النص المفهرس

صفحات 101-120

فقه البيوع
اخترعتها السُّوق الرأسماليّة، وليس المقصودُ منها تسليمَ المبيع وتسلّمَها، وإنّما
المقصودُ الاسترباح من خلال فروق الأسعار. وهى بالمقامرة أشبهُ منها بالتّجارة،
وتنشأ منها مفاسدُ خطيرةٌ ليس هذا موضعَ شرْحها.
ولأجل معرفة ما يقع فى فى العقود التّجاريّة اليوم يُناسبُ أن نُلقيَ نظرةً على القانون
السّائد فى هذا المجال.
٣٥- الفرق بين "اتفاقية البيع" و"البيع" فى القانون
البيوع فى التّجارة المعاصرة تُعقد بطريقين:
الطّريق الأوّل: البيوعُ الّتى تُنجَز فى الحال بالإيجاب والقبول شفاهاً، أو كتابةً، وينتقل
بها مِلكُ المبيع إلى المشترى فورَ تمام الإيجاب والقبول، ولا يتوقّف ذلك على أمر
آخر. وهذا بيعٌ عاديٌّ يجرى عليه جميعُ أحكام البيع. وإنّ هذا الطّريقَ هو المتّبعُ عادةً
فى البيوع على القطاعيّ، وفى بيوع الجُملة التى لا تحتاج إلى إجراآت طويلة.
الطّريقُ الثّانى: أن يتّفق الطّرفان على البيع، ولكن لايُنجزانه فى الحال، بل يتوقّف
إنجازُ البيع على أمور تحدث فى تاريخ لاحق. وإنّ هذا الطّريق يُحتاج إليه عادةً فى
البيوع الّتى تحتاج إمّا فى الحالات التى تُشترى فيها كمّيّةٌ كبيرة من السِّلع، ويحتاج
البائعُ لتوفيرها إلى وقت، وإمّا فى الحالات الّتى تحتاج إلى إجراات رسميّة، مثل بيع
العقارات.
وفى هذا الطّريق الثّانى تُعقد البيوع عادةً على أساس اتّفاقيّةٍ يُوقّع عليها الطّرفان قبل إنجاز
ءُ
البيع. وللوقوف على تكييفها الشّرعيّ، لابدّ من معرفة ما هو الواقع فى القوانين السّائدة.

المبحث الأوّل
والمعروفُ فى القوانين السّائدة اليومَ أنّ هُناك فرقاً بين "اتفاقيّة البيع"
(Agreement to Sell) وبين "البيع" (Sale). فأمّا اتّفاقيّةُ البيع، فهو مواعدةٌ أو التزامٌ
من الطّرفين بإنجاز البيع فى تاريخ لاحق، أو بعد تحقّق بعض الشّروط، ولا ينتقل بها
مِلكُ المبيع إلى المشترى. والصّغةُ الّتى تُستعمل فى الاتفاقيّة عادةً هيَ ما يأتى: "
وافق الطّرفُ الأوّل، البائعُ، أن يبيع، ووافق الطّرفُ الثّانى، المشترى، أن يشتريّ منه
كذا فى تاريخ كذا، أو بشروط متّفق عليها فى الاتّفاقيّة. "(١)
وأمّا "البيع" فهو عقدُ إنجاز البيع، وبه ينتقل مِلكُ المبيع إلى المشترى. ويُطلَق على
مجموعهما مصطلحُ "عقد البيع" (Contract of sale) والطّريقُ المتّبَع أنّه يُوقّع
العاقدان اتّفاقيّةَ البيع، ليقعَ البيع فى تاريخ لاحق، أو عند وجود شرط. فإذا جاء ذلك
التّاريخ، أو وُجد ذلك الشّرط، تمّ البيعُ تلقائياً دون حاجة إلى إيجاب وقبول جدید.
يُنُصّ "قانون بيع المال "الإنكليزيّ(1930 Sale of Goods Act) فى مادة ٤ ما يأتى:
(1) A contract of sale is a contract whereby the seller transfers
or agrees to transfer the property in goods to the buyer for a
price.
(2) A contract of sale may be absolute or conditional.
(3) Where under a contract of sale the property in the goods is
transferred from the seller to the buyer, the contract is called a
sale, but where the transfer of the property in the goods is to
take place at a future time or subject to some condition
thereafter to be fulfilled, the contract is called an agreement to
(١) وإنّه وإن كان فى الأصل التزاماً من الطّرفين لإنشاء بيع يسرى مفعولُه فى المستقبل، ولكن قد
تُستعمل الاتّفاقيَّةُ لإنجاز البيع فورَ التّوقيع أيضاً. وفى هذه الحالة لافرق بينه وبين البيوع المعقودة
بالطّريق الأوّل العاديّ.

