النص المفهرس
صفحات 181-200
فقه البيوع فى المآل، وإن لم يُريدوا ذلك فى الحال، فيتعيّن المنع، وإن لم يُخْشَ ذلك، فينبغى أن يُترك الفصلُ فى ذلك إلى الإمام العادل، حتىّ يقضِيَ بما فيه مصلحةٌ للإسلام والمسلمين. والله سبحانه أعلم. ٦٨- بيع العقارات من غير المسلمين فى غير جزيرة العرب أما فى غير جزيرة العرب، فيجوز لغير المسلمين أن يستوطنوا بلداً من بُلدان المسلمين، فيجوز لهم عند جميع الفقهاء أن يتملّكوا الدُّورَ والأراضى، غير أنّ بعض المتأخّرين من فقهاء الحنفيّة منعوا بيعها منهم فى المصر، لئلاّ یكثُر سوادهم فيه. جاء فى الدّرّ المختار: "الذمّي إذا اشترى داراً، أى أراد شراءها فى المصر، لا ينبغى أن تُباعَ منه، فلواشتری یُجبر علی بیعها من مسلم، وقيل:لا یُجبر إلاّ إذا کثُر." لکن قال ابن عابدين تحته: "قال السّرخسيّ فى شرح السّير: فإن مصّر الإمامُ فى أراضيهم للمسلمين، كما مصّر عمر رضى الله عنه البصرة والكوفة، فاشترى بها أهلُ الذّمّة دوراً وسكنوا مع المسلمين، لم يُمنعوا من ذلك، فإنّا قبلنا منهم عقدَ الذّمّة ليقفوا على محاسن الدّين، فعسى أن يؤمنوا، واختلاطُهم بالمسلمين والسّكنُ معهم يحقّق هذا المعنى. وكان شيخنا الإمام شمس الأئمّة الحلوانيّ يقول: هذا إذا قلّوا، وكان بحيثُ لا تتعطّل جماعاتُ المسلمين، ولا تتقلّل الجماعةُ بسكناهم بهذه الصّفة؛ فأمّا إذاكثُروا على وجهٍ يؤدّى إلى تعطيل بعض الجماعات، أو تقليلها، مُنعوا من ذلك، وأمروا أن يسكُنوا ناحيةً ليس فيها المبحث الثانى للمسلمين جماعة. وهذا محفوظٌ عن أبى يوسف فى الأمالى."(١) والحاصلُ أنّ تمكينَهم من السَّكن فى عمارات المسلمين وشراءِهم الدُّور والأراضيَ فيها مقيّدٌ بأن لا تفوتُ به مصلحةٌ معتبرةٌ للإسلام والمسلمين، ويُمنع من ذلك حيثُ تفوتُ به تلك المصلحة، ولذلك أفتى العلماء المعاصرون بمنع بيع الأراضى من اليهود فى فلسطين،(٢) وبإهمال هذه الفتوى وقع ما وقع فى هذه الأراضى المقدّسة من احتلال الصّيهونيّين والنّكبات الفادحة التى أصابت أهلَها، عجّل الله لهم الفرج، والعياذ بالله العليّ العظيم. ٦٩- سلامة الأعضاء ولا يُشترط لصحة البيع سلامةُ أعضاء البائع أو المشترى. فيصحّ بيع الأعمى وشراؤه، ويُعرف المبيعُ بالجسّ أو الذّوق أوالشّمّ. وكذلك يصحّ بيعُ الأخرس بالإشارة المفهومة. ولا نعلم فى جواز ذلك خلافا.(٣) (١) رد المحتار، كتاب السير، فصل فى الجزية، مطلب فى سكنى أهل الذمة ١٢: ٧٦٤ فقره ٢٠١٧٧ (٢) إمداد الفتاوى للشيخ أشرف علي التهانوي ٥٩:٣ (٣) المغني لابن قدامة، ١٤٨:٤ روضة الطالبين، ٣٤١:٣ مواهب الجليل، ٢٢٩:٤ بدائع الصنائع ٣٢٢:٤ أحكام تعدد المتعاقدين ٧٠ - تعدّد المتعاقدين واشترط معظمُ الفقهاء لصحّة البيع تعدّدَ المتعاقدين. فلا يجوز أن يكون الشّخص الواحدُ عاقداً من الجانبين. وهذا إنّما يُتصوّرُ إن كان أصيلاً فى جانب، ونائباً عن الآخر فى جانب آخر، فيُتِمّ الإيجابَ بصفته أصيلاً، والقبولَ بصفته نائباً. ثمّ النّيابةُ قد تكون بعقدٍ بين النّائب والمنوب عنه، مثلِ الوكيل، يُصبحُ نائباً عن موكّله بعقد الوكالة، وقد تكون بحُكم الشّرع، مثل ما ينوب الأبُ عن ابنه الصّغير، وقد تكون بتعيين من قِبل مَن له حقُّ التّعيين، مثلُ الوصيّ. ولكلّ واحدٍ من هذه الأقسام أحكامٌ مستقلّة نذكرها فيما يلى ء إن شاء الله تعالی. ٧١- هل يجوز أن يعقد الوكيلُ البيعَ لنفسه؟ والأصلُ عند جميع الفقهاء أنّ الوكيلَ لا يجوز له أن يعقد البيعَ لنفسه، ويتولّى طرفَي العقد. فلو وكّل زيدٌ عمرواً ببيع متاعِه فلا يجوز له أن يبيعَه لنفسه بحكم الوكالة. وإن رغِب فى شراءه، فلابدّ من إيجاب منه وقبول من زيد. وهو مذهبُ الأئمّة الأربعة، المبحث الثانى غيرَ أنّهم اختلفوا فى تعليل المنع. فالّذى يَظهر من كلام الحنفيّة والشّافعيّة: أنّ المنعَ فى بعض الأحوال مبنيٌّ على أنّ الواحدَ لايتولّى طَرَفى البيع، لأنّ الحقوق فى البيع ترجع إلى العاقد، وللبيع حقوقٌ متضادّةٌ مثلُ التّسليم والتّسلّم والمطالبة، فيؤدى إلى أن يكون الشّخصُ الواحد مُسَلّماً ومُتسلّما، وطالباً ومُطالَباً، وهذا مُحال. وبناءً على هذا التّعليل، لا يُجيز الحنفيّة والشّافعيّة للوكيل بالبيع أن يبيعَ لنفسه، وإن كان بإذن من الموكّل، أو بأزيدَ من ثمن المثل.