنّ (١) لغت نامه ده خدا ٩٧:١٦ (٢) ردالمحتار، مطلب فى بيع الجامكية ١٤: ٦٠ فقره ٢٢٢٦٨ وكشاف القناع للبهوتى ٣: ١٥٦ وقدسماه بيع العطاء (٣) مواهب الجليل للحطاب ٤: ٢٢٤ طبع ١٣٩٨ فى سياق تعريف البيع المبحث الثالث الأقوالَ عندهم مختلفةٌ فى بيع الدَّين، فالظّاهر أنّ بيعَ الجامكيّة يختلفُ حكمُه حسبَ تلك الأقوال. ولكنّهم ذكروا جوازَ التّنازل عنها، وليس ذلك من بيع الدَّين، وإنّما هو نزولٌ عن الوظيفة بصفة مستقلّة لقاءَ عوضٍ ماليّ. قال الشّبراملسیّ بعد ماذكر جواز النّزول عن الوظائف: "ومن ذلك الجوامكُ المقرّر فيها، فيجوز لمن له شيئٌ من ذلك، وهو مستحِقٌّ له، بأن لا يكونَ له ما يقومُ بكفايته من غير جهة بيت المال النّزولُ عنه، ويصير الحالُ فى تقرير مَن أسقط حقَّه له موكولاً إلى نظرٍ مَن له ولايةُ التّقرير فيه، كالباشا، فيقرّر مَن رأى المصلحة فى تقريره من المفروغ له أو غیرہ."(١) وحاصلُه أنه لو كان لرجل عطاءٌ فى بيت المال يحصل عليه كلَّ شهر، جاز له أن يُنْزِل عنه فى حقّ غيره للأبد، ويأخذَ عوضاً عن ذلك، ولكنّ المُنْزولَ له لا يستحقُّ العطاءَ بمجرّد نزول الأوّل، بل مُفادُ نزوله أنّه تزول مزاحمة النّازل له فى ذلك العطاء. ثمّ يصير الأمرُ موكولاً إلى من له ولايةُ التّقرير. وهذا خارجٌ عن مسئلة بيع الدّين. ١٥٤ - السندات (Bonds) السّنداتُ الَّتى تُسمّى "بوند" نوعٌ من الأوراق الماليّة الرّائجة فى السُّوق الرأسماليّة. وهى وثيقةٌ يُصدِرها المديونُ لمقرضه اعترافاً منه بأنّه استقرض من حاملها مبلغاً معلوماً يلتزم أداءَه فى وقتٍ معلومٍ مع زيادة ربويّة، وإنّ هذه السّندات ربما تُصدرها الشّركات المساهمةُ التّجارية أو الصّناعيّة حينما تحتاج إلى اقتراض مبالغَ كبيرةٍ (١) حاشية الشبراملسى على نهاية المحتاج، آخر مبحث الجعالة، ٤٧٨:٥ ٣٥٤ فقه البيوع لإنجاز مشاريعها، وتَعْرضُها على الجمهور. وربّما تُصدَرُ هذه السّندات من قِبل الحكومات الّتى تّريد أن تُموّل عجز ميزانيتها، فتقترض من الجمهور. وإنّ هذه السندات تُصدر بمبلغ معلوم، مثل مائة ألف، وذلك بطريقين: الأوّل أنّ السّند يعترف بأنّ مُصدره قد استقرض من حامله مائة ألف، وإنّ الحامل يستحقّ عليها فائدة ربويّة قد تكون متعيّنة عند الإصدار، وقد تكون مرتبطة بسعر الفائدة. ثمّ إنّ الفائدة الربويّة تُدفع إلى حامل السند بصفة دوريّة، وتُسمّى هذه السندات "سندات ذات كوبون" (Coupon bonds) لأنّ دفعات الفوائد الربويّة كانت فى مبدأ الأمر على أساس الكوبونات (الملاحق) للسند. وعند حلول أجل السند يحصل الحامل على قيمة السّند الاسميّة، وهي مائة ألف فى المثال المذكور. والطريق الثانى لإصدار السندات أنّها تُصدر بمبلغ معلوم، مثل مائة ألف، ولكنّها تُباع للمستثمرين بحسم يُمثّل الفائدة الرّبويّة. فسند مائة ألف مثلاً يُباع للمستثمرين بتسعين ألفاً، فمن حصل على هذا السّند بدفع تسعين ألفاً، يستحقّ عند نهاية المدّة مائة ألف، فكأنّه أقرض