النص المفهرس
صفحات 121-140
فقه البيوع مذهب الإمام أحمد الّذى يجوّز أن يُمسك البائعُ مبلغَ العربون إن لم ينفّذ المشترى البيع. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "فأمّا إن دفع إليه قبل البيع درهماً، وقال: لا تبع هذه السّلعة لغیری، وإن لم أشترها منك، فهذا الدّرهم لك، ثمّ اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدئ، وحَسَب الدّرهم من الثّمن، صحّ، لأنّ البيع خلا عن الشّرط المفسد ... وإن لم يشتر السّلعة فى هذه الصّورة، لم يستحقّ البائع الدّرهم، لأنّه يأخذه بغير عوض، ولصاحبه الرّجوعُ فيه، ولا يصحّ جعله عوضاً عن انتظاره وتأخير بيعه من أجله، لأنّه لوكان عوضاً عن ذلك، لما جاز جعله من الثّمن فى حال الشّراء، ولأنّ الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه."(١) وقرّر المجلس الشرعي للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة فى هذا الموضوع مايلي: "ولا يُعتبر هامشُ الجدّة عربوناً. وهذا المبلغ المقدّم لضمان الجدّة إمّا أن يكون أمانةً للحفظ لدى المؤسّسة، فلا يجوز لهاالتّصرف فيه، أو أن يكون أمانةٌ للاستثمار بأن يأذن العميلُ للمؤسّسة باستثماره على أساس المضاربة الشّرعيّة بين العميل والمؤسّسة. لا يجوز للمؤسّسة حَجْزُ مبلغ هامش الجدّة فى حالة نُكول العميل عن تنفيذ وعده الملزم. وينحصر حقّها فى اقتطاع مقدار الضّرر الفعليّ المتحقّق نتيجةَ النّكول، وهو الفرقُ بين تكلفة السّلعة وثمن بيعها لغير الآمر بالشراء، ولا يشمل (١) المغنى لابن قدامة، مبحث العربون ٤: ٢٨٩ المبحث الأول التّعويض ما يسمّى ب الفرصة الضّائعة. "(١) وقد ذكرنا فيما سبق بتفصيل أنّ القوانينَ الوضعيّةَ تُفرّق بين "اتّفاقيّة البيع" (Agreement to Sell) و"البيع" (Sale) بأنّ "اتّفاقيّة البيع" مواعدةٌ من الطّرفين لإنجاز البيع فى وقتٍ لاحق، ولا ينقُل مِلكَ المبيع إلى المشترى، و"البيعُ" عقدٌ ينتقلُ به مِلكُ المبيع إلى المشترى فوراً. وإن كانت اتفاقيّةُ البيع تنقُلُ العقدَ إلى "البيع " عند حلول التّاريخ المحدّد فيها بصفة تلقائيّة، دون حاجة إلى إنشاء إيجاب وقبول من جديد، ولكنّ البيعَ غيرُ ناجز قبل حلول ذلك التّاريخ. وقد جرى العملُ على أنّ البائع ربّما يُطالِبُ المشتريَ بدفع مبلغٍ إلى البائع، ويحِقّ للبائع إن لم يُنفّذ المشترى البيعَ فى التّاريخ المحدّد، أن يُمسِكَ هذا المبلغ، ولا يُرُدّه إلى المشترى. وإنّ هذا المبلغَ قد يُسمّى "هامش الجدّيّة" (Earnest Money) وقد يُسمّى "الجزء المقدّم من الثّمن" أو "الأداء الجزئي" (Down Payment or part payment) أو "الضّمان" (deposit)(٢) والّذى يظهر من تعريف هذه الاصطلاحات فى القانون أنّ هامشَ الجدّيّة ما يُدفع من المشترى فى مرحلة المواعدة قبل إنجاز البيع، و"الجزء المقدّم من الثّمن" أو "الأداء الجزئي" ما يُدفع بعد إنجاز البيع. وإن كان كلٌّ منهما (١) المعايير الشرعية، معيار المرابحة للآمر بالشراء بند ٣/٥/٢ و٤/٥/٢ والمراد من الفرصة الضائعة (opportunity cost)، أنّ صاحب المال إن كان استثمره خلال مدة الإخفاق، فإنّه كان يرجو أن يحصل على ربح معيّن، وهذه الفرصة قد ضاعت عليه بسبب تخلف الواعد عن وعده، فلو حمّل الموعود له الواعد هذا الربح المتوقع، فإنه يعتبر ضمانا للفرصة الضائعة، وذلك لايجوز فى الشريعة. (٢) راجع 96 -94 .Pollock And Mulla, On Sale Of Goods Act, 1930, Section 5, P ١٠١٢٢ فقه البيوع يُستعمل فى معنى الآخر فى الإطلاقات العامّة.