النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨٠
فقه البيوع
الغرض جميعَ المعلومات اللازمة للمشترى، وتقوم بتدريب عامليه، والإشراف الدائم
على طريق الإنتاج. والمشترى يقوم بالإنتاج على نفقة نفسه، ولكنّه يستفيد بخبرة
البائع وسمُعته، بحيث يقتنع المشترون بأنّ ما يشترونه فى باكستان هو مماثلٌ مائةً فى
مائة لما يشترونه فى أمريكا، وبهذا تكثُر فيه رغبةُ المشترين الذين يُعجبهم هذا المنتج.
وحيثُ جاز بيعُ الاسم التّجارىّ والعلامة التّجاريّة كما أسلفنا، فإنّ بيعَ حقّ الامتياز
أولى بالجواز، فإنّه ليس مجرّدَ حقّ، وإنّما يصحَبه بعضُ الأعيان، وكثيرٌ من
الخدمات، مثل التّدريب على تقنية مخصوصة، والإشرافِ الدّائم على عمل صاحب
الامتياز، بما يجعله موافقاً للمواصفات الّتى حازت سُمعةً فيما بين المستهلكين،
ويُبعده عن احتمال الغشّ والتّدليس.
فإن نُقِل هذا الحقّ إلى من اشتراه بصفة دائمة، فإنّه بيع، وإن نُقِل إليه لمدّة معلومة،
فإنّه إجارةٌ يجب أن تُراعى فيه أحكام الإجارة. وبما أنّ هذا النوع من حقّ الامتياز
يُمنح اليوم عادةً لمدّة معلومة فى مكان معلوم، وليس بصفة دائمة، فمحلُّ الأحكام
المتعلّقة بها كتابُ الإجارة.
١١٥ - الترخيص التجارىّ
وماقلنا فى حكم الاسم التّجارىّ، والعلامة التّجاريّة، من جواز الاعتياض عنهما
يصدُق على التّرخيص التّجارىّ. وحقيقةُ هذا التّرخيص أنّ معظم الحكومات اليوم
لا تسمح بإيراد البضاعات من الخارج، أو إصدارها إليه، إلاّ برخصة تمنحها
الحكومة. والذى يظهر أنّ هذا نوعٌ من الحَجْر على التّجّار ولا تستحسنه الشّريعة
الإسلاميّة إلاّ لحاجة مُلحّة، ولكنّ الواقعَ فى معظم البلاد هكذا. وإنّ حاملَ هذه

المبحث الثالث
الرّخصة ربّما يبيعها إلى آخر ليتمكّن المشترى من استيراد البضائع من الخارج، أو
يُصدرها إليه بدلاً من البائع.
والواقع فى هذه الرّخصة أنّها ليست عيناً ماديّة، ولكنّها عبارةٌ عن حقّ بيع البضاعة
فى الخارج أو شراءها منه، فيتأتّى فيه ماذكرنا فى الاسم التجاريّ من أنّ هذا الحقّ
ثابتٌ أصالةً، فيجوزُ النّزول عنه بمال. وبماأنّ الحصولَ على هذه الرّخصة من
الحكومة يتطلّب كلاًّ من الجُهد والوقت والمال، وإنّ لهذه الرّخصة صفةً قانونيّةً
تمثّلها الشّهاداتُ المكتوبة ويستحقّ بها التّجَارُ تسهيلاتٍ تُوفّرها الحكومة لحامليها،
فصارت هذه الرّخصةُ فى عرف التّجّار ذاتَ قيمة كبيرة يُسلك بها مسلكَ الأموال،
فلا يبعد أن تلتحق بالأعيان فى جواز بيعها وشراءها. ولكنّ كلّ ذلك إنّما يتأتّى
إذا كان القانونُ يسمح بنقل هذه الرّخصة إلى رجل آخر. أمّا إذا كانت الرّخصة باسم
رجل مخصوص، أو شركة مخصوصة، ولا يسمح القانون بنقلها إلى رجل آخر أو
شركة أخرى، فلا شبهةَ فى عدم جواز بيعها، لأنّ بيعَه حينئذٍ يؤدّى إلى الكذب
والخديعة، فإنّ المشتريَ يستعملها باسم البائع، لا باسم نفسه، فلا يحلّ ذلك لما فيه
من الكذب، إلاّ بأن يوكّل حاملَ الرّخصة بالبيع والشّراء. وحينئذٍ لا يكون ذلك بيعاً
للرّخصة، وإن كان يجوزُ لحامل الرّخصة أن يطالب الموكّلَ بأجرة الوكالة. والله
سبحانه وتعالى أعلم.
١١٦ - حقّ الابتكار وحق الطباعة والنشر
إنّ حقّ الابتكار حقٌّ يحصُل بحكم العُرف والقانون لمن ابتكر مخترعاً جديداً، أو
شكلاً جديداً لشيء. والمراد من حقّ الابتكار أنّ المبتكرَ ينفرد بحقّ إنتاج ما ابتكره،

