النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢٠ فقه البيوع الخطّبيّ على أنّ الجواز لغير البالغين على أساس أنّهم غير مكلّفين.(١) ثمّ الظّاهر أنّ مَن أجاز هذه اللُّعب للبنات فإنّما أجاز الُعب الصّغيرة الّتى لاتُشابه الأصنام. أمّا اللُّعب الكبيرة الّتى شاعت فى عصرنا، فهى مشابهةٌ للأصنام تماماً، وغالب ظنى أنّه لو رآها المجيزون لحَكَموا بمنعها. والله سبحانه أعلم. ١٣٦ - الصّور غيرُ المجسّدة أمّا الصُّور غيرُ المجسّدة، وهى الّتى تُرسَم على قرطاس أوثوب، فأجازها بعض المالكيّة،(٢) فقياسُ قولهم أن يجوزَ بيعُها عندهم مطلقاً. أمّا الجمهور، فلا فرقَ عندهم بين المجسّدة وغير المجسّدة فى عدم الجواز. فبيعُ الصّور غيرِ المجسّدة ممنوعٌ فى مذهب الجمهور، ويدلُّ على ذلك أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم حرّم بيع الأصنام، ولفظ "الصّنم" شاملٌ فى اللّغة للصُّور التى ليس لها جثّة، بخلاف الوثن، فإنّه خاصٌّ بما له جثّة، كما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله عن بعض أهل اللّغة.(٣) وإن كان الثّوبُ أو القرطاسُ يُنتفع به بعد مَحْو الصّورة، فحكمُه ما ذكرناه فى آلات الملاهى من انعقاد البيع مع الكراهة عند الحنفيّة والشافعيّة. ولكنّ هذه الكراهة فيما إذا كان القرطاسُ أو الثّوبُ متمحّضاً للصُّورة . أمّا إذا كان المبيعُ شيئاً آخر من المباحات، وهو مشتملٌ على صُور، فتدخُل فى البيع تبعاً، فيجوز (١) هذا ملخص مافى فتح البارى ١٠: ٥٢٧ (٢) التاج الإكليل للمواق بهامش مواهب الجليل ٤:٤ (٣) فتح البارى ٤: ٤٢٤ ٣٢٧ المبحث الثالث بيعُها. وهذا مثلُ الجرائد والصّحف والكتب الّتى يُقصد منها مضمونُها المباح، ولكنّها ربّما تشتمل على صور ممنوعة. وكذلك ما عمّت به البلوى من أنّ العُلَب التى تُعبّأ بها الأشياء المباحة، يشتمل أكثرها على صور، فلا يُمنع من بيعها إذا كان المقصود الأشياء المباحة دون الصُّور.(١) أمّا آلاتُ التّصوير، مثل الكاميرا والتّلفزيون، فسيأتى حكمُها فى القسم الثّالث إن شاء الله تعالی. ١٣٧ - النردشير والشطرنج ويدخل فى هذا القسم النّردشير، فبيعُه مكروه تحريماً، وذلك لورود النصّ الصريح الصحيح فى تحريمه. فقد أخرج مسلم فى صحيحه عن بريدة رضى الله عنه أنّ النبىّ صلّى الله عليه وسلم قال: "من لعِب بالنّردشير فكأنّما صَبغَ يدَه فى لحم خنزيرِ !! (٢) و دمه. ولكنّ انعقادَ بيعِه محلُّ الخلاف المذكور فى بيع آلاتِ الملاهى، فينعقد البيعُ عند أبي حنيفة رحمه الله، لأنّه يُمكنُ الانتفاعُ بمادّته بعد تغييره. ولا ينعقدُ عند أبي يوسف ومحمّد (٣) وعند الحنابلة وأكثر المالكية كما أسلفنا. وأمّا الشّطرنج، فاللَّعِبُ به ممنوعٌ عند أكثر الفقهاء، فيدخُل فى حكم النّردشير عندهم. ومذهبُ الشّافعيّ المعروفُ إباحتُه مع الكراهة. قال الغزاليّ رحمه الله (١) "التصوير لأحكام التصوير " لوالدى العلامة المفتى محمد شفيع رحمه الله تعالى، ص٧٦ (٢) صحيح مسلم، كتاب الشعر، رقم ٢٢٦٠ (٣) بدائع الصنائع ٤: ٣٣٧ ٣٢٢ فقه البيوع تعالى: "اللّعِبُ بالشّطرنج ليس بحرام، ولكنّه مكروه. وإن قلنا إنّه مباح، أردنا أنّه لا إثمَ فيه، لا لاكراهيةَ فيه، فلا تُردّ به الشّهادة، إلّ أن يختلط به قمار."(١) وعلى هذا، فيجوز بيعه عندهم، والله سبحانه أعلم. وأمّا الألعابُ الأخرى المباحة الّتى يُقصد بها رياضةُ الأبدان أو الأذهان، ولاتُلهی الإنسانَ عن واجباته الشّرعية، مثل ألعاب الكُرة، فلامنعَ فيه. وكذلك الألعاب المنزليّةُ الّتى لا يكون الانهماك فيها مثل الانهماك فى الشّطرنج والنّردشير، فالظاهر إباحتها، لأنّ اللّهو الممنوع ما ألهى عن ذكر الله.