(١) ولكن يقضى القانونُ فى جميع الحالات أنّ المشتريَ إن لم يُنفّذ البيع، فإنّه يحقّ للبائع أن يُصادرَ المبلغ المد فوعَ ولا یرُدّه إليه. أمّا من الناحية الشّرعيّة، فلا بُدَّ من الفرق بين حالتين: الحالةُ الأولى: أن يُدفَع المبلغُ مع إنجاز البيع أو بعده، ويُعتبرَ جزءً من الثّمن عند تنفيذه، ولو سُمّيَ باسم "هامش الجدّيّة"، فحُكمُه من النّاحية الفقهيّة حكمُ العربون، حيثُ يجوز عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن يُصادرَ البائعُ هذا الجزء إن تخلّف المشترى عن تنفيذ البيع، ولا يجوز ذلك عند غيره. والحالةُ الثّانية: أن يُدفعَ المبلغُ فى مرحلة المواعدة قبل إنجاز البيع، سواءٌ سُمَّ " عربوناً" أو "الجزء المقدّم من الثّمن"، فإنّه ليس عربوناً، وإنّما حُكمُه مَا ذكرناه فى حُكم هامش الجدّيّة من أنّه لا يجوز عند أحد من الفقهاء الأربعة، بما فيهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أن يُصادرَه البائع، وإن لم ينفّذ العقدُ من قبل المشترى. وعلى هذا، لو وقّع العاقدان على "اتّفاقيّة البيع" ولم يتمّ "البيع" بأن يكونَ إنجازُه موعوداً فى وقت لاحق، أو عند توافر شرطٍ من الشّروط، فإنّ ما يدفعُه المشترى إلى البائع حكمُه ما ذكرنا فى حكم هامش الجدّة ويجب ردّه إلى المشترى إن لم يُنفّذ العقد لسبب من الأسباب. (1) Black's Law Dictionary, "Down Payment" and "Earnest Money" أحكام بيع المزايدة ٣٩- بيع المزايدة (Auction) ومن الطُرق الشّائعة لعقد البيع ما يُسمّى "بيع المزايدة" أو "بيع من يزيد" أو "المزاد" ويُسمّى بالإنكليزيّة Auction وبالأرديّة "نيلام". وقد عرّفه ابن جُزيّ بقوله: "أن يُناديَ على السّلعة، ويزيدَ النّاسُ فيها بعضُهم على بعض، حتّى تقفَ على آخر زائدٍ فيها، فيأخذها."(١) وقد تُسمّى المزايدة "بيع الدلالة" و"بيع المناداة" وسمّاه بعض الفقهاء "بيع الفقراء" لوقوعه على بيع أثاثهم عند الحاجة، و"بيع من كسدت بضاعته" لوقوعه على بيع السّلع غير الرائجة. (٢) وإنّ لبيع المزايدة مصطلحات: فطرْحُ البائع أو وكيله شيئاً للمزايدة يُسمّى "نداءً" أو "صياحاً" والثّمن الّذى يُبدى أحدُ المشاركين استعداده للشّراء به، يُسمّى "عطاءً" أو "عرضاً"، وقبول عطاء من البائع يُسمّى "رُسوّاً". (١) القوانين الفقهيّة لابن جزي، الباب الثامن ص ٤١٥ (٢) الموسوعة الفقهية الكويتيّة، تحت مادّة "المزايدة"٣٧: ٨٦ فقه البيوع المزايدة تُعقد عموماً بالنّداء، وعروض العطاء تُقَدّم شفاهاً. وهذا الطّريق متّبعٌ حتّى الآن فى الأسواق. وقد تُعقد المزايدةُ كتابةً. وطريقُها أنّ الجهة البائعة تُعلِن نوعَ المبيعات المعَدّة للمزايدة مع مواصفاتها، وتعيين مكان وجودها، والأوقاتِ الّتى تُعقد فيها المزايدة، وتطلُب من الراغبين فى الشّراء أن يُقدّموا عُروضَهم مكتوبة. فتُقدَّمَ العروض كتابةً فى ظرفٍ مختوم، ويُحتفظ بذلك إلى اليوم المعلن عنه لفتحها، فيفوز بالسّلعة مَن كان عرضُه أوفرَ قيمة. وهى طريقةٌ قد تأخذ بها الدّوائرُ الحكوميّة أو الشّركات فى بيع الأشياء المستعملة، كالسيّارات والأثاث. ورُويَ عن إبراهيم النّخعيّ رحمه الله تعالى كراهةُ هذا البيع، لأنّ مَن عرضَ على البائع ثمناً فإنّه يستامه على بيعها، فلو زاد أحدٌ فى عَرْض ثمنه، فإنّه يستلزم السّومَ على سوم أخيه، وهو ممنوعٌ بنصّ الحديث. ورُويَ عن الأوزاعيّ، وإسحاق بن راهويه، والحسن البصريّ، ومحمّد بن سيرين أنّه يجوز فى الغنائم والمواريث فقط، ولا يجوز فى غيرها. واستدلوا بحديثٍ مرويّ عن عبدالله بن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: "نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يبيع أحدُكم على بيع أحدٍ حتّى يَذَر، إلّ الغنائم والمواريث."(١) وجمهور الفقهاء، من الأئمّة الأربعة وغيرهم، على جواز هذا البيع، واستدلّوا فى ذلك بما رُويَ عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه (١) أخرجه ابن خزيمة وابن الجارود والدارقطنيّ وفى إسناده الواقديّ أو ابن لهيعة، كمانبّه عليه العينيّ فى عمدة القارى ٤: ٤٩٨ وأخرجه أيضاً أحمد والطبرانيّ فى الأوسط، وفيه أيضا ابن لهيعة كما فى مجمع الزّوائد ٤: ٨٤ ولكن تابعه عمربن مالك عند ابن الجارود فى المنتقى برقم ٥٧٠. المبحث الأول وسلّم باع حِلساً وقَدَحاً، وقال: "من يشترى هذا الحِلْس والقدح؟ فقال رجل: أخذتُهما بدرهم. فقال: مَن يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه"(١) أمّا النّهي عن السّوم على سوم أخيه، فمَحْمِله عند الجمهور بعد استقرار الثّمن، وركون كلِّ واحدٍ منهما إلى الآخر، كما سيأتى تفصيله فى باب البيع المكروه إن شاء الله تعالى. ولايُسام فى المزايدة إلاّ قبل استقرار الثّمن وقبل ركون البائع إلى (١) أخرجه أصحاب السّنن الأربعة، وهذا لفظ التّرمذي برقم ١٢١٨ وقال: "حسن". وقد رواه أبو داود فى قصّة طويلة نرى من المناسب إيرادها هنا لما اشتملت عليه من فوائد: "أنّ رجلاً من الأنصار أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسأله، فقال: "أما في بيتك شيء؟" قال: بلى، جلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء، قال: "ائتني بهما" ، قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده، وقال: "من يشتري هذين؟" قال رجل: أنا، آخذهما بدرهم، قال: "من يزيد على درهم مرتين، أو ثلاثا"، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاريّ، وقال: "اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به،"، فأتاه به، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ◌ُوداً بيده، ثم قال له: "اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما"، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا، وببعضها طعاما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع. "(سنن أبى داود كتاب الزكاة، باب ما تجوز فيه المسألة، رقم ١٦٤١) وقال الحافظ المنذريّ تحت هذا الحديث: "وأخرجه الترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه، وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان. هذا آخر كلامه. والأخضر بن عجلان: قال يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم الرازيّ: يكتب حديثُه. " (مختصر سنن أبى داود، ٢: ٢٤٠) وأخرجه المقدسي فى المختارة (٦: ٢٤٧، رقم ٢٢٦٥) وأحمد بن منيع فى مسنده (ليراجع إتحاف الخيرة المهرة: ٣: ٤٥ رقم ٢١٤٤ /٤) بسياق أطول من هذا. ١٣٦ فقه البيوع المشترى، بل قول البائع: "من يزيد؟" يدلّ على أنّه غير راض بهذا الثّمن، إلاّ إذا لم یظهر من یزید فیه، فافترقا. وممّا يدلّ على جواز المزايدة أحاديثُ تحريم النّجْش، وهو أن يزيد الرجل فى الثّمن، لا لأجل الشّراء، بل ليرغب فيه آخرون، كما سيأتى فى باب البيع المكروه، ولا يكون عموماً إلّ فى المزايدة. فظهر أنّ الممنوع فى النجْش هو السّومُ الَّذى قُصِد به أن يغترّ به غيرُه. فأمّا من لم يقصد أن يغُرّ غيرَه وأراد الشّراء، فلا بأس بذلك. ٤٠-الإيجاب والقبول فى المزايدة إذا نادى البائعُ أو وكيلُه على السّلعة على أساس المزايدة، وجعل الحاضرون يُقدّمون عُروضهم، فإنّ البيعَ لا يتِمّ إلاّ بموافقة البائع. وهذا لاخلاف فيه بين الفقهاء، وإن كان هناك خلافٌ فى الاصطلاح، حيثُ إنّ ما يصدر من كلّ من الحاضرين بقصد الشّراء هو إيجابٌ عند الحنفيّة، وموافقةُ البائع قبول. أمّا على اصطلاح المذاهب الثلاثة الأخرى، فموافقةُ البائع إيجابٌ متأخّر، وما صدر من المشترى، فهو قبولٌ متقدّم. وهذا اختلاف الاصطلاح فقط، كما فصّلناه عند تعريف الإيجاب والقبول. ولكنّ المذاهب كلّها متّفقةٌ على أنّ البيعَ لا ينعقد بمجرّد طرْح المبيع فى المزايدة، بل يجب أن يكون هناك موافقةٌ من البائع على أحد العروض. ٤١-هل يلزم البائع أن يقبل العطاء الأكثر؟ والظّاهر ممّا ذكره الفقهاء من أنّ تقديمَ العطاء إيجابٌ يحتاج إلى قبول البائع، وأنّ البائعَ لا يلزمه أن يقبلَ أزيدَ عطاء قُدّم إليه، بل يحقّ له أن يرفُض جميعَ الأعطية، ويُمسكَ عن النّداء إذا ظهر له أنّه لم يتقدّم أحدٌ بعطاءٍ يُلائمه. المبحث الأول وهل يجوز للبائع أن يقبل عطاءً أقلّ بعد ما تقدّم آخرُ بعطاء أكثر؟ قد صرّح المالكيّة بجوازه له. فقال ابن رشد رحمه الله تعالى: " وهو مخيّرٌ فى أن يُمضِيها لمن شاء ممّن أعطی فیها ثمناً وإن كان غیرُه قد زاد علیه." (١) ولم أجد فيه صراحةً عند الحنفيّة، ولكنّ الظّاهر أنّه يَسعه ذلك، لأنّ كلّ عطاء إيجابٌ مستقلٌّ عند الحنفيّة، وللبائع أن يقبل منها ما شاء. ولكن ذكر الحنفيّة أنّ البائعَ إن كفّ عن النّداء بعد ما تقدّم أحدٌ بعطاء، وركن إليه، فلا يجوز لآخرَ أن يزيد على ثمنه، فإنّه بعد ركون البائع يدخُل فى النّهي عن السّوم على سوم أخيه. ولو كان المنادى دلالاً للبائع، وطلبها إنسانٌ بثمن، فقال الدلال: "حتّى أسأل المالك " فلابأس للغير أن يزيدَ بعد ذلك فى هذه الحالة. فإن أخبر الدلالُ المالك، فقال: بعْه بذلك، واقبض الثّمن، فليس لأحدٍ أن يزيد بعد ذلك. وهذا استيامٌ على سوم الغير. (٢) وهذه المسئلة تدلّ على أنّ للبائع عند الحنفيّة أن يقبل عطاءً أقلّ. والقانون الإنكليزيّ فى أصله موافقٌ لهذا المبدأ، كما يظهر من المادة ٢ - ٦٤ من "قانون بيع المال" (Sale of Goods Act) ولكن صدرت بعض قرارات المحكمة الإنكليزيّة بأنّ من أعلن المزايدة، فإنّه قد ألزم نفسه مبدئياً أنّ من يُقدّم العطاء الأعلى، يكون مشترياً للبضاعة المعروضة. وليس حاصلُ هذا القرار أنّ البيع ينعقد بمجرّد عَرْض العطاء الأعلى، بل حاصلُه أنّ مَن أعلن المزاد فإنّه وَعَد بالبيع لمن يُقدّم أعلى عطاء، ويُمكن أن يُلزَم بوعده. وقد صدرت بعضُ القرارات (١) البيان والتحصيل لابن رشد ٤٧٥٨ و٤٧٦ (٢) المحيط البرهانيّ ٨ ١٠٢ و١٠٣ كتاب الكراهية والاستحسان، فصل ٧ والفتاوى الهندية ٣: ٢١٠ و ٢١١ فقه البيوع على أنّ من يُعلن المزايدة على أملاكٍ حكوميّة، فإنّه مُلزَمٌ بأن يبيع السّلعة المعروضة للمزاد إلى من يُقدّم أعلى عطاء. ولكنّ نصّ القانون وقراراتِ المحاكم على أنّ البائعَ لو احتفظ بحقّه فى الإعلان، فإنّه لا يلزمه العطاءُ الأعلى فى حالٍ من الأحوال.(١) وبالجملة، فإنّ القانون الإنكليزيّ يتّفق مع الفقه الإسلاميّ فى أنّ البيع لايتمّ إلاّ بموافقة البائع، غير أنّ بعض قراراتِ المحاكم جعلت إعلانَ المزايدة وعداً معنويّاً بأنّ البيع يُعقَد مع من يُقدّم العطاء الأعلى. أمّا من النّاحية الشّرعيّة، فإنّ ما ذكرنا فى مبحث الوعد ينطبق ههنا أيضاً، وهو أنّ الوعدَ فى الأصل غيرُ ملزم للواعد قضاءً، ولكن يجوز جعلُه ملزماً لحاجة حقيقيّة، وذلك بأن يصدر أمرٌ من وليّ الأمر بلزوم ذلك الوعد، إذا رأى فيه مصلحةً للجانبين. ٤٢- هل يلزم المشاركين العطاء الذى تقدموابه؟ أمّا بالنّسبة للمشاركين، فهل يلزمُ كلَّ من تقدّم بعطاءٍ أن يشتريَ به إن وافق البائعُ على عطاءه؟ لم أجد فيه صراحةً فى مذهب الحنفيّة، ولكن مقتضى قواعدهم أنّه يلزمه ذلك ما دام المجلس قائماً، كما هو الحكمُ فى خيار القبول فى البيوع العاديّة. وكذلك مقتضى أصلهم أنّه يحقّ له الرّجوعُ عن إيجابه قبل أن يصدُر القبول من البائع أو يرسوَ عليه العطاء. أمّا المالكيّة، فقد مرّ فى مبحث الإيجاب والقبول عن ابن رشد قال: "لو رجع أحدُ (1) Pollock & Mulla on Sale of Goods Act p. 464, Section 64, sub- section 2 المبحث الأول المتبايعين عمّا أوجبه لصاحبه قبل أن يُجيبه الآخرُ لم يُفِدْه رجوعُه إذا أجابه صاحبُه بعدُ بالقبول. " وقد ذكرنا عن الحطّاب أنّ مذهب المالكيّة جار على هذا(١) ولكنّ الإيجابَ فى البيوع العاديّة يسقُط بانقضاء المجلس إن لم يُصادفه القبول. أمّا فى المزايدة، فقد ذكر المالكيّةُ أولاً أنّ جميعَ المشاركين فى المزايدة يلزمهم ما تقدّموا به من عطاء إن ألزم البائعُ أحدَهما، ولو كان عطاؤُه أقلَّ من الآخر. ثمّ ذكروا أيضاً أنّ خيارَ البائع يمتدّ إلى ما بعد المجلس. فقال ابن رشد الجدّ رحمه الله تعالى لبيان النّقطة الأولى: "والحكم فيه أنّ كلّ من زاد فى السّلعة لزمَته بما زاد فيها إن أراد صاحبُها أن يُمضيَها له بما أعطى فيها، ما لم يستردّ سلعتَه، فيبيع بعدها أخرى، أو يُمسكها حتّى ينقضيَ مجلسُ المناداة. وهو مخيّرٌ فى أن يُمضيها لمن شاء ممّن أعطى فیها ثمناً، وإن کان غیرُهقد زاد علیه."