٢٨٢
فقه البيوع
وبعرضِه للتّجارة، ثمّ ربّما يبيع هذا الحقَّ إلى غيره، فيتصرّف فيه تصرّفَ المبتكر
الأوّل من إنتاجه للتّجارة. وكذلك من صنّف كتاباً، أو ألفه، فله الحقّ لطباعة ذلك
الكتاب ونشره، والحصول على أرباح التّجارة. وربّما يبيع هذا الحقَّ إلى غيره،
فيستحقّ بذلك ماكان يستحقّه المؤلّف من طبعه ونشره. فالسّؤال: هل يجوز بيعُ حقّ
الابتكار، أوحقّ الطّبع والنشر؟ وقد اختلفت فى هذه المسالة آراءُ الفقهاء
المعاصرين. فمنهم من جوّز ذلك ومنهم من منع.
والمسألة الأساسيّة فى هذا الصّدد: هل حقُّ الابتكار أوحقّ الطّباعة والنّشرحقٌّ
معترف به شرعاً؟ والجواب: أنّ من سبق إلى ابتكار شيء جديد، سواء أكان ماديّاً أم
معنويًا، فلاشكَّ أنّه أحقُّ من غيره بإنتاجه لانتفاعه بنفسه وإخراجه إلى السّوق من
أجل اكتساب الأرباح. وذلك لما روى أبوداود عن أسمر بن مضرّس رضي الله عنه
قال: "أتيتُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فبايعتُه، فقال: من سَبق إلى مالم يسْبقه مُسلمٌ
فهو له."(١)
وإن كان العلاّمة المناوىّ رحمه الله تعالى رجّح أنّ هذا الحديث واردٌ فى سياق
إحياء الموات، ولكنّه نقل عن بعض العلماء أنّه يشمل كلّ عين، وبئر، ومعدن، ومن
سبق لشيء منها فهى له. (٢) ولاشكّ أنّ العبرةَ لعموم اللّفظ، لا لخصوص السبب.
ولمآ ثبت أنّ حقّ الابتكار حقٌّ تُقِرّه الشّريعة الإسلاميّة بفضل أسبقيّته إلى ابتكار ذلك
الشّيء، فينطبق عليه ما ذكرناه فى حقّ الأسبقيّة، وقد ذكرنا هناك أنّ بعضَ الشافعيّة
(١) أبو داود، كتاب الخراج قبيل إحياء الموات، وسكت عليه هو والمنذرى.
(٢) فيض القدير ١٤٨:٦

::.
المبحث الثالث
والحنابلة أجازوا بيع هذا الحقّ، لكنّ المختارَ عندهم عدم جواز البيع. نعم! يجوز
عندهم النّزول عنه بمال. ونقلنا أنّ البهوتيّ رحمه الله تعالى أجاز فى شرح منتهى
الارادات النّزولَ عن حقّ التّحجير، وحقّ الجلوس فى المسجد، وما إلى ذلك من
حقوق الأسبقيّة والاختصاص. ومقتضى ذلك أن يجوز النّزول عن حقّ الابتكار أو
حقّ الطباعة لرجلٍ آخر بعوضٍ يأخذه النّازل.
ولكنّ هذا إنّما يتأتّى فى أصل حقّ الابتكار وحقّ الطّاعة. أمّا إذا قُرن هذا الحقُّ
بالتّسجيل الحكومىّ الّذى يبذل المبتكرُ من أجله جُهده وماله ووقته، والذى يعطى هذا
الحقَّ صفةً قانونيّة تمثّلها شهاداتٌ مكتوبةٌ بيد المبتكِرِ، وفى دفاتر الحكومة، فصارت
تُعتبر فى عُرف التّجّار مالاً متقوَما، فلا يبعد أن يصيرَ هذا الحقّ المسجّلُ ملحقاً بالأعيان
والأموال بحكم هذا العرف السائد، وقد أسلفنا أنّ للعُرف مجالاً فى إدراج بعض الأشياء
فى حكم الأموال والأعيان، ولأنّ الماليّةَ، كما حكينا عن ابن عابدين رحمه الله تعالى،
تثبت بتموّل النّاس. وإنّ هذا الحقّ بعد التّسجيل يُحرَز إحرازَ الأعيان، ويُدَخر لوقت
الحاجة ادخارَ الأموال. وليس فى اعتبار هذا العرف مخالفةٌ لأىّ نصٌّشرعىّ من الكتاب
أو السّنة. وغايته أن يكون مخالفاً للقياس، والقياسُ يُترك للعُرف، كما تقرّر فى موضعه.
ونظراً إلى هذه النّواحى أفتى جمعٌ من العلماء المعاصرين بجواز بيع هذا الحقّ. أذكر
منهم من علماء القارة الهندية: مولانا الشّيخ فتح محمد اللّكنوى رحمه الله(١)
تلميذالإمام عبد الحىّ اللكنويّ رحمه الله تعالى، والعلامة الشّيخ نظام الدين، مفتى
(١) عطر الهداية ص ١٩٢ _١٩٤

٢٨٤
فقه البيوع
دار العلوم بديوبند،(١) وفضيلة الشّيخ المفتى عبدالرحيم اللاجبورى رحمه الله
(٢)
تعالی.(٢)
وأمّا المانعون، فتمسّكوا أوّلاً بأنّ حقّ الابتكار حقٌّ، وليس عيناً، ولا يجوز الاعتياضُ
عن الحقوق المجرّدة، ولكن يتّضح مما سبق من كلام الفقهاء أنّ عدم جواز
الاعتياض عن الحقوق ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيلٌ بسطناه عند الكلام على
شتى أنواع الحقوق.
وتمسكوا ثانياً بأنّ من باع كتاباً إلى آخر، فقد مَلكَ المشترى ذلك الكتابَ بجميع
أجزاءه، ويجوز للمشترى أن يتصرّف فيه کیف شاء، فيجوز له أن يقوم بطباعته، وليس
للبائع أن يحجُره من ذلك. ولكن يمكنُ الجواب عنه بأنّ التّصرّف فى المبيع شيء،
وإنتاجُ مثله شيء آخر، وإنّ الذى يملكه المشترى بشراء الكتاب هو الأول، فيجوز له
أن يتصرّف فى الكتاب بما شاء من قراءة، وانتفاع، وبيع، وإعارة، وهبة، وما إلى ذلك
من التّصرّفات الأخرى. وأمّا طباعة مثل هذا الكتاب، فليس من منافع المبيع، حتىّ
يستلزمَ ملكُه ملكاً لحقّ الطباعة. وهذا مثلُ الفلوس المسكوكة من قبل الحكومة إذا
اشتراها رجل، فله أن يتصرّف فيها بماشاء من بيع، أوهبة، واستبدال، وما إلى ذلك من
التّصرَّفات الفرديّة، ولكن لايجوز له بحكم هذا الشّراء أن يسُكَّ فلوساً أخرى على
منوالها. فظهر بهذا أنّ مِلك الشّيء لا يستلزم حقَّ المالك فى إنتاج مثله.
وتمسكوا ثالثاً بأنّ الَّذى يُنتِجِ هذا الشّيء المبتكر، أو يطبع ذلك الكتاب المؤلّف، فإنّه
(١) نظام الفتاوى ١٢٨-١٣٣
(٢) فتاوی رحیمیه ٣: ٢٤٤