فقه البيوع
(4) An agreement to sell becomes a sale when the time
elapses or the conditions are fulfilled subject to which the
property in the goods is to be transferred.
٤- ١"عقدُ البيع عقدٌ يقوم فيه البائعُ بنقل ملكِ البضاعة، أو بالاتّفاق على
نَقْل مِلكها إلى المشترى مقابلَ الثّمن.
٢- يمكنُ أن يكون عقد البيع باتّاً، أو مشروطاً بشرط.
٣- إن انتقل مِلكُ البضاعة من البائع إلى المشترى من خلال عقد البيع، فإنّه
يُسمّى "بيعاً". أمّا إذا كان انتقالُ مِلك البضاعة يقع فى وقتٍ لاحق، أو كان
موقوفاً على شرطٍ يُوفى لاحقاً، فإنّ العقد يُسمّى "اتفاقية البيع".
٤- "اتّفاقيَّةُ البيع" تنقلب إلى "البيع" إذا مضى الوقت (أى المحدّد فى
الاتّفاقيّة)، أو تحقّق الشّرط الذى كان انتقالُ الملك موقوفاً علیه."
وقال جوزف جتى فى تفسير هذه المادّة:
"يجب أن يُفرَّق بين "البيع" وبين "اتفاقيّة البيع"، لأنّ "البيع" يشتمل على
عقدٍ ونقلٍ (للمِلك). و "اتفاقيّة البيع" فى جانب آخر عقدٌ فقط، وليس شيئاً
زائداً على ذلك. وينتج من ذلك أنّه لو تخلّف أحدُ الطّرفين فى "اتفاقية البيع"
عمّا وجب عليه بموجب الاتّفاقيّة، فإنّه ليس للطّرف الآخر إلاّ المطالبةُ
الشّخصيّة (١) (Personal remedy)، أمّا إذا أنجزَ البيع، فإنّ المشتريَ له حقوقُ
(١) المراد من المطالبة الشّخصيّة أن يُجبر المتخلف على الوفاء بالاتّفاقيّة، أو على تعويض الضّررالّذى
أصاب الطرف الآخر بسبب تخلفه. فالحقّ الذى ينشأ عن اتفاقية البيع هو "حقِّ شخصيّ" =

المبحث الأول
المالك فى البضاعة نفسِها، والبائعُ له الحقُّ فى مطالبة الثّمن عن طريق
القضاء. وبالتّالي، فإنّ خطَرَ هلاك البضاعة، أو نقصانِه يبقى على المالك
عموماً. ولهذا، فإنّ هذا الخطرَ يقع على البائع فى "اتفاقيّة البيع". فإن هلك
المبيعُ موضوعُ الاتّفاقيّة قبل إنجاز البيع، بطلت الاتّفاقيّة، ولا شيئ على البائع،
كما هو مصرّحٌ فى المادّة ٨ من قانون بيع المال الإنكليزيّ. أمّا إذا تمّ البيعُ، فإنّ
المشتريَ هُو الذى يتحمّل الخطر حسب القواعد العامّة. "(١)
٣٦- التكييف الفقهيّ لاتفاقية البيع
وإنّ التّكييف الفقهيّ لهذه المادّة من "قانون بيع المال" حسبَ التّفسير الّذى ذكرناه
فيه احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أنّه بيعٌ مُضافٌ إلى المستقبل، لأنّ "اتّفاقيّةَ البيع " تنقلبُ بيعاً بصفة
تلقائيّة عند التّاريخ المحدّد، أو عند وجود الشّرطِ الموقوفِ عليه نقلُ مِلك المبيع،
ولا يحتاج إلى إيجاب وقبول جديد. فإنّه بيعٌ مضافٌ إلى المستقبل، أو بيعٌ معلّقٌ
على شرط. وسيأتى فى هذا الكتاب أنّ البيعَ فى الشّريعة الإسلاميّة لا يقبل الإضافةَ
ولا التّعليق، فهو بيعٌ باطل. ولو قلنا بأنّ البيعَ وإن وقع باطلاً، ولكنّه يتمّ بطريق
التّعاطى عند التّسليم والتّسلّم، فإنّه لا يصحّ أيضاً، لما قدّمنا فى مبحث التّعاطى أنّ
التّعاطيَ إن كان مبنيّاً على بيعٍ باطل أو فاسدٍ، فإنّه لايجوز بدون متاركة البيع الباطل
(#Right in personnen) وليس حقّاً عينيّاً (Right in rem) بمعنى أنّه لا يُنشئ حقّاً فى البضاعة
المبيعة أو الثّمن. راجع 85.Pollock & Mulla: On Sale of Goods Act, Section 4, P
(1) Chitty on Contracts v.2 p. 860 para 4407

