النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤٠
فقه البيوع
ليس للكعبة المشرّفة بدل.
فالذى يتخلّص بالنظر إلى هاتين القصّتين أنّ الجبرَ على البيع لايجوز فى عامّة
الأحوال، ولكن يجوز ذلك عند حاجة عامّة شديدة. وعلى هذا مشى فقهاءُ الشّريعة
الإسلاميّة. فقال الحصكفيّ رحمه الله تعالى:
"(تؤخذ أرض) ودارٌ وحانوتٌ (بجنب مسجدٍ ضاق على الناس بالقيمة
كُرْهاً) درر وعمادیّة."(١)
وقال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى تحته:
"لما رُوِيَ عن الصّحابة - رضي الله عنهم - لمّا ضاق المسجدُ الحرامُ
أخذوا أرضين بكُرْهٍ من أصحابها بالقيمة، وزادوا في المسجد الحرام. بحر
عن الزّيلعيّ. قال فى نور العين: ولعلّ الأخذَ كُرهاً ليس فى كلِّ مسجدٍ ضاق،
بل الظّاهر أن يختصّ بما لم يكن فى البلد مسجدٌ آخرُ، إذلو كان فيه مسجدٌ
آخرُ يُمكِن دفعُ الضّرورةِ بالذّهاب إليه، نعم فيه حرجٌ، لكنّ الأخذَ كُرهاً أشدُ
حَرَجاً منه، ويؤيّد ما ذكرنا فعلُ الصّحابة، إذ لا مسجدَ فى مكّة سوى
١١(٢)
الحرام.
ويقول المواق (الفقيه المالكيّ المعروف) رحمه الله تعالى:
"ويُكرِه النّاسَ السلطانُ على بيعِها إذا احتاج النّاسُ إليها لجامعهم الَّذى فيه
الخُطبةُ، وكذلك الطّريق إليها، لا إلى المساجد الّتى لا خُطبةَ فيها، والطُّرُق
(١) الدر المختار مع رد المحتار، ٤٩٦:١٤
(٢) رد المحتار، كتاب الوقف، مطلب فى جعل شيء من المسجد طريقا، ١٤: ٤٩٦ و ٤٩٧، فقره ٢١٤٩٤

٢٤٧
المبحث الثانى
١١(١)
الّتى فى القبائلِ لأقوامٍ.
ولكن قال فى كتاب البيوع:
"قال سُحنون: يُجبر ذو أرض تلاصقُ طريقاً هدّها نهرٌ لاممرَّ للنّاس إلاّ فيها
على بيع طريقٍ منها لهم بثمنٍ يدفعه الإمام من بيت المال. "(٢)
وكذلك ذكر الفقيه الحنفيّ قاضى خان رحمه الله تعالى أنّ الحكم يتعدّى إلى حاجة
طريق أيضاً:
"وللسّلطان أن يجعل ملكَ الرّجل طريقاً عند الحاجة." (٣)
وقال القرافيّ رحمه الله تعالى:
"قال العبدي: يُجبر الإنسان على بيع ماله فى سبع مسائل: مجاور المسجد
إذا ضاق، يُجبر من جاوره على البيع، والماء للخائف من العطش، فإن تعذّر
الثّمن أُجبر بغير ثمن، ومن انهارت بئرُ جاره وعليها زرعٌ، بغير ثمنٍ، وقيل
بالثّمن، والمحتكِرِ يُجبر على بيع طعامه، وجارُ الطّريق إذا أفسدها السّيلُ،
يؤخذ مكانُها بالقيمة من جار السّاقية، وصاحب الفران في قرن الجبل إذا
احتاج النّاس إليه ليخلصهم، وصاحبُ الفرس أو الجارية يطلبها السّلطان،
فإن لم يدفعها له جبر النّاس، فإنّه يُجبر هو دفعاً لأعظم الضّررين."(٤)
(١) التاج والإكليل على هامش الحطاب، كتاب الوقف ٤٢:٦
(٢) التاج والإكليل للمواق ٢٥٢:٤
(٣) فتاوى قاضيخان، ٢٣٦:١، كتاب الزكوة، فضل إحياء الموات
(٤) الذخيرة للقرافي، كتاب الوقف ٣٣١:٦

٢٤٢
فقه البيوع
وجاء فى مجلّة الأحكام العدليّة المؤلفة فى عهد الخلافة العثمانيّة:
"لدى الحاجة يُؤخذ ملكُ كائن مَّن كان بالقيمة بأمر السُّلطان ويُلحَق
بالطّريق، ولكن لا يُؤخذ من يده ما لم يُؤْدِّله الثّمنَ."(١)
٩٧ - شراء أمير عسكر ما يحتاج إليه المسلمون فى أثناء الحرب
قد ذكرنا حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه الذى أجاز فيه رسولُ الله صلّی
الله عليه وسلّم لعسكر المسلمين أن يشتروا الطّعامَ لأهل العسكر جبراً عند ما
يحتاجون إليه. وعلى هذا الأساس أجاز الفقهاءُ شراءَ ما يحتاجون إليه من غير
الطّعام. فقال الإمام محمّد رحمه الله تعالى فى السّير الكبير:
"وإنْ أبى أن يُعطِيَه الفرسَ، ولم يجد الإمامُ بُدّاً من أن يأخذ الفرسَ
منه، فيدفعه إلى الرّسول لضرورة جاءت للمسلمين، فلا بأس بأن
يأخذه منه گرْهاً."
ووجّهه السّرخسيّ رحمه الله تعالى قائلاً:
"لأنّه نُصب ناظِراً، وعند الضرورة يجوز له أن يأخذ مالَ الغير بشرط
الضّمان."(٢)
(١) مجلة الأحكام العدلية، المادة ١٢١٦
(٢) شرح السير الكبيرج ٣ ص ٩٩٤، أبواب سهمان الخيل، باب دفع الفرس باشتراط السهم