(٢) والنّقطة الثانية أنّ هذا اللّزوم يبقى إلى مابعد المجلس أيضاً، ويجوز للبائع أن يُلزم أحدَ المشاركين بالشّراء ولو طال الزّمان. ذكرها الدسوقيّ رحمه الله تعالى، فقال: "وللبائع إلزامُ المشترى فى المزايدة ولو طال الزّمان، أو انفضّ المجلس، حيثُ لم يجرِ العُرف بعدم إلزامه، كما عندنا بمصر من أنّ الرّجل إذا زاد فى السّلعة وأعرض عنه صاحبُها، أو انفضّ المجلس، فإنّه لايُلزمِه بها. وهذا ما لم تكن السّلعةُ بيد ذلك المشترى، وإلاّ كان لربّها إلزامُه بها."(٣) (١) مواهب الجليل للحطّاب ٤: ٢٤١ (٢) البيان والتّحصیل لابن رشد ٤٧٥٠٨ و ٤٧٦ (٣) حاشية الدّسوقيّ على شرح مختصر خليل ٥:٣ ٠٣/٢ فقه البيوع وحاصل كلام الدّسوقيّ رحمه الله تعالى أنّ الأصلَ كونُ الشّراء لازماً على من تقدّم بعطاء، ويستمرّ اللّزوم إلى ما بعد المجلس. وبهذا يفترق بيعُ المزايدة عن البيوع العاديّة الّتى لا يلزم فيها البيعُ بعد انقضاء المجلس. ويُستثنى من اللّزوم بعد المجلس فى المزايدة ما إذا كان عُرفُ البلد عدمَ اللّزوم، أو اشترط مقدِّم العرض ذلك عند تقديم عرضه. ولكن يظهر ممّا ذكره الحطّب عن المأزريّ أنّ اللّزوم مبنيٌّ على العُرف، فلا يجوز للبائع أن يُلزم المشتريَ بالشّراء بعد انقضاء المجلس إلاّ إذا كان العُرف فى ذلك البلد بالإلزام. قال المأزريّ رحمه الله تعالى: "لا وجه للتّفرقة (يعنى بين المزايدة وبين البيوع العاديّة الّتى لاتلزم بعد المجلس) إلّ الرّجوع للعوائد." ثمّ قال المأزريّ رحمه الله تعالى: "ولو شرط المشترى إنّما يلتزم الشّراء فى الحال قبل المفارقة، أو شرط البائع لزومه له، أو أنّه بالخيار فى أن يعرضها على غيره أمداً معلوماً، او فى حكم معلوم، لزم الحكمُ بالشّرط فى بيع المساومة والمزايدة اتفاقاً، وإنّما افترقا للعادة حسبما علّل به ابن حبيب الفرق بينهما. (١) وقدّمنا فى مبحث الإيجاب والقبول أنّ الرّاجح موقف الجمهور فى أنّ الموجب له الحقّ فى الرّجوع عن إيجابه مالم يقبله الطّرف الآخر. فينبغى أن يُطبّق ذلك فى المزايدة أيضاً. ٤٣- المزايدة مع الاحتفاظ إنّ القانون الوضعيّ الإنكليزيّ يُعطى البائعَ الحقَّ أن يُعلِن قبل بداية نداء المزايدة أنّه (١) مواهب الجليل للحطّاب ٤: ٢٣٨ المبحث الأول سيكون من جملة مقدّمى العروض، بمعنى أنّه يُقدّم عرضَه إذا شاء، ليكون هو المشترى. وتُسمّى المزايدةُ حينئذٍ "المزايدة مع الاحتفاظ" (Auction With Reserve) فلو فعل ذلك جاز له إن رأى أنّ العُروض الّتى قُدّمت لم تبلُغ إلى ما يُريد من الثّمن، فإنّه يتقدّم بنفسه بعرض أكثر، ويشترى البضاعةَ لنفسه، ليبيعها مرّةً أخری بثمن زائد.(١) فهل يجوز مثلُ هذا الاحتفاظ شرعاً؟ والجواب فيما يظهر أنّ الإنسان لا يُمكن أن يشتريَ بضاعته من نفسه. فحاصلُ هذا الاحتفاظ لا يعدُو من أن يكون إعلاناً من قِبله أنّ له أن يرفُض جميعَ الأعطية المعروضة، ويُمسِكَ عن بيعه، ويحتفظَ بالسّلعة لنفسه، ليتمكّن بعده ببيعه بثمن أكثر. وقدّمنا فيما سبق أنّ له ذلك. ولعلّ ذلك لا يختلف حكمُه عمّا إذا حدّد البائعُ سعراً أقلّ بمعنى أنّه لا يبيع إلاّ بما زاد على ذلك. وهذا جائزٌ شرعاً. (1) Sale of Goods Act 1930, Section 64, (4) & (6) with commentary of Pollock & Mulla, p.466 cf Contract Act 1872 Section 123 أحكام المناقصة ٤٤ - المناقصة (Reverse Auction) المناقصةُ (Reverse Auction) اصطلاحٌ حادثٌ لطريقة تتبعها جهاتٌ تُريد شراءَ سلع أو خدمات بأقلِّ ما يُعرض عليهم من سعر. وقد عرّفه قرارٌ لمجمع الفقه الإسلاميّ الدّوليّ بما يأتى: "المناقصة: طلبُ الوصول إلى أرخصِ عطاءٍ لشراء سلعة أو خدمة تقوم فيها الجهةُ الطّالبة لها بدعوة الراغبين إلى تقديم عطااتهم وفق شروطٍ ومواصفاتٍ محدّدة."