(١) ولكنّه كما سبق، إن كان يُريد البيعَ لنفسه، فإنّه يحتاج إلى إيجاب وقبول مع موكّله. أمّا إذا كان المنوبُ عنه غير أهل للتّعاقد، وانتفت التُّهمة، جاز كما سيأتى فى بيع الأب مالَ ابنه الصّغير لنفسه، وحينئذٍ يُعتبر الأبُ شخصَين حكماً، فيقع الإيجاب منه بصفة، والقبول بصفة أخرى، فيتعدّد العاقدان حكماً. ويبدو أنّ القانون الوضعيّ الإنكليزيَّ نحا فى هذا الباب منحى الحنفيّة والشّافعيّة فى أنّه يمنع الوكيل بالبيع من الشّراء لنفسه على أساس "تعارض المصالح" ( Conflict of interest) فلا يعتبر الإذن العامّ كافياً لعقد البيع بنفسه، بل يوجب أن يأخذ الوكيل (١) يقول السّرخسيّ رحمه الله تعالى: "ولوباعه الوكيل بالبيع من نفسه أو من ابن له صغير، لم يجز، وإن صرّح الموكّل بذلك. (المبسوط السرخسي، كتاب الوكالة ٣٢:١٩ ويقول ابن حجر الهيتميّ رحمه الله تعالى: "ولا يبيع لنفسه وإن أذن له، وقدّر له الثّمن ونهاه عن الزّيادة ... لأنّ علّة منع الاتّحاد ليست التّهمة، بل عدم انتظار الإيجاب والقبول من شخص واحد. (تحفة المحتاج مع الشيرواني ٣١٨:٥) ٨ فقه البيوع إذناً لاحقاً مع بيان جميع التّفاصيل ذات العلاقة الّتى تُبرّر البيعَ مع نفسه.(١) واشتراطُ ذلك يؤول إلى أن يكون هناك قبولٌ من الموكّل. أمّا المالكيّة، فالظّاهرُ مِن كلامهم أنّ علّةَ المنْع عندهم هى التُّهمة فقط، وليس كونَ الواحد يتولّى طرفَي العقد. فلو ارتفعت التّهمةُ بإذن من الموكّل أو بشراءه بأكثرَ من ثمن المثل بعد تناهى الرّغبات(٢) فيه جاز شراؤُه لنفسه. قال الدّسوقيّ رحمه الله تعالى: "وحاصلُه أنّ المنعَ مقيّدٌ بما إذا لم يكن شراؤه بعد تنا هى الرّغبات، وبما إذا لم يأذن له ربُّه فى البيع لنفسه. فإن اشترى الوكيلُ لنفسه بعد تناهى الرغبات، أو أذنه الموكّل فى شراءه لنفسه، جاز شراؤه حينئذ. ومثل إذنه له فى شراءه ما لو اشتراه بحضرة ربّه، لأنه مأذون له حكماً."(٣) وأمّا الحنابلة، فوافقوا الحنفيّةَ والشّافعيّةَ فى إحدى الرّوايتين، وجمعوا بين الأمرين فى رواية أخرى، فقالوا: لا يجوزُ أن يتولّى الواحدُ طَرفي العقد. فإن ارتفعت التُّهمة من الوكيل، بأن زاد الثّمن على ثمن المثل، جاز له البيع إلى نفسه بأن يوكّل غيره بالبيع، ويكونَ هو الأصيلَ فى الشّراء، أو يوكّل غيره بالشّراء له، ويكونَ هو البائعَ لموكّله. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (١) 2097 Chitty: On contract, v.2, p.52, Ch.1 (iv), para وقريبٌ منه القانون الفرنسيّ الإيطاليّ والألمانيّ. وأباح القانون السويسريّ ذلك للوكيل مطلقا. وراجع للتّفصيل نظريّة العقد للدكتور عبدالرزاق السنهوريّ ص ٢٢٨ فقره ٢٢١ (٢) يعنى لاأحد يرغب فى شراءه بالثّمن الّذى يُريد شراءه لنفسه. (٣) الدسوقي على شرح مختصر خليل ٣٨٧:٣ المبحث الثانى "من ؤُكِّل فى بيع شيئ لم يجُزْ له أن يشتريَه من نفسه فى إحدى الرّوايتين نقلها مُهَّا، وهو مذهبُ الشّافعيّ وأصحاب الرّأي، وكذلك الوصيّ ... وحُكيَ عن مالك والأوزاعيّ جوازُ ذلك فيهما. والرّوايةُ الثّانية عن أحمد: يجوز لهما أن يشتريا بشرطين: أحدهما: أن يزيدا على مبلغ ثمنه فى النّداء.(١) والثّانى: أن يتولّى النّداءَ غيرُه. قال القاضى: يحتمل أن يكون اشتراطُ تولّى غيره النّداءَ واجباً، ويحتمل أن يكون مستحبّاً، والأوّل أشبهُ بظاهر كلامه. وقال أبو الخطّاب: الشّرط الثّانى أن يولّيَ مَن يبيع، ويكونَ هو أحدَ المشترين. فإن قيل: فكيف يجوز له دفعُها إلى غيره ليبيعَها، وهذا توكيل، وليس للوكيل التّوكيل؟ قلنا: يجوز التّوكيلُ فيما لا يتولّى مثلُه بنفسه. والنّداءُ ممّا لم تَجْرِ العادةُ أن يتولاه أكثرُ النّاس بنفوسهم. وإن وكّل إنساناً يشترى له، وباعه هُو جاز على هذه الرّواية، لأنّه امتثل أمرَ موكّله فى البيع، وحصل غرضُه من الثّمن، فجاز كما لو اشتراها أجنبيّ. "(٢) ٧٢- بيع الأب مالَ ولده الصّغير من نفسه واستثنى الحنفيّةُ والشّافعيّة(٣) من اشتراط تعدّد العاقدين ما إذا باع الأبُ مالَه من ابنه الصّغير بمثل قيمته، أو بما يتغابن النّاسُ فيه عادةً، أو اشترى مالَ الصّغير لنفسه بذلك. وخالفهم فى ذلك زفر والحنابلة، فمَنعوا من ذلك، لأنّ القياسَ أن لايتولّی (١) يعنى النّداء فى المزايدة (٢) المغنى ٢٣٧:٥ (٣) يأتى نصّ الحنفيّة فى المتن، وراجع لمذهب الشّافعيّة المجموع شرح المهذّب ٩: ٢٨٠ وتحفة المحتاج مع الشيرواني ٣١٨:٥ ١٨٦ فقه البيوع الواحدُ طَرَفي البيع، لما فيه من الاستحالة. أمّا الأصحاب الثّلاثة، فجوّزوا ذلك استحساناً. وجهُ الاستحسان قولُ الله عزوجل: "وَلَاتَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِالَّتِي هِىَ أحسَنُ. "(الأنعام: ١٥٢) والبيعُ والشّراءُ بمثل قيمته وبما يتغابن النّاسُ فيه عادةً قد يكون قُرباناً على الوجه الأحسن. أمّا أنّ الواحدَ لايتولّى طَرفي البيع، فإنّ الأبَ بحُكم كونه وليّاً كاملُ الشّفقة يُنسب فعلُه إلى فعل الصبيّ لو كان بالغاً، فيُجْعل كأنّ الصبيّ باع أو اشترى بنفسه وهو بالغ، فتعدّد العاقدُ خُكماً، فلا يؤدى إلى الاستحالة. وهو مذهب الشّافعيّة أيضاً(١) ٧٣- بيع وليّ أو وصيّ غير الأب من نفسه أمّا غيرُ الأب من الأولياء والأوصياء، فإن باع أحدُهم مالَ نفسه من الصّغير، أو اشترى مالَ الصّغير لنفسه، فإن لم يكنْ فيه نفعٌ ظاهر، لا يجوز بالإجماع. وإن كان فيه نفعٌ ظاهرٌ، جاز عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى. ولايجوز عند محمّد رحمه الله تعالى، وهو قول الشّافعيّة.(٢) وجه قول محمّد والشّافعيّ رحمهما الله تعالى أنّ القياسَ يأبى جوازه أصلاً من الأب والوصيّ جميعاً، لما ذكرنا من الاستحالة، إلاّ أنّ الأبَ لكمال شفقته جُعل شخصُه المتّحدُ حقيقةً، متعدّداً ذاتاً ورأياً وعبارةً. والوصيُّلا يُساويه فى الشّفقة، فبقيَ الأمرُ فيه على أصل القياس. ودليلُ أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى أنّ تصرّفَ الوصيّ إذا كان فيه نفعٌ ظاهرٌ لليتيم قربانُ مالِه على الوجه الأحسن، فيملكُه بالنّصّ. والوصيُّ له شِبْهان: شبه (١) بدائع الصنائع، ٣٢٢:٤ حواشى الشيرواني على تحفة المحتاج ٣١٨:٥ (٢) المرجعان السابقان ١٨٧ .Sos المبحث الثانى بالأب، وشبةٌ بالوكيل. أمّا شِبْهُه بالوكيل، فلكونه أجنبيّاً، وشبهُه بالأب لكونه مرضيَّ الأب. فالظّاهر أنّه مارضِيَ به إلاّ لوفور شفقته على الصّغير. فأثبتنا له الولايةَ عند ظهور النّفع عملاً بشِبه الأب، وقطعنا ولايته عند عدمه، عملاً بشبه الوكيل، وعملاً بالشِّبهين بقدر الإمكان.(١) وتبيّن ممّا ذكرنا من المذاهب الفقهيّة فى الموضوع أنّ الأصل فى جميعها أنّ الواحد لا يتولّى طَرفي العقد، لكونه مضاداً لمنطق "العقد" الّذى يقتضى أن يكون فيه طَرَفان، ولكن عند جميعهم فى هذا الأصل مستثنياتٌ ترجع إلى مصلحة الموكّل أو المنوب عنه. والّذى يظهر أنّ ما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة أو فى برعاية المصالح، والله سبحانه أعلم. ٧٤- إن كان أحدُ العاقدين يقصد بالعقد ارتكاب معصية ومنَع بعضُ الفقهاء البيعَ إن قَصد به أحدُ المتعاقدين معصيةً، وعلِم الآخرُ ذلك. فذهب الحنابلة إلى أنّ البائع إن كان عالماً بقصد المشترى، فإنّ البيعَ حرامٌ وباطل، فلا يثبت ملكُ المشترى فى المبيع، ولا ملكُ البائع فى الثمن. جاء فى المقنع: "وبيع العصير ممن يتخذه خمراً باطل". وقال ابن قدامة تحته: "فإنّما يحرُم البيع ويبطل إذا علِم البائع قصدَ المشترى ذلك إمّا بقوله، وإمّا بقرائنَ مختصّة به تدُلّ على ذلك. فأمّا إن كان الأمرُ محتمَلاً، مثل أن يشتريها مَن لايُعلم حاله، أو مَن يعمل الخلّ والخمر معاً، ولم يلفِظْ بما يدلّ على (١) بدائع الصّنائع ٣٢٢:٤ و٣٢٣ ١٨٨ فقه البيوع إرادة الخمر، فالبيع جائز، وإذاثبت التّحريم، فالبيع باطل."