٢٨٥
المبحث الثالث
لا يُسبّب خسارةً للمنتج أو المؤلّف. وغاية مافى الباب أنّه يُقلّل من ربح المنتج أو
المؤلّف. وقلّة الربح ليست خسارة. ويمكن الجواب عن هذا بأنّ قَلّةَ الربح وإن لم
يكن خسارة، ولكنه ضرر، وبين الضّرر والخسارة فرق واضح. ولا شكّ أنّ من
تحمّل المتاعب والمشاقّ الجسميّة والفكريّة، وبذل الأموال الجمّة والأوقات الغالية
فى إيجاد شيء أو تأليف كتاب، وتنازل عن الرّاحة، فإنّه أحقّ بالاسترباح بما ابتكره
من الرّجل الذى اشتراه بمال بسيط فى لحظة واحدة، ثمّ جعل يبخَس السُّق على
المبتكر الأوّل.
وربّما يُقال: إنّ الاعترافَ بحقّ الطّاعة لفردٍ واحد يُسبّب كتماناً للعلم. ولكنّ كتمانَ
العلم إنّما يكون إذا منع المؤلفُ النّاس من الاستفادة بما ألَّفه قراءةً وتعليماً وتبليغاً. أمّا
الذى يحتفظ بحقّ الطباعة، فإنّه لايمنع أحداً من قراءة الكتاب، ولا من دراسته ولا من
تعليمه، ولا من تبليغ مافيه، حتىّ أنّه لا يمنع من بيعه والتّجارة فيه، ولكنّه يمنعُ من أن
يطبعه الآخر بغير إذن منه، ليكسب بذلك الأرباح، فليس ذلك من كتمان العلم فى شيء.
والدليل الأخير للمانعين أنّ الاحتفاظ بحقوق الطباعة يضيّق دائرةَ انتشار
الكتاب، ولو كان لكلّ أحدٍ حقٌّ فى طبع الكتاب ونشره، لكان انتشارُه أوسع،
وإفادتُه أعمّ وأشمل. وهذا أمرٌ واقعٌ لامجال لإنكاره، ولكنّ الدّليلَ ينقلب إذا
نظرنا من ناحية أخرى. وهى أنّ المبتكرين لو مُنِعوا حقّ أسبقيّتهم بالاسترباح
ممّا ابتكروه، لفشِلت هممُهم عن اقتحام المشاريع الكبيرة من أجل الاختراعات
الجديدة، حينما يرون أنّ ذلك لايُدِرَ إلّ ربحاً بسيطاً. وإنّ مثلَ هذه الأمور الّتى
تحتمل وجهين لا تفصِل القضايا الفقهيّة مادام الشّيء ليس فيه محظورٌ شرعىّ،

٢٨٦
فقه البيوع
فإنّ جميع المباحات فيها مايضرّ وينفع.
١١٧ - تنبيه
وبالجملة، فالرّاجح عندنا، والله سبحانه أعلم، أنّ حقّ الابتكار والتّأليف حقٌّ معتبر
شرعاً، فلايجوز لأحد أن يتصرّف فى هذا الحقّ بدون إذن من المبتكر أو المؤلّف.
وينطبق ذلك على حقوق برامج الكمبيوتر أيضا. ولكنّ التعديَ على هذا الحقّ إنّما
يُتصوّر إذا أنتج أحدٌ مثلَ ذلك المنتَج أو الكتاب أوالبرنامج بشكلٍ واسع للتّجارة فيه،
أو بقصد الاسترباح. أمّا إذا صوّره لاستعماله الشّخصيّ، أو ليهبه إلى بعض أصدقاءه
بدون عوض، فإنّ ذلك ليس من التعدّى على حقّ الابتكار. فما توغّل فيه نَشَرةُ
الكتب ومُنتجو برامج الكمبيوتر من منع النّاس من تصوير الكتاب، أو قُرص
الكمبيوتر، أو جزء منه لاستفادة شخصيّة، وليس للتّجارة، فإنّه لامبرّرَله أصلا. وهذا
ء
ما ينطبق عليه أنّ مالك الكتاب أو القُرص يملك ماشاء فيه من التّصرّفات للاستفادة
الشّخصيّة، وليس للمنتج أن يمنعه منها. وإنّما الممنوع أن يُنتِج مثلها بقصد
الاسترباح والتّجارة فيه بدون إذن منه. والله سبحانه وتعالى أعلم.(١)
(١) ومن الجدير بالذكر هنا أن والدى العلامة المفتی محمد شفیع رحمه الله تعالی کان یفتی بعدم جواز بيع
حقوق النشر وله فى ذلك رسالة وجيزة مطبوعة فى كتابه "جواهر الفقه" ولكنه بعد هذالتأليف كان يريد
أن يدرس هذه المسألة من جديد ببحث وتحقيق مستفيض بما ينقح مسألة الحقوق والاعتياض عنها،
وكان منفتحا لكل رأى جديد يسنح له بعد هذا البحث ولكنه لم يجد لذلك فرصة، ففوض إلى هذا الأمر
مرتين، وشرعت فى جمع مادته، ولكنه لم يتح لى إكماله فى حياته رحمه الله تعالى، وإنما وفقت
لإكمال هذا البحث بعد انتقاله إلى رحمة الله بزمان، فبحثى هذا امتثال لأمره رحمه الله تعالى. وإن كان
يبدو فى الظاهر أن الرأى الذى انتهيت إليه مخالف لرأيه المطبوع، ولكن بما أنه كان يريد إعادة النظر فى
الموضوع فلاسبيل اليوم إلى الجزم بأن ماكتبته مخالف لرأيه أو يوافقه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٢٨٧
المبحث الثالث
١١٨- بيع الاختيارات (Options)
ومن البيوع الشّائعة فى البورصات العالمّيّة بيعُ الاختيارات. وهو عبارةٌ عن التزامِ
أحد الطّرفين ببيع شيءٍ أو شراءه بسعر متّفَق عليه خلالَ مدّة معلومة. مثل أن يحتاج
رجلٌ إلى شراء حنطة فى المستقبل، ولكنه يخشى أن يزداد سعرُه فى السّوق عند
الشّراء. فيأتى آخرُ، ويقول له: إنّى ملتزمٌ ببيع الكمية المطلوبة من الحنطة بسعر
محدّدٍ اليوم، ولك الخيارُ فى شراءها منىّ خلالَ مدّة نتّفق عليها، ويتقاضى أجرةً
مقابلَ هذا الالتزام، ويُسمّى ثمن الاختيار.
وعلى عكس ذلك، ربّما يُريد البائع أن يبيعَ شيئاً فى المستقبل، ولكنّه يخشى أن
ينتقص سعرُه عند البيع، فيأتى آخر فيقول: إنىّ ملتزمٌ بالشّراء فى ذلك التّاريخ بسعرِ
نحدّدُه اليوم، ولك الخيارُ فى أن تبيعَه منىّ خلالَ مدّة نتّفق عليها. ويتقاضى الملتزِمُ
أجرةً مقابلَ هذا الالتزام. ومثلُ هذه الاختيارات شائعةٌ اليومَ فى بيع أسهم الشّركات،
والعُملات، والسّلع الدّوليّة. وإنّ هذه البيوع باطلةٌ فى الشّريعة الإسلاميّة، لأنّ البائعَ
فيها لا ينقل إلى المشترى مالاً، ولا حقًّا ماليًّا، فهو من قبيل أكل أموال الناس بالباطل.
ولا يُمكن تخريجه على العربون، لأنّ ما يُدفع من ثمن الاختيارات إنّما يكون قبل
البيع، والعربون إنّما هو مشروع عند الحنابلة فى عقد البيع، ولأنّ ثمن الاختيارات
لا يُحسب من ثمن المبيع إن وقع الشّراء بعده. وقد ذكر الفقهاء أنّ الانتظار بالبيع
لاتجوز المعاوضة عنه. وأقرب ما ذكره الفقهاء فى مثل هذا العقد ما قاله ابن قدامة
رحمه الله تعالى:
"فأمّا إن دفع إليه قبل البيع درهماً، وقال: لاتبع هذه السّلعة لغيرى، وإت لم

٢٨٨
فقه البيوع
أشترها منك، فهذا الدّرهم لك، ثمّ اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدئ،
وحسب الدّهم من الثّمن، صحَ، لأنّ البيع خلا عن الشّرط المفسد. وإن لم
يشتر السّلعة فى هذه الصّورة، لم يستحقّ البائع الدّرهم، لأَنّه يأخذه بغير
عوض، ولصاحبه الرّجوع فيه، ولا يصحّ جعله عوضاً عن انتظاره وتأخير
بيعه من أجله، لأنّه لوكان عوضاً عن ذلك، لما جاز جعله من الثّمن فى حال
الشّراء، ولأنّ الانتظار بالبيع لاتجوز المعاوضة عنه."(١)
والواقعُ أنّ هذه التّعاملات داخلةٌ فى المضاربات التى هى أشبهُ بالمقامرة منها بالبيع
والتّجارة. وذلك أنّ بائعَ الاختيار لا يملك عادةً ما يلتزم ببيعه، وإنّما يدخل فى هذا الالتزام
على أساس التّوقعات التى يخمّنها للمستقبل، وكذلك المشترى.
ولا يُقاسُ هذا على الحقوق الّتى التحقت بالأعيان فى جواز بيعِها على أساس العُرف،
والتى سبق أن ذكرنا جوازَ مبادلتها بالمال، لأنّها حقوقٌ مشروعةٌ يملكُها البائعُ قبل
البيع، فينقُلها إلى المشترى بثمن، بخلاف الاختيارات، فإنّ هذا الالتزامَ ليس حقًّا
يقبل الانتقال إلى المشترى، وإنما هو وعدٌ محضٌ من قِبل الملتزم، ولا يجوز أخذُ
العوض على مثل هذا الوعد. وبذلك صدر قرارُ مجمع الفقه الإسلاميّ فى دورته
السّابعة المنعقدة بجدّة. ونصّ القرار مايلى:
"إنّ المقصود بعقود الاختيارات الاعتياضُ عن الالتزام ببيع شيء محدّد
موصوف، أوشراءه بسعر محدّد خلال فترة زمنية معينة، أو فى وقت معيّن،
إمّا مباشرةً، أو من خلال هيئة ضامنة لحقوق الطّرفين. إنّ عقود الاختيارات،
(١) المغنى لابن قدامة، مبحث العربون ٤: ٢٨٩

المبحث الثالث
كما تجرى اليوم فى الأسواق الماليّة العالميّة هى عقودٌ مستحدثةٌ لا تنضوى
تحت أىّ عقدٍ من العقود الشرعيّة المسمّاة. وبما أنّ المعقود عليه ليس مالاً،
ولا منفعةً، ولا حقّاً مالياً يجوز الاعتياضُ عنه، فإنّه عقدٌ غير جائز شرعاً. وبما
أنّ هذه العقود لا تجوز ابتداءً، فلا يجوز تداولها.(١) .
أمّا إذاكان هذا الالتزامُ بدون عوض، فينطبق عليه أحكامُ الوعد، وقد فصّلنا الكلامَ
فيه بعنوان مستقلٌّ عند البحث عن صيغة العقد، والله سبحانه أعلم.
١١٩- الشّرط الثانى: كون المبيع متقوما
والشّرط الثّانى لجواز البيع أن يكون المبيعُ متقوّماً. وهو شرطٌ لانعقاد البيع، فما ليس
متقوّماً بحكم العُرف أوبحكم الشّرع لا ينعقد بيعُه.
١٢٠ - ماليس متقوّما عرفاً
أمّا ماهو غير متقوّم فى العرف، فكلُّ مالا يُنتفع به، وقد ذكرفيه الفقهاء جميعَ
حشرات الأرض، كالحيّة، والعقرب، والفأرة، والنّمل، والدّيدان، والحيوانات التى
لا يُنتفع بها، مثل الأسد، والذّئب، والحدأة والنّعامة(٢). ولكن صرّح الفقهاء أنّ علّة منع
بيعها عدمُ الانتفاع بها. فإن وقع الانتفاع بها بصورة من الصّور المباحة جاز بيعُها.
ولذلك جوّزوا بيع الديدان لتكون طُعمةً للصّيد.(٣) حتّى أفتى بعضُ العلماء بجواز
(١) قرار ٦٥:١:٧ مجلة مجمع الفقه الإسلامى، العدد السابع ٧١١:١
(٢) المجموع شرح المهذب ١٠: ٣٦٨، ونهاية المحتاج ٣٨٣:٣ والمغنى لابن قدامة ٤: ٣٠٢
(٣) كشاف القناع ٣: ١٥٢