المبحث الثانى
٩٨- جبرُ الحكومة المحتكرين على بيع ما احتكروه
وكذلك يجوز الإجبارُ على البيع إذا احتكرَ التّجّار ما يحتاج إليه العامّة. فقال
الموصليّ الحنفيّ رحمه الله تعالى:
"وإذا رُفِع إلى القاضِى حالُ المحتكر، يأمره ببيع ما يفضُل عن قُوتِه وعياله،
فإن امتنع، باع عليه، لأنّه فى مقدار قُوته وعَيَالِه غيرُ محتكِرٍ، ويترُكِ قُوتَهم
على اعتبار السَّعة؛ وقيل: إذا رُفِع إليه أوّل مرّة، نهاه عن الاحتكار، فإن رُفِع
إليه ثَانياً، حَبَسَه وعزّره بما يَرى، زجراً له ودفعاً للضّرر عن النّاس. قال
محمّدٌ أجبُر المحتكرين على بيع ما احتكروا ولا أسعِّر، ويقالُ له: بعْ كما
يبيعُ النّاس، وبزيادة يُتغابَن فى مثلها، ولا أتركُه يبيع بأكثر ... وقد قال
أصحابنا: إذا خاف الإمامُ على أهلِ مصرِ الضَّياعَ والهلاكَ، أخذ الطّعامَ من
المحتكرين وفرّقه عليهم، فإذا وَجَدُوا رَدُّوا مِثْلَه، وليس هذا حَجْراً، وإنّما
هو للضرورة، كما فى المخمصة."(١)
وقال المرداويّ رحمه الله تعالى:
"ويُجبر المحتكر على بيعه كما يبيعُ النّاس. فإن أبى، وخيف التّلف، فرّقه
الإمام، ويرُدّون مثله. قال فى الفروع: ويتوجّه قيمتُه. قلتُ: وهو قويّ. وكذا
سلاحٌ لحاجة. قاله الشّيخ تقيّ الدّين. قلتُ: وأولى."(٢)
(١) الاختيار لتعليل المختار، كتاب الكراهية، فصل فى الاحتكار ٤: ١٦١
(٢) الإنصاف للمرداوي قبيل باب الشّروط فى البيع ٤: ٣٣٩

٢٤٤
فقه البيوع
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"يجوز للإمام فى الغلاء إلزامُ من عنده ما يفضُل عن قوته أن يُخرجه للبيع،
لما فى ذلك من صلاح النّاس."(١)
وقال الشيروانيّ الشّافعيّ رحمه الله تعالى:
"قال الأذرعيّ: أجمع العلماءُ على أنّ مَن عنده طعامٌ واضطرّالنّاسُ إليه ولم
يجدوا غيره، أنّه يُجبر على بيعه دفعاً للضّرر عنهم. وممّن نقل الإجماع
النّوويّ."(٢)
٩٩- جبرُ الحكومة بالبيع بالسّعر المحدّد من قبلها
سيجيئ فى مبحث "تدخّل السّلطات فى التّجارة الحُرّة" إن شاء الله تعالى أنّ
الْتّسعير وجبرَ التّجّار من قِبَل الحكومة لا يجوز فى عامّة الأحوال، ولكن يُرخَّص فيه
فى أحوال مخصوصة. وحينئذٍ يُجبر النّاسُ على البيع بسعرِ لا يرضَونه، ولكنّ البيع
يجوز رغم كونه خلافَ مبدأ التّراضى. وسيجيئ تفصيله فى موضعه إن شاء الله
تعالی.
ولكنّ البيعَ بخلاف رضا المالك إنّما يجوز عند الضّرورة، أو عند الحاجة العامّة الّتى
تنزل منزلةَ الضّرورة. والضّرورةُ عرّفها الفقهاء بما يلى:
(١) فتح الباري، كتاب الجهاد، قبيلْ باب حمل الزّاد على الرّقاب ٦: ١٣٠ تحت الحديث بالرقم
٢٩٨٢
(٢) حواشى الشيرواني على تحفة المحتاج، باب فى البيوع المنهيّ عنها، ٣١٨:٤

