النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠٠
فقه البيوع
فى بيع العصير لمن يتّخذه خمراً فى بيان شروط العاقد، ولكنّ مقصودنا هنا أنّ
استعماله المباح ممكنٌ عندهم، فيجوز بيعُه فى ذلك الغرض المباح.
١٢٥- بيع الخنزير وأجزاءه
وكذلك الخنزير لايجوز بيعُه لكونه ليس بمال متقوّم شرعاً. وكذلك بيع أجزاء الخنزير
لا يجوز عند الجمهور. وهناك قولٌ لابن القاسم من المالكيّة بجواز بيع شَعر الخنزير، (١)
كما يجوز بيعُ صُوف الميتة. ولعلّ هذا القول مبنيٌّ على أنّ نجاسة الخنزير وحرمةَ
الانتفاع به مقتصرةٌ على لحمه، (٢) أو على أنّ الخنزيرَ ليس نجسَ العين، وإن كان محرّماً،
وأنّ المرادَ بالرّجس فى الآية الكريمة كونُه قبيحاً مستقذَراً، ونَسبَ بعض العلماء هذا
القول إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى، (٣) وإن لم أجده بهذا التّعبير فى كتب المالكيّة.
وإن كان، فإنّه قولٌ شاذٌ.
ولكن أجاز جمعٌ كبيرٌ من الفقهاء الانتفاعَ بشَعْره لضرورة خرْز الخِفاف، (٤) وقالوا: "حتىّ
لو لم يوجد بلاثمن، جاز الشّراء للضّرورة، وكُرِه البيعُ فلا يطيب ثمنه. "(٥) وظاهرُ التّعليل
المذكور يقتضى أن لا يجوز الانتفاعُ به ولا شراؤُه فى زماننا، إذ وُجدت اليومَ موادُّ كثيرةٌ
(١) مواهب الجليل للحطّاب، كتاب البيوع ٤: ٢٦٢
(٢) و يبدو من عبارة الشّوكانيّ أنّه اختار ذلك (راجع فتح القدير للشوكانيّ، سورة الأنعام ٢: ١٩٦)
(٣) راجع تيسير البيان لأحكام القرآن لابن نورالدّين اليمنيّ الشّافعيّ (المتوفى ٨٢٥ هـ) سورة
الأنعام ٣: ٢٤٨ والتحرير والتنوير لابن عاشور، سورة المائدة ٦: ٩٠
(٤) المغني لابن قدامة ١: ٦٧
(٥) الدر المختار مع حاشيته ١٤: ٦١٤ و ٦١٥

المبحث الثالث
تصلُح للخرْز، فوقع الاستغناءُ عن شَعر الخنزير، والأصل حرمتُه ونجاسته، فیرجعُ
الحكمُ اليومَ إلى أصله، وبه صرّح ابنُ نُجيم فى البحر الرائق، و الحصكفيّ فى
الدّ المختار.(١) وقد شاع اليومَ استعمالُ شعور الخنزير فى الفُرْشات التى يُنظّف بها
الأسنان، أو تُصبغ بها الجدران، فلايجوز بيعها وشراؤُها لنجاسة شُعور الخنزير، ويمكن
الاستغناءُ عنها بالفُرشات المتّخذة من المواد الأخرى. والله سبحانه أعلم.
أمّا جلدُ الخنزير، فيحرُم الانتفاع به عند الجمهور لكونه نجسَ العين، إلاّ فى رواية
ء
عن أبى يوسف رحمه الله تعالى، حيث ذهب إلى طهارة جلد الخنزير بالدباغ، كما
ذكر السّرخسيّ عنه. (٢) وأمّا المذهب المعتمَد عند الحنفيّة، فأنّه لا يطهُر بالدّباغ.
١٢٦ - بيع الخمر أو الخنزير فيما بين غير المسلمين
ثمّ الأحكامُ الّتى ذكرناها فى بيع الخمر والخنزير تنطبق على ما إذاكان المتبايعان
مسلمَين، أوكان أحدُهما مسلماً. أمّا إذاكانا غيرَ مسلمين لايعتقدان حرمتهما،
فبيعُهما فيما بينهم منعقد. قال النّسفىّ فى الكنز: "والذّمَيّ كالمسلم فى بيع غير الخمر
والخنزير." وعلّله ابن نجيم رحمه الله تعالى، على قول أنّهم غيرُ مخاطَبين بالفروع،
بأنّهما حلالٌ فى حقّهم، وعلى قول أنّهم مخاطبون، بأنّ الحرمة ولوكانت ثابتةً في
حقّهم أيضاً، لكنّهم لا يُمْنعون من بيعهما، لأَنّنا أُمرنا بتركهم وما يدينون. (٣)
(١) البحر الرائق، باب البيع الفاسد ٦: ١٣٣ والدر المختار، باب البيع الفاسد ٦١٧:١٤
(٢) المبسوط للسّرخسيّ، باب الحدث فى الصلوة ٢٠٢:١
(٣) البحر الرائق، باب المتفرقات من كتاب البيع، ٢٨٨:٦