فقه البيوع
والفاسد.
والاحتمالُ الثّانى: أنّ "اتفاقيّةَ البيع" ليس بيعاً مضافاً أو معلّقاً، بل هو وعدٌ من
الجانبين لإنجاز بيع فى المستقبل. وبعبارة أخرى: فإنّ الوعد من الجانبين لا ينشأ به
دين على أحدهما، بل هو التزام تبادليّ. ثمّ يتمّ البيعُ عند التّسليم والتّسلّم، إمّا
بإيجاب وقبول من جديد، أو بالتّعاطى.
ولكلّ واحدٍ من هذين الاحتمالين مؤيّدات. أمّا الاحتمال الأوّل، فيؤيّدُه أمورٌ آتية:
١ - إنّ "اتّفاقيّةَ البيع " تُسمّى "عقداً" وليس وعداً أو مواعدةً فقط.
٢- قد صرّح القانونُ أنّ "اتّفاقيّةَ البيع" ينقلبُ بيعاً عند وجود الشّرط، ولا يحتاج
إلى إيجاب وقبول من جدید.
٣- تُعتبر "اتفاقيَّةُ البيع " مُلزمِةً للجانبين، معَ أنّ الأصلَ فى الوعود أنّها لا تكونُ لازمةٌ
فى القضاء.
أمّا الاحتمالُ الثّانى أنّه وعدّمن الجانبين، فيتأيّد بما يأتى:
١- قد صرّحت المادة ٥٤ من قانون "انتقال الأملاك" (Transfer of Property
1882 Act) بما يأتى:
"A contract for the sale of immovable property is a contract
that a sale of such property shall take place on terms settled
between the parties. It does not, of itself, create any interest in
or charge on such property."
"إنّ عقد البيع فى مملوك غير منقول عقدٌ بأنّ بيعَ ذلك المملوك سوف يتمّ
حسبَ الشّروط المتفق عليها بين الطرفين. وإنّ هذا العقد لا يُنشئ بذاته حقّاً

المبحث الأول
فی ذلك المملوك أو رهناً علیه."
وهذا يدلّ على أنّ "اتفاقية البيع" وإن سُمّيَ "عقدا" ولكنّه لا ينقل ملكاً ولا حقّاً فى
المبيع، ولا يُسمّى بيعاً. وإنّما هو اتّفاق الطّرفين على إنشاء بيع فى المستقبل، كما
يدلّ عليه لفظ "سوف يتمّ".
٢- إذا تخلّف أحدُ الطّرفين من إنجاز البيع بعد توقيعه على "اتّفاقيّة البيع"،
فالقانونُ يمنحه أحد الحقّين: إمّا أن يُطالبَ الطّرف الآخر بالتّنفيذ العينيّ للبيع
(Specific Performance)، وإمّا أن يُطالبه بالتعويض عن الضرر الذى لحقه بسب
تخلّف الآخر (Damages). فمثلاً: اتّفق زيدٌ مع عمرو بموجب "اتّفاقيّة البيع " أنّه
سينقُل إليه طنّاً من القمح بثمنٍ معيّن فى تاريخ ١ من شهر يناير، ويدفعُ عمرو
الثّمنَ فى ذلك التّاريخ. ولما جاء ذلك التّاريخ، وفّر زيدٌ طنّاً من القَمح ليُسلّمه إلى
عمرو، وطلب منه تسلُّمه ودفعَ ثمنه، ولكنّ عمرواً امتنع من قبول القمح ودفعٍ
الثّمن، أو عرض عمروّ الثّمن على زيد، وامتنع زيدٌ من تسليم القمح المبيع، فلو
رُفع الأمر إلى القضاء، فإنّ القاضي عنده خياران:
الخيارُ الأوّل لحماية الطّرف المتضرّر بتخلّف الآخر: أن يأمر القاضى المتخلّف بدفع
التعويض عن الضرر الذى أصاب الطرف الآخر بسبب تخلّفه. جاء فى المادّة ٥٧
من "قانون بيع المال":
Where the seller wrongfully neglects or refuses to deliver the
goods to the buyer, the buyer may sue the seller for damages
for non delivery.
يعنى: "إذا قصّر أو أبى البائع بغير حقّ أن يُسلّم البضاعة (موضوع اتفاقيّة

١٠٦
فقه البيوع
البيع) إلى المشترى، فإنّ المشتريَ يحقّ له أن يتقاضى البائعَ فى المحكمة
بدفع التّعويض عن عدم التّسليم."
والتّعويضُ عن الضّرر فى القوانين على قسمين: الأوّل: ما يُسمّى: "التّعويض
المقدّر" (Liquidated Damages) والمراد منه أنّ العاقدين يتّفقان فى العقد على
مبلغٍ معيّنٍ يدفعه الطّرف المتخلّف إلى الطّرف المتضرّر نظير الإخلال بمقتضيات
العقد، أو يُعيّن قانونٌ مبلغاً معلوماً للتّعويض.(١) والقسم الثّاني: ما يُسمّى: "التّعويضُ
غيرُ المقدّر" (Unliquidated Damages) أو "التّعويض عن
الضّرر الفعليّ"(Actual Damages) والمراد منه أنّ الطّرف المتخلّف عن إنجاز
البيع يتحمّل الضّرر الماليّ الذى أصابه فعلاً. وقد ذكر فى قانون بيع المال الإنكليزيّ
أنّه يُحاسبُ على أساس الفرق بين الثّمن المتّفق عليه وبين القيمة السّوقيّة لذلك
المبيع. فإن كان التخلّف من المشترى بحيثُ امتنع عن دفع الثّمن وقبول البضاعة فى
التّاريخ المحدّد، وكانت القيمةُ السّوقيّةُ فى ذلك التّاريخ أقلّ من الثّمن المتّفق عليه
فى الاتّفاقيّة، فالفرق بينهما هو مقدار الضّرر الفعليّ الَّذى أصاب البائع. فيُلزم
المشترى بدفع هذا الفرق إلى البائع. وإن كان المتخلّف هو البائع، بأنّه امتنع عن
تسليم المبيع فى التّاريخ المحدّد، وكانت القيمةُ السّوقيّةُ للمبيع فى ذلك التّاريخ أكثر
من الثّمن المتّفق عليه، فإنّ الفرق بينهما هو الضّرر الفعليّ الّذى أصاب المشترى،
فيلزم البائع بدفع هذا الفرق إلى المشترى.(٢)
(1) Chitty: On Contracts, Chapter 26, Para 1556
(Y) The English Sale of Goods Act, Sections 50 &51 as quoted by Pollock &
Mulla, Section 56.