المبحث الثانى
"بلوغُه حداً إن لم يَتناول الممنوعَ، هَلَكَ أو قارب، كالمضطرّ للأكل والّبس
بحيث لو بَقِي جائعاً أو عُرياناً لمات أو تلف منه عُضوٌ وهذا يُبيح تَناوَلَ
المحرّم."(١)
أمّا الحاجة، فيمكن تعريفُها بما ذكره فضيلة العلامة الدكتور وهبه الزّحيليّ حفظه الله
تعالی:
"أن يكون الإنسانُ فى حالة من الجَهْد والمشقّة الّتى لا تؤدّى إلى الهلاك إذا
لم يتناول المحرّم شرعاً."(٣)
وحكمه ماذكره الحمويّ رحمه الله تعالى:
"هذا لا يُبيح الحرام، ويُبيح الفطرَ فى الصّومِ"(٣)
ولكنّ هذا حكمُ الحاجة الفرديّة. أمّا إذا كانت حاجةً اجتماعيّة، فإنّها تقومُ مقام
الضّرورة. ولذلك اشتهر قول الفقهاء:
"الحاجة العامّة تنزل منزلة الضّرورة الخاصّة فى حقّ آحاد النّاس." (٤)
ويتبيّن ممّا ذكرنا فى هذا الباب من نصوص القرآن الكريم والسّنّة النّبوية على صاحبها
السّلام وآثار الصّحابة وأقوال الفقهاء أنّ الشّريعة الإسلاميّة تمسكت بمبدأ التّراضى فى
(١) المنثور فى القواعد للزركشي، ٢: ٣١٩، وشرح الأشباه والنظائر للحموي ٢٥٢:١
(٢) نظريّة الضرورة الشّرعية لفضيلة الدكتور وهبة الزحيليّ حفظه الله تعالى ص ٢٤٧، ط: بيروت
١٤٠٢هـ
(٣) شرح الأشباه والنظائر للحمويّ ١: ٢٥٢
(٤) المنثور فى القواعد للزركشي ٢: ٢٤

٢٤٦
فقه البيوع
العقود تمسكاً بالغاً، وإنّما أجازت البيع الجبريّ فى مجال ضيّق من الضّرورة والحاجة
العامّة الّتى لا يتيسّر دفعها إلاّ بالبيع الجبريّ. وذلك أيضاً مع التّأكّد من أنّ الذى يُجبر على
البيع يُبذَل له ثمنُه على أساس القيمة السّوقيّة العادلة قبل أخذٍ مِلكه، أو عند الأخذ، كما
مرّ فى عبارة مجلّة الأحكام العدليّة: " ولكن لا يُؤْخذ ملكُه من يده ما لم يُؤدِّ له
الثّمنَ. "(١) فيجب أن تتّخذ الحكومات الحذرَ كلّ الحذر من تجاوز مواضع الحاجات
الحقيقيّة عند ممارسة حقّها فى هذه المستثنيات. ولنعم ما قال الدكتور فتحى الدُّرينيّ:
"يجب أن يُلاحَظ أنّ تطبيق أحكام الاحتكار على التّجارة والنّاس فى الظّروف
الاستثنائيّة يَحتاج إلى حَذَرِ واحتياطٍ شديدين؛ إذ ليس العبرةُ بمعرفة القواعد
الأصوليّة والفقهيّة فى موضوعٍ فحسب، بل بتطبيقها بدِقَة وخِبرة .. فمَن الذى
يُقدّر أنّ الحالةَ قد وصلت بالنّاس إلى درجة المشقّة والحَرَجِ الَّذى يقتضى
تطبيقَ أحكام الاحتكار؟ .. كلُّ ذلك موكَّلٌ إلى الخُبراء المختصّين المؤمنين،
وإلاّ كان الظّلم ومصادرة حرّيّات النّاس فى أملاكهم ومقدّراتهم دون مبرّر
؟!(٢)
شرعيّ، وهو محرم. "(٢)
١٠٠- الفرق بين أحكام الشّريعة وأحكام القوانين الوضعيّة للشّراء الجبريّ
وإنّ معظمَ القوانين الوضعيّة تُجيز للحكومة الشّراءَ الجبريّ والاستئجار الجبريّ،
ولكنّها تفْسَح للحكومة مجالاً أوسعَ ممّا هو مُجازٌ فى الشّريعة الإسلاميّة. والفروقُ
(١) مجلة الأحكام العدلية، المادة ١٢١٦
(٢) مذكرات الدكتور فتحي الدّريني فى الاحتكار، ص ١٣٥ كما نقله الدكتور عبد السلام العبادي فى
حاشية "الملكية فى الشريعة الإسلاميّة"، القسم الثانى ١٤٨:٢ و ١٤٩