(٢) والله سبحانه وتعالى أعلم. ١٣٨ - القسم الثانى، ماوضع لمباح أمّا القسم الثّانى، فهو ما وُضع لغرض مباح، ويحتاج استعمالُه فى المحظور إلى تغيير فى حالته الموجودة، مثلُ العصير، فإنّ استعماله للإسكار يحتاج إلى اتّخاذه خمراً. فبيعُه ممّن يستعمله فى مباحٍ أو ممّن لا يُعلم منه أنّه يستعمله فى محظور جائز عند الجميع بدون كراهة. أمّا إذا عُلم أنّه يستعمله فى محظور، فهو محلٌّ خلافٍ بين الفقهاء. وقد أشبعنا الكلام فى ذلك فى شرائط العاقد بعنوان: "إن كان أحد العاقدين يقصد بالعقد ارتكاب معصية". ١٣٩- القسم الثالث ماوضع لأغراض عامة والقسم الثّالث: ما وُضع لأغراض عامّة، ويمكن استعمالُه فى حالتها الموجودة فى (١) الوسيط للغزالى، كتاب الشهادات ٧: ٣٤٨ (٢) وراجع ماكتبناه فى تكملة فتح الملهم، كتاب الشعر،طبع دار القلم ٤: ٢٥٦ TIT المبحث الثالث مباح أو غيره. ففرّق المالكيّةُ بين مامُعْظَم منافعه حرام، وبين ما مُعظم منافعه حلال، فقال المأزرىّ رحمه الله تعالى: "فإن كان جُلّ المنافع والمقصودُ منها محرَّماً، والمحلَّلُ منها تبعاً، فواضحٌ إلحاقُه بالقسم الأوّل (أى ماكان جميعُ منافعه محرّمة) ويمكنُ تمثيل ذلك بالزّيت النّجس، فإنّ جُلَّ منافعه كالأكل، والادهان، وعملِه صابوناً، والإيقادِ فى كلّ موضعٍ(١) ممنوعٌ منه على المشهور، وإنّما فيه إيقادُه فى غير المساجد، وانتفاحُ غير الآدمىّ منه، وذلك فى حكم التّبع، فامتنع بيعُه."(٢) أمّا الشّافعية والحنابلة، فجوازُ البيع وعدمُه يدور عندهم على طهارة المبيع ونجاسته، فماكان طاهراً، أو أمكن تطهيرُه من هذا القسم الثّالث، جاز بيعُه، بشرط أن لا يعلم البائعُ أنّ المشتريَ يستعمله فى حرام، وماكان نجساً لا يمكن تطهيره، لم یجُز بيعه، کالمائع الّذی تنجّس بما لايمكن تطھیرُه، فلا يجوز بيعه، وإن جاز الانتفاعُ به فى بعض الحالات كالاستصباح فى غير المسجد.(٣) وقد أسلفنا مذهبهم فى ما قصد المشترى بالشّراء استعمالَه فى معصية، وعلم البائع ذلك. وراجع لذلك شروط العاقد. والظّاهرُ من مذهب الحنفيّة أنّهم يُجيزون بيعَ هذا القسم، وإن كان معظمُ منافعه محرّماً، ولذلك أجازوا بيع الدُّهن المتنجّس. قال الحصكفى فى الدرالمختار:" (١) كذا فى نسختين مطبوعتين، والمراد من كلّ موضعٍ موضعٌ لا يجوز استعمال الزيت النجس فيه للإیقاد، مثل المساجد. (٢) مواهب الجليل للحطاب، كتاب البيوع، ٤: ٢٦٤ (٣) راجع المجموع شرح المهذب، ١٠: ٣٦٢ وكشاف القناع ٣: ١٤٥ ٣٢٤ فقه البيوع ونُجيز بيعَ الدّهن المتنجّس والانتفاع به فى غير الأكل بخلاف الودك. "(١) وإنّما حرّمُوا بيعَ ودك الميتة لأنّه جزءٌ من الميتة، فدخل فى القسم الأوّل، ولحديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: " إنّ الله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. قيل: يارسول الله! أرأيت شحومَ الميتة، فإنّه يُطلى بها السُّفن، ويُدّهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: لا، هو حرام." (٢) ولكنّ جوازالبيع فى هذه الأشياء بمعنى صحّة العقد. أمّا الإثم، فيتأتّى فيه ماذكرناه فى شروط العاقد من أنّه إذاكان يقصد به معصية، بائعاً أو مشترياً، فالبيعُ يُكره تحريماً، وذلك إمّا بنيّة فى القلب، أو بالتّصريح فى العقد أنّ البيع يُقصّد به محظور. أمّا إذا خلا العقد من الأمرين، ولا يعلم البائعُ بيقين أنّ المشتريَ يستعمله فى محظور، فلا إثمَ فى بيعه. وإن علم البائعُ أنّه يستعمله فى محظور، وكان سبباً قريباً داعياً إلى المعصية، فيُكره له البيع تحريماً، وإن كان سبباً بعيداً لايُكره، مثل بيع الحديد من أهل الحرب أو أهل البغى. وتبيّن بذلك حكمُ بيع المذياع (الراديو) والمسجّل والحاكى، فإنّ جميعَ هذه الأشياء وُضعت لأغراض عامّة تحتمل الاستعمال فى مباح وغيره. فبيعُها صحيح منعقد، ولا كراهةَ فيه إن لم يعلم البائعُ أنّ المشتريَ يقصد منها معصية، وذلك باتّفاق العلماء. وأمّا إذا علم البائعُ بيقين أنّ المشتريَ يقصد بها معصيةً لاغير، فإنّ بيعَه يُكره تحريماً (١) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين،باب البيع الفاسد، ٦١٩:١٤ (٢) صحيح البخاری، كتاب البيوع، رقم ٢٢٣٦ المبحث الثالث عند الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة، ولكنه منعقد، خلافاً للحنابلة، حيثُ لا ينعقد البيع عندهم. والظّاهر أنّ هذا هو الحكم فى بيع الكاميرا، فإنّه وُضِع لأغراض عامّة، ولا يتمحّض لتصوير مافيه روح، فيمكنُ استخدامه فى تصوير مالا روحَ فيه، وهو جائزٌ بالإجماع. نعم! إذا علم البائع بيقين أنّ المشتريَ يقصده لمحظور لاغير، فيُكره بيعُه ء تحريماً. وهذا على القول بأنّ الصُّور غير المجسّدة، والصّور الفوتو غرافيّة، داخلةٌ فى الصَُّر المنهىّ عنها. أمّا على قول بعض المالكيّة الّذين يجوّزون الصُّوَر الّتى لاظلّ لها، أو على قول بعض علماء عصرنا، مثل العلامة محمد بخيت المصرى رحمه الله تعالى، الّذين يزعمون أنّ الصُّور الفوتو غرافيّة ليست داخلةً فى الصُّور المنهىّ عنها، فقياسُ قولهم أنّه لا كراهةَ عندهم أصلاً فى بيع آلاتها، إلاّ إذا عُلم أنّ المشتريَ يصوّر بها ما لايجوز تصويره، مثل تصوير النّساء للأجانب. وأمّا التّلفزيون، فمن العلماء المعاصرين مَن يقول بأنّ الصُّوَر الّتى تظهر على شاشته داخلةٌ فى الصُّوَر المنهىّ عنها، فهو داخلٌ عندهم فى القسم الأوّل. وقياسُ قولهم أن يكون بيعُه فى حكم آلات الملاهى، وقد فصّلنا القولَ فى ذلك. ومنهم من يقول إنّ الصُّور التى تظهر على شاشته ليست من الصُّوَر الممنوعة، لأنّها لا تستقرّ على شيء، فهى بالعكس أشبهُ منها بالصُّور المستقرّة على الثّوب أو القرطاس، وهو القول الرّاجح عندنا، فمن هذه الجهة هو داخلٌ فى القسم الثّالث، فبيعُه صحيحٌ منعقد. ولكنّ مُعظم استعمال التّلفزيون فى عصرنا فى برامج لا تخلو من محظور شرعىّ، وعامّةُ المشترين يشترونه لهذه الأغراض المحظورة من مشاهدة الأفلام والبرامج ٣٢٦ 0 فقه البيوع الممنوعة، وإن كان هناك من لا يقصد به ذلك. فبما أنّ استعمالَه فى مباح ممكن، فلا نحكُم بالكراهة التّحريمية فى بيعه مطلقاً، إلّ إذا تعيّن بيعُه لمحظور، ولكن نظراً إلى معظم استعماله لا يخلو من كراهة تنزيهية. وعلى هذا، فينبغى أن يتحوّط المسلم فى اتّخاذ تجارته مهنةً له فى الحالة الرّاهنة، إلاّ إذا هيّأ الله سبحانه جواً يتمحّض أو يكثُر فيه استعماله المباح، والله سبحانه وتعالى أعلم. ١٤٠ - الشرط الثالث أن يكون المبيع موجودا والشّرط الثّالث لصحّة البيع فى غير السّلم والاستصناع: أن يكون المبيعُ موجوداً. وهذا شرطٌ لانعقاد البيع، فلا ينعقد بيع المعدوم. والأصلُ فى ذلك أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع حَبَل الحَبَلة(١) وهو بيعُ نتاج النّتاج. وكذلك لايجوز ما كان على خطر العدم، بمعنى أنّه يحتمل الوجود والعدم معاً، مثلُ اللّين فى الضّرِع، حيث لا يتيقّن وجوده، إذقد ينتفخ الضّرِع بدون اللّبن.(٢) ١٤١ - بيع الثّمار قبل ظهورها وعلى هذا، لا يجوز بيع الثّمار قبل ظهورها، إلاّ بطريق السّلم، لأنّه بيعُ معدوم، ولم يقل بجوازه أحد، وإن جرى به التّعامل. والأصل فيه مارُويَ عن جابر بن عبدالله (١) صحيح البخارى، كتاب البيوع، باب بيع الغرروحبل الحبلة، رقم ٢١٤٣ (٢) بدائع الصنائع، ٣٢٦:٤ المبحث الثالث رضى الله عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع المعاومة. أخرجه مسلم وأبو داود (١) والمرادمنه بيعُ ما تحمِله شجرةٌ مخصوصةٌ أو أشجارٌ مخصوصةٌ من الثّمر إلى مدّة سنة فأكثر. وإنّما حرُم لكونه بيعَ غرر، لأَنّه بيعُ مالم يخلقْه الله تعالى بعدُ. وقد يُسمّی "بيع السّنین"، كما فى بعض روايات مسلم و أبی داود. أمّا إذا ظهر الثّمر بحيثُ يمكن الانتفاع به فى الأكل، أو فى علف الدواب، جاز بيعُه بالاتّفاق. وإذا ظهر الثّمر ولكنّه غير منتفَع به، حتىّ فى علف الدّوابّ، ففيه خلافٌ مشايخ الحنفيّة. فذكر قاضى خان عن عامّة المشايخ أنّه لا يجوز بيعُه أيضاً، ولكن صحّح ابنُ الهمام أنّه يجوز، لأنّه مالٌ منتفَعٌ به فى ثانى الحال، وإن لم يكن منتفعاً به فى الحال.