٣٠٢
فقه البيوع
١٢٧ - بيع الميتة وأجزاءها
وكذلك الميتة ليست بمال متقوّم شرعاً، فلا يجوز بيعُها، ولا بيعُ أيِّ جزءٍ تحُلّه الحياةُ
منها، فلا يجوز بيعُ جلدها قبل الدّبغ، ويجوز بيعُه بعد الدّبغ، لأَنّه يطهُر بالدّباغ،
فيحلّ الانتفاع به فى غير الأكل بالاتّفاق، وبأكله أيضاً عند بعض الفقهاء الشّافعيّة
والحنفيّة،(١) إلاّ جلدَ الآدمىّ لكونه مكرّماً.
أمّا أجزاءُ الميتة التى لاتحلّه الحياة، فطاهرةٌ يُنتَفَع بها، فهى متقوّمة لامانعَ من بيعها
وشراءها، فيجوز بيعُ عَصْبها، وصوفها، وعَظْمها، وشعرها، وريشها، ومنقارها،
وظلفها، وحافرها عند أبى حنيفة ومالك، وهو المذهب عند أحمد، وقال الشّافعيّ
رحمهم الله تعالى جميعا: كلُّ ذلك نجسٌ لا يحلّ الانتفاع به لعموم النّصوص فى
حرمة الميتة، وهو روايةٌ عن أحمد.(٢)
واستدلّ الجمهور بما رُوي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان له مُشطٌ من
عاج، (٣) وهو عَظُم الفيل، وبماروى الدارقطنىّ عن ابن عبّاس رضى الله تعالى عنهما
قال: "إنّما حرّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الميتة لحمَها، وأمّا الجلد والشَّعر
والصُّوف، فلابأس به."(٤)
وبسطت الكلام، فى شرح صحيح مسلم، (٥) على الأحاديث الّتى استدلّ بها الجمهور.
(١) راجع المجموع شرح المهذّب، كتاب الطهارة ١: ٢٢٩ والبحر الرائق ١: ١٨٥ و١٨٦
(٢) راجع كتاب الطهارة من المغنى لابن قدامة ١: ٦٦
(٣) السنن الكبرى للبيهقى ٢٦:١
(٤) سنن الدار قطنيّ، باب الدباغ، ١: ٦٩ برقم ١١٨
(٥) تكملة فتح الملهم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الخمر والميتة ٣٥٢:١

٣٠٣
المبحث الثالث
والحاصل أنّها متكلَّمٌ فيها، ولكن يعضُد بعضُها بعضاً. وقال ابنُ قدامة رحمه الله تعالى: "
ولأَنّه لا تفتقر طهارةٌ منفصلةٌ إلى ذكاة أصله، فلم ينجُس بموته، كأجزاء السّمك والجراد،
ولأَنّه لا يخُلّه الموت، فلم ينجُس بموت الحيوان، كبيضه. والدليل على أنّه لاحياةَ فيه أنّه
لايُحِسّ ولا يألم، وهما دليلا الحياة، ولو انفصل فى الحيوة كان طاهراً، ولو كانت فيه حياةٌ،
لنجُس بفصله لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: "ما أبين من حىّ فهوميّت."(١) رواه
أبوداود بمعناه. "(٢)
والحيوان الذى ذُبح أو قُتل بغير ذكاة شرعيّة فى حكم الميتة شرعاً، فلايجوز بيعُ
المنخنقة، أو الموقوذة فيما بين المسلمين. وكذلك ماذبحه غير أهل الكتاب، ومتروك
التّسمية عمداً. (٣) وهذا على مذهب الجمهور. وأمّا الشّافعيّ رحمه الله تعالى، فقد أجاز
متروك التّسمية عمداً فیما هوالمشهور من مذهبه، فيجوز بيعه عنده. وقد ادعى بعض
الفقهاء أنّ قولَه هذا مخالف للإجماع، فلا يعتبر، حتىّ قال ابن عابدين: "لو باع متروكَ
التّسمية عمْداً مسلمٌ يقول بحلّه كشافعىّ، نحكُم ببطلان بيعه، لأنّه ملتزمٌ لأحكامنا،
ومعتقدٌ لبطلان ماخالف النّصّ، فتُلزمه ببطلان البيع بالنّصَ، بخلاف أهل الذّمّة، لأنّا
أمرنا بتركهم وما يدينون، فيكونُ بيعُه فيما بينهم صحيحاً أو فاسدا، لا باطلاً كمامرّ. "(٤)
(١) غريب بهذا اللفظ، والذى رواه أبو داود (كتاب الصيد، رقم ٢٨٥٨) عن أبى واقد: " ما قطع من
البهيمة وهي حيّة فھي ميتة "
(٢) المغني لابن قدامة، كتاب الطهارة، ١: ٦٦
(٣) المحيط البرهانى، كتاب البيوع "الفصل السادس، ٣٣٢:٩
(٤) رد المحتار، باب البيع الفاسد ١٤: ٥٤٩ فقره ٢٣٢٨٣

٣٠٤
فقه البيوع
وهذا مبنىٌّ على نفْي كون المسألة مجتهداً فيها. ولكنّ المحقّقين على أنّ المسألة
اجتهاديّة، وأنّ قول الشّافعىّ رحمه الله تعالى ليس مخالفاً للإجماع. فقال الكاسانيّ
رحمه الله تعالى: "والمسألة مختلفةٌ بين الصّحابة رضى الله تعالى عنهم."(١) وقال
بعدذلك:
"ونحن لا نُطلق اسمَ المحرَّم على متروك التسمية، إذالمحرّم المطلق
ماثبتت حرمتُه بدليل مقطوع به، ولم يوجد ذلك فى محلّ الاجتهاد إذا كان
الاختلاف بين أهل الديانة، وإنما نسمّيه مكروهاً أو محرّماً فى حقّ الاعتقاد
قطعاً لاعلى طريق التعيين، بل على الإبهام أنّ ما أراد الله عزّوجلّ من هذا
النّهي فهو حقّ، لكنّا نمتنع عن أكله احتياطاً، وهو تفسير الحرمة فى حقّ
العمل."(٢)
وحكى القرطبيّ فى تفسيره أنّ جماعةً من الصّحابة والتابعين قالوا بمثل قول
الشّافعيّ، وذكر أنّه روايةٌ عن مالك أيضا، (٣) كماذكر ابن قدامة أنه روايةٌ عن
أحمد.(٤) وقال الآلوسي رحمه الله تعالى:" والحقّ عندى أنّ المسألة اجتهاديّة،
وثبوتُ الإجماع غير مسلَّم، ولو كان، ماكان خرقه الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى."(٥)
وقال شيخنا العلامة العثمانيّ رحمه الله تعالى: "والمسألةُ من المسائل الّتى للاجتهاد
(١) بدائع الصنائع، كتاب الذبائح، ٤: ١٦٦
(٢) أيضا ٤: ١٦٧
(٣) تفسير القرطبى، سورة الأنعام المجلد ٤، ٦٧:٧
(٤) المغنى لابن قدامة ٣٣:١١
(٥) روح المعانى ٣٦٣٨