المبحث الثانى
الجوهريّة فيما بين الشّريعة الإسلاميّة والقوانين الوضعيّة يُمكن تلخيصها فيما يلى:
١- إنّ الشّريعة الإسلاميّة إنّما تُجوّز الشّراء الجبريّ للضرورة، أو الحاجة العامّة، بعد
استنفاد جميع الوسائل الّتى يُمكنُ بها قضاءُ تلك الحاجة. ولكنّ معظم القوانين
الوضعيّة أجازت الشّراء الجبريّ فى أيّة حاجة ، دون تقييدها بالحاجة العامّة، ولا
استنفادِ الوسائل الأخرى، حتّى ورد فى بعض القوانين أنّ العقاراتِ يُمكن شراؤُها
جبراً إذا احتاجت إليها أيُّ شركة تجاريّة مساهمة(١) ولعلّ المقصودَ من ذلك أنّ
الشّركةَ المساهمة ربّما تُكوَّن لأجل مشروعٍ كبير تحتاج إليه الدّولة، مثل صناعة
الحديد وغيره، ولا يتيسّر له أرضّ مناسبةٌ إلّ بالشّراء الجبريّ. وإنّ مثلَ هذه الأحوال
يمكن أن تبرّر الشّراءَ الجبريّ، ولكنّ القانون لايُقيّد جوازَ الأخذ بأيّ قيد أو شرط،
بل يُبيح الشّراء الجبريّ لحاجة أيّ شركة تجاريّة. ولذلك قد استُغِلّ هذا القانون
بالسّيطرة على أراضى عامّة النّاس لصالح الأثرياء. وهناك قانون آخر٢ للاستئجار
الجبريّ لبعض الأبنية والبيوت، واستُغِلّ كثيراً لمجرّد توفير السكن لموظّفى
الحكومة ووزراءها.
٢- إنّ الشّريعة الإسلاميّة إنّما تُبيح الشّراءَ الجبريّ فى حاجة عامّة بشرط أن يُوفّر
للمالكِ القيمةُ السّوقيّة يومَ الأخذ. أمّا القانون الوضعيّ السّائد فى بلادنا، فإنّه يعتبر
القيمة السّوقيّة فى اليوم الّذى وقع فيه الإعلان من قبل الحكومة أنّ العقار الفلانيّ
(١) راجع 4.The Land Acquisition Act 1894 Sec وهو القانون المأخوذ من القانون
الإنكليزيّ والمطبّق فى شبه القارة الهندية.
(Y) The Requisitioned Land (Continuance of Powers) Ordinance, 1969

٢٤٨
فقه البيوع
يُراد شراؤُها (١)، مع أنّ بين هذا الإعلان وبين الأخذ الفعليّ إجراءاتٌ كثيرةٌ ربّما تزداد
فيها قيمةُ العقار أو البناء. وكذلك إذا استأجرت الحكومةُ بيتاً، وصار فى تصرّفها
مدّة، ثمّ أرادت أن تشتريَه من المالك، فإنّ بعضَ القوانين تُنُصّ على أنّه إن كانت
القيمةُ السّوقيّةُ يومَ الشّراء الجبريّ أكثرَ من ضِعف قيمته يومَ الاستئجار، فإنّ المالك
لا يستحقّ القيمةَ السّوقيّة، بل إنّما يُعوَّض بضعف قيمة البيت يوم الاستئجار الجبريّ
الذى يُمكنُ أن يكون أقلّ بكثير من قيمته السّوقيّة يومَ الشّراء.(٢)
٣- لا يجوز شرعاً أن تتصرّف الحكومةُ فيما اشترته جبراً إلاّ بأن يدفع الثّمن إلى
المالك فوراً، أو فيما هو فى حُكم الفور. وإنّ بعضَ القوانين الوضعيّة تضع لأداء
الثّمن إجراآتٍ طويلةً تأخذ مدّةً ومشقّةً يتكبّدها المالك الأصليّ.
١٠١- البيع إلى من له حقّ الشّفعة
وكذلك ما استُثني من مبدأ التّراضى أحكام الشُّفعة، فإنّ الأصلَ فى البيع أنّه متى
انعقد بتراضى الطّرفين مستوفياً للشّروط الأخرى، فليس لأحدٍ غيرهما أن يتدخّل
فى أمرهما، ويدّعيَ أنّه أحقُّ بأن يشتري. ولكنّ الشّريعة الإسلاميّة استثنت من هذا
المبدأ أحكامَ الشُّفعة، وأعطت حقّ الشّراء لشريك البائع بالإجماع، ولجاره على
مذهب الحنفيّة. فإن باع أحدٌ عقاره لرجل خارج، فلشريك البائع أن يدّعيَ أنّه أحقُّ
بالشّراء منه. فإن قُبلت دعواه، فإنّه يشتريه من المشترى الأوّل بنفس الثّمن الّذى
(1) The Land Acquisition Act 1894 Sec.11
(Y) The Reqisitioned Land (Continuance of Powers) Act 1947, Sec. 6(2)