(٢) ويبدو أنّه مذهب الأئمّة الثلاثة أيضاً، حيث أجازوا بيع الثّمرة قبل بدو صلاحها مطلقاً (إذا كان بشرط القطع) ولم يشترطوا كونَه منتفعاًبه.(٣) وإن بيعت جميعُ أثمار الشّجر أو البستان في حينٍ ظهر بعضُها ولم يظهرْ بعضُها، ففيه خلاف. فقال الشّافعيّة والحنابلة إنّه لا يجوز البيع إلاّ فيما ظهر. وهوظاهرُ مذهب الحنفيّة، لأنّ مالم يخرجْ معدوم. ولكن أفتى شمسُ الأئمّة الحلوانى رحمه الله تعالى بأنّه لو كان الخارجُ أكثر، جاز البيعُ فى الجميع، وبه أفتى الإمام الفضلىّ، بل يظهر من عبارته أنّه لا يشترط كونَ الخارج أكثر، بل يجعل الموجود أصلاً فى البيع، وما يحدث بعدذلك تبعاً له. وبه أفتى ابن نُجيم رحمه الله تعالى فى فتاواه.(٤) وقال ابن الهمام (١) صحيح مسلم، رقم ٣٩١٣، وسنن أبى داود، رقم ٣٣٧٥ (٢) فتح القدير ٥: ٤٨٩ (٣) راجع المغنى لابن قدامة ٤: ٢٠٢ (٤) فتاوی ابن نجیم بهامش الفتاوی الغیائیة، ص ١١٣ ٣٢٨ :٠٥ فقه البيوع بعدذكر فتوى الفضلى: "وقدرأیت روایةً فی نحو هذا عن محمّد رحمه الله تعالى، وهو بيع الورد على الأشجار، فإنّ الورد متلاحق، ثمّ جوّز البيع فى الكلّ بهذا الطّريق، وهو قول مالك رحمه الله."(١) وذكر السّرخسيّ رحمه الله تعالى الجواز عن شيخه الإمام الحلوانىّ والإمام الفضلىّ، ولكن صحّح ما فى ظاهر المذهب من عدم الجواز إلاّ فى الموجود، لأنّ المصيرَ إلى هذه الطّريقة عند تحقّق الضرورة، ولاضرورةَ ههنا، لأنّه يُمكنه أن يبيع الأصول، أويشتريَ الموجود ببعض الثّمن ويؤخّر العقد فى الباقى إلى وقت وجوده، أو يشتريَ الموجود بجميع الثّمن، ويُبيح له الانتفاع بما يحدث منه. (٢) ولكن قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "لكن لا يخفى تحقّقُ الضّرورة فى زماننا، ولاسيّما فى مثل دمشق الشّام، كثيرة الأشجار والثّمار، فإنّه لغلبة جهل النّاس لا يُمكن إلزامُهم بأحد الطّرق المذكورة، وإن أمكن ذلك بالنّسبة إلى بعض أفراد النّاس، لا يمكن بالنّسبة إلى عامّتهم، وفى نَزْعِهم عن عادتهم حرج .. ولا يخفى أنّ هذا مسوّغٌ للعدول عن ظاهر الرّواية. "(٣) وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (١) فتح القدير ٤٩٢:٥ (٢) المبسوط للسرخسي ١٩٦:١٢ (٣) ردالمحتار ٢١١:١٤ و٢١٢ فقره ٢٢٥٠٥ المبحث الثالث "وجملة ذلك أنّه إذا باع ثمرةَ شيئ من هذه البقول، لم يجُز إلاَّ بيعُ الموجود منها، وبهذا قال أبو حنيفة والشّافعىّ. وقال مالك: يجوز بيعُ الجميع، لأنّ ذلك يشقّ تمييزُهُ، فجُعِل مالم يظهرْ تبعاً لما ظهر، كما أنّ مالم يبدُ صلاحُه تبعٌ لما بدا. "(١) وقصرَ المالكيّةُ الجوازَ على مايتلاحق فى بطن واحد، أو ما له بطونٌ لاتتميّز، وله نهايةٌ ينتهى إليه. أمّا إذا كان متلاحقاً بصفة مستمرة، وليس له آخِرُ ينتهى إليه، كالموز فى بعض الأقطار، فلا يجوز بيعُه إلاّ بضرب من الأجل، ولو كثُر الأجل. وقيّده بعضهم بسنة واحدة، وبعضهم بسنتين.