(١) أمّا المالكيّة، فالظّاهر من عباراتهم أنّ البيع حرام، ولكنه ينعقد صحيحاً. قال الزّرقانيّ رحمه الله تعالی: "وكذا يُمْنع أن يُباع للحربيّين آلةُ الحرب من سلاح أو كُراعٍ أوسَرْج، وجميعُ ما يتقوَّون به على الحرب ... وكذا الدّارُ لمن يتّخذها كنيسة، والخشبةُ لمن يتّخذها صليباً، والعنبُ لمن يعصره خمراً، والنّحاسُ لمن يتّخذه ناقوساً، وكلّ شيئ يُعلم أنّ المشترىَ قصدبه أمراً لايجوز، كبيع الجارية لأهل الفساد الّذين لاغيرةَ لهم لويُطعمونها من حرام، والمملوكُ ممن يُعلم منه الفساد به."(٢) وقال الدّردير رحمه الله تعالى: "ومنع ... بيعُ مصحف أو جزءه وكتب حديثٍ لكافر كتابيّ أو غيره، والبيعُ صحیح علی المشهور وإن مُنع." وقال الصّاويّ رحمه الله تعالى تحته: "وكذا يُمنع بيعُ كلّ شيئ علم أنّ المشترى قصد به أمراً لا يجوز، كبيع جارية لأهل الفساد، أو مملوك أو بيع أرض لتُتّخذ كنيسة أو خمّارة، أو خشبة لمن يتّخذها صليبا، أو عنب لمن يعصره خمراً."(٣) (١) المغنى لابن قدامة ٢٨٤:٤ (٢) شرح الزرقاني على مختصر خليل، ١١:٥ وراجع أيضامواهب الجليل للحطاب ٢٥٤:٤ (٣) الشرح الصغير للدردير ٢٠:٣ ١٨٩ المبحث الثانى أمّا الشّافعيّة، فإنّ مثل هذا البيع مكروهٌ عندهم بشرط العلم، ولكنّه ينعقد صحيحا. قال الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى: "أصل ما أذهب إليه أنّ كلّ عقد كان صحيحاً فى الظّاهر لم أُبْطِلْه بتُهمة، ولا بعادة بين المتبايعين، وأجزتُه بصحّة الظّاهر، وأكره لهما النّيّة إذا كانت النّةُ لوأُظهرت كانت تُفسد البيع، وكما أكره للرّجل أن يشترىَ السّيف على أن يقتل به، ولا يحرُم على بائعه أن يبيعه ممّن يراه أنّه يقتُل به ظلماً، لأنّه قد لا يقتُل به، ولا أُفسد عليه هذا البيع، وكما أكره للرّجل أن يبيع العنبَ ممّن يراه أنه يعصره خمراً، ولا أُفسد البيع إذا باعه إيّاه، لأنه باعه حلالاً، وقد يمكن أن لا يجعله خمراً أبداً، وفى صاحب السّيف أن لا يقتل به أحداً أبدا."(١) أمّا الحنفيّة، فالظّاهر من مُتونهم أنّهم فرقوا بين ما قامت المعصية بعينه، فکرهوا بیعَه کبيع السّلاح من أهل الفتنة، وبيع أمرد ممّن يفجُربه، وبين مالم تقُمِ المعصيةُ بعينه، بل تحتاج إلى صَنْعة من المشترى، فأجازوا بيعه، كبيع العصير ممّن يتّخذه خمرا، وبيع أرضٍ لمن يتّخذه كنيسة. وإنّ عباراتِ القوم فى شرح هذا الأصل مختلفة، وقد ألّف والدى العلاّمة الشّيخ المفتى محمد شفيع رحمه الله تعالى رسالةً مستقلّة فى الموضوع جمع فيها نصوصَ الفقهاء الحنفيّة، واستخلص منها مايلى، وأنقله بنصّه، على طُوله، لكونه مشتملاً على فوائد كثيرة: "والذى ظهر لى بفضل الله وكرمِه فى الفرق بينهما هو أنّ ما قامت المعصية بعينه هو ما كانت المعصيةُ فى نفس فعل المعين، بحيث لا تنقطع عنه نسبتُها (١) کتاب الأمّ، ٤: ١٥٢ ١٩٠ فقه البيوع بفعل ذلك الفاعل المختار. وذلك بثلاثة وجوه: الأول: أن يقصد الإعانة على المعصية، فإنّ من باع العصيرَ بقَصْدِ أن يتّخذ منه الخمر، أو أمردَ بقصد أن يفْسُق به، كان عاصياً فى نفس هذا البيع بهذه النّة والقصد. وكذا من آجرَ بيتاً بقصد أن يُباع فيه الخمر، فقامتِ المعصية بعين هذه الإجارة مع قطع النّظر عن فعل فاعل مختار، لاقتران هذه النّة، كما مرّ مصرّحاً فى الأشباه وحظر رد المحتار.