٢٤٩
المبحث الثانى
اشتراه به المشترى الأوّل، سواءٌ رضيَ بذلك، أو لم يرض. وإنّ هذا الحقَّ
يُسمّى شُفعة.
والأصلُ فى ثبوت حقّ الشّفعة ما رواه جابر رضيَ الله تعالى عنه: قال: قال: رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم:
"من كان له شريكٌ فى رَبَعة أو نخل، فليس له أن يبيعَ حتّى يؤذِن شريكه.
فإن رضي أخذ، وإن كره ترك."(١)
وكذلك أخرج البخاريّ عنه قال:
"قضى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالشّفعة فى كلّ ما لم يُقسم. فإذا وقعت
الحدود وصُرفت الطُرق، فلا شُفعة. "(٢)
والحكمةُ فى مشروعيّة الشّفعة أنّ الشّريك ربّما يتضرّر بدخول رجل أجنبيّ فى الأرض
المشتركة. ولسنا بصدد استيعاب أحكام الشّفعة هنا، فإنّ مدوناتِ الفقه حعلت لها كتاباً
مستقلاً عن البيوع. غير أنّنا نريد أن نذكر بعض الأحكام الأساسيّة المتعلّقة بالبيع وتمييزه
عمّا يُعتبر شُفعةً فى القوانين الوضعيّة. وذلك فى صورة نقاط آتية:
١- الشّفعة لاتثبت إلاّ فى غير المنقولات من الدُّور والعقارات، كما يدلّ عليه قول
الرّسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم: "مَن كان له شريكٌ فى ربعة أو نخل" وقد
أخرجه البزّار من طريق أبى الزّبير عن جابر، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(١) أخرجه مسلم، باب الشفعة، رقم ٤٠٩٧
(٢) صحيح البخاري، كتاب الشفعة، رقم ٢٢٥٧

٢٥٠
فقه البيوع
"لاشُفعة إلاّ فى ربع أو حائط. "(١) وهو مذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة
وغيرها، خلافاً لابن حزم، وبعض أهل الظّاهر، حيثُ أثبتوا الشّفعة فى كلّ مُشاعٍ
منقول أو غير منقول. وحكاه ابنُ حزم عن بعض التّابعين أيضاً. (٢)
٢- إنّ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ الشّفعة لاتثبت إلاّ للشّريك فى نفس
المبيع. ومذهب الحنفيّة أنّها تثبت لأصناف ثلاثة: الأوّل: الشّريك فى نفس المبيع،
والثّانى: الشّريك فى حقوق المبيع، مثل الشّرب والممرَ، والثالث: الجارُ الملاصق،
ويُقدّم الصّنف الأوّل على الثّانى، والثّانى على الثّالث. وهذا القول مرويٌّ أيضاً عن
ابن سيرين، وابن شُبرمة، والثّوريّ، وابن أبى ليلى، والعترة.(٣) وقد فصّلتُ أدلّة
١١(٤)
الفريقين فى "تكملة فتح الملهم"
٣- بما أنّ الشّفعة ثبتت على خلاف القياس، فإنّها تقتصر على ما ورد به النّصّ، ولا
يجوز تعديتُها إلى غير المنصوص. ولذا، فإنّ القوانين التى صدرت فى بعض البلاد
بإثبات الشّفعة للمستأجر أو المزارع ليست موافقةً للشّريعة الإسلاميّة. (٥)
٤- مذهبُ الحنفيّة والحنابلة أنّ حقّ الشّفعة يثبت على الفَور، بمعنى أن يطلُبه
(١) ذكره الحافظ فى التلخيص، ٣: ٥٥ وقال: سنده جيّد.
(٢) المحلّى لابن حزم ٩: ٨٦ ونيل الأوطار للشوكاني ٥: ٢٨١
(٣) المغني لابن قدامة ٥: ٤٦١ ونيل الأوطار ٥: ٢٨١
(٤) تكملة فتح الملهم، ١: ٤١٥ و٤١٦
(٥) وكان قد صدرت فى باكستان قوانين لإعطاء حقّ الشّفعة لغير الشريك والجار، فرُفعت إلى
مجلس النّقض الشّرعيّ فى المحكمة العليا، وكنت قاضياً بها، فألغينا هذه القوانين لكونها
مصادمة للشريعة الإسلاميّة، وقد أصدرتُ بذلك قراراً مفصّلاً يوجد فى مجموعة القرارات
القضائيّة التى أصدرتها باللغة الأردية وقد طبعت باسم "عدالتى فيصل " ١٥٣:١