المبحث الأول
والخيارُ الثّانى لحماية الطّرف المتضرّر بتخلّف الآخر: أن يأمره القاضى بإنجاز البيع،
ودفع الثّمن إن كان المتخلّف مشترياً، وتسليم المبيع إن كان بائعاً. ويُسمّى: "التنفيذ
العينيّ Specific Performance "(١) ولاستخدام هذا الخيار الثّانى شروطٌ مدوّنةٌ
فى قانون مستقلٌ يُسمّى Specific Relief Act وقد ذكر فى المادة ١٢ من هذا
القانون أنّ القاضيَ يلجأ إلى هذا الخيار عموماً إذا تعذّر أو أشكل تعيينُ مبلغ
التّعويض. ولذلك ذكر هذا الخيار فى قانون بيع المال بعد المادّة ٥٧ فى مادّة مستقلّة
برقم ٥٨ جعلت هذا الخيار تابعاً للقانون المذكور، وذلك أيضاً إذا رأى القاضى ذلك
مناسباً. وجاء فى تفسير كلمة "التنفيذ العيني" (Specific Performance) فى
معجم قانونيّ:
"The actual accomplishment of a contract by a party bound to
fufil it. The doctrine of specific performance is that, where
damages would be an inadequate compensation for the breach
of an agreement, the contractor or vendor will be compelled
to perform specifically what he has agreed to do;" (2)
يعنى: "الإنجاز الفعليّ لعقدٍ من قبل الطّرف المُلزَم بفعل ذلك. ومعنى نظريّة
"التنفيذ العينيّ" (Specific Performance) أنّ فى الحالاتِ الّتى يكون فيها
التّعويضُ غيرَ كافٍ لجبر الضّرر الحاصل من التّخلف عن العقد، فإنّ العاقدَ أو
البائع ◌ُجبر على إنجاز فعليّ كان قد وافق علی فعله."
(١) هذه ترجمة عربيّة للاصطلاح الإنكليزي Specific Performance وقد تترجم باصطلاح
"تنفيذ كامل لعقد" وأحياناًب "الوفاء التّعيينيّ بالتّعهّد"
(Y) Black's Law Dictionary, "Performance" p.1024

١٠٨
فقه البيوع
فكأنّ الأصلَ فى حالة التّخلّف هو خيارُ التّعويض، وإنّما يُلجأ إلى إنجاز البيع فى
حالاتٍ خاصّة.
وإنّ مقتضى هذه الأحكام أنّ "اتّفاقيّة البيع " لم تكن بيعاً، فإنّها إن اعتُبرت بيعاً مضافاً
أو معلّقاً، لما كان هناك خيارٌ آخرُ سوى التّسليم والتّسلّم، ولماَ قُدّم التّعويض على
الإنجاز الفعليّ.
٣- حينما يذكر القانونُ هذا الخيارَ الثّاني (يعنى التنفيذ العينيّ)، فإنّه يُطلِق عليه
كلمات "نقل الملك" (conveyance) و"تنفيذ العقد"( Performance of the
Contract) و"إكمال البيع" (Completion of the sale) (١) وإنّ كلمة
Performance (الّتى ترجمناها بالتنفيذ) عرّفها معجم قانونيّ معروف بما يأتى:
"The fulfillment or accomplishment of a promise, contract, or
other obligation according to its terms." (2)
يعنى: "الوفاء أو الإنجاز لو عد، أو لعقد، أو لواجب آخر حسب شروطه."
وهذا يدلّ على أنّ البيعَ كان لم يتمّ بعد، واتّفاقيّةُ البيع كان وعداً من الجانبين. أمّا ما جاء
فى المادة ٤- ٤ من "قانون بيع المال" (١٩٣٠ Sale of Goods Act) من أنّ اتّفاقيّةً
البيع تنقلب إلى البيع تلقائيّاً فى الموعد المذكور فى الاتّفاقيّة، فمحمِلُه إذا وقع
التّسليمُ والتّسلّم حسب شروط الاتفاقيّة، فلا يحتاجُ إلى إيجاب وقبول مستأنف، بل
ينعقد البيعُ بالتّسليم والتّسلّم، أو بالتّعاطى، لواستخدمنا المصطلح الفقهيّ: أمّا إذا لم
يقع التّسليم أو التّسلّم، فلا تنقلبُ "اتفاقيّةُ البيع" إلى بيع منعقد.
(١) أنظر أمثلة المادة ١٢ من 1877 Specific Relief Act
(Y) Black's Law Dictionary, "Performance" p.1024