٣٠٥٠
المبحث الثالث
فيها مجال كسائر الاجتهاديّات، وليس من القطعيّات الّتى لامجالَ فيها للاجتهاد،
حتى يُجعل كلامُه فيها من الأباطيل، والقولُ بأنّه مخالفٌ للإجماع ليس ممّا ينبغى،
لأنّ الشافعيّ أعرفُ بالإجماع وأهله، فلا يُظَنُّ به أنه خرقَ الإجماع."(١)
فثبت أنّه إذا كان المتبايعان ممّن يعتقد مذهب الشافعيّ فى حلّ متروك التّسمية،
فلايُحكم ببطلان بيعهما لمتروك التّسمية. نعم! لا يجوز ذلك لمن يعتقد مذهب
الجمهور، وإن باعه إلى من يعتقد جوازه، والله سبحانه أعلم.
وذكر الكاسانيّ رحمه الله تعالى أنّ ذبيحة المجنون والصّبيّ الّذى لا يعقل فى معنى
الميتة، وكذا ماذُبح من صيد الحرم، مُخْرِماً كان الذّابحُ أو حلالاً، وما ذبحه المحرم
من الصّيد، سواء فيه صيد الحرم وصيد الحلّ، لأنّ ذلك ميتة. (٢)
١٢٨ - حكم الهُلام (جيلاتين)
ومن المناسب هنا ذكرُ حكم الهُلام أو الجيلاتين (Gelatine) وهي مادة سائلة تُستعمل
فى الأدوية وبعض الأغذية، وتتخذ من جلود الحيوانات وعظامها. فإن كانت تلك
الحيواناتُ مأكولة اللّحم شرعاً، فلا إشكالَ فيها. ولكن إن اتّخذ الهلام من البقر بدون
ذكاة شرعيّة، كما هو الحالُ فى المركّبات الدّوائيّة والغذائية التى تُستورد من بلادٍ غير
المسلمين، فإن كان الجيلاتين أخذ من عِظامها، فإنّه طاهرٌ عند الحنفيّة، لأنّ العِظام ممّا
(١) إعلاء السنن، كتاب الذبائح ١٧: ٦٢
(٢) بدائع الصنائع ٤: ٣٣١ و٣٣٢

٣٠٦
فقه البيوع
لاتحُلّه الحيوة، وما لاتحلُّه الحيوة من أجزاء الميتة طاهر.(١) ولذلك جاز بيعُه وشراؤُه
على مذهب الحنفيّة.
أمّا الجيلاتين المتّخذ من جلود الأنعام غير المذبوحة، فقد ذهب بعضُ المعاصرين
إلى أنّه حلال، لأنّ قِطعات الجلود تمرّ بعمل كيمياويّ تنقلب به ماهيتها، فتحِلّ
وتطهر بالاستحالة على قول الحنفيّة. وإنّى شاهدتُ هذه العمليّة بنفسى فى بعض
المصانع، فلم يتّضح لى أنّ هذه العمليّة تكفى للاستحالة. لاشكّ أنّه تحدث فيه
بعض التّغيّرات الكيمياويّة، ولكن ليست جميعُ التّغيّرات الكيمياويّة تؤدّى إلى
انقلاب الماهية أو الاستحالة، بدليل أنّ التّغيّرات الكيمياويّة تحدث فى طبخ اللّحم
أيضاً، ولكن لايُقال إنّ اللّحم تنقلب ماهيتُه بالطّبخ، وإلاّ جاز أكلُ جميع المحرّمات
بعد الطّبخ. وذكر لى ذوو الاختصاص فى هذا الفنّ أنّ العمليّة الّتى تجرى على
الجلود فى صناعة الجيلاتين، لاتُحدِث فيها استحالة، وإنّما هو عملٌ يقع فيه تنظيف
الجلود، وقلبُها إلى مادّة سائلة. ومجرّدُ تسييل الجامدات ليس قلباً لماهيتها، كما هو
ظاهر. ولذلك لم تتبيّن لى استحالتُها حتّى الآن.
(١) "وكذا كلّ ما لاتحُلّه الحيوة حتى الإنفحة واللبن على الراجح. " (الدر المختار مع رد المحتار !:
٦٨٧) ولكنّ الشّافعيّة لا يُفرَقون بين ما تحلّه الحيوة وما لاتحلّه، فيحكمون بنجاسة جميع أجزاء
الميتة (راجع المجموع شرح المهذّب ١: ٢٣٦) أمّا المالكيّة والحنابلة، فيُفرَقون بينهما، غير أنّهم
يقولون إنّ العظم ممّا تحلّه الحيوة فيتنجس بالموت. (راجع المغنى لابن قدامة ١: ٦٠ و ٦١) فلا
يُحكم بطهارة الجيلاتين المتخذ من العظام عندهم. حتى ولو ثبتت الاستحالة، لأنّ الاستحالة فى غير
الخمر غير مطهرة عندالشافعية والحنابلة، كما فى المغنى ١: ٦٠ والمجموع شرح المهذّب ٢: ٥٧٤
وأمّا المالكيّة، فالظّاهر من كلامهم أنّ الاستحالة مطهّرة، لأنّهم علّلوا طهارة اللبن باستحالته
(الدسوقي، كتاب الطهارة ١: ٥٠)