تسعين ألفاً حالاً، وحصل على مائة ألف مؤجلة. وتُدفع هذه المائةُ ألف مرّة واحدة عند نهاية مدّة السّند. وتُسمّى هذه السّندات "سندات ذات الكوبون الصفريّ"(Zero coupon bond) لأَنّه ليس فيه دفعات دوريّة، بل يستحقّ الحامل القيمة الاسميّة للسند فى نهاية مدته. وإنّ هذه السّندات تُباع فى السّوق وتُشترى بثمن يتراضى عليه الطرفان. وهو يبيعه فى السُّوق بمائةٍ وخمسة، ليحصل المشترى على مائة وعشرة عند الأداء. ولاشكَّ أنّ هذه معاملاتٌ ربويّة محرّمةٌ شرعاً. ولكن هل يجوز بيعُ هذه السّندات 03 المبحث الثالث بمثل قيمتها، أى بمائة ألف فى المثال المذكور؟ والجواب أنّ شراء السّندات ذات الكوبون الصّفريّ التى تصدر بالحسم لايجوز، ولو بقيمته الاسميّة، لأنّ عشرة آلاف من قيمته تُمثّل الفائدة الربويّة، ومعنى شراءه من حامله أنّ المشتريَ يدفع إليه الفائدة الربويّة نيابةً عن مُصدره. وأمّا السندات ذات الكوبون، إن اشتُريت بنيّة الحصول على قيمته الاسمية فقط، دون الفوائد، مثل أن يكون رجل قد حصل على مثل هذا السّندالربويّ، ثمّ وفقه الله تعالى للتّوبة، فامتنع عن أخذ الفوائد الدّوريّة، وأراد أن يبيعه إلى رجل متمسّك بالدين، ليحصل على مبلغ الدّين عند حلول الأجل، دون المطالبة بالفوائد الدوريّة، فيتأتّى فيه مسئلةُ بيع الدَّين الَّذى مرّ تفصيله، فيجُوز عند المالكيّة بالشُّروط المذكورة، وكذلك عند بعض الشّافعيّة. أمّا عند الحنفيّة والحنابلة، فلا يجوز ذلك، ولو بمثل قيمتها الإسميّة، لأَنّه بيعُ الدَّين من غير مَن هو عليه. ولكن يجوز ذلك بطريق الحوالة بجميع شروطها، وذلك بأن يقترضَ حاملُ السّند من رجلٍ مائةً، ثمّ يُحِيلُه على مُصدر السّند. ويتأتّى فيه الخلاف المعروفُ فى مسئلة توى الحوالة. فيجوز للمحتال عند الحنفيّة أن يرجعَ على المحيل إذا تويت الحوالة، ولا يجوز ذلك عند الأئمّة الثّلاثة. (١) ١٥٥- السندات ذات الجوائز (Prize Bond) وقد تُصدر سنداتٌ للقرض، بدون التزام دفع الفوائد الربويّة إلى كلّ حامل للسّند، ولكن يلتزم المصدر أنّه يوزّع جوائز على حاملى السندات على أساس القُرعة على أرقام السندات بعد كلّ فترة، مثل ثلاثة أشهر، فكلّ رقم فاز فى القرعة يُعطى حامله جوائز (١) راجع المغنى لابن قدامة ٥: ٥٨ وفتح القدير٦: ٣٥٠ فقه البيوع غاليةً. وإنّ مثل هذه السندات تصدر عادةً من قبل الحكومة. وقد زعم بعض المعاصرين جواز مثل هذه الجوائز على أساس أنّ الحكومة لا تشترط إعطاء زيادة لأحد من المقرضين حاملى السند، فالعقد مع كلّ واحد من حَمَلة السند عقد قرض بدون فائدة، ثمّ إنّها تُعطى الجوائز تبرّعاً على أساس القرعة، فلا يلزم منه الرّبوا. ولكنّ هذا الاستدلال غير صحيح: أمّا أولاً، فلأنّ الحكومة تلتزم بتوزيع الجوائز على حَمَلة السّند، فالزّيادةُ على مبلغ القرض وإن لم تكن مشروطةً لكلّ واحد من المقرضين، فإنّها مشروطةٌ تجاه مجموعة المقرضين، لأنّ الحكومة تلتزم علناً عند إصدار السندات أنّها توزّع