٢٥١
المبحث الثانى
الشّفيعُ فورَ ما يعلم بالبيع. فإن تأخّر فى طلبه بعد العلم بالبيع بطلت شُفعته. وهو
الأظهر فى قول الشّافعيّة، كما سيأتى. والقول الثّانى لهم أنّ حقّ الشّفيع يستمرّ إلى
ثلاثة أيّام بعد علمه بالبيع. ورُويَ عن مالك رحمه الله تعالى أنّ حقّ الشّفيع يبقى إلى
سنة. ورُويَ عنه أنّه ينقطع بمُضيّ مدّة يُعلم فيها أنّه تاركً لها.(١)
وقد ذكر الفقهاء الحنفيّة أنّ الشّفعة تثبت بثلاث طلبات: طلب المواثبة، وهو أن يقول
الشّفيعُ فورَ ما علم بالبيع أنّه يطلبه بالشّفعة، وطلب الإشهاد أن يُشهد رجلين على
كونه طالباً للشّفعة، وطلب الخصومة: وهو أن يرفع طلب الشّفعة إلى القاضى.
فالتّأخير فى طلب المواثبة يُبطل الشّفعة عند الحنفيّة والحنابلة. وحجّتهم فى ذلك ما
رُويَ عن عبد الله بن عمر رضيَ الله تعالى عنهما أنّ رسولَ الله عليه وسلّم قال:
"الشُّفْعَةُ كَحَلَّ الْعِقَال. "(٢) وأعلّ المحدثون هذا الحديث بابن البيلمانيّ، ولكنّه مؤيّد
بأثر لشريح القاضى رحمه الله تعالى، قال: "إنّما الشّفعةُ لمن واثبَها." أخرجه
عبدالرزاق فى مصنّفه(٣) وذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى أنّ ثبوت الشّفعة على الفَور
مرويٌّ عن ابن شبرمة والبتّيّ والأوزاعيّ وأبى حنيفة والعنبريّ والشّافعيّ فى أحد
قوليه.(٤) وذكر النوويّ رحمه الله تعالى أنّه قول الشّافعيّ فى الجدید. قال رحمه الله
تعالى: "الأظهر المنصوص فى الكتب الجديدة أنّ الشّفعة على الفور. "(٥) وإنّ اتّفاق
(١) المغنى ٥: ٤٧٧ والمقدمات الممهدات لابن رشد ٣: ٧٠
(٢) سنن ابن ماجه، أبواب الشّفعة، باب طلب الشّفعة، رقم ٢٥٠٠
(٣) مصنف عبدالرزاق ٨٣:٨، رقم ١٤٤٠٦
(٤) المغني لابن قدامة ٥: ٤٧٧
(٥) روضة الطالبين ٥: ١٠٧

٢٥٢
فقه البيوع
هؤلاء الفقهاء على ذلك يدلّ على أنّ الحديث والأثر لهما أصلٌ عندهم.
والمعنى فى اشتراط الفَور أنّ الشّفعة لم تُشرع لأجل إثراء الشّفيع بمملوكات
جديدة، وإنّما شُرعت لدفع الضّرر عنه. والضّرر أمرٌ لاينضبط، فجعلت الشّريعةُ
علامةَ ذلك أن لا يتحمّل الشّفيعُ البيع إلى آخر، ويُظهر إنكارَه على ذلك فورَ ما يعلم
البيع، فإنّه دلالةٌ على أنّه يتضرّر بذلك.
٥- إذا ثبتت الشّفعةُ، فإنّ الشّفيع يشترى من المشترى الأوّل، فيصير المشترى الأوّل
بائعاً فى حقّ الشّفيع. قال السّرخسيّ رحمه الله تعالى:
"وإذا أخذ الشّفيعُ الدَّارَ من المشترى، فعُهدتُه وضمانُ ماله على المشترى،
لأَنّه يتملّك الدَّارَ عليه، ويدفع الثّمن إليه، فهو فى حقّه بمنزلة البائع مع
المشتری."(١)
فإن كان المشترى الأوّلُ قبض المبيع، فإنّ الشّفيع يأخذه منه، ويدفعُ إليه الثّمن.
وهذا لاخلاف فيه، إلاّ ما حكاه السّرخسيّ رحمه الله تعالى عن ابن أبى ليلى. أمّا إذا
لم يكن المشترى قَبَضه، وأراد الشّفيعُ أن يأخذ المبيعَ من البائع، ففيه خلاف:
فظاهرُ الرّواية عند الحنفيّة أنّ الشّفيعَ يأخذه من البائع، وعُهدتُه وضمانُ ماله على
البائع، كأنّه اشتراه منه ابتداءً. وذلك لأنّ حقّ الشّفيع اعتبره الشّرع مقدّماً على حقّ
المشترى الأول. فإذا أخذه الشّفيع بالشّفعة، فاتَ القبضُ الَّذى كان يستحقّه المشترى
الأول. وذلك يوجب انفساخ البيع بينه وبين البائع، كما لو هلك المبيع قبل القبض.
(١) المبسوط للسّرخسي ١٤: ١٠١