(٢) والظاهر أنّ من أجازه من الحنفيّة إنّما قصدَ ما يظهر فى بطن واحد. أمّا ما يظهر فى بطون مختلفة، فلا. وأمّا ما يتلاحق فى أكثر من سنة، فالظَّاهر أنّ فيه معنى بيع السّنين، فلا ينبغى القولُ بجوازه، والله سبحانه أعلم. ١٤٢ - مسألة ترك الثّمار على الأشجار بعد البيع ثمّ جواز بيع الثّمار بعد الظّهور، على اختلافٍ فى تفسيره، إذا كان بشرط أن يقطعها البائعُ بعد البيع، فلا خلافَ فى جوازه. وأمّا إذا بيعت الثّمارُ بعد الظّهور، وقبل بَدْو صلاحها، ولم يشترط البائعُ أن يقطعها المشترى، ولااشترطَ المشترى أن يتركها على الأشجار، فهذا موضعُ خلاف بين الحنفيّة والأئمّة الثّلاثة الحجازيّين، فقال الحنفيّة: يجوز هذا (١) المغني لابن قدامة ٤: ٢٠٧ (٢) وراجع للتفصيل حاشية الدسوقى على شرح الدردير الكبير ٣: ١٧٧ فقه البيوع البيع، لأنّه لم يشترط فيه مالا يقتضيه العقد. وقال الأئمّة الثّلاثة: إنّه لا يجوز، لعموم النّهي عن بيع الثّمرة قبل بدو صلاحها.(١) وحمل عامّة الحنفيّة حديث النّهي عن البيع قبل بدو الصلاح على ما إذا اشترط ترك الثمار على الأشجار. أمّا إذا كان البيع بغير شرط، ثمّ تركه المشترى، فهو جائز عند الحنفيّة لما أخرج مالك فى باب الجائحة فى بيع الثّمار والزّروع عن عَمرة بنت عبد الرحمن: "ابتاع رجلٌ ثَمَرَ حائطٍ فى زمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعالجَه وقام فيه، حتّى تبيّن له النّقصانُ، فسأل ربَّ الحائط أن يَضَعَ له أو أن يُقيلَه، فحلف أن لا يفعل، فَذَهَبَتْ أمُّ المشترى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَذَكَرَتْ ذلك له، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: "تَأَلَى أن لا يفعلَ خيراً. "(٢) ووجه الاستدلال به ظاهر، لأنّ المشتريَ ترك الثّمار على الأشجار، فإن كان ذلك بشرط، فهو فاسد بالاتفاق. فالظاهر أنه تركها بدون شرط. وأجاز رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم هذا البيع، وحضّ البائع على الإحسان بالمشترى. ولو كان البيعُ فاسداً، لما أجازه. أمّا إذا اشترط المشترى أن يتركها على الأشجار إلى مدّة، فله صورتان: الأولى: أن (١) المغني لابن قدامة ٢٠٢:٤ (٢) أخرجه مالك ٢: ٦٢١ المبحث الثالث تكون الثّمار بدا صلاحُها، والثّانية: أن لم يكن بدا صلاحُها. فإن بدا صلاحُها بمعنى أنّها أمِنتْ من الآفات قبل النُّضج، جاز هذا الشّرطُ عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنّما "نهى عن بيع الثّمرة حتّى يبدوَ صلاحها"(١). ومفهومُه أنّه يجوز بعد بدو صلاحِها. ولا يجوز هذا الشّرطُ فى ظاهر قول الحنفيّة، لأنّ هذا الشّرط يُنافى مقتضى العقد، فيُفسد العقد، غيرَ أنّه رُويَ عن الإمام محمّد رحمه الله تعالى أنّه يجوز إذا تناهى عِظَم الثّمرة، وعلّله ابن الهمام رحمه الله تعالى بالاستحسان بالتعامل: "لأنّهم تعارفوا التّعاملَ كذلك فيما تناهى عِظَمه، فهو شرطٌ يقتضيه العقد. "(٢) وذكرابن الهمام أنّه اختاره الطّحاويّ لعموم البلوى، وذكر فى تنوير الأبصار أنّ عليه الفتوى، وإن كان ابنُ عابدين رحمه الله تعالى نقل عن القُهستانىّ عن النّهاية أنّ الفتوى على قولهما. أمّا إذا اشترط تركَها على الأشجار قبل أن يتناهى عِظَمُها، أو قبلَ أن يبدُوَ صلاحُها، فظاهرُ مذهب الأئمّة الأربعة أنّه يُفسد البيع، وذلك لأحاديث النّهى عن بيع الثّمرة قبل أن يبدو صلاحُها، ولأَنّه يؤدّى إلى بيع المعدوم. لكن ذكر ابنُ الهُمام أنّ محمداً رحمه الله تعالى إنّما فرّق بين ما تناهى عِظَمُه ومالم يتناه أنّ التّعامل إنّما جرى بشرط التّرك فى المتناهى، ولم يجْر فيمالم يتناهَ عظمه، وإلاّ فهُما سواء فى كون الشّرط لا يقتضيه العقد.(٣) وهذا يقتضى أنّه لو جرى العُرف والتّعامل فى غير المتناهى، جاز (١) صحيح البخاری، باب ٥٨،حدیث١٤٨٦ (٢) فتح القدير ٥: ٤٩٠ (٣) أنظر فتح القدير ٥: ٤٩٠ ٣٣٢ فقه البيوع أيضاً، لأنّ العُرف الحادثَ معتبرٌ فى كون الشّرط جائزاً، كما قال ابن عابدين فى مبحث الشّرط الفاسد.(١) وعلى هذا فرّع الإمام التّهانويّ رحمه الله تعالى أنّه إذا جرى العُرف باشتراط التّرك على الأشجار، جاز هذا الشّرطُ للعُرف.