هذه الجوائز. وإنّ التّوزيع مفروضٌ عليها بحكم القانون، بحيثُ إن امتنعت من توزيعها، استحقّ كلّ حامل للسند أن يُطالبها بتوزيع الجوائز قانوناً. وقد شرحتُ هذه المسئلة بتفصيل فى رسالتى "أحكام الجوائز"(١) ١٥٦ - الكمبيالة (Bill of Exchange) "الكمبيالة" وثيقةٌ يكتبها المشترى فى غالب الأحوال لصالحِ البائع فى بيعٍ مؤجّل، يعترف بها أنّ الثّمن وجب فى ذمّته، وأنّه يلتزم أداءَه فى تاريخ آجل. وإنّ حلولَ هذا التاريخ الآجل يُسمّى فى الاصطلاح نُضج الكمبيالة (Maturity) وإنّ البائعَ (حاملَ الكمبيالة) ربّما يُريد استعجالَ الحصول على مبلغها، فلا ينتظر إلى تاريخ نُضْج الكمبيالة، بل يبيعُها إلى طرفٍ ثالث. والرّائجُ فى السُّوق الرأسماليّة أنّ مشتريَ الكمبيالة يشتريها بأقلَّ من قيمتها الاسميّة، ويُسمّى هذا البيعُ "حسمَ الكمبيالة" أو (١) بحوث فى قضايا فقهية معاصرة، للمؤلف ٢: ١٥٩ المبحث الثالث "خصم الكمبيالة" (Discounting) والعادةُ فى سُوق الأوراق الماليّة أنّ مقدار الحَسْمِ نسبةٌ من مبلغ الكمبيالة تُحدَّد على أساس مُدّة نُضْجها، فكلّما كانت مدّةُ النُّضج، أى موعد الأداء، أكثرَ، كان مبلغُ الحسم أكثر، وبالعكس. وظاهرٌ أنّ حَسْمَ الكمبيالة بهذا الطَّريق تعامُلُ ربوىٌّ لا يجوز بحال. أمّا إذا بيعتِ الكمبيالةُ بقِيمتها الاسميّة، فيتأتّى فيه كلُّ ما ذكرنا فى حكم بيع الجامكيّة. وسيأتى مزيدُ التّفصيل لحكم الكمبيالة وبدائلها المشروعة فى مبحث "خطاب الاعتماد" إن شاء الله تعالى. قد أُنشئت فى سوق الرّأسماليّة شركاتٌ تشترى من الشّركات أو البنوك جميعَ ديونها فى ذمّة عُملائها، وتتحمّل مخاطرَ التّحصيل، وذلك بأقلّ من إجماليّ قيمة الدّون، وتُسمّى : Factoring companies ونشاطُها كلّه مبنيّ على بيع الدّيون وهو ممنوعٌ شرعاً. وكذلك ما يُسمّى فى السّوق الرأسماليّة: forfeiting وهو بيعُ دَينِ ناشئٍ عن بعضِ تعاملات الجهة البائعة، مثل أن تبيعَ الشّركةُ رُبعَ ديونِها فى ذمّة المتعاملينَ معها. والفرقُ بين Factoring و forfeiting هو أنّ فى الأوّل تُباع جميعُ الدّيون، وفى الثّانى بعضُها، وبما أنّه بيعٌ للدَّين بأقلّ من قيمته الاسميّة، فإنّه تعاملٌ ربويٌّ بحت، لاسبیل إلی جوازه. ١٥٧- بيع راتب التقاعد (Pension) العادةُ فى الوظائف الحكوميّة وبعض الشركات أنّ الموظّفين بعد تقاعدهم من وظيفتهم يستحقّون مبلغاً يُسمّى راتِبَ التقاعد (pension) يُدفع إليهم شهريّاً طَوال ٣٥٨ 0 فقه البيوع حياتهم . وربّما يُريد الموظّفُ المتقاعد أن يتعجّل مجموع المبالغ المتوقّعة فى المستقبل، فيبيعُ راتبَ التّقاعد من طرفٍ ثالثٍ بثمن معجّل، ليحُلّ المشترى محلّه فى تقاضى الرّاتب الشهرىّ من الحكومة، أو الشّركة المؤجرة. ولا يخفى أنّ هذا البيعَ ممنوعٌ شرعاً لاشتماله على الغرر، فإنّه لايُعرَف كم يبقى البائعُ حيًّ ويستحقّ الرّاتب، فالمبيع مجهولُ القدر، ولكونه رباً إذا بيع بنقد، لأنّه مجازفةٌ فى بيع نقدٍ بنقد. وقد تعرض الجهةُ المؤجرة على الموظّف مبلغاً معلوماً يتعجّله، ليتنازل عن حقّه فى الدُّفعات الشّهريّة، ويُسمّيه العامّة بيعاً، وليس ببيع حقيقة، وإنّما هو مصالحةٌ من الفريقين. فإن اعتبرنا راتبَ التّقاعد تبرّعاً من قِبَل المؤجر، كما هورأىّ لبعض الفقهاء المعاصرین، فهو استبدالُ تبرّع موعود بتبرّع عاجل، فليس فیه محظور.