(١) والثّانى: بتصريح المعصية فى صُلب العقد، كمن قال: بعْنى هذا العصير لأنّخذه خمراً، فقال: بعتُه، أو آجرْ لى بيتَك لأبيع فيه الخمر، فقال: آجرتُه،٢ فإنّه بهذا التّصريح تضمّن نفسُ العقد معصيةً، مع قطع النّظر عمّا يحدُث بعد ذلك من اتّخاذه خمراً، وبيع الخمر فيه. وذلك لما فى إجارات المبسوط للسّرخسىّ رحمه الله تعالى: "وإذا استأجر الذّمَىّ من المسلم بيتاً ليبيع فيه الخمرَ، لم يجُز لأنّه معصية، فلا ينعقد العقدُ عليه ولا أجرَ له عندهما، وعند أبى حنيفة (١) عبارة ردالمحتار: "ولعلّ المراد هُنا عَصرُ العنب على قصد الخمريّة، فإنّ عين هذا الفعل معصيةٌ بهذا القصد." (رد المحتار، كتاب الحظر والإباحة، فصل فى البيع ٦: ٣٩٢) وعبارة الأشباه: "وذكر قاضى خان فى فتاواه أنّ بيع العصير ممّن يتخذه خمرا إن قصد به التّجارة، فلا يحرُم، وإن قصد به لأجل التّخمير، حرم." (الأشباه والنظائرمع الحموي١ّ: ١٠٢ و١٠٣ الفنّ الأول، القاعدة الثّانية: الأمور بمقاصدها) (٢) وينبغى أن يكون فى حكمه إذا عقد توريد العصير لمصنع الخمر، فإنّه وإن لم يكن العقد فيه صراحةٌ أنّ العصير يُستعمل فى صناعة الخمر، ولكنّ توريده إلى المصنع تصريحٌ حكماً بأنّ المقصود صناعةُ الخمر، والله سبحانه وتعالى أعلم. المبحث الثانى رحمه الله تعالى يجوز. والشّافعيّ رحمه الله تعالى يجوّز هذا العقد، لأنّ العقدَ يرد على منفعة البيت، ولا يتعيّن عليه بيعُ الخمر، فله أن يبيعَ فيه شيئاً آخر. يجوز العقد لهذا، ولكنّا نقول: تصريحُهما بالمقصود لا يجوّز اعتبارَ معنىً آخر فيه، وما صرّحابه معصية.(١) قلت: وقولُ أبى حنيفة "يجوز" لا يستلزمُ أيضاً جوازَ هذا الفعل بمعنى رفع الإثم، بل ظاهرُ اللّفظ بمعنى تصحيح العقد فقط، كما صرّح به فى عبارة الأصل (٢) "له الأجر". والثّالث: بيع أشياءَ ليس لها مصرفٌ إلّ فى المعصية، فيتمحّض بيعُها وإجارتُها للمعصية، وإن لم يصرّح بها. ففى جميع هذه الصّور قامت المعصية بعين هذا العقد، والعاقدان كلاهما آثمٌ بنفس العقد، سواءً استعمل بعد ذلك فى المعصية أم لا، وسواءٌ استعملها على هذه الحالة، أو بعد استحداث صنعة فيه. فإن استعملها فى المعصية، كان ذلك إثماً آخر على الفاعل خاصّةٌ. ولك أن ترجع الوجوه الثّلاثةَ إلى وجه واحد، وهو القصد والنّة، فإنّ القصدَ فى الوجه الأوّل موجودٌ صراحة، وفى الثّانى والثالث حكماً ومعنىّ .. وماليس كذلك لم تقُم المعصية بعين فعل المُعين. وسائرُ (١) المبسوط ٣٨:١٦ (٢) ما ذكره الكاسانيّ رحمه الله تعالى عن الأصل نصّه: "من استأجر حمّالاً يحمل له الخمر فله الأجرفى قول أبى حنيفة. وعند أبى يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى لاأجر له."(بدائع الصّنائع ٤: ٤١ بقية كتاب الإجارة) فقه البيوع الجزئيّات المذكورة من بيع العصير والأمرد والجارية المغنّية والكبش النّطوح والحمامة الطَّارة، وإجارة البيت لبيع الخمر، أو اتّخاذه بيتَ نار أو كنيسة ... كلُّها داخلةٌ فى هذا القسم، أعنى مالم تقُم المعصيةُ بعينه، بشرط أن لا ينويَ بها معصية، ولا يصرّحَ بها فى العقد، ولا يتمحّضَ استعمالها فى المعصية كما قلنا. وعلى هذا فخرجت هذه الجزئيّاتُ كلّها من باب الإعانة على المعصية حقيقةً ... " "لكن هناك معنى آخرٌ يُقارب معنى الإعانة، وهو التّسبّب. وهو أيضاً لا يخلو عن حرمة وكراهة إذا كان سبباً للمعصية ... " ... فتنقيحُ الضّابط فى هذا الباب على مامن به علىّ ربّى: أنّ الإعانةَ على المعصية حرامٌ مطلقاً بنصّ القرآن أعنى قوله تعالى: " وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان (المائدة: ٢) وقوله تعالى: فَلَنْ أُكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (القصص: ١٧) ولكنّ الإعانةَ حقيقةً هى ماقامت المعصية بعين فعل المعين، ولا يتحقّق إلا بنّة الإعانة، أو التصريح بها، أو تعيُّنها فى استعمال هذا الشّيئ بحيثُ لا يحتمل غيرَ المعصية. ومالم تقُم المعصيةُ بعينه لم يكن