(٢) وكذلك أفتى شيخنا المفتى رشيد أحمد رحمه الله فى فتاواه.(٣) ويُشكل على هذا أنّ البيعَ بشرط القطع جائزٌ بالإجماع، وبدون أيّ بشرطٍ جائزٌ عند الحنفيّة، فلو جاز بشرط الّرك أيضاً على أساس العُرف، لمّاً بقيَ محملٌ للحديث الّذي ورد فيه النّهيُ عن بيع الثّمرة حتّى يبدوَ صلاحها، وقد تقرر أنّ العُرف يصلُح مخصّصاً للنّصَ، ولا يصلُح ناسخاً. ويُمكن أن يُجاب عنه بأنّ أحاديثَ النّهي عن بيع الثّمرة قبل بدو صلاحها معلّلةٌ بكونه مفضياً إلى النّزاع، فحيثُ ارتفع احتمالُ النّزاع بسبب العُرف والتعامل، ارتفعت العلّة المانعة. ويُمكن أيضاً أن يُقال: إنّها محمولةٌ على الإرشاد والتّنزيه، لا على التّحريم. وذلك لمارواه زيدبن ثابت رضى الله تعالى عنه فيما أخرجه البخارى، قال: "كان النّاسُ فى عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبتاعون الثّمار، فإذا جذّ النّاسُ وحضر تقاضيهم، قال المبتاعُ : إنّه أصاب الثّمرَ دُمان، أصابه مُراض، أصابه قُشام: عاهاتٌ يحتجّون بها، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم لماً كثُرت عنده الخصومة فى ذلك: فإمّا لا، فلا تتبايعوا حتّى يبدوَ صلاح الثّمر، (١) ردالمحتار ١٤: ٦٦٩ فقره ٢٣٥٨٠ (٢) إمدادالفتاوى ٣: ٩٦، مسألة ١٢٤ (٣) أحسن الفتاوى: ٦: ٤٨٦ و ٤٩٠ ٣٣٣ المبحث الثالث کالمشورة يُشير بها لكثرة خصومتهم. !(١) والله سبحانه وتعالى أعلم. ١٤٣ - بيع محلّ الاستصناع قبل التسليم ومن أسلَم فى شيئ، فلا يجوزله أن يبيعَه قبل أن يتسلّمه من المسلَم إليه، وكذلك مَن استصنع من آخرَ شيئاً، فلا يجوز له أن يبيعَه قبل أن يقبضه من الصّانع، لأنّه إمّا معدوم ، وإمّا غيرُ مملوكٍ للبائع. وعلى هذا، من اكتتبَ فى شُقّة فى عمارة مقترحَة وقع تصميمُها ولم تُبْنَ بعدُ، فإنّه فى حُكم الاستصناع، فلايجوز للمستصنع أن يبيعَ هذه الشُّقّة إلى ثالث حتىّ يتسلّمها من الصّانع، لأنّه إن لم يبدأ الصانعُ فى البناء، فهو بيعُ معدوم، وإن بدأ الصّانِعُ فى بناءه، فإنّ الشُّقّة المشتراةَ ليست مملوكةً للمستصنع قبل أن يتسلّمها من الصّانع. ولا يجوز بيعُ المعدوم ولا بيعُ مالا يملكه الإنسان. وسيجيئ تفصيلُ الكلام على ذلك فى باب الاستصناع إن شاء الله تعالى. ١٤٤- الشّرط الرّابع أن يكون المبيعُ مملوكاً ويُشترط لانعقاد البيع أن يكون المبيعُ مملوكاً للبائع. فبيعُ ما لا يملكه البائع باطل. والأصلُ فى ذلك مارُويَ عن حكيم بن حزام رضى الله تعالى عنه قال: "سألتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: يأتينى الرّجلُ يسألُنى من (١) صحيح البخاری،كتاب البيوع، باب٨٥، حدیث ٢١٩٣ ٣٣٤ فقه البيوع البيع ما ليس عندى، أبتاعُ له من السّوق ثمّ أبيعه. قال: لا تبعْ ما ليس عندك."(١) ورُويَ عن عمروبن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "ليس على رجل بيعٌ فيما لا يملك."(٢) ولا يُشترط لصحّة البيع أن تكون النّقودُ مملوكةً للمشترى عند العقد، فلو اشترى شيئاً بنقود، وليست فى مِلكه عند الشّراء، فالبيعُ صحيحٌ إذا استوفى الشّروط الأخرى، وتجبُ النّقودُ فى ذمّة المشترى.(٣) ١٤٥ - بيع ماهو مباح الأصل وعلى هذا لا ينعقد بيعُ ماهو مباحُ الأصل، غيرُ مملوكٍ لأحد، مثلُ الكلأ. لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "المسلمون شركاءُ فى ثلاثٍ: فى الماء، والكلأ، والنّار. "(٤) فإن كان الكلأَّفى محلٌّ غير مملوك، فإنّه مباحٌ عامّ، ولا يجوز بيعُه لأحد. وكذلك إن نبت الكلأ فى أرضٍ مملوكةٍ بدون أن يغرسَه، فإنّه لا يجوزُ له بيعُه.