(١) ولكن هناك رأيٌ آخر للمعاصرين، يميل إليه قلبى، أنّ راتب التّقاعد ليس تبرعاً، لأنّه من جملة شروط التّوظيف، والموظّف يستحقّ مطالبته قانوناً، وإن وظائف الحكومة بصفة خاصّة لها قانون يفرض راتب التقاعد عموما. فهو من قبيل الأجرة المؤجّلة. ولو كان تبرعاً، لم يجز للموظّف مطالبته فى القضاء. ويُشكل عليه أنّه إن كان من الأجرة، فإنّه مجهول، لأنّه لايُعرف كم سيحيى الموظّف بعد التّقاعد. وأجيب عنه بأنّ هذه الجهالة لاتُفضى إلى النّزاع، لأنّ القانون ضبطها بضوابط، وأصبح ذلك عُرفاً عاماً، ولا يحدث فيه نزاع. فهذه الجهالة مغتفرة، مثل (١) وبه أفتى الشيخ محمود حسن الكنكوهى رحمه الله تعالى فى الفتاوى المحمودية ١٧٨:٤ وقاسه على بيع العرايا، وكذلك أفتى الشيخ رشيد أحمد اللديانوىّ رحمه الله تعالى فى أحسن الفتاوى ٦ :٥٢٢ المبحث الثالث أجرة دخول الحمّام وما سيأتى من جواز طعام البوفيه. وعلى هذا، فإن عَجّلت الجهةُ المؤجرة مبلغاً معلوماً، فإنّه تغييرٌ للأجرة المؤجّلة بتراضى المتعاقدين. ويُستأنس لذلك بما أخرجه البخاريّ عن نافع أنّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عامل خيبر بشَطْر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فكان يُعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسق تمر، وعشرون وسق شعير، فقسم عمرُ خيبرَ، فخيّر أزواجَ النبيّ صلّى الله عليه وسلم أن يُقطع لهنّ من الماء والأرض، أو يُمضي لهنّ، فمنهنّ مَن اختار الأرض، ومنهنّ مَن اختار الوسق. وكانت عائشة اختارت الأرض.(١) وكان لأمّهات المؤمنين حقِّ واجب لهنّ طُولَ حياتهنّ فى ثمار خيبر بعد وفاة النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم، (٢) كما أنّ راتبَ التّقاعد حقّ واجب للموظّفين طول حياتهم، فصالحت عائشة رضي الله تعالى عنها على الأرض بدل الأوسق السّنویّة، فدل على جواز صلح الموظّفين على أخذ شيئ مرّة واحدة. وربّما يُشكل عليه أنّ أمهات المؤمنين صالَحن على غير جنس حقّهنّ، فإنّ حقّهنّ كان فى أوسق تمر وشعير، وصالَحن على الأرض. أمّا فى راتب التّقاعد، فإنّه صلحٌ على النّقود بالنّقود. ويُمكن أن يُجاب عنه بأنّ الاستدلال بفعل أمهات المؤمنين فى (١) صحيح البخاري- كتاب الحرث والمزارعة، باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة، حديث ٢٣٢٨ (٢) لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقتسم ورثتى دينارا ولا درهما. ما تركتُ بعد نفقة نسائى ومؤونة عاملى، فهو صدقة. "أخرجه البخاري، باب نفقة القيّم للوقف، حديث ٢٧٧٦