(١) وهو فى حقيقته عكسُ المزايدة. فالمزايدةُ يُجريها البائعون الّذين يُريدون أن يعقدوا البيع بأكثر ما يُعرض عليهم من ثمن، فيطلبون العروض من المشترين. والمناقصةُ يُجريها الرّاغبون فى الشّراء، ويطلبون العروض من الراغبين فى البيع، ويُرسون العطاءَ على من يتقدّم إليهم بأقلّ الأسعار. والكلام فى مشروعيّة هذه العمليّة مثلُ الكلام الذى (١) قرار المجمع رقم ١٠٧ (١- ١٢) مجلّة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثانى عشر المبحث الأول سبق فى المزايدة. وإنّ المناقصة، وإن لم يجر لها ذكرٌ فى كتب الفقه، ولكن يُمكن قياسُه على المزايدة، لأَنّه لافارقَ بينهما من حيثُ المبدأ، فإنّ العُروض تُقدَّم فيها كما تُقدّم فى المزايدة. وكونُها سوماً على سوم الآخر قد مرّ الجواب عنه فى المزايدة. ولكنّ المناقصة عادةً إنّما تجرى فى حاجات المشاريع الكبيرة من التّجارة والصّناعة. فكانت المزايدةُ يُمارسها الفقراء، حتّى سُمّيت "بيع المفاليس". أمّا المناقصة، فإنّها تجرى بين جهاتٍ تجاريّة أو صناعيّة ثريّة بمبالغَ باهضة. وإنّما تجرى بطريقة مكتوبة أكثر انضباطاً ودقّة. والطّريقة المتّبعة لإجراء المناقصة أنّ الجهةَ الّتى تُريد أن تعقد مع مقاول لبناء عمارة مثلاً، وتُريد أن يتقدّم إليها المقاولون بعروض مختلفة، فإنّها تدوّن تفاصيلَ البناء ومواصفاتِه وشروطَ العقد فى دفتر، ثمّ تدعو المقاولين إلى المناقصة عن طريق الإعلان فى الجرائد أو الصُّحف، ويحدَّد فى الإعلان العملُ وبعضُ تفاصيله. أمّا دفتر الشّروط الذى يحتوى على تفاصيل العمل بكاملها، وعلى الشّروط الأخرى للعقد، فإنّما يُعطى للمشاركين فى المناقصة بثمن يُحدَّد فى الإعلان المنشور فى الجرائد أو الصحف، كما أنّ الإعلانَ يُحدِّ آخرَ موعدٍ لتقديم العروض، وتاريخَ فضّ العروض، وفى بعض الحالات يطالب المقاولون بتقديم ضمان ابتدائيّ يُنبئ عن جدّيّتهم فى تقديم العرض. وعلى أساس هذا الإعلان يتقدّم المقاولون بعروضهم فى ظروفٍ مختومة مع مبلغ الضّمان الابتدائيّ، ثمّ إنّ الجهة الطّالبةَ للمناقصة تفتح الظُّروف المختومةَ فى موعدٍ محدَّد بحضور المشاركين فى المناقصة أو ممثّليهم، ويُعلَن اسمُ كلّ صاحب عرض، وسعرُ عرضه، ويُسجّل، ثمّ يتِمّ فحصُ العروض للتّأكّد من توافر الشُّروط وموافقة ٤ فقه البيوع العروض للمواصفات المطلوبة، وموافقتِها للإجراءات القانونيّة. ثمّ تختار الجهةُ الطّالبةُ للمناقصة العَرْض الأقلّ سعراً، إلّا إذا كان ذلك السّعر - بالرّغم من كونه أقلّ بالنّسبة لسائر العروض - أغلى بالنّسبة إلى سعر السّوق. فحينئذٍ تُفاوض الجهةُ الطّالبة مع صاحب العرض الأقلّ لتخفيض سعره ليكون موافقاً لسعر السّوق. وكذلك إذا تساوتْ بعضُ العُروض فى أسعارها، ربّما يلجأ إلى إجراء مفاوضة عَلَنيّة بين أصحاب هذه العروض لاختيار الأصلح، أو يُقسّم العملُ بينهم حسبما تقتضيه مصلحةُ الجهة الطَّالبة. وبعد هذه الإجراءات يُرسَى العطاء لمن قُبل عرضُه. ومثل هذه الإجراءات تُتّخذ أيضاً فى المناقصات الّتى تُطلب فيها عقودُ التّوريد. فإعلانُ طلب المناقصة يحتوى على مواصفات الأشياء المطلوبة وكمّيّاتها، ويتقدّم التّجّارُ بعروضهم لبيع هذه الأشياء ويُرسَى العطاء لأقلّها سعراً بالطريقة التى ذكرناها فى المقاولة سواءً بسواء. وإنّ فى البلاد المختلفة قوانينَ مختلفةً تخضع لها المناقصات، وإجراءاتٌ لا داعيَ لذكر تفاصيلها هنا، لأنّها أمورٌ إداريةٌ لا يتعلّق بها حكمٌ فقهيّ، ولكنّ المسائل الفقهية المتعلّقة بالمناقصات قريبةٌ ممّا ذكرناها فى المزايدة. فلو كانت المناقصةُ لعقدٍ يجوز إنجازُه على الفور شرعاً، مثل عقد البيع للمبيعات الموجودة عند البائع، أو عقد الإجارة، أوعقد الاستصناع، تنطبق عليها جميعُ الأحكام الّتى ذكرنا ها فى المزايدة. ولكنّ المناقصة كثيراً مّا تقع على اتّفاقيّات التّوريد. وإنّها تختلف عن المزايدة فى أنّ البيع فى المزايدات يتمّ فى مجلس العقد بالإيجاب والقبول كما أسلفنا. أمّا اتّفاقيّاتُ التّوريد، فقد ذكرنا فيما سبق أنّها ليست المبحث الأوّل من قبيل البيع النّاجز، وإنّما هى مواعدةٌ بين الطّرفين لإنشاء بيع فى تاريخ لاحق. فليس هناك إيجابٌ وقبولٌ لإنجاز العقد فى هذه المرحلة، وإنّما الإعلان الصّحفيّ لمثل هذه المناقصة دعوةٌ للتّجّار للدخول فى مواعدة أو تفاهم عامّ. ولكن لابأس أن تُتّخذ لها جميع الإجراآت الّتى