(٥) وله منعُ النّاس من (١) أخرجه الترمذى، حديث ١٢٣٢، وقال: "هذا حديث حسن "وأخرجه أيضاً النّسائى وغيره. (٢) أخرجه النسائى فى البيوع، بيع ما ليس عند البائع، حديث ٤٦١٢ (٣) راجع المبسوط للسّرخسيّ، كتاب الصرف، باب البيع بالفلوس ١٤: ٢٤ (٤) أخرجه أبوداودفى البيوع، باب فى منع الماء، حديث ٣٤٧٧ (٥) ردالمحتار، كتاب إحياء الموات، فصل فى الشرب، ٦: ٤٤٠ وحاشية القليوبي، كتاب إحياء الموات ٣: ٩٦ والمغنى لابن قدامة، كتاب البيوع ٤: ٢٠٠ و٢٠١ والبيان والتحصيل لابن رشد، کتاب السداد والأنهار ٢٤٧:١٠ 0 المبحث الثالث الدّخول فى مِلكه، ولكن قال الفقهاء: فيُقال للمالك: إمّا أن تقطعَ وتدفعَ إليه، وإلاّ تتركه ليأخذَ قدرَ ما يُريد. وهذا إذا لم يجد كلاّ فى أرض مباحاً قريباً من تلك الأرض المملوكة، کما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالی. أمّا إذا قطع إنسانٌ كلاً من أرض مملوكة أو غير مملوكة، وأحرزه، فقد ملكه، ويجوز له أن يبيعه. وما غَرَسه الإنسانُ فى أرضه، فهو مملوكٌ له يُباحُ له بيعُه.(١) وكذلك الحكمُ عند بعض المالكيّة فيمن ترك الزّراعة فى أرضه، لينبت فيه الكلأ، ويتّخذه مرعى له. (٢) فيجوز له بيعه. ومعنى كون النّار من المباحات العامّة أنّ من أوقد ناراً فى مفازة، فإنّها تكون مشتركةً بينه وبين النّاس أجمعين، فمن أراد أن يستضيئ بضوءها، أو يخيط ثوباً حولها، أو يصطلي بها، أو يتّخذ منها سراجاً، ليس لصاحبها منعه. فأمّا إذا أوقدها فى موضع مملوك، فإنّ له منعَه من الانتفاع بملكه. وإذا أراد أن يأخذ من فتيلة سراجه، أو شيئاً من الجَمْر، فله منعه، لأنّ كلاّ من الفتيلة والجمر مملوكّ لصاحبه، وليس من المباح العامّ.(٣) وعلى هذا مَن أضاء أرضاً مملوكةً له بتشغيل الكهرباء، وانتشر ضوءُه إلى خارج ملكه، فلغيره أن ينتفع بذلك الضّوء، كما يجوز أن يستظلّ بظلّ جداره، بشرط أن (١) ردالمحتار، كتاب إحياء الموات، فصل فى الشرب، ٦: ٤٤٠ وحاشية القليوبي، كتاب إحياء الموات ٩٦:٣ (٢) البيان والتحصيل لابن رشد، کتاب السداد والأنهار ٢٤٧:١٠ (٣) رد المحتار٦: ٤٤٠ و٤٤١ ٣٣٦ فقه البيوع لا يدخل فى أرضه بدون إذن منه. ولكن لا يجوز له أن يستعمل الكهرباء بتوصيلة تُخرج الكهرباء إلى خارج أرضه. وكذلك لا يجوز بيعُ الحَطَب والحشيش والصُّود الّتى فى البرارى، أو الطّيور فى الهواء الّتى لم تُصَد. (١) وما تفعله بعضُ الحكومات من قَصْر حقّ الاصطياد على من عنده رخصةٌ من قِبَلها، وتُعطى هذه الرّخصةَ لقاءَ عوض ماليّ، فإنّه ظلمٌ لا يجوز، لأنّ الله سبحانه وتعالى أباح الصَّيد لكلّ أحد، فلا يجوز حَجْر العامة منه، و كذلك لا جواز الأخذ عوض على منح رخصة الاصطياد. ١٤٦- بيع الماء أمّا الماءُ فهو على أقسام: الأول: ماءُ البحار والأنهار الّتى لامِلكَ فيها لأحد. وهو مباح الأصل لا يجوز بيعُه. الثّاني: الماء المحرزُ بالأوانى والأنابيب فى عصرنا، وهو مملوك لمحرزه بالإجماع، فيجوز بيعُه. وهذا الحكمُ للنّوعين لانَعرف فيه خلافاً للأئمة المجتهدين. الثّالث: ماءُ الأبيار، والحِياض، والعيون، والقَنَوات المملوكة. وفيه خلاف. فقال بعضُ الشّافعيّة إنّه مملوكٌ كالماء المحرَز فى الأوانى، وهو قولُ يحيى والمؤيّد بالله. وقال الحنفيّة وأكثرُ الشّافعيّةِ: "إنّه حقٌّ لا مِلكٌ "(٢) ومعنى كونه حقّاً، لاملكاً، ماذكره الإمام أبويوسف رحمه الله تعالى أنّ صاحب البئر، أو الحوض، أو العين، أو القناة، أحقُّ به من غيره، ولكن (١) ردالمحتار، كتاب البيوع ٢٢:١٤ فقره ٢٢١٨٧ (٢) نيل الأوطار للشوكاني ٥: ٢٥٩ المبحث الثالث يجب بذلُ ما فضل عن حاجته لشُرب بنى آدم، والبهائم، والنّعم، والدّوابّ. وله أن يمنع السّقىَ للأرض والزّرع والنّخل.