٣٠٧
المبحث الثالث
ولكنّ ما تبيّن لى بوضوح بعدَ مشاهدة العمليّة ومراجعة ذوى الاختصاص أنّ هذه
العمليّةَ يحصل بها ما هو المقصود من دباغة الجلود. قال صاحب الهداية: "ثمّ ما
يمنع النّتن والفساد فهو دباغ. "وقد ذكر البابرتيّ رحمه الله تعالى فى تعريف الدّباغ
عن كتاب الآثار لمحمّد عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: "كلّ شيئ يمنع
الجلد من الفساد."(١) وإنّ العمليّةَ التى تجرى على الجلود تُستعمل فيها النَّورة
(Lime) والكلائي (Alkalai) لتنظيفها وتخليتها من الرّطوبات والجراثيم، ممّا
يمنعها من الفساد، كما صرّح به ذوو الاختصاص. وهناك بحثٌ فنّيٌّ لأحد أصحابى
الشّيخ سرفراز محمد البرطانويّ حفظه الله تعالى الّذى هو متخصّص فى الفقه مع
اختصاصه فى علم الكيمياء، وصل فيه إلى أنّ هذه العمليّة دباغٌ حقيقيّ للجلود،
ولكن لا تحدث بها الاستحالة.
وبما أنّ عظم حيوان غير مذكّىٌ طاهر، وأنّ جلدَه يطهر بالدباغ، فإنّ الجيلاتين
المتّخذ منهما طاهرٌ، ويجوز استعمالُه فى غير الأكل باتّفاق الحنفيّة. أمّا استعماله
فى الأكل، فالصّحيح المفتى به عند الحنفيّة أنّه لايجوز، ولكن هناك قولٌ عند
الحنفيّة والشّافعيّة فى جواز أكله. ويسوعُ العمل به للتّداوى بالكيبسولات
المتّخذة من الجيلاتين، بشرط أن لا تكون متّخذةً من جلد الخنزير أو عظمه. أمّا
فى غير التّداوى، فينبغى الاجتنابُ من أكله، ما لم تثبت استحالتها. أمّا البيع
والشّراؤ، فيجوز فى غير المتّخذ من الخنزير، لأنّه طاهرٌ حسبما ذكرناه، والانتفاعُ
به ممكن بطريق مشروع. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) العناية مع فتح القدير، كتاب الطهارة ٨٣:١

٣٠٨
فقه البيوع
١٢٩- الدم
قد اتّفق الفقهاء على نجاسة الدّم وعدم جواز بيعه. (١) وقد شاع فى عصرنا التّداوى
بنقل دم إنسان إلى إنسان آخر مريض، وقد أفتى العلماء المعاصرون بجواز ذلك إذا
لم يوجد دواء آخر، ولكن منعوا من بيعه لكرامة الإنسان. (٢) ولكن إذا دعت الضرورة
الطّبية إلى ذلك، ولم يوجد مَن يتبرّع به، هل يجوز الشّراء فى تلك الحالة؟ الظّاهر
أنّه يجوز دفعُ الثّمن، ولا يجوز للبائع أن يأخذ ثمنه، قياساً على ماذكروه فى
شعر الخنزير الذى أجازوه لضرورة خرز الخفاف أنّه: "حتّى لو لم يوجد بلا ثمن جاز
الشّراء للضّرورة، وكُره البيع، فلايطيب ثمنه. "(٣) وبه أفتى والدى العلاّمة المفتى
محمد شفيع رحمه الله تعالى فى رسالته الأردية فى مسألة زرع الأعضاء. (٤)
وكذلك يُستعمل الدّمُ فى عصرنا لتغذية الدّجاج، وقد شاع استعمالُه فى مزارع
الدّواجن. وعمومُ النّصوص فى نجاسة الدّم يقتضى عدم جواز ذلك، ومن ثَمّ عدم
جواز بيعه لهذا الغرض.
وقد اختلف الفقهاء فى جواز إطعام الحيوان ما هو نجس. فذهب الحنابلة إلى جواز
ذلك. جاء فى كشّاف القناع:
"ويجوز أن تُعلف النّجاسةُ الحيوانَ الّذى لا يُذبح قريباً، ولا يُحلب
(١) المغني لابن قدامة ٤: ٣٠٢
(٢) قرار مجمع الفقه الإسلامى رقم ٤٥١-٨- ٨٨، مجلة المجمع، العدد الرابع ١: ٥١٠
(٣) الدر المختار مع ابن عابدين ١٤: ٦١٤ و ٦١٥
(٤) اعضاءانسانی کی بیوند کاری ص ٢٧

٣٠٩
المبحث الثالث
قريباً .. قال فى المبدع: ويحرُمُ علفُها نجاسةً إن كانت تؤكل قريباً، أو تُحلَب
قريباً، وإن تأخّر ذبحُه أو حلبُه، وقيل: بقدر حبسها المعتبر: جاز فى الأصحّ
كغير المأكول على الأصح."(١)
وأطلق الفقهاء الحنفيّة عدم جواز الإطعام. جاء فى الفتاوى الهنديّة:
"إذا تنجّس الخبزُ أو الطّعام، لا يجوز أن يُطعَم الصّغير، أو المعتوه، أو الحيوان
المأكول اللّحم. وقال أصحابنا: لا يجوز الانتفاع بالميتة على أىّ وجه،
ولا يُطعمها الكلاب والجوارح. كذافى القنية."(٢)
وأمّا الشّافعيّة والمالكيّة، ففرّقوا بين المتنجّس ونجس العين، حيثُ جوّزوا
إطعام المتنجّس للحيوانات، ولم يُجوّزوا إطعام نجس العين. جاء فى مختصر
خليل: "وينتفع بمتنجّسٍ، لانجسٍ، فى غير مسجد وآدميّ. " وقال الحطّاب
رحمه الله تعالی تحته:
"مراده بالمتنجّس ما كان ظاهراً فى الأصل، وأصابته نجاسةٌ، كالثّوب
النّجس والزّيت والسّمن ونحوه تقع فيه فأرةٌ أو نجاسة، وبالنّجس ما كانت
عينُه نجسةً، كالبول، والعذرة، والميتة، والدّم. وذكر أنّ الأوّل یُنتفع به فی غیر
المسجد والآدميّ، وشمل سائر وجوه الانتفاع."
ثمّ قال:
"قال فى المدوّنة فى العسل النّجس: لابأس بعلفه للنّحل. قال سند: وكذلك
(١) كشاف القناع، كتاب الأطعمة، ١٩٢:٦
(٢) الفتاوى الهندية، كتاب الكراهية،الباب الثانى عشر ٥: ٣٤٤