٢٩٠
فقه البيوع
بيع الدّيدان الّتى تعامل النّاس بالتّجارة فيها لكونها جميلة المنظر، ولم يُعرف له
استعمالٌ آخر.(١) وكذلك يجوز بيعُ الحيّات لاستخدامها فى الأدوية، وبيعُ الفيل
وكلِّ حيوان يُنتفع بجلده أو عظمه، كما ذكره الحصكفيّ فى الدّر المختار، ثم
قال: "والحاصل أنّ جواز البيع يدور مع حلّ الانتفاع" وقال ابن عابدين رحمه الله
تعالى:
"ونقل السّائحانى عن الهندية: ويجوز بيعُ سائر الحيوانات سوى الخنزير، وهو
المختار. وعليه مشى فى الهداية وغيرها من باب المتفرّقات."(٢)
فتبيّن أنّ التقوّم العرفىّ يحصل بالانتفاع، فكلّ ما انتُفع به فهو متقوّم عرفاً. ولكن
يشترط لجواز بيعه أن يكون الانتفاعُ به مباحاً شرعا. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:
"وجملة ذلك أنّ كلَّ مملوكٍ أبيح الانتفاع به، يجوز بيعُه إلاّ ما استثناه
الشّرِع. "(٣)
١٢١ - ماليس متقوّماً شرعاً
فكلُّ مالا يباحُ الانتفاع به ليس متقوّماً شرعاً، ولا يجوز بيعُه، وهوما كان استعماله
متمحضاًفى محظور.
(١) راجع إمداد الأحكام للشيخ ظفر أحمد التهانوي رحمه الله تعالى، المتفرقات من كتاب البيوع ٣:
٣٧٥ و ٣٧٦
(٢) ردالمحتار، باب البيع الفاسد ١٥: ٦٠٤ فقره ٢٣٤١٣
(٣) المغني لابن قدامة ٤: ٣٠٢ ومثله فى مواهب الجليل للحطّاب ٤: ٢٦٣ والمجموع شرح المهذّب، ٩:
٢٣٩
۔

المبحث الثالث
١٢٢ - بيع الخمر والمسكرات الأخرى
فلا يجوز بيعُ الخمر، لأَنّه وإن كان مالاً، فإنّه مالٌ غير متقوّم شرعاً. فإذا باع مسلمٌ
خمراً، فالبيع باطلٌ بالاتفاق. أمّا إذا جُعل الخمر ثمناً، فهو باطلٌ كذلك عند الأئمّة
الثّلاثة الّذين لا يُفرَقون بين الباطل والفاسد فى البيع. أمّا عند جمهور الحنفيّة، فالبيع
فاسد، لا باطل، فيما إذا كان الخمر ثمناً، ويجب على المشترى قيمةُ الخمر المتعارفة
بين غير المسلمين. والفرق، كما ذكره ابن عابدين عن التّلويح، أنّ الثّمنَ غير
مقصود، بل هو وسيلةٌ إلى المقصود، إذ الانتفاع بالأعيان لا بالأثمان، ولهذا اشتُرط
وجودُ المبيع دون الثّمن، فبهذا الاعتبار صار الثّمن من جملة الشّروط، فيفسُد البيع
الكون أحد البدلين غير متقوّم. (١) وكذلك إذا بيعت مقايضةً، فإنّ البيعَ فاسد أيضاً
على أنّ الخمر تُعتبر ثمناً لامبيعاً. قال ابن نُجيم رحمه الله تعالى: " والعكسُ وإن كان
ممكناً، لكن ترجّح هذا الاعتبار لمافيه من الاحتياط للقُرب من تصحيح تصرّف
العقلاء المكلّفين بطريق الإعزاز للعرض، فاعتبرنا ذكرها لإعزاز الثّوب لا للخمر،
فوجبت قيمةُ العَرض لا الخمر. "(٢) وهذا مذهب الحنفيّة المشهور، ولكن مال ابنُ
الهمام رحمه الله تعالى إلى أنّ البيع باطل، سواء أكانت الخمر مبيعاً أم ثمناً، وسيأتى
إن شاء الله تعالى فى مبحث البيع الفاسد.
وماذكرنا فى حرمة بيع الخمر ينطبق على جميع الأشربة المسكرة المحرّمة عند
جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، وهو مذهب محمّد وأبى يوسف
(١) رد المحتار، أوائل كتاب البيوع، ١٤:١٠ فقره ٢٢١٦٩ ومنحة الخالق ٤٣٠:٥
(٢) البحر الرائق ١١٦:٦