المبحث الثانى
فأخذ الشّفيع من البائع جعل البيع بينه وبين البائع، فتكون العهدةُ على البائع.(١)
وذكر ابنُ قدامة رحمه الله تعالى أنّ الشّفيع يأخذه من المشترى إن كان فى قبضه،
ومن البائع إن كان فى قبضه، ولكنّ قياسَ المذهب أنّ أخذه من البائع فى حكم
أخذِهِ من المشترى، لأنّ العقار مملوك للمشترى بحكم البيع الأوّل. وعلّله ابن قدامة
بقوله: "لأنّ العقد يلزم فى بيع العقار قبل قبضه، ويدخل المبيعُ فى ملك المشترى
وضمانه، ويجوز له التّصرّف فيه بنفس العقد، فصار كما لوقبضه المشترى." ولكن
ذكر بعد ذلك أحد الوجهين عن الشّافعيّ رحمه الله تعالى أنّ الشّفيع ليس له أخذه.
من البائع، ويجبر الحاكم المشتريَ على قبضه، ثمّ يأخذه الشّفيع منه، لأنّ الشّفيع
يشترى الشّقص من المشترى، فلا يأخذه من غيره، وبنوا ذلك على أنّ البيع لا يتمّ إلاَّ
!! (٢)
بالقبض.
١٠٢- الشّفعة فى القوانين الوضعيّة
٦- تبيّن ممّا ذكرنا أنّ الشّفعة فى الشّريعة الإسلاميّة شُرعت على خلاف الأصل لدفع
الضّرر عن الشّفيع، وليس مقصودُه أن يسُدّ الشّفيعُ بابَ البيع بين متعاقدين متراضيين
لمجرّد أن يُكثِرِ فى ممتلكاته. أمّا ما قد يُسمّى شُفعةً فى القوانين الوضعيّة باسم -Pre
Pre- emption ◌ّفالمقصود منه يختلف عن مقصود الشّريعة الإسلاميّة. وإن emption
قد استُخدم فى القوانين الوضعيّة بطرق مختلفة. ومنها أنّ القوانينَ فى أمريكا واستراليا
أعطت حقَّ شراء الأراضى المَوات المُقفرة للّذين أحيَوها. فالأراضى الموات أو المقفرة
(١) هذا ملخص ما فى المبسوط ١٤: ١٠١ و١٠٢
(٢) المغني لابن قدامة ٥: ٤٧٥ و ٤٧٦

٢٥٤
فقه البيوع
تُعتبر مملوكةً للحكومة حسب القوانين الوضعيّة. فإن أحياها النّاس، فإنّه لا يحصلُ لهم
المِلكُ بمجرّد الإحياء، ولا تزال الأراضى مملوكةً للحكومة، ويحقّ لها أن يبيعها. والعادةُ
المتّبَعة أن تُباع هذه الأراضى بالمزايدة. فإذا أرادت الحكومةُ أن تبيع تلك الأراضي
مزايدةً، فقد أصدر قانونٌ فى الولايات المتحدة بأنّ الحكومة تعرضُ بيعَها على من
أحياها قبل أن تُعلن المزايدة. فإن قَبل الّذين أحيوها شراءَ تلك الأراضى بالثّمن المقدّر
من قبل الحكومة، فإنّهم يُصبحون مُلاّكاً لتلك الأراضى. وإنّ هذا الحقّ الّذى اعترفه
القانون يُسمّى Pre- emption(١) ويُترجم أحياناً إلى الشّفعة. والحقيقةُ أنّه ليس
شُفعةً بالمعنى المعروف فى الفقه الإسلاميّ، وإنّما هو حقّ أولويّة الشّراء من
الحكومة، بدون أن يملك صاحبُ الحقّ أرضاً مجاورةً، أو يكون شريكاً فى الأرض
المبيعة.
أمّا فى الشّريعة الإسلاميّة، فالأرض المواتُ ليست مملوكةً للحكومة ولا لغيرها،
وإنّما يملكها من يُحييها. فالشّريعة الإسلاميّة تُعطى حقّ المِلك مباشرةً لمن يُحيى
أرضاً مواتاً بدون أن يحتاج إلى شراءها من الحكومة. وذلك على أساس الحديث
المعروف: "من أحيى أرضاً ميتةً، فهيَ له. "(٢) ولاشكّ أنّه أعدل وأنفع لعمارة
أراضى البلاد. فإنّ القانون المذكور يجبر الّذين أحيّوا أرضاً مواتاً على أن يبذلوا
أموالهم وجهودهم مرّتين قبل أن يملكوها: مرّةً عند إحياءها، ومرّةً أخرى عند
شراءها من الحكومة.
(1) The Preemption Act of 1841. See also The Shorter Oxford Dictionary on
Historical Principles, V.2, P. 1653
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الأحكام، باب ٣٨ حديث ١٣٧٨ وقال: "هذا حديث حسن غريب"

٢٥٥
المبحث الثانى
وكان هناك فى القانون الإنكليزيّ العامّ (Common Law) صيغةٌ أخرى لما يُسمّى
Pre- emption وهو أنّ ملك البلاد كان له الحقّ أن يشتري حاجاتٍ بیته بثمن معیّن
منه، ويكون له الأولويّة فى شراءها بالنّسبة إلى الآخرين.(١)
وإنّ بعض القوانين الدّوليّة والتّجاريّة أعطت حقّ الشّفعة Pre- emption للدّولة
ضدّ الأجانب الذين يمرّون ببضائعهم التّجاريّة فى حدود تلك الدّولة لتصديرها إلى
دولة أخرى، فتجبرهم الحكومة أن تبيعها لأهل تلك البلد.(٢)
ومن الصّيغ الحديثة للشّفعة ما يفرضه القانون الإنكليزيّ على شركة مساهمة أنّها إن
أصدرت أسهماً جديدةً، أو أرادت أن تبيع أسهماً من خزينته (Treasury Shares)
وجب عليها بموجب القانون أن تعرضها أولاً على أصحاب الأسهم القديمة، ويكون
لهم الأولويّة فى الاكتتاب أو فى شراء أسهم الخزينة. (٣)
وهذا ليس حقّ الشّفعة كما يتصوّره الفقه الإسلاميّ، لأنّه إن كان مبنياً على أساس أنّ
أصحاب الأسهم شركاءُ فيما بينهم، لوجبت الشّفعة عند بيع كلّ سهم عن طريق
البورصة، ولو كان ذلك البيعُ بصفة فرديّة، ولكنّ القانون لا يُعطى هذا الحقّ عند بيع كلّ
سهم، وإنّما يخصّ هذا الحقّ بالنّسبة لإصدار الأسهم الجديدة، أو بيع أسهم الخزينة الّتى
تملكها الشّركةُ بصفتها شخصاً معنويًا.
١٠٣- الشفعة فى الأسهم
والسّؤال من النّاحية الشّرعيّة: هل تجب الشّفعة فى بيع الأسهم؟ والجواب: أنّ السّهم
(1) Corpus Juris Secondum, V.LXXII,P.478, and Black's Law Dictionary, p.1060
(Y) Black's Law Dictionary, P.1060, "Preemption"
(r) Companies Act 2006, Section 561