ذكرناها، بشرط أن لايُظنّ أنّ إرساء العطاء عقدٌ باتٌّ للبيع مُضافٌ إلى المستقبل، بل يرسو العطاءُ على أنّه مواعدةٌ من الطّرفين، لازمةٌ عليهما، لإنجاز البيع فى تاريخ مستقبل. وقد فصّلنا الفرق بين الأمرين تحت عنوان "المواعدة فى اتفاقیّات التّوريد". ٤٥- حكم أخذ عوض على دفتر الشُّروط والمعمولُ به فى المناقصات عموماً، وفى المزايدات فى بعض الأحوال، أنّ الجهة الإداريّة التى تُريد أن تُجريَ المناقصة تُسجّل تفاصيل العقد ومواصفاته فى دفتر. وهذا الدّفتر يُعطى للمشاركين بعوضٍ ماليّ. فالسُّؤال الفقهيّ: هل يجوز للجهة الإداريّة أخذُ عِوَض مقابلَ دفتر الشُّروطِ؟ فإذا نظرنا إلى أنّ هذا الدفترَ إنّما يرجع نفعُه إلى الجهة الإداريّة، حيثُ إنّها هي الّتى تريد أن تُجري المناقصةَ لصالحها، لم يكن هناك مبرِّر لها فى أخذ عوض مقابلَ هذا الدفتر. ولكنّ هناك ناحيةً أخرى لا يمكن غضّ النّظر عنها، وهي: أنّ إعدادَ دفتر الشُّروط ربّما يحتاج إلى دراساتٍ فنّةٍ، ورسم خرائطَ دقيقة، ممّا يتطلّب جُهداً ومالاً. ومن ناحية أُخرى: إنّ هذا الدّفترَ يخفّف مؤونةَ المقاولين أو التُّجَار؛ لأَنّه لولا هذا الدفترُ لاحتاج كلُّ عارضٍ إلى أن يُجري هذه الدّراسات الفنّيّة بنفسه، ويتكبّد فى ذلك فقه البيوع جُهداً، ويبذل لأجله مالاً. ومن هذه الجهة يبدو أنّ الجهةَ الإداريّةَ تَستحقُّ أن تُطالِب عوضاً مقابل هذا الدفتر. والذى يظهر لهذا الضّعيف - عفا الله عنه- أنّه لو كان دفتر الشُّروط لا يتضمّن دراساتٍ فَنّةً، وكان مشتملاً على مجرّد شرط العقد، فلا يجوز للجهة الإداريّة أن تتقاضى عليه ثمناً؛ لأنّه بمنزلة شروط العقد من أحد العاقدين، ولا يجوز أخذ العوض على ذلك. أمّا إذا كان هذا الدفترُ مشتملاً على دراساتٍ فَنّة يحتاج إليها المشاركون فى المناقصة لإعداد عروضهم، فيجوز للجهة الإداريّة أن تأخذ على دفعه عوضاً يغطّى تكاليف الجهة الإداريّة فى إعداده. وهذا قريبٌ ممّا صدر به قرارٌ من مجمع الفقه الإسلاميّ فى موضوع بيع المزايدة، ونصّه ما يلي: "لا مانعَ شرعاً من استيفاء رسم الدُّخول - قيمة دفتر الشُّروط بما لا يزيد عن القيمة الفعليّة - لكونه ثمناً له."(١) ٤٦-حكم المطالبة بالضمان الابتدائيّ قدّمنا أنّ فى بعض الحالات يُطالَب المقاولون بتقديم ضمان ابتدائيّ يُنبئ عن جدّيّتهم فى تقديم العرض. فحكمُه الشّرعيّ ما ذكرناه فى بيان هامش الجدّيّة. ولا يظهر هناك مانعٌ من المطالبة به للتأكُّد من جدّيّة العارض، ما دام أنّه لا يؤدّى إلى أكل أموال النّاس بالباطل. وهذا إنّما يحصل إذا بقي مبلغُ الضّمان أمانةً عند الجهة الإداريّة. ولو وقع خَلْطُه (١) قرار رقم: ٧٣ (٨/٤) للدورة الثامنة للمجمع، المنعقدة فى برونائي دار السّلام، سنة ١٤١٤هـ راجع: مجلّة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثامن: ٢: ٢٥، فقرة ٥ المبحث الأول بالأموال الأُخرى، فيكونُ مضموناً عليها، وإن وقع استثمارُه بإذنه، فيجب أن يرجع ربحه إلى صاحب العرض الّذى قدّمه. وإن لم يفُزْ هذا العارضُ بالصّفقة، بمعنى أنّه لم يُقبَل عرضُه، فإنّه يُردّ عليه كاملُ المبلغ، مع ربحه إذا أُودِعٍ فى وعاءٍ استثماريّ مقبول شرعاً. وما يُعمل به عموماً من مُصادرة المبلغ إذا سحبَ العارضُ عرضَه قبل موعد إرساء العطاء، غيرُ مقبول من النّاحية الشّرعيّة إطلاقاً، وهو من قبيل أكل أموال الناس بالباطل؛ لأَنّنا حقّقنا فيما سبق أنّ التّقدُّم بالعرض إيجابٌ من قِبَلِ العارض، ويحقّ شرعاً لكلّ من يتقدّم بالإيجاب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول الآخر، فلا وجه لمصادرة ما تقدّم به من الضّمان الابتدائيّ. وكثيراً ما تقع حالاتٌ يُضطرّ فيها العارضُ لسخْب عرضه، فكيف يجوز معاقبتُه فى مثل هذه الحالات؟ حتّى لو أخذنا بقول المالكيّة الّذين يرون التّقدُّم بالعرض فى المزايدة ملزماً على الموجب العارض، ولا يعترفون بحقّه فى الرّجوع، فإنّ غايةَ هذا الإلزام أن يُجبَر على العقد قضاءً، أو يُحمّل الضّررَ الماليَّ الَّذى تضرّرت به الجهةُ صاحبةُ المناقصة فعلاً، وإلاّ صارت هذه المصادرةُ عُقوبةً ماليّةً، لا يجوز لأحدٍ أن ينفّذها إلّا القاضى على قول من يجوّز الغرامةَ الماليّةَ كعقوبة مشروعة، وخاصّةً فى حين أنّ المالكيّة إنّما ٠ ألزموا الإيجابَ على العارض فى المزاد العلنيّ الَّذى يرسُو فيه العطاءُ فى مجلس المزاد، ولا ينطبق ذلك تماماً على المناقصات السّرّية الّتى يتمّ فيها العقد بعد مدّة تُحتمل فيها تقلُّباتُ الأسعار بصفة غير متوقّعة. فلا يجوز شرعاً مصادرةُ الضّمان الابتدائيّ إذا سحب العارض عرضه قبل إرساء العطاء. وقد يُستشكل هذا بأنّه لا تظهر هناك فائدةٌ لهذا الضّمان إذا وجب ردُّ مبلغه إلى ٤ ٧,٩ ١٣٨ فقه البيوع العارض فى جميع الحالات. والجواب عن هذا الإشكال أنّ هذا المبلغ ليس إلّا للتّأكُّد من جدّية صاحب العرض، وليس ضماناً فى مفهومه الفقهيّ، فإنّ الضّمانَ إنّما تسبقه مديونيّةٌ، وإنّ مجرّد التقدُّم بالعرض لا يُنشئ ديناً على صاحب العرض. ولا شكّ أنّ من يتقدّم بهذا المبلغ عند تقديم عرضه، فإنّه يُنبئ عن جدّيته فى الاشتراك؛ لأنّه لا يتنازل أحدٌ عن سيولته، ولو لمدّة قصيرة، إلّا مَن يُريد أن يدخل فى العقد حقيقةً. وهذا المطلوب حاصل، والله سبحانه أعلم. ٤٧- حكم الضمان النّهائيّ أمّا الضَّمانُ النَّهائِيُّ، فإنّه يطالَبُ به مَن يفوز بالصَّفقة من بين العارضِين، وإنّما يطالَب به لتوثيق أنّ الفائزَ بالصّفقة يلتزم بمسئوليّاته التّعاقدُيّة، وقد يزعُم بعضُ النّاسِ أنّه من قبيل العربون، وليس الأمرُ كذلك، لأنّ العربونَ الّذى أجازه الحنابلةُ إنّما يُقدِّمِه المشترى، وصاحبُ العرْض فى المناقصات هو البائعُ، إذا كان موضوعُ المناقصة توريداً، أو استصناعاً، والمؤجرُ، إن كانت المناقصةُ موضوعُها تقديمَ بعض الخدمات. والواقعُ أنّه لا يوجد هناك نظيرٌ فى الفقه الإسلاميّ بمطالبة شيئٍ من البائع أو المؤجر، إلّا مطالبةُ الرّهن من المسلم إليه الذى جوّزه بعضُ الفقهاء ومنعه آخرون. ولكنّ ذلك إنّما يُمكن إذا كان البيع باتّاً، كما فى السّلم أو الاستصناع. أمّا فى اتفاقيّات التّوريد، فقدّمنا أنّها ليست عقوداً باتّة. وغايةُ ما يُمكِن أن يبرَّر به هذا الضّمانُ هو على أساس "هامش الجدّية" فينطبق عليه كلُّ ما ذكرنا فى الضّمان الابتدائيّ من أنّه أمانةٌ ابتداءً، وإن خُلِطَ بمال آخر، فإنّه مضمونٌ على صاحب المبحث الأول المناقصة. وإن وقع استثمارُه بإذن صاحبه فإنّه يرجع ربحُه إليه، ويجب ردُّه مع رِبْحه (إذا كان مستثمراً فى جهة مقبولة شرعاً) إلى صاحبه عند تمام تنفيذ العقد. ولا يجوز مصادرتُه إلّا إذا تخلّف صاحبُه من أداء واجبه، وحصل بالتّخلُّف ضررٌ ماليِّ لصاحب المناقصة فعلاً، فيمكن أن تقع المقاصّةُ بين المبلغ وبين ما يجب على المتعاقد من تعويض ماليٍّ وقد صدر قرارٌ من مجمع الفقه الإسلاميّ بشأن الضّمان فى بيوع المزايدة بما نصّه: "طلبُ الضّمان ممّن يريد الدخول فى المُزايدة جائزٌ شرعاً، ويجب أن يُردّ لكلّ مشارك لم يرسُ عليه العطاء، ويُحتسب الضّمانُ الماليُّ من الثّمن لمن فاز بالصفقة."(١) وبما أنّ هذا القرار كان موضوعُه المزايدة، ويُطلب فيه الضّمان من المشترى، فيمكن تخريجُه على أساس العربون، وليس الأمر كذلك فى المناقصات الّتى يُطلب فيها الضّمان من البائع أو المقاول، فلا بُدّ من ردّ هذا المبلغ بعد تنفيذ العقد مع سائر واجبات المتعاقد الأخرى، ولا يُصادَر هذا المبلغ إلَّا فى الصّورة الّتى ذكرناها من تخلُّف المتعاقد عن تنفيذ العقد، وتحميلِه الضّرر الفعليَّ الماليَّ الَّذى أصاب صاحبَ المناقصة، فحينئذ تقع المقاصّةُ بين المالين. والله سبحانه وتعالى أعلم. ٤٨- المحظورات فى المزايدة والمناقصة ثمّ إنّ المزايدة والمناقصة وإن كانتا جائزتين شرعاً، ولكن قد تُصاحبهما ما يجعل (١) قرار رقم: ٧٣ (٨/٤) فى الدّورة الثّامنة للمجمع، المنعقدة فى برونائي، سنة ١٤١٤هـ مطبوعا فى مجلّة المجمع، العدد الثامن: ٢٥:٢، فقره ٤.