المبحث الأوّل
وبناءً على هذا، يظهر أنّ "اتّفاقيّة البيع " لا تعدُو من أن تكون مواعدةً من الجانبين
لإنشاء بيع فى المستقبل. ومجرّدُ إطلاق كلمة "العقد" على الاتفاقيّة لا يعنى أنّه بيعٌ
ناجز، لأنّه فى معنى المواعدة الملزمة على الطّرفين. وقد يُقال إنّ المواعدةَ متى
كانت ملزمةً للطّرفين، بحيثُ يُجبر الممتنع على تنفيذِ البيع عن طريق القضاء أو
تحمّل التّعويض، فإنّه صار مثلَ العقد المعلّق، فالجواب: أنّ الأمرَ ليس كذلك، لأنّه
لو كان عقداً معلّقاً، لَتَمّ العقدُ عند وجود الشّرط الّذى عُلّق عليه العقد، وانتقل به
ملك المبيع إلى المشترى فورَ وجود الشّرط، ولم يكن هناك خيارٌ للبائع إلاّ تسليم
المبيع، مع أنّ الحكمَ فى القانون الوضعيّ أنّ الأصلَ فى هذه الصّورة التّعويض، إن
لم يفِ البائع بتنفيذ العقد.
وقد وردت مادّتان فى قانون بيع المال (النافذ فى باكستان والهند) المبنيّ على
القانون الإنكليزيّ العامّ تتحدثان عن البيع المعلّق بصفة خاصّة. الأولى: مادة ٢.٤
وهى مايلى:
"A contract of sale may be absolute or conditional"
يعنى: "إنّ عقد البيع يجوز أن يكون باتّاً أو معلّقا على شرط."
"There may be a contract for the sale of goods the acquisition
of which by the seller depends upon a contingency which
may or may not happen."( I)
"يمكن أن يكون هناك عقدٌ لبيع بضاعة يتوقّف حصولها للبائع على شرطٍ
موهوم یحتمل أن یوجد أو لا يوجد."
(1) Sale of Goods Act 1930 Section 6 (2)

فقه البيوع
وقد صرّح شرّحُ هذا القانون أنّ هذه المادّة تُجيز عقداً يتّفق فيه الطّرفان أنّ المشتريَ
يدفع الثّمن إلى البائع فى كلّ حال، سواءٌ وُجد الشّرط أو لم يوجد. وفى تعليل ذلك
جاء فى القرارات القضائيّة تحت هذه المادّة:
"In view of the plain language of section 4 (2) and 6 (2) of
the Act, and the buyer may have to pay in any event, for 'a
man may buy the chance of obtaining goods' and 'if a man
should be foolish enough to make a purchase of a chance, he
must perhaps abide by the consequence of his rashness."(1)
"ولكنّ الموقف الآخر راجحٌ بالنظر إلى العبارة الصّريحة فى المادة ٢.٤ و٢.٦
للقانون، وأنّه يُمكن أن يكونَ المشترى يُلزَم بدفع الثّمن فى أيّ حال، لأنّه
يجوز أن يكون شخصٌ يشترى مجرّدَ فُرصة للحصول على البضاعة، وأنّه
ء
لو كان شخصٌ أحمقَ إلى حدٍّأن يشتريَ فرصةً فقط، فلعلّه يجب عليه أن يفيَ
بعهده بتحمّل نتائج استهتاره."
ويتبيّن ممّا ذكرنا أنّ اتّفاقيّةَ البيع حسب هذا القانون، وإن لم يكن بيعاً معلّقاً فى عامّة
الأحوال، ولكن يُمكن أن يكون عقداً معلّقاً على شرطٍ، إن اشتُرط على المشترى أنّه
سوف يؤدّى الثّمنَ بكلّ حال. وفى هذه الحالة يُمكن أن ينتقل ملكُ المبيع إلى المشترى
بمجرّد وجود الشّرط، وكذلك يُمكن أن يَلزمَ المشتريَ الثّمنُ بمجرّد العقد، ولو لم يتسلّم
المبيعَ عند فقدان الشّرط الّذى عُلّق عليه البيع.
وكذلك يُمكن أن تكون اتّفاقيّةُ البيع مواعدةً لإنشاء بيع فى المستقبل، كما ذكرنا.
(1) Pollock & Mulla, Eighth edition p. 98