٣١٠
فقه البيوع
الطّعام الّذى يُعجن أو يُطبخ بماءٍ نجس، يُطعَم للبهائم والدّوابّ، وسواءٌ فى
ذلك ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل على ظاهر المدوّنة، وكذلك الماءُ النّجس
يُسقى للدّوابّ، والزّرع، والنّبات، وسائر الأشجار."(١)
وقال النّوويّ رحمه الله تعالى:
" وإذا عَجن دقيقاً بماءٍ نجس وخَبَزه، فهو نجسٌ يحرُم أكله. ويجوز أن
يُطعمه لشاة وبعير ونحوهما، ونصّ عليه الشافعيّ رحمه الله تعالى، ونقله
البيهقي في «السنن الكبير» في باب نجاسة الماء الدائم عن نصّه، واستدلّ له
بحديث صحيح. وفي فتاوى صاحب «الشّامل»: أنّه يُكره إطعام الحيوان
المأكول نجاسةً. وهذا لا يخالفُ ما نصّ عليه الشافعيّ في الطّعام؛ لأنّه ليس
!! (٢)
بنجس العين.
والحاصل أنّ إطعام ماهو نجسُ العين، مثل الدّم، لا يجوز إلاّ فى قول الحنابلة. ولكن
لا يجوز بيعه، ولو لهذا الغرض. جاء فى بيوع كشاف القناع:
"ولا يصحّ بيع دم وخنزير وصنم .. ولا يصحّ بيع أدهان متنجسة .. ولو بيع
لکافر یعلم حاله ... ويجوز الاستصباح بها فى غیر مسجد على وجهٍ لاتتعدّى
نجاسته."(٣)
ولكنّ الغذاءَ الَّذى يُعدّ للدّواجن يكون مخلوطاً بأشياء كثيرة، مثل الحنطة، والذُّرة،
(١) مواهب الجليل للحطّاب، كتاب الطهارة ١١٧:١ و١١٨
(٢) روضة الطالبين، كتاب الأطعمة ٣: ٢٧٩
(٣) كشاف القناع، كتاب البيوع ٣: ١٤٥

٣
المبحث الثالث
والأرزّ وغيرها، ونسبةُ الطّاهرات فيها أكثر، فالظّاهر أنّ حكم هذا المركّب حكمُ
المتنجّسات، فينبغى أن يجوز إطعامُه للدّواجن على قول المالكيّة والشّافعيّة. ولكن
لا يجوز عندهم بيعُ المتنجّسات التى لا يُمكن تطهيرها، كما سيأتى، فالظّاهرُ على هذا
أن لا يجوز بيع هذا المركّب.
أمّا الحنفيّة، فيجوز عندهم بيعُ المتنجّسات والانتفاعُ بها فى غير الأكل، كما سيأتى. ويشمل
الأكلُ إطعامَ الحيوانات، كما مرّ عن الهنديّة والقنية. فينبغى أن لايجوز بيعُه أيضاً على هذا
القول. ولكن ذكر بعض الفقهاء الحنفيّة فى الماء المتنجّس وما عُجن به، أنّه إن لم يتغيّر
أو صافُ الماء بملاقاة النّجس، جاز الانتفاع به لسَقي الدّواب والبهائم، ولم يُفرَقوا فى هذا
الحكم بين مأكول اللّحم وغيره.(١) وعلى هذا القول ينبغى أن يجوز بيعُه أيضاً لكونه منتفعاً
به. والله سبحانه وتعالى أعلم.
١٣٠ - بيع النّجاسات الأخرى
أمّا النّجاسات الأخرى، مثل عُذرة الإنسان، فإنّ بيعه لايجوز عند الأئمّة الثلاثة مطلقاً،
وقد استثنى منه الحنفيّة ما غلب عليه التّراب. (٢) وعن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّه
يجوز الانتفاعُ به فى الأرض، فيجوز بيعُه لهذا الغرض، وصحّحه ابنُ نُجيم والزّيلعيّ
رحمهما الله تعالى(٣). ولكن ذكر السّرخسيّ رحمه الله تعالى أنّ ظاهرَ المذهب اقتصارُ
(١) المحيط البرهانيّ ١: ١١٦ فى نسخة دار الكتب العلمية، بيروت، وبدائع الصنائع ٦٦:١ نسخة ايج
ايم سعيد كراتشى كتاب الطهارة، فصل فى الطهارة الحقيقية
(٢) ردالمحتار، باب البيع الفاسد ١٤: ٥٦٢ و ٥٦٣ فقره ٢٣٣١٩
(٣) تبيين الحقائق للزيلعي، كتاب الكراهية ٢٦:٦ والبحر الرائق، كتاب الكراهية، فصل فى البيع ٣٦٥٠٨

٣١٢
فقه البيوع
الجواز على ما إذا كانت العُذرةُ مخلوطةً بالتّراب.(١)
وأمّا الرّجيعُ والرَّوثُ من الأنعام المأكول لحمُها، فذهب الشّافعيّة إلى أنّها لا يجوز
بيعُها، ولو كان لاستعماله فى الزّروع. قال النوويّ رحمه الله تعالى:
"بيع سرجين البهائم المأكولة وغيرها وذرق الحمام باطل، وثمنه
حرام ... واحتجّ أصحابنا بحديث ابن عباس السّابق أنّ النّبيّ صلّى الله عليه
وسلّم قال: "إنّالله إذا حرم على قوم شيئاً، حرم عليهم ثمنه."(٢)
ثمّ ذكر النّوويّ عن الماورديّ رحمهما الله تعالى أنّ ما تعامل به النّاس من بيعه
للزّروع إنما يفعله الجهلة والأرزال. (٣)
أمّا المالكيّة والحنابلة، فرَوثُ ما يؤكل لحمه طاهرٌ عندهم، فيجوز بيعُه. أمّا زبْلُ مالا
يؤكل لحمه، مثل البغال والحمير والسّباع، فأصلُ المذهب عدم جواز بيعه، ولكن
استثنى منه بعض المالكيّة حالات الضّرورة. (٤) ولم أجد هذا الاستثناء عند
الحنابلة. (٥)
ومذهبُ الحنفيّة أنّه يجوز بيعُ السّرقين والبعر، لأَنّه قابلٌ للانتفاع الحلال، وهو
(١) المبسوط للسّرخسي ٢٣:١٣
(٢) أخرجه أبو داود فى باب ثمن الخمر والميتة، بلفظ: "وإنّ الله إذا حرّم على قوم أكل شيئ، حرّم عليهم
ثمنه."
(٣) المجموع شرح المهذّب، كتاب البيوع، ٩: ٢٣٠ و ٢٣١
(٤) وهو قول أشهب كما ذكره التّسوقيّ فى حاشيته على الشرح الكبير، كتاب البيوع ٣: ١٠
(٥) جاء فى كشاف القناع: "(ولا) يصحّ بيع (سرجين) أى زبل، بكسر السين وفتحها، ويُقال: سرقين،
(نجس) بخلاف الطّاهر منه، كروث الحمام وبهيمة الأنعام. "(كتاب البيوع ٣: ١٤٥)

0
٣١٣٤
المبحث الثالث
استعماله فى سماد الزّروع. وحلّةُ البيع تدورُ على الانتفاع الحلال. وقد تعامل ببيعه
المسلمون فی کلّ زمان من غیر نکیر.
وأمّا حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، فقد قال فيه الماردينيّ رحمه الله تعالى:
قوله: "إذا حرّم أكلَ شيءٍ حرّم ثمنَه" خرج على شُحوم الميتة الّتى حرُم
أكُلُها والانتفاع بشيءٍ منها، وكذا الخمرُ، أي إذا حَرَم أكلَ شيءٍ ولم يُبح
الانتفاعَ به حَرَم ثمنَه، ولم يَعْنِ ما أبيح الانتفاعُ به بدليل إجماعهم على بيع
الهرّ، والفهود، والسّباع المتّخَذة للصّيد والحُمُر الأهليّة. وقال ابنُ حزم:
وممّن أجاز بيعَ المائع تقع فيه النجاسةُ والانتفاعَ به: عليّ وابنُ مسعودٍ،
وابنُ عمر، وأبو موسى الأشعريُ، وأبو سعيد الخدريُّ، والقاسمُ، وسالمٌ،
وعطاءٌ، واللّيثُ، وأبو حنيفة، وسفيانُ، وإسحقُ وغيرُهم."(١)
وأمّا الأشياء الطّاهرة الّتى تنجّست بملاقاة النّجس، والّتى يُعبّر عنها الفقهاء
بالمتنجّس، فمذهب الحنفيّة جوار بيعه. جاء فى الدّرّ المختار: " ونُجيز بيعَ الدّهن
المتنجّس والانتفاع به فى غير الأكل."(٢)
وفرّق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة فى المتنجّسات بين ما يُمكن تطهيرُه ومالا
يُمكن تطهيرُه. فجوّزوا بيعَ ما يُمكن تطهيره، مثل الثّوب المتنجّس، ومنعوا بيع ما
لا يُمكن تطهيره، مثل الزّيت المتنجّس.(٣) إلاّ أنّ بعض الشّافعيّة قالوا فى الدّهن
(١) الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى للبيهقي،باب تحریم بيع ما یکون نجسالا يحلّ أكله، ١٣:٦ و ١٤
(٢) الدر المختار مع ردالمحتار، كتاب البيوع ٦١٩:١٤
(٣) مواهب الجليل ٤: ٢٦٣ والمجموع شرح المهذّب، كتاب البيوع ٩: ٢٣٥ وكشاف القناع ٣: ١٤٥ و١٤٦

٣١٤
فقه البيوع
المتنجّس إنّه يُمكن تطهيرُه بطريق مخصوص، فيجوز بيعُه، وقال بعض المالكيّة إنّه
(١)
يجوز بيعُه لغير مسلم.
١٣١- بيع أجزاء الآدميّ
وإنّ أجزاء الآدميّ ليست مالاً عند الحنفيّة، لكون الآدميّ مكرّماً، فلا يصحّ بيعُها
لمافيه من الابتذال. ولذلك قال الفقهاء الحنفيّة: لا يجوز بيع لبن امرأة فى قدح.
وذكر ابنُ الهمام أنّه مذهب مالك وأحمد. وقال الشّافعيّ : يجوز بيعُه، لأنّه
مشروب طاهر. (٢)
وما ذكره ابن الهمام من مذهب أحمد هو روايةٌ عنه، والقول الآخر للحنابلة مثلُ قول
الشّافعيّ. قال شمس الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى:
"فأمّا بيع لبنُ الآدميّات، فرُويت الكراهةُ فيه عن أحمد، واختلف أصحابُنا
فى جوازه، وهو قولُ ابن حامد ومذهب الشّافعيّ. وذهب جماعةٌ من
أصحابنا إلى تحريم بيعه، وهو مذهبُ أبى حنيفة ومالك، لأنّه مائعٌ خارجٌ
من آدميّة، فلم يجُز بيعه. أشبه سائرَ أجزاءه. والأوّل أصحّ، لأنّه طاهرٌ منتَفَع
به، فجاز بيعُه، كلبن الشّاة."(٣)
(١) المجموع ومواهب الجليل بالإحالات السّابقة.
(٢) فتح القدير٦: ٦٠ و٦١ باب البيع الفاسد وقال النووى: "بيع لبن الآدميّات جائز عندنا، لاكراهة
فيه. هذا هو المذهب، وقطع به الأصحاب إلاّ الماورديّ والشّاشيّ والروياني، فحكوا وجها شاذّاً
عن أبى القاسم الأنماطيّ من أصحابنا أنه نجس لا يجوز بيعه، وإنما يربّى به الصّغير للحاجة.
وهذا الوجه غلط من قائله. "(المجموع شرح المهذب، باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز ٩: ٢٥٤)
(٣) الشرح الكبير على المقنع مع المغنى ٤: ١٢