٢٩٢
فقه البيوع
من الحنفيّة. أمّا الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فيقصُر حرمةَ البيع على النيِّء من
ماء العنب فقط، لأنّها الخمرُ حقيقةً. أمّا غيرُها من الأشربة، فينعقد بيعُها عند أبى
حنيفة رحمه الله تعالى ويُكره. وكذلك الحكمُ عند الصّاحبين فى غير المصنوع من
العنب والتّمر. والفتوى فى مذهب الحنفيّة على قول أبى حنيفة فى البيع، كما ذكره
ابن عابدين، وحكى الكراهة عن الغاية. (١) والظاهر أنّ هذه الكراهةَ إنّما تثبت إذا لم
يُقصَدْ به غرضٌ مشروع. فإن قُصد به غرضٌ مشروع، مثل الضّماد للتّداوى، أو
لأغراض صناعيّة أخرى غير الأكل والشّرب، كاستعماله اليومَ فى صناعة الحِبر أو
العطور، فالظاهر أنّه لايُقال بكراهته التّحريمية، ولو كان الاجتنابُ منه أولى، ولاسيّما
إذا وُجدت موادُّ أخرى تؤدّى ذلك الغرض.
١٢٣- الأدوية والأغذية المشتملة على الكحول
الكحول المسكرة صارت تُستعمل اليوم فى معظم الأدوية، وفى كثير من المأكولات
لغرض الحفظ لكونه من الحافظات (preservatives) ولأغراض كيمياويّة أخرى، ولا
يُستغنى عنها فى كثير من الصّناعات الحديثة، وقد عمّت بها البلوى. وينبغى أن نعرف
حُكمه الشّرعيّ لاستعمالاتها المختلفة. وهى ترجع إلى ثلاثة استعمالات: الأوّل
للتّداوى، والثّانى: للاستعمال الخارجيّ، مثل استخدامها فى الحِبر أو العُطور أو
الأصباغ، والثّالث: استعمالها فى المأكولات، مثل الشوكلاتة والايس كريم
والبسكويت وغيرها.
(١) رد المحتار، كتاب الأشربة ٦: ٤٥٤

0
المبحث الثالث
أمّا استعمالها للتّداوى، فإنّ فتوى المتأخّرين من الحنفيّة على قول أبى يوسف رحمه الله
تعالى أنّ التّداويَ بالمحرَّم يجوز إن عُرف أنّ فيه شفاء، ولم يُعرَف دواءٌ آخر. وهذا
الحكمُ عندهم يعُمّ جميعَ المحرّمات حتّى الخمر.(١)
أمّا الشّافعيّة، فجوّزوا التّداويَ بالمحرَّمات غير المسكرة إذا تعيّن الشّفاءُ فيها. فأمّا
التّداوى بالمسكر، فلا يجوز عندهم. (٢) نعم! لوكانت الخمرُ مستهلَكةً فى دواءٍ آخر،
فحكمُها حكم المحرّمات الأخرى، حيثُ يجوز استعمالها إن لم يكن هناك دواءٌ
آخر. قال الرّمليّ رحمه الله تعالى:
"والأصحّ تحريمُها (أى الخمر) صِرْفاً لدواء. أمّا مستهلَكةً مع دواءٍ آخر،
فيجوز التّداوى بها كصَرْف بقيّة النّجاسات، إن عُرف، أو أخبره طبيبٌ عدلٌ
بنفعها وتعيينها بأن لايُغنى عنها طاهر."(٣)
والمالكيّة والحنابلة متّفقون على عدم جواز التّداوى بالمحرَّمات، (٤) والخمرُ وغیرُ
الخمر فى ذلك سواء. ولكن هناك قولٌ عند المالكيّة مثلُ قول الشّافعيّة فى أنّ الخمر
إن كانت مستهلَكةً مع دواءٍ آخر جاز استعمالها إن تعيَّن للعلاج. قال الحطّاب رحمه
الله تعالى:
"أمّا أكلُه والتّداوى به فى باطن الجسد، فالاتّفاق على تحريمه ... وحكى
(١) وبسطت مذهب الحنفيّة فى هذا الموضوع فى تكملة فتح الملهم، كتاب الحدود ١٧٩:٢ و١٨٠
(٢) المجموع شرح المهذب ٩: ٥٠ و ٥١
(٣) نهاية المحتاج للرملي ١٤٠٨
(٤) راجع المغنى لابن قدامة، كتاب الأطعمة ٨٣:١١ ولم يذكروا استثناء ما استهلكت فيه الخمر، كما
ذكره الشافعية وبعض المالكية.

٢٩٤
فقه البيوع
الزناتيّ فيما إذا استُهلِكت الخمرُ فى دواءٍ بالطّبخ أو التّركيب حتّى يذهبَ
عينُها ويموتَ ريحها، وقضت التّجربةُ بإنجاح ذلك الدواء قولين بالجواز
والمنع. قال: وإن لم تقْضِ التّجربةُ بإنجاحه، لم يجُزْ باتّفاق. انتهى. والظّاهر
المنعُ مطلقاً."(١)
والحاصلُ أنّ الرّاجح فى مذهب المالكيّة والحنابلة أنّ التّداوي بالخمر لايجوز
على الإطلاق. ويجوز عند الشّافعيّة وبعض المالكيّة إن كانت الخمرُ مستهلكةً مع
دواءٍ آخر حلال، وتعيّن للعلاج. ويجوز فى الرّاجح من مذهب الحنفيّة مطلقاً (ولو
لم يكن مُستهلكاً) إن لم يكن هناك دواءً آخر لذلك المرض.
أمّا استعمالُ الكحول الخارجيّ لغير التّداوى فى مثل العطور والحِبر والأصباغ،
فيتوقّف حكمُه على كونه نجساً أو طاهراً. وقدثبت من مذهب الحنفيّة المختار أنّ
غير الأشربة الأربعة (المصنوعة من التّمر أو من العنب) ليست نجسة. وبما أنّ
الكُحولَ المستخدَمة للاستعمال ليست داخلةً فى الأشربة الأربعة، فإنّها ليست
نجسةً فى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى. ولذلك يجوز على
قولهما استعمالُ العطور والخبر والأصباغ ونحوها الّتى تُوجد فيها الكُحول.
وكذلك يجوز على قول من يقول إنّ الخمرَ ومافى معناها من الأشربة محرّمةٌ،
ولكنّها ليست نجسة. وأنّ المراد بالرّجس فى الآية الكريمة النّجاسةُ الحكميّة،
لا الحسّة، وهذا القول منسوبٌ إلى ربيعة بن أبى عبدالرحمن شيخ مالك، والمزنيّ
من الشّافعيّة، والليث بن سعد، وبعض المتأخرين من البغداديّين والقرويّين من
(١) مواهب الجليل للحطاب ١١٩:١