المبحث الأول
وعلى ضوء ما ذكرنا فى الحكم الشّرعيّ فى مبحث الوعد والمواعدة، فإنّ اتّفاقيّة
البيع الذى أنجز حسب القانون فيه نظرٌ من عدّة وجوه:
الأوّل: يُمكن حسب القانون أن يكونَ البيعُ معلّقاً على شرطٍ. وفى هذه الحالة يُمكن
حسب القانون الذى فصّلناه أن ينتقل ملكُ المبيع إلى المشترى بمجرّد وجود
الشّرط، وكذلك يُمكنُ أن يَلزمَ المشتريَ الثّمنُ بمجرّد العقد، ولو لم يتسلّم المبيعَ
عند فقدان الشّرط الذى عُلّق عليه البيع. وهذا ممنوعٌ شرعاً، لأنّ العقدَ فى الحالتين
معلّقٌ وتعليق البيع على شرطٍ لا يجوز، فإنّ الشّرع يُراعى حقّ الجانبين، ولو كان
أحدُهما أحمقَ إلى حدٍّ أن يرضى بشراء فرصة فقط، لأنّ ذلك يؤدّى إلى القمار، ولا
يبقى بيعاً.
الثّاني: إن كانت الاتّفاقيّةُ مواعدةً لإنجاز البيع فى تاريخ لاحق، أو عند وجود بعض
الشّروط، فإنّ هذه المواعدةَ مُلزمةٌ للطّرفين. وقد ذكرنا أنّ الأصل فى الوعد أنّه ليس ملزماً
فى القضاء. ولكن يجوز جعلُه مُلزماً عند حاجة تجاريّة حقيقيّة. فإن دعت الحاجةُ إلى
ذلك فى الحالاتالتی ذکرناها فى مبحث الوعد، جاز.
الثّالث: البيعُ ينعقد حسب القانون تلقائيّاً فى ذلك التّاريخ، أو عند وجود الشّرط
الذى اتّفق عليه فى الاتّفاقيّة، ولا يحتاج إلى إيجاب وقبول. ولا يجوز ذلك شرعاً،
بل يجبُ أن يكون هناك إيجابٌ وقبولٌ من جديد، أو ما يقوم مقامَهما من التّعاطى.
الرّابع: أنّه لو تخلّف أحد الطّرفين عن التزامه فى الاتّفاقيّة، فإنّ القانون يفرضُ عليه
تعويضاً للجانب المتضرّر. فإن كان هذا "تعويضاً مقدّرا" (Liquidated Damages)
بمعنى أنّ الطّرفين اتّفقا على مبلغه عند التوقيع على الاتفاقيّة، فإنّه لا يجوز شرعاً، لأَنّه

فقه البيوع
لا يُعرف عند الاتّفاقيّة مقدارُ الضّررِ الّذي يُصيبُ الطّرف الآخر بسبب التّخلّف. وأمّا إن
كان "تعويضاً عن الضّرر الفعليّ" (Unliquidated Damages) فإنّ ما يفرضه
القانونُ هو الفرق بين الثّمن المتّفق عليه فى الاتفاقيّة وبين سعر السّوق فى جميع
الأحوال، سواءٌ أخسير به الطرف الآخر بذلك المقدار أم لا. فلو التزم زيدٌ فى الاتّفاقيّة
ببيع طنّ من القمح بألف دولار إلى عمرو. وتخلّف عمروّ المشترى يوم إنجاز البيع
عن أداء الثّمن وتسلّم القمح، وصار سعرُ القمح تسعمائة دولار، فإنّ القانون يفرضُ
على عمرو أن يدفع إلى زيد مائةَ دولار فى كلّ حال على كونه مقدارَ الضّرر الفعليّ،
بفرض أنّه سيبيعه فى السّوق بتسعمائة، فيخسَر مائة.
ولكن يُمكن أن يكون زيدٌ لم يخسر فعلاً، بأن كان اشتراه بثمانمائة، فباعه فى السّوق
بتسعمائة، فربح مائةً، أو بأن وجد مشترياً اشتراه بألف، أو بأن ازدادت قيمتُه إلى ألف
فى اليوم الآتى بعد التّاريخ المحدّد. والّذى أجازه العلماءُ المعاصرون عند الحاجة
فى جعل الوعد ملزماً أن يتحمّل الخسارة الفعليّة الّتى أصاب الطرف الآخر بسبب
التّخلّف، وهو أن يضطرّ إلى البيع فى السّوق بسعر أقلّ من تكلفته، بأن يذهب إلى
السّوق ويبيع القمح، فيخسّر فيه، بمعنى أنّه كان اشتراه بتسعمائة، ولم يجد مَن
يشتريه إلاّ بثمانمائة، فخسر مائة.
ولذلك صرّحوا بأنّه لا عبرةَ عند تحديد التّعويض بما يُسمّى "الفرصة الضّائعة"
(Opportunity Cost) والمراد من اعتبار الفُرصة الضّائعة أنّ المتخلّفَ فوّت عليه
فرصةَ الاسترباح، فيجبُ عليه أن يدفع إليه الرّبحَ الذى كان يتوقّعه بتنفيذ الوعد. ومعنى
عدم اعتبار "الفرصة الضّائعة " أنّه لا يجوز أن يُطالِبَ المتخلّفَ بالتّعويض إن حصل
على تكلفته ببيع بضاعته فى السُّوق فعلاً.