٣١٥
المبحث الثالث
١٣٢ - بنوك الحليب
وبه علم حكم بنوك الحليب الّتى اتّخذت فى بعض البلاد الغربيّة، حيثُ تُجمع فيه
ألبان النّساء، وتُباع لإرضاع الصّبيان. فأمّا عند الحنفيّة والمالكيّة، فبيعه لايجوز. وأمّا
على قول الشّافعيّة والحنابلة ، فالبيعُ جائز، ولكنّ اتّخاذ مثل هذه البنوك وإرضاع
الصّبيان منها لا يجوز على قولهم أيضاً، لأنّه مُثبتٌ للرّضاعة، ولاتُعرف المرأةُ الّتى
رضع الصّبيّ لبنها. وقد صدر بمنعه قرارٌ من مجمع الفقه الإسلاميّ فى دورته الثانية
بجدّة، و نصّه:
"أولاً: إن بنوك الحليب تجربة قامت بها الأمم الغربيّة، ثمّ ظهرت مع التّجربة
بعضُ السّلبيّات الفنّيّة والعمليّة فيها، فانكمشت، وقلّ الاهتمام بها.
ثانياً: إنّ الإسلام يعتبر الرّضاع لُحمةً كُلُحمة النّسب، يحرم به ما يحرم من
النّسَب بإجماع المسلمين. ومن مقاصد الشّريعة الكلّيّة المحافظةُ على النّسب.
وبنوك الحليب مؤدّةٌ إلى الاختلاط أو الرّيبة. قرّرمايلى:
أولاً: منعُ إنشاء بنوك حليب الأمّهات فى العالم الإسلاميّ.
ثانياً: حُرمة الرّضاع منها. "(١)
وكذلك بيعُ شُعور الإنسان(٢) أو أعضاءه لقصد زرعها فى جسم إنسان آخر
لا يجوز. وإنّ العلماء المعاصرين اختلفوا فى جواز الزّرع، ولكنّ بيع الأعضاء ممنوع
بالاتّفاق. وجاء فى قرار لمجمع الفقه الإسلاميّ:
(١) قرار رقم ٢/٦ الصادر بجدّة من ١٠ - ١٦ ربيع الآخر ١٤٠٦
(٢) فتح القدير٦: ٦٠ و٦١ باب البيع الفاسد والمجموع شرح المهذب، باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز ٩: ٢٥٤

٣١٦
فقه البيوع
"لايجوز أن تخضع عمليّات زرع الأعضاء للأغراض التّجاريّة على
الإطلاق."(١)
١٣٣- بيع مالايتمخّض لمحظور
أمّا الأشياء التى لاتتمحّض لمحظور، بل يمكن استعمالها فى حلال أو حرام، فقد
اختلفت أنظار الفقهاء فى حكم بيعها. والّذى تحصّل لى بمراجعة ما ذكره الفقهاء فى
هذا الموضوع والتّأمّل فى كلامهم أنّ هذه الأشياء على ثلاثة أقسام:
الأوّل: ماوُضع فى حالتها الموجودة لغرض محظور شرعاً، ويحتاج استعمالها المباحُ
إلى تغيير فى حالتها الموجودة، مثل آلات الّهو.
والثّانى: ما وُضع لغرض مباح، ويحتاج استعمالها فى المحظور إلى تغيير فى حالتها
الموجودة، مثل العصير، فإنّ استعماله للإسكار يحتاج إلى اتّخاذه خمراً.
والثّالث: ماوُضع لأغراضٍ عامّةٍ تحتمل الاستعمال المباح وغير المباح فى حالتها
الموجودة، وليس وضعُها مختصّاً بنوع من أنواع الاستعمال، بل يتوقّف ذلك على
إرادة من يستعمله، مثلُ السّلاح.
ولنبيّن أحكام هذه الأقسام الثّلاثة بشيء من التّفصيل، والله سبحانه هو الموفق.
القسم الأول: ماوضع لمحظور
١٣٤ - آلات الملاهى
فالقسم الأول: ماوُضع لغرض محظور، ومادّتُه مباحة، فلايُستعمل فى مباحٍ إلاّ
(١) قرار رقم ٥٦ (٦/٧) فى دورة المجمع السادسة فى جدة شعبان ١٤١٠ هـ