من الإعانة حقيقةً، بل من التّسبّب، ومن أطلق عليه لفظ "الإعانة" فقد تجوّز، لكونه صورةَ إعانة، كما مرّ من السّير الكبير. (١) (١) "فإن اشتروا دُوراً للسُّكنى فأرادوا أن يتّخذُوا داراً منها كنيسة أو بيعةً أو بيتَ نار يجتمعون فيها لصلاتهم مُنِعوا من ذلك ... ولا ينبغى لأحدٍ من المسلمين أن يؤاجرهم بيتاً لشيءٍ من ذلك لما فيه من صورة الإعانة إلى ما يرجع إلى الاستخفاف بالمسلمين، فإن آجرهم فأظهروا شيئا من ذلك في تلك الدّار منعهم صاحبٌ البيت وغيرُه من ذلك، على سبيل النّهي عن المنكر، وهو في ذلك= ١٢ 0 المبحث الثانى ثم السّببُ إن كان سبباً محرّكاً وداعياً إلى المعصية، فالتّسبّب فيه حرامٌ، كالإعانة على المعصية بنصّ القرآن كقوله تعالى: وَّا تَسْبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّهِ" (الأنعام: ١٠٩) وقوله تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْل (الأحزاب: ٣٢) وقوله تعالى: وَلَا تَبَرَّجْنَ الآية (الأحزاب: ٣٣). وإن لم يكنْ محرّكاً وداعياً، بل مُوصِلاً محضاً، وهو مع ذلك سببٌ قريب بحيثُ لايحتاج فى إقامة المعصية به إلى إحداث صنعة من الفاعل، كبيع السّلاح من أهل الفتنة، وبيع الأمرد ممّن يعصِى به، وإجارة البيت ممّن يبيع فيه الخمرَ، أو يتّخذُها كنيسةً أو بيتَ نار وأمثالها، فكلُّه مكروه تحريماً بشرط أن يعلم به البائع والآجرُ، من دون تصريح به باللّسان، فإنّه إن لم يعلم كان معذوراً، وإن علم وصرّح كان داخلاً فى الإعانة المحرّمة. وإن كان سبباً بعيداً بحيثُ لا يُفضى إلى المعصية على حالتها الموجودة، بل يحتاج إلى إحداث صنعة فيه، كبيع الحديد من أهل الفتنة وأمثالها، فتُكرَهُ تنزيهاً."(١) وإنّما أطلْتُ فى نقل هذا الكلام لكونه فى غاية الوجاهة، وبه تنطبق عباراتُ الحنفيّة الّتى ربّما تبدو مضطربةً فى هذا الموضوع. ويتلخّص منه أنّ الإنسان إذا قصَد الإعانةَ على المعصية بإحدى الوجوه الثلاثة المذكورة، فإنّ العقد حرامٌ لا ينعقد، والبائع آثم. أمّا إذالم يقصد ذلك، وكان البيعُ سبباً للمعصية، فلا يحرُم العقد، ولكن إذاكان سبباً = كغيره، ولا يُفسخ عقدُ الإجارة بهذا، بمنزلة ما لو آجر بيتَه من مسلم، فكان يجمع النّاسَ فيه على الشّراب أو يبيع المُسكِرَ فيه، فإنّه يمنعه من ذلك على سبيل النّهي عن المنكر ولا تُفسخ الإجارةُ لأجله. (متن السير الكبير من شرح السرخسي له ٤: ١٥٣٧ و١٥٣٨ فقره ٣٠٢١ و ٣٠٢٣) (١) جواهر الفقه ٤٤٧:٢ ١٩٤٩ فقه البيوع محرّكاً، فالبيعُ حرام، وإن لم يكن محرّكاً، وكان سبباً قريباً بحيثُ يُستخدم فى المعصية فى حالتها الرّاهنة، ولا يحتاج إلى صَنعة جديدة من الفاعل، كُره تحريماً، وإلّا فتنزيهاً. وعلى هذا يُخرَج حكمُ بيع البناء أو إجارتِه لبنكٍ ربوىّ. فإن قصَد البائعُ الإعانةَ، أو صرّح فى العقد بكونه يُستخدم للأعمال الرّبويّة، حرُم البيع وبطل. والظّاهرُ أنّ المستأجرَ حينما يعقد البيعَ أو الإجارةَ لإقامة فرع للبنك مثلاً، فإنّه فى حكم التّصريح بأنّ البناءَ يُستعمل للأعمال الرّبويّة. أمّا إذا بيع البناءُ أو أُجّر لغرض آخر للبنك، مثل التّخزين وغيره، فلا يدخل فى ذلك الحكم، وليس سبباً قريباً للمعصية، فينبغى أن يجوز مع الكراهة تنزيهاً. وكذلك الحكم فى بَرْمَجَة الحاسب الآلىّ (الكمبيوتر) لبنكٍ ربوىّ، فإن قُصِد بذلك الإعانة، أوكان البرنامجُ مشتملاً على ما لا يصلُح إلّ فى الأعمال الرّبويّة، أو الأعمال المحرّمة الأخرى، فإنّ العقد حرام وباطل. أمّا إذا لم يقْصِدِ الإعانة، وليس فى البرنامج ما يتمحّض للأعمال المحرّمة، صحّ العقدُ وكُره تنزيهاً. وعلى هذا الأساس يمكن تخريجُ مسائلَ حديثةٍ كثيرةٍ من هذا النّوع، والله سبحانه وتعالى أعلم. وسيأتى مزيد التّفصيل لهذه المسئلة فى شروط المبيع إن شاء الله تعالى. وكذلك يندرج فى أحكام المتعاقدين ما إذا كان أحدهما يعقد