(١) ولكنّه ذكر أنّ بيعَ هذا النوع من الماء للسَّقْى لا يجوز لكونه مجهولَ المقدار. وهذا التّعليلُ يُفيد أنّه إذا ارتفعت الجهالة بطريق من الطُّرق، مثل ضبطه بالعدّاد وغيره، ينبغى أن يجوزَ البيع، لأنّ الإمام أبا يوسف رحمه الله تعالى لم يعلّل عدمَ جواز البيع بأنّه غيرُ مملوكٍ له، وإنّما علّله بأنّه مجهولُ المقدار، وظاهر الرّواية فى مذهب الأحناف أنّ بيعَ الشِّرب فاسد، وعلّلوه بأنّه من حقوق المبيع، فلا يُفرَد بالبيع، وبأنّه مجهول. ولكن قال شمس الأئمة السّرخسىّ رحمه الله تعالى: " وبعضُ المتأخرين من مشايخنا رحمهم الله أفتى أن يبيعَ الشِّرب، وإن لم يكن معه أرضٌ، للعادة الظّاهرة فيه فى بعض البلدان، وهذه عادةٌ معروفةٌ بنسف. "(٢) وقد صرّح الإمام مالك رحمه الله تعالى بجواز بيع الشّرب، سواءٌ أكان بيعاً لحقّ الشِّرب، أم للماء الّذى يحصُل بممارسة ذلك الحقّ. جاء فى المدوّنة الكبرى: "قلتُ: أرأيتَ إن بعتُ شِرْبَ يومٍ، أيجوز ذلك أم لا؟ قال: قال مالك: ذلك جائز. قلتُ: فإن بعتُ حظّى بعتُ أصلَه من الشّرب، وإنّما لي فيه يومٌ من اثني عشرَ يوماً، أيجوز فى قول مالك؟ قال: نعم. قلتُ فإن لم أبعْ أصلَه ولكن (١) كتاب الخراج للإمام أبي يوسف، ص ٩٥ (٢) المبسوط للسرخسى ٢٣: ١٧١ ٣٣٨ ٥ فقه البيوع جعلتُ أبيعُ منه السّقيَ، إذا جاء يومي بعتُ ما صار لى من الماءِ ممّن يسقى به، أيجوز هذا فى قول مالك؟ قال: نعم. "(١) وأمّا التَّنْكاتُ الكبيرةُ الّتى يُجمع فيها ماءٌ كثيرٌ فى عصرنا، فالظَّاهرُ أنّه فى حكم النّوع الثّانى من الماء المحرَز. وذلك ممّا ذكره الإمام أبويوسف رحمه الله تعالى بقوله: "وإن هيّأ له مصنعةً، فاستقى فيها بأوعيته حتىّ جمع فيها ماءً كثيراً، ثم باع من ذلك ١١(٢) فلا بأس."(٢) ١٤٧- الشّرط الخامس أن يكون المبيعُ مقدورَ التّسليم ويجب أن يكون المبيع مقدورَ التّسليم عند العقد، بمعنى أن يكون البائعُ قادراً على تسليمِه للمشترى. وهو شرطٌ لانعقاد البيع. والأصلُ فى ذلك الأحاديثُ الّتى ورد فيها النّهىُ عن بيع الغرر، وقدرُويت عن أبى هريرة(٣) وابن عمر، (٤) وابن عباس(٥) وغيرهم رضى الله تعالى عنهم. والغَررُ مفهومٌ عامٌّ يشمل أنواعاً كثيرةً، وقد اختلفت عبارات الفقهاء فى تعريف (١) المدونة، كتاب التجارة إلى أرض العدوّ، فصل فى شرب يوم ٣: ٣١٢ (٢) كتاب الخراج للإمام أبى يوسف ص ٩٥ (٣) أخرجه الجماعة إلا البخارىّ (٤) أخرجه أحمد فى مسنده (٣٩٣:١٠ و١٠: ٤٧٥) والبيهقى فى السنن الكبرى ٥: ٣٠٢ وابن حبان کمافی نيل الأوطار ١٢٥:٥ (٥) أخرجه ابن ماجه مع حاشية السندىّ ١٨:٢ (برقم ٢١٩٥) المبحث الثالث الغرر بعد اتّفاقهم على مضمونها، ولعلٌ أجمعَ تعريفٍ للغرر وأوجزَه ماذكره السّرخسيّ رحمه الله تعالى بقوله: "الغررُ مايكونُ مستورَ العاقبة. "(١) والمراد من بيع الغرر: البيعُ الّذى عاقبتُه مستورةٌ لايُدرى إلى ما ينتهى إليه. ويقاربُه ما قاله الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "الغررُ هو الخطر الذى استوى فيه طرف الوجود والعدم بمنزلة الشّكّ. "(٢) وما قاله الشّيرازىّ فى المهذّب: "الغررُ ما انطوى عنه أمرُه وخَفيَ عليه عاقبتُه. "(٣) وقال القرافيّ: "أصلُ الغرر هو الّذى لايُدرى: هل يحصُل أم لا؟ كالطّير فى الهواء، والسّمك فى الماء. "(٤) والواقعُ أنّ "الغرر" معنىًّ عامٍّ يشمل جزئيّاتٍ كثيرة. والّذى يتحصّل من سَبْر جزئيّاته أنّ الغررَ لا يخلو من أحد الأحوال الثّلاثة الآتية: الأوّل: أن يكون المعقودُ عليه غيرَ مقدور التّسليم. والثّانى: أن يشتمل العقدُ على جهالة فى المعقود عليه، (مثل المبيع، أو الثّمن أو الأجرة) أو فى الأجل المضروب فى العقد. والثّالث: أن يكون فيه معنى تعليق التّمليك على الخطر، كما فى القمار. فالأوّلُ من هذه الحالاتِ ما لا يقدرُ البائعُ على تسليمِه عند العقد. وإنّه غررٌّ، لأَنّه لا تُعرف عاقبتُه هل يقدرُ البائع على التّسليم أو لا يقدر. (١) المبسوط للسرخسى ١٣: ١٩٤ (٢) بدائع الصنائع ١٦٣:٥ (٣) المھذّب ٢٦٢:١ (٤) الفروق للقرافى ٢٦٥:٣