المبحث الثالث
المالكيّة.(١) وذكر النّوويّ رحمه الله تعالى أنّه قول داود الظّاهريّ. وانتصر النّوويّ
لدليله، ولكن قال فى الأخير: "وأقربُ ما يُقال ما ذكره الغزّاليّ أنّه يُحكّم بنجاستها
تغليظاً وزجراً عنها قياساً على الكلب وما ولغ فيه. "(٢) وقد اختار قولَ الطّهارة جمعٌ
من المؤلّفين المتأخّرين والمعاصرين، مثل النّواب صديق حسن خان والشّيخ طاهر
بن عاشور، والشّيخ رشيد رضا، والشّيخ صالح العثيمين رحمهم الله تعالى. (٣)
و كذلك يُحكَم على طهارة المركّبات من الكحول على قول ابن تيميّة رحمه الله
تعالى، فإنّه لا يُفرّق بين الماء والمائعات الأخرى فى أنّها إن كانت قدرَ قُلّتين
لا تتنجّس بوقوع النّجاسة فيها إن لم تتغيّر أوصافُها. قال رحمه الله تعالى: "والقولُ
بأنّ المائعات لاتنجُس كما لاينجُس الماء هو القول الراجح، بل هى أولى بعدم
التّنجيس من الماء. "(٤) وبما أنّ هذه المركّباتِ تُصنَع عادةً بالكمّيّات الكبيرة،
فالظّاهر أنّها لاتتنجّس على قول ابن تيميّة رحمه الله تعالى بوقوع الكحول فيها، وإن
كانت نجسةً على قوله.(٥)
أمّا على قول المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، فالقولُ بطهارة العطور المشتملة على
الكحول مشكلٌ جداً، لأنّ جميع أنواع الخمر نجسةٌ عندهم، ولو دخل شيئٌ منها فى
مائعٍ غير الماء، فإنّه يُنجِّسه، ولو كان المائعُ الَّذى دخلت فيه الخمرُ كثيراً، ولو لم
(١) هذه الأقوال مذكورةٌ فى الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، المجلد ٣، ٦: ٢٦٩ سورة المائدة: ٩٠
(٢) المجموع شرح المهذب، كتاب الحيض ٢: ٥٦٤
(٣) الروضة الندية لصديق حسن خان ١: ٢٠ والتحرير والتنوير لابن عاشور ٧: ٢٥ وتفسير المنار ٧:
٤٨ سورة المائدة: ٩٠ والشرح الممتع على زاد المستقنع للعثيمين ١٥: ١٩٥
(٤) مجموع فتاوى ابن تيميّة ٢١: ٥١٤ وراجع أيضاً ٢١: ٥٠٨
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢١٢:٣٤

٢٩٦ ٥٠
فقه البيوع
تتغيّر أوصافها. (١) هذا على القول المختار فى هذه المذاهب، ولكن هناك أقوالٌ
مرجوحةٌ فى كلّ واحد من هذه المذاهب الثلاثة أنّ جميعَ المائعات فى حكم الماء،
ذكرها العلامة ابن تيميّة رحمه الله تعالى.(٢) ورُدّ عليها فى كتب المذهب التى أحلنا
عليها فى الهامش.
والحاصلُ ممّا ذكرنا أنّ المركّبَاتِ الّتى تشتمل على الكحول لا يستقيم القولُ
بطهارتها إلاّ على قول الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى من الأئمة الأربعة، أو على
قول شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى، أو على مانُسب إلى ربيعة وغيره، والله
تعالى أعلم بصحّة هذه النّسبة.
فما زعم بعضُ المعاصرين من أنّ الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى يقول بطهارة الخمر
بالاستهلاك فى شيئ طاهر، ليس بصحيح. وإنّما قال بجواز التّداوى به إن لم يوجد
دواءٌ آخر، كما أسلفنا نصوصَ الشّافعيّة فى ذلك. والظّاهرُ من نصوصهم أنّه يُخْكَمُ
بجواز التّداوى عندهم مع بقاءها على النّجاسة، لأنّ الجوازَ مشروطٌ فى كلامهم بأن
يكون الدواءُ متعيّناً لذلك المرض، ولو كان قد طهُر باللاستهلاك، لمَاَ شُرط فيه أن لا
يكون هناك دواءً آخر. فالظاهر أنّ هذا الحكمَ مقتصرٌ عندهم على الأدوية، ولايتعدّى
(١) قال النوويّ رحمه الله تعالى: "أمّا غير الماء من المائعات وغيرها من الرطبات، فينجس بملاقاة
النّجاسة وإن بلغت قلالاً. وهذا لاخلاف فيه بين أصحابنا." (المجموع شرح المهذّب، كتاب
الطهارة ١: ١٢٥) وقال خليل رحمه الله تعالى: "وينجس كثير طعام مائع بنجس قلّ" وقال
الحطّاب: "لاخصوصيةَ للطّعام بماذكر ... بل هو حكم سائر المائعات." (مواهب الجليل
للحطّاب ١: ١٠٨ و١١٠) وذكرابن قدامة رحمه الله تعالى فى هذه المسئلة ثلاثة أقوال أولها: "أنه
ينجس بالنجاسة وإن كثر. " وقال فى الأخير: "والأوّل أولى."
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢١: ٤٨٩