بالكسب الحرام، ولكنّ أحكامه تحتاج إلى بسط وتفصيل، وسوف نذكره إن شاء الله تعالى فى مبحث مستقلّ بعد أحكام البيع الفاسد. الباب الثانى فى رضا المتعاقدین ومايتعلق به ٧٥- رضا المتعاقدين ويجب لجواز البيع تراضى المتعاقدين لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَّكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ (النّساءِ: ٢٩) وقدرُويَ عن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "إنّما البيعُ عن تراضٍ. "(١) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: "لا يتفرّقن عن بيعٍ إلّا عن تراض." (٢) وعن أبي حرّة الرّقاشيّ، عن عمّه، أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (١) السنن الكبرى للبيهقي، كتاب البيوع، باب بيع المضطر، ج٦ ص ١٧ (٢) أخرجه الترمذيّ فى سننه، كتاب البيوع، الباب ٢٦، حديث ١٢٤٨، وقال: هذا حديث غريب ١٩٦ فقه البيوع "لا يحلّ مالُ امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسٍ منه."(١) وعن أبي حميد الساعديّ رضى الله تعالى عنه أنّالنّبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: "لا يحلّ لامرئ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيب نَفْس مِنْهُ". (٢) وممّا يفوتُ به رضا أحد المتعاقدين: الإكراه، والاضطرار، والتّغرير، أو التّدليس، والخطأ، والهزل، فلنذكرْ أحكامَ كلّ واحدٍ منها بشيئ من التّفصيل. وبالله سبحانه التّوفيق للسّداد. ٧٦- الإكراه وأثره على البيع لا يجوز بيعُ المكْرَه عند أحد، لكون الإكراه مفوّتاً لرضا المكرَه. وقد ورد فيه حديثٌ أخرجه البيهقيّ عن عبد الله بن عمرو رضى الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "لايركب البحرَ إلاّ حاجٌ، أو معتمر، أو غاز فى سبيل الله، ولا يُشترى من ذى ضَغْطة سلطان شيئاً. "(٣) وفى إسناده بشيربن مسلم الكنديّ، قال فيه الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قال (١) رواه أبو يعلى فى مسنده، رقم ١٥٧٠، ٣: ١٤٠، وقال الهيثميّ تحت هذا الحديث: "رواه أبو يعلى. وأبو حرة وثقه أبو داود، وضعفه ابن معين." (مجمع الزوائد، كتاب البيوع، باب الغصب وحرمة مال المسلم، حديث ٦٨٦٦، ١٧٢:٤) (٢) أخرجه ابن حبان فى صحيحه، كتاب الجنايات، حديث ٥٩٧٨ (٣) السنن الكبرى للبيهقي، باب بيع المضطر، ١٨:٦ ١٩٧ المبحث الثانى البخاري: ولم يصح حديثه. " كمافى التّهذيب، (١) ولكنّ الجزء الأخير منه مؤيّد بالحديث المعروف: "إنّ الله وضع عن أمّتى الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه. "(٢) والحديث المعروف: "لا يحلّ مالُ امرئ مسلم إلاّ بطيب نفس منه."(٣) ولذلك اتّفق الفقهاء على أنّه لايجوز بيع المكرَه بغير حقّ، والإكراه الملجئ وغيرُ الملجئ فى ذلك سواء. قال الحصكفىّ رحمه الله تعالى: "لأنّ الإكراه الملجئ وغيرَ الملجئ يُعدمان الرّضا، والرّضا شرطٌ لصحّة هذه العقود. "(٤) وقال الإمام النّووىّ رحمه الله تعالى: "ذكرنا أنّ المكرَه بغير حقٍّ لا يصحّ بيعُه. هذا مذهبُنا، وبه قال مالك وأحمد والجمهور. وقال أبو حنيفة: يصحّ، ويقف على إجازة المالك فى حال اختياره."(٥) والواقع أنّ الحنفيّة يُدخلون بيع المكرَه فی بیع فاسدٍ موقوف. قال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى: "وأفاد فى المنار وشرحِه أنّه ينعقد فاسداً، لعدم الرّضا الذى هو شرطُ النّفاذ، وأنّه بالإجازة يصحّ ويزول الفساد. وبه عُلم أنّ الموقوف على الإجازة صحْتُه، فصحّ كونُه فاسداً موقوفاً، وظهر أنّ الموقوف: منه فاسدٌ، كبيع المكرَه، ومنه صحیحٌ، (١) تهذيب التهذيب، ١: ٤٦٧ (٢) سنن ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسى، حديث ٢٠٤٥، وقال البوصيري فى مصباح الزجاجة تحته: "هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع. قال المزي في الأطراف: رواه بشر بن بكر التّنّيسيّ عن الأوزاعي عن عطاء عبيد بن عمير عن ابن عباس. انتهى . وليس ببعيد أن يكون السقط من صنعة الوليد بن مسلم فإنه كان يدلس تدليس التسوية." (مصباح الزجاجة ١٢٦:٢) (٣) أخرجه أبو يعلى فى مسنده كما فى مجمع الزّوائد ٤: ١٧٢ وقد مرّتعليق الهيثمي عليه (٤) الدر المختار مع رد المحتار، كتاب الإكراه ٦: ١٣٠ (٥) المجموع شرح المهذّب ٩: ١٦١ ١١٩٨ فقه البيوع كبيع عبدٍ أو صبىِّ محجورين."