٢٥٦
فقه البيوع
إن كان عبارةً عن حصّة مشاعة فى موجودات الشّركة، كما قرّره العلماء المعاصرون،
فإنّها تشتمل على منقولات وغير منقولات، وربّما تكون نسبة المنقولات فيها أكثر
من غير المنقولات. ولذلك، لاتجرى فيها الشّفعة على قول الجمهور. وقد ذكر
بعض المالكيّة أنّه إن وقع البيع على حائط بما فيه من رقيق ورحىّ وبئر وآلاته، فإنّه
تثبت الشّفعةُ فى الجميع على قول سحنون. والقول الآخر: لاتثبت الشّفعة فيها.(١)
ولكنّ القائلين بالجواز إنّما جوّزوه لكون الرقيق والرحى وغيرها تابعة للأرض،
بينما المقصود هو بيع الأرض. ولا نستطيع أن يُقال ذلك فى الأسهم، لأنّ الشّركات
لها أنواعٌ مختلفة، وليست المنقولات تابعةً لغير المنقولات دائماً.
ولكن قد تعورف فى التجّار عند بيع أشياء ثمينة، وبخاصّة عند بيع محلٌ تجاريّ، أو
شركة مساهمة، أنّ البائع يشترط على المشترى أنّه إن أراد بيعها، فإنّه يعرض الشّراء
عليه، قبل أن يعرضها على العامّة. وإنّ هذا الحقّ المشروط يُسمّى "حقّ الأولويّة
للرّفض" (The right of first refusal) فالسؤال: هل يجوز مثل هذا الاشتراط؟
والظّاهر من المبادئ الفقهيّة العامّة أنّه شرطٌ يُخالف مقتضى العقد، فلا يجوز اشتراطه
فى البيع، حتّى فى مذهب الحنابلة الّذين يُجوّزون شرطاً واحداً فى البيع. قال ابن
قدامة رحمه الله تعالى:
"وإن شرط فى المبيع: إن هُو باعه، فالبائع أحقّ به بالثّمن، فروى المروذيّ
عنه (أى عن الإمام أحمد) أنّه قال فى معنى حديث النبيّ صلّى الله عليه
وسلّم: لاشرطان فى بيع، يعنى أنّه فاسد، لأنّه شرط أن يبيعه إيّاه وأن يُعطيَه
(١) المقدمات الممهدات ٣: ٧٩ والذخيرة للقرافي ٧: ٣٠٠ والكافى لابن عبدالبرص ٤٣٧

٢٥٧
المبحث الثانى
إيّاه بالثّمن الأوّل. فهما شرطان فى بيع نُهيَ عنهما، لأنّه يُنافى مقتضى العقد،
لأنّه شرط أن لا يبيعه لغيره إذا أعطاه ثمنه، فهو كما لو شرط أن لا يبيعه إلاّ من
فلان، أو أن لايبيعه أصلاً. وروى عنه إسماعيل بن سعيد: البيع جائز
.. ويحتمل أن يُحمل كلام أحمد فى رواية المروذيّ على فساد الشّرط، وفى
رواية إسماعيل بن سعيد على جواز البيع، فيكون البيع صحيحاً، والشّرط
فاسداً." (١)
ولكن يُمكن أن يُخرّج على ما قاله المتأخرون من الفقهاء الحنفيّة والمالكيّة فى بيع
الوفاء أنّ الوفاء إن لم يكن مشروطاً فى صُلب العقد، ووقع البيع بدون أيّ شرط، ثمّ
وعد البائع منفصلاً عن البيع أنّه كلّ ما جاء المشترى بالثّمن، فإنّه يردّ إليه المبيع، كما
فصّلناه فى مبحث بيع الوفاء. فكذلك هُنا إن وقع البيع خالياً من الشّرط، ثمّ وعد
المشترى أنّه إن أراد البيع فإنّه يعرضه أولاً على البائع، فالظاهر أنّه لامانع من ذلك،
والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) المغني لابن قدامة ٤: ٢١٢ و٢١٣ باب بيع الأصول والثّمار

المبحث الثالث
فی
أحكام المبيع والثّمن
وما يُشترط فيهما لجواز البيع
عر