٢٩٧
المبحث الثالث
غيرَها من العطور ونحو ذلك، لأنّ الأصلَ عندهم أنّ ما تنجّس بملاقاة النّجاسة إن كان
جامداً كالثّوب جاز بيعُه، وإن كان مائعاً لايُمكن تطهيرُه، كالخلّ والدّبس، لم يجُز
بيعه(١) فأمّا الطّهارة بالاستهلاك، فإنّما تتأتّى عندهم فيما إذا لاقى النّجسُ ماءً كثيراً
مقدّراً عند الشّافعيّة بالقلتين. أمّا غيرُ الماء من المائعات، فقد اتّفقت أقوال الشّافعيّة
على أنّه ينجُس بملاقاة النّجاسة، وإن بلغت قلالاً. فعلى هذا، إن أدخلت الكحول فى
غير الماء من المائعات، لم تطهر بالاستهلاك.
ولكن يُمكن القول بالجواز على مذهب الشّافعيّة إن كانت الكحولُ الداخلة فى
المائعات قليلةً جدًّاً بحيثُ تصير كالمعدوم، فإنّهم ذكروا أنّ النّجاسة إن كانت ممّا
لا يُدركها الطَّرَف، أى لاتُشاهَد بالعين لقلّتها، بحيثُ لوكانت مخالفةً للون ثوب ونحوه،
ووقعت عليه لم تُر لقلّتها، او كالبول يترشّش إليه ونحو ذلك، فهناك قولٌ بأنّه لا ينجُس،
وإن لم يكن مادخل فيه ماءً. وهو الذى صحّحه الماورديّ رحمه الله تعالى، وإن كان
بعضُالشّافعيّة خالفوه فى التّصحيح.(٢)
وإنّ مذهبَ الحنابلة مثلُ مذهب الشّافعيّة فى أنّ غيرَ الماء من المائعات إذا وقعت
فيه نجاسةٌ، فإنّه ينجُس وإن كان فوقَ القُلّتين. بل الظّاهرُ أنّ قولهم أشدُ فى أنّهم لم
يستثنَوا من النّجاسة ما لايُدركه الطَّرْف، كما استثنى الشّافعيّة. بل قال ابنُ قدامة
رحمه الله تعالى: "ولافرقَ بين يَسير النّجاسة وكثيرها، وسواءً كان اليَسيرُ ممّا يُدركه
الطَّرْف أو لايُدركه من جميع النّجاسات ... لأنّ دليل التّنجيس لايُفرّق بين يَسير
(١) المجموع شرح المهذّب، كتاب البيوع ٩: ٢٣٥ والبجيرميّ على الخطيب، كتاب البيوع ٣: ٥
(٢) راجع المجموع شرح المهذّب، كتاب الطّهارة ١٢٦:١ و١٢٧

٢٩٨
اد
فقه البيوع
النّجاسة وكثيرها، ولابينَ ما يُدركه الطّرْف وما لايُدركه، فالتّفريق تحكّمٌ بغير
دلیل.
!! (١)
١٢٤ - المأكولات الّتى تشتمل على الكحول
أمّا المأكولات أو المشروباتُ الّتى تشتمل على الكُحول، فإنّ حكمَها على قول
الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى إنّها لا تحرُم إن لم تبلُغْ حدَّ الإسكار. وقد أفتى
المتأخّرون من الحنفيّة بقول الإمام محمّد رحمه الله تعالى على مذهب الجمهور أنّ
ما أسكر كثيره، فقليلُه حرام. ولكنّ هذه الفتوى محلُّها التّناول مباشرةً. أمّا إذا خُلِطت
الكحولُ بمادّة أخرى، فإن استحالَت فيها الكحول، يحلّ تناولُها، ولكن يجب أن
تكون الاستحالةُ بانقلاب ماهية الكحول. وإنّ مجرّد تغيّر الأوصاف ليس فى معنى
الاستحالة، كما نبّه عليه ابن عابدين رحمه الله تعالى، وقال:
"إنّ الدِّبس ليس فيه انقلابٌ حقيقة، لأنّه عصيرٌ جمد بالطّبخ، وكذا السّمسم
إذا دُرسَ واختلط دُهنه بأجزاءه، ففيه تغيّرُ وصف فقط، كلبن صار جُبُنّاً، وبُرِّ
صار طحيناً، وطحين صار خبزاً، بخلاف نحو خمرٍ صارخلاً، وحمار وقع
فى مملحة، فصار مِلحاً. فإنّ ذلك كلّه انقلابُ حقيقة إلى حقيقة أخرى،
لامجرّدُ انقلاب وصف. "(٢)
فلو لم يتحقّق انقلاب ماهية الكحول، بل حصل تغيّر الأوصاف فقط، فإنّه لا يحلّ
على قول الحنفيّة. ولم أجد من جوّزه إلاّ شيخُ الإسلام ابنُ تيميّة رحمه الله تعالى،
(١) المغنى لابن قدامة، كتاب الطّهارة ١: ٣٠ و ٣١
(٢) ردالمحتار، باب الأنجاس ٢: ٣٤٩ فقره ٢٨٥٣

المبحث الثالث
حيثُ جعل زوال الأوصاف فى حكم الاستحالة، فقال:
"إنّ الله حرّم الخبائثَ الّتى هي الدَمُ والميتةُ ولحم الخنزير ونحوُ ذلك، فإذا
وقعت هذه فى الماء أو غيره واستُهلكت، لم يبقَ هناك دمّ ولاميتةٌ ولا لحمُ
خنزير أصلاً، كما أنّ الخمر إذا استُهلكت فى المائع، لم يكن الشّاربُ لها
شارباً للخمر. "(١)
وأمّا المسكرات الجامدة، مثلُ الأفيون والبنج والحشيشة، فإنّها ليست نجسة،
واستعمالها المباح ممكن فى مثل التّداوى، ولأغراض صناعيّة أخرى، (٢) فيجوز
بيعُها شرعاً، كما صرّح به الحصكفيّ فى الدّرّالمختار.(٣) وقال الحطّاب من
المالكيّة:
"كذلك يقال فى هذه الأشياء المغيّبة للعقل: يجوز بيعُ ذلك لمن
لا يستعمل منه القدرَ المغيّب للعقل، ويؤمَن أن يبيعَه ممّن يستعمل
؟!(٤)
ذلك.'
وظاهر كلامه أنّه إذا علم البائع أنّ المشتريَ يستعملها لغرض غير مشروع، فلايجوز
له البيع. و هذا القيدُ لم يذكره الحنفيّة، وينطبق عليه الخلاف والتفصيل الذى ذكرناه
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢١: ٥٠١ و ٥٠٢
(٢) راجع المجموع شرح المهذب ٩: ٣٠ والحاوى للماوردي ١٩: ٢٠٨ وجامع العلوم والحكم لابن
رجب ص ٣٩٧ و ٣٩٨
(٣) الدر المختار، مع ردالمحتار، كتاب الأشربة ٦: ٤٥٤
(٤) مواهب الجليل للحطاب، كتاب الطهارة، ١: ٩٠