المبحث الأول
فإن استُخدمت اتّفاقيّةُ البيع حسب القانون السّائد، فلا بدّ من مراعاة هذه الأمور.
وهي تتلخّص فيما يلى:
١- يجوز أن تكون الاتّفاقيّةُ البيعَ بنقل الملك فوراً.
٢- يجوز أن تكون الاتّفاقيّةُ مواعدةً لإنجاز البيع فى مستقبل.
٣- إن كان مواعدةً، فلابدّ من أن يُعقَد البيعُ فى المستقبل بإيجاب وقبول من
جديد، أو بما يقوم مقامهما من التّعاطى، ولا ينعقد البيعُ تلقائيّاً فى التّاريخ المحدّد فى
الاتّفاقيّة.
٤- لا يجوز أن يُحمّل المتخلّف عن الوعد تعويضاً إلاّ بمقدار الخسارة الفعليّة الّتى
أصيب به الطّرفُ الآخر مثل أن يضطرّ البائعُ إلى بيع المبيع بأقلَّ من سعر تكلفته.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣٧-العربون وأحكامه
الْعَرَبُونُ والعُرْبان: بيعٌ فسّره ابن منظور بقوله: "هو أن يشتريَ السّلعة ويدفعَ إلى
صاحبها شيئاً على أنّه إن أمضى البيع حُسِب من الثّمن، وإن لم يُمضِ البيع،كان
لصاحب السّلعة، ولم يرتجعه المشترى(١). وهو مصدرٌ لعقدٍ مثل هذا البيع، وقد
يُطلق "العربون" على المبلغ المدفوع إلى البائع تسميةً للمفعول باسم المصدر.
وقال ابن قدامة: "والعربون فى البيع: هو أن يشتريَ السّلعة، فيدفع إلى البائع
(١) لسان العرب ٥٩٢:١

فقه البيوع
درهماً أو غيره على أنّه إن أخذ السّلعة، احتُسب به من الثّمن، وإن لم يأخذها
فذلك للبائع. "(١)
ويتبيّن من تعريف "بيع العربون" أنّه بيعٌ يثبت فيه الخيارُ للمشترى، فإذا أمضى
البيع، اعتُبر مبلغُ العربون جزءاً من الثّمن، وإن ردّ البيعَ، كان مبلغُ العربون للمالك.
فهو نوعٌ من خيار الشّرط للمشترى يقابلُه شيئٌ من المال فى حالة ردّ البيع فقط. أمّا
البائع، فلا خيارَ له. والقائلون بجواز هذا البيع لم يحدّدوا الخيارَ بزمن، فالظاهرُ أنّ
تحديده بید المتبايعين.
واختلف الفقهاء فى جواز العربون. فقال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعية وأبو الخطّاب من
الحنابلة: إنّه غير جائز. ورُويَ المنعُ عن ابن عباس رضى الله عنهما والحسن البصرىّ
رحمه الله تعالى.(٢) وقال الإمام أحمد: إنّه جائز. ورُوى الجواز عن عمر وابن عمر رضى
الله عنهما، و جماعة من التّابعین، منهم مجاهد وابن سیرین و نافع بن عبد الحارث وزید
بن أسلم، رحمهم الله تعالی جميعا.
احتجّ المانعون بما أخرجه مالك في موطأه عن الثّقة عنده، عن عمروبن شعيب، عن
أبيه، عن جدّه: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع العُربان.(٣) وبأنّ هذا
(١) المغنی لابن قدامه ٢٨٩:٤
(٢) المصدر السابق وراجع أيضا حاشية الدسوقى ٦٣:٣ والزرقانى على مختصر خليل ٨٣:٣
لمذهب المالكية، والمجموع شرح المذهب ٢٦٨:٩ لمذهب الشافعية
(٣) أخرجه مالك في أول البيوع من الموطأ، وأخرجه أبوداود من طريقه بلاغا في البيوع، باب في
العربان، رقم ٣٣٥٩ من تلخيص المنذري مع معالم السنن ٥: ١٤٢، وابن ماجه في التجارات
رقم ٢١٩٢ ، والبيهقي في سننه٥: ٣٤٢

المبحث الأول
من بيوعٍ فيه غرر، لأنّ المشتريَ يضيع له مبلغُ العربون دون مقابل إذا لم ينفّذ البيع.
واحتجّ القائلون بالجواز بما أخرجه عبدالرزاق في مصنّفه عن زيدبن أسلم: أنّه سُئل
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الغُربان في البيع، فأحلّه.(١)
وذكر ابن قدامة أنّ الإمام أحمد بن حنبل استدلّ فيه بما روى عن نافع بن
عبدالحارث أنّه اشترى لعمررضي الله عنه داراً للسّجن من صفوان بن أميّة، فإن
رضِيَ عمر، وإلاّ فله كذا وكذا. قال الأثرم: قلت لأحمد: هل تذهب إليه؟ قال: أيَّ
شيء أقول؟ هذا عمر رضى الله عنه! وضعّف الحديثَ المروىّ (يعني في النّهي عن
العربان) روى هذه القصّةَ الأثرمُ بإسناده.(٢)
أمّا حديثُ النّهى، فقد ضعّفه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لأنّ مالكاً رحمه الله لم
يسمّ شيخه، وقد اختلفت الرّوايات فى تعيينه، فرواه البيهقيّ من طريق حبيب بن أبي
حبيب عن مالك قال: حدثني عبدالله بن عامر الأسلميّ عن عمرو بن شعيب.(٣)
ومُفاد هذه الرّواية أنّ مالكاً سمعه من عبد الله بن عامر الأسلمىّ، وهو ضعيف ضعّفه
أكثر المحدثين. (٤) وأخرجه ابن ماجه من طريق حبيب بن أبي حبيب عن عبد الله بن
عامر الأسلمىّ بدون واسطة الإمام مالك. وحبيب متروك كذّبوه، كما ذكر ابن
عبدالبرّ فى الإستذكار، ورجّح أن أستاذ مالك فى هذا الحديث عبدالله بن لهيعة، (٥)
(١) إعلاء السنن ١٧٤:١٤
(٢) المغني لابن قدامة ٤: ٢٨٩
(٣) سنن البيهقي ٣٤٢:٥
(٤) راجع تهذيب التهذيب ٥: ٢٧٥ و ٢٧٦
(٥) أوجز المسالك ٤٥:١١