(١) ومُفاد كونِه فاسداً عند الحنفيّة، لا باطلاً، أنّ المشتري يملكُه إن قبض، فيصحّ منه كلُّ تصرّفٍ لايُمكنُ نَقْضُه، مثلُ الإعتاق والتّدبير والاستيلاد، ولكن لايصحّ ما يقْبل النّقض، مثلُ البيع والهبة والتّصدَّق. ومُفادُ كونه موقوفاً أنّه ينقلب نافذاً بإجازة المكرَه، سواءٌ أكانت الإجازةُ بالقول أم بالفعل، مثل قبض الثّمن، وتسليم المبيع، بشرط أن يكون فى حَالة الطَّوع بعد زوال الإكراه.(٢) ٧٧ - الإكراهُ الّذى يُفسد البيع ذكرنا فيما سبق أنّ الإكراهَ الّذى يُبطل الرّضا، ويُبطلُ العقد، يستوى فيه الإكراهُ الملجئ وغيرُ الملجئ. وقد عرّف الكاسانيّ رحمه الله تعالى الإكراه الملجئ (وسمّاه إكراهاً تامًاً) وغير المُلجئ بقوله: "نوعٌ يوجب الإلجاء والاضطرار طبعاً، كالقتل والقطع والضرب الّذى يُخاف فيه تلَف النّفس أو العضو، قلّ الضّرب أو كثر .. وهذا النّوعِ يُسمّى إكراهاً تاماً. ونوعٌ لا يوجب الإلجاء والاضطرار، وهو الحبس والقيد والضّرب الَّذى لايُخاف منه التّلف. وليس فيه تقديرٌ لازمٌ، سوى أن يلحقه منه الاغتمام البيّن من هذه الأشياء، أعنى الحبس والقيد والضّرب. وهذا النّوعِ من الإكراه يُسمّى إكراهاً ناقصاً. "(٣) (١) ردالمحتار، أوائل كتاب البيوع، ١٤: ١٤ و ١٥ فقره ٢٢١٧٨ (٢) وراجع للتفصيل كتاب الإكراه من رد المحتار٦: ١٣٠ و١٣١ (٣) بدائع الصّنائع ٦: ١٨٤ كتاب الإكراه ١٩ المبحث الثانى وأدخل الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة فى الإكراه التّهديدَ بإيذاء الولد، أو الوالد، أو أحدٍ من ذوى رحم محرم، لأنّ إلحاق الأذى بهم يُلحِقُ المكرَه غمّاً يُعدم الرّضا. لكيّة على الولد والوالد، ولم يُلحقوا الأقارب الآخرين فى هذا (١) الحكم. وكذلك يتحقّق الإكراه بتهديد إتلاف المال. قال الحصكفيّ رحمه الله تعالى فى بيان شروط تحقّق الإكراه: "كونُ الشّيئ المكرَه به مُتِلِفاً نفساً، أو عضواً، أو موجباً غمّاً يُعْدِمِ الرّضاء" وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى فى تفسير "متلفاً نفساً": "أى حقيقيّة، أو حكميّةً، كتَلَف كلّ المال، فإنّه شقيقُ الرّوح، كما فى الزّاهديّ. "(٢) ثمّ نقل فى آخر كتاب الإكراه عن بعض الفقهاء ما يدلّ على أنّ تلف جميع المال ليس بشرطٍ عندهم، بل يكفى خشيةُ تلف بعض المال لتحقّق الإكراه، وإن كانت النّقولُ (١) ذكرابن عابدين عن المبسوط أنّ فى الاستحسان حبس الأب إكراه، وذكر الطّوريّ أنّ المعتمد أنّه لافرق بین حبس الوالدین والولد فی وجه الاستحسان. وزاد القھستاني، أو غیرہ من ذوی رحم محرم، وعزاه للمبسوط." (ردالمحتار، كتاب الإكراه تحت قوله "أوحبس" ٦: ١٣٠) وقال ابن قدامة: "وإن تُوعّد بتعذيب ولده، فقد قيل: ليس بإكراه، لأنّ الضّرر لاحقّ بغيره، والأولى أن يكون إكراها. " (المغنى، كتاب الطلاق ٢٦٢٠٨) وجاء فى تحفة المحتاج وحاشيته ما يدلّ على أن التهديد بقتل أحد من ذوى رحمه أو صديقه أو خادمه الذى يحتاج إليه، وكذلك التهديد بجرحه إكراه فى إعدام الرّضا فى الطّلاق. (راجع تحفة المحتاج مع الشيرواني ٨: ٣٧) وقال الدردير رحمه الله تعالى: "أو قتل ولده وإن سفل، وكذا بعقوبته إن كان باراً، أو بأخذ لماله أو بإتلافه" ثمّ ذكر أنّ قتل الأب إكراه أيضاً عند البعض، ولكن قتل غيرهما ليس إكراها. (الشرح الكبير مع الدسوقىّ، كتاب الطلاق، ٣٦٨:٢) (٢) الدر المختار مع ردّ المحتار، كتاب الإكراه ١٢٩:٦