٣١٧
المبحث الثالث
بتكلّف، أو إحداث تغيير فيه. وذكر فيه الفقهاءُ آلاتِ الملاهى المحظورة، ويقصدون
بها آلات الموسيقىّ الممنوعة فى المذاهب الأربعة. فالمختارُ من مذهب الحنابلة
أنّها غير متقوّمة شرعاً، فلايصحّ بيعُها.١ ومعناه أن بيعها باطلٌ لا ينعقد عندهم مثل بيع
الخنزير. وهوقولٌ فى مذهب المالكيّة، فإنّ الحطّاب رحمه الله تعالى نقل عن
القرافيّ أنّ المُطربات المحرّمة داخلةٌ فى مالامنفعة فيه، فلايصحّ بيعُها وتملّكها.
وذكر الحطّاب بعد ذلك عن المتيطية أنّ من اشترى من آلة اللّهو شيئاً، البوق وغيره،
فُسخ البيع وأُدّب أهلُه. والظّاهر منه أنّ البيع ينعقد، ولكن يجب فسخُه. (٢)
أمّا الحنفيّة والشّافعيّة، فبيعُ هذه الآلات صحيحٌ منعقد عندهم، لأنّه يُمكن استعمالها
فى مُباح، ولو بعد تغييرها، ولكن يُكره البيعُ فى حالتها الموجودة. قال الكاسانيّ
رحمه الله تعالى:
"ويجوز بيعُ آلات الملاهى من البربط والطّبل والمزمار والدّفّ ونحوذلك
عند أبى حنيفة، لكنّه يُكره. وعند أبى يوسف ومحمّد لاينعقد بيع هذه
الأشياء، لأنّها آلاتٌّ معَدّة للتّلهّى بها موضوعةٌ للفسق والفساد، فلاتكون
أموالاً، فلا يجوز بيعُها. ولأبى حنيفة رحمه الله أنّه يُمكن الانتفاعُ بها شرعاً
من جهة أخرى بأن تُجعل ظُروفاً لأشياء ونحوذلك من المصالح، فلاتخرج
عن كونها أموالاً."(٣)
(١) كشاف القناع ٣: ١٤٥
(٢) مواهب الجليل للحطاب، كتاب البيوع، ٤: ٢٦٣ وراجع أيضا تهذيب فروق القرافى للشيخ محمد
على ٣: ٢٤٠ الفرق الخامس والثمانون والمائة
(٣) بدائع الصنائع ٣٣٧:٤

٣١٨
فقه البيوع
والظّاهر أنّ الكراهةَ الّتى ذكرها الحنفيّة فى بيعها قبل فصلها تحريميّة، لما قال ابن
الهمام فى أوّل شرحه ل "فصل فيما يُكره" من الهداية:
"لمّا كان دون الفاسد، أخره عنه. وليس المرادُ بكونه دونه فى حكم
المنع الشرعى، بل فى عدم فساد العقد، وإلاّ فهذه الكراهاتُ كلُّها
تحريميّةٌ لانعلم خلافاً فى الإثم. "(١)
ومقتضاه أن لا يطيبَ الثّمن للبائع.
وكذلك نصّ الشّافعيّة على كراهية البيع قبل الفصل. قال الماوردىّ رحمه الله
تعالى من الشّافعية:
"فأمّا الملاهى، كالطّبور والعود والدّفّ والمزمار، فإن أمكن الانتفاعُ بها إذا فُصلت
جاز بيعُها، وكذلك اللَّعَب، لكن يُكره بيعُ ذلك قبل تفصيله، لبقاء المعصية فيه. فإن
بیع على حاله جاز."(٢)
ولكنّ الشّافعيّة ذكروا أنّ الكراهة متى أُطلقت فى كلامهم، فالمراد منها الكراهة
التّنزيهيّة. (٣) والله سبحانه أعلم.
(١) فتح القدير٦: ١٠٦
(٢) الحاوی للماوردی ٣٨٥:٥
(٣) قال البيضاويّ فى المنهاج: "المكروه ما يُمدح تاركه، ولا يُذمّ فاعله." (المنهاج مع نهاية السؤل
للأسنويّ ١: ٧٩) وقال البجيرميّ: "الكراهة متى أطلقت، انصرفت إلى كراهة التّنزيه."
(البجيرمى على الخطيب، كتاب الصيام، مسئلة صوم يوم الشّكَ ٣: ٣٣٥)

٣١٩
.. N :
٥
المبحث الثالث
١٣٥ - الأصنام والصُّور المجسّدة واللُّعب
ويدخل فى هذا القسم بيعُ الأصنام والصّور المجسّدة، إلّ إذا كُسرت، وأمكن الانتفاعُ
برَضاضها، فيجوز بيعُها. والأصل فيه حديث جابربن عبدالله رضى الله تعالى عنه أنّه
سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكّة:
"إنّ الله ورسولَه حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. "(١)
وقد استثنى منها أبويوسف رحمه الله تعالى اللُّعبَ الّتى تلعب بها البنات. وقال ابن عابدين
رحمه الله تعالى: "ونسبته إلى أبى يوسف لا تدلّ على أنّ الإمام (يعنى الإمام أبا حنيفة)
يُخالفه، لاحتمال أن لا يكون له فى المسألة قول، فافهم. "(٢)
والأصلُ فى هذاالباب ما رُويَ أنّ عائشة رضى الله عنها كانت لها لُعب بناتٍ تلعب
بها.(٣) فذهب جماعةٌ من العلماء إلى جواز اللُعب المصوّرة للصبيان، وجواز بيعها
وشراءها على أساس هذا الحديث. وبه جزم القاضى عياض وأبو يوسف رحمهما
الله تعالى. وحمله بعض المالكيّة، مثل ابن بطّال رحمه الله تعالى، على أنّه كان قبل
منع الصُّور، فهو منسوخ. وأوّله المنذريّ والحليمىّ بأنّها لم تكن مصوَّرة، فيحتمل أن
تكون قطعاتٍ من الثّياب قُطِعت بما ظهر فها الأيدى والأرجُل، دون الوجه. وحمله
(١) صحيح البخارى، كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام، رقم ٢٢٣٦، وصحيح مسلم، كتاب
المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، رقم ٤٠١٩ وهذاللفظ له.
(٢) ردالمحتار ١٥: ٤١٤ فقره ٢٤٨٧٧ وليتبه أن النسخ الأخرى قد سقط فيها لفظ "لا" فى "أن لا يكون
له فی المسألة قول."
(٣) انظر صحيح البخارى، كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس، رقم الحديث ٦١٣٠