فقه البيوع
وهو معروفٌ بضعفه.
أمّا حديث زيدبن أسلم الّذي يدلّ على الجواز، فإنّه ضعيفٌ أيضاً، لأنّ مداره على
إبراهيم ابن أبي يحيى، وهو ضعيفٌ عند أكثر المحدثين، إلاّ أنّ الشافعىّ رحمه الله
تعالی وثّقه وأکثر عنه.(١)
أمّا قصّة نافع بن عبد الحارث، فقد ذكرها البخارىّ تعليقاً(٢)، قال: "واشترى نافع بن
عبد الحارث داراً للسّجن بمكّة من صفوان بن أمّة على أنّ عُمر إن رضِي فالبيع
بيعُه، وإن لم يرضَ عمر فلصفوان أربعمائة دينار." ووصله عبد الرزاق من طريق
الثّورىّ ولفظه: "عن نافع بن عبد الحارث: اشترى من صفوان بن أميّة داراً لسجن
بثلاثة آلاف، فإنْ عمرُ رضيَ فالبيعُ بيعُه، وإنْ عمرُ لم يرضَ بالبيع، فلصفوان أربعمائة
درهم، فأخذها عمر." وأخرجه من طريق ابن جريج، فذكر الثّمن أربعة آلاف
دينار.(٣) وأخرجه البيهقىّ ولفظه: "اشترى نافع بن عبد الحارث من صفوان بن أمية
دار صفوان بن أميّة بأربعمائة داراً لسجن عمر بن الخطاب إن رضيها، وإن كرهها
أعطى صفوانَ بن أميّة أربع مائة. قال ابن عيينة: فهو سجن الناس اليوم بمكّة. "(٤)
وأجاب المانعون عن هذه القصّة بطرق مختلفة. فقال ابن المنير رحمه الله تعالى:
"إنّ الأربعمائة دينار التي اشترطها نافع لصفوان كانت ثمناً للبيع، ولم تكن
(١) تهذيب التهذيب ١: ١٦١ وميزان الاعتدال ٥٨:١
(٢) كتاب الاستقراض، باب الربط والحبس في الحرم
(٣) مصنف عبدالرزاق كتاب الحج، باب الكراء في الحرم ٥: ١٤٨ رقم الحديث ٩٢١٣
(٤) السنن الكبري للبيهقي، كتاب البيوع، باب ماجاء في بيع دور مكة، ٦: ٣٤

٥
المبحث الأول
عربونا. والمقصود أنّ العُهدة فى ثمن البيع على المشترى، وإن ذكر أنّه يشترى
لغيره، لأنّه هو المباشر للعقد، فالمقصودُ أنّ نافعاً اشتراه لعمر رضى الله عنه، فإن
رضي فالبیعُ له، وإن لم یرض، فالبيع لنافع نفسه."
وهذا الجواب يجرى على أساس تعليق البخارىّ رحمه الله تعالى، فإنّه لم يذكر
الثّمن، وإنّما ذكر أنّ لصفوان أربع مائة دينار، وعلى أساس رواية البيهقيّ المذكورة
آنفاً، حيثُ ذُكر أربع مائة فى الموضعين. وأمّا ما رواه ابن حزم بلفظ: "اشترى داراً
لسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف، فإن لم يرض عمر فلصفوان أربع مائة"(١)
فأوله المانعون بأنّ الثّمن كان أربعة آلاف درهم، وهي تساوى أربع مائة دينار
اشترطت على نافع.
وأجاب الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن هذه القصّة بأنّ أربع مائة دينار كانت
عوضاً عن انتفاع نافع بتلك الدار إلى أن يأتيَ الجوابُ من عمر رضى الله عنه. وهذا
التّوجيه ضعيف، فإنّه يبعُد أن تكون أربعُ مائة دينار مقابلَ الانتفاع فى تلك المدّة
القليلة الّتى يأتى خلالها الجواب من عمر رضى الله عنه.
والحقّ أنّ قصّة نافع بن عبدالحارث قد وقع فيها اختلافٌ فاحش فيما بين الرُّواة فى تعيين
الثّمن وما اشتُرط لصفوان، كما هو واضحٌ من الرّوايات التي ذكرناها. وكذلك تتطرّق إليها
احتمالات متعدّدة. ويبدو أنّ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بلغته القصّةُ بما
لا يحتمل إلاّ أن تُعتبر أربع مائة عربوناً، أو أنّه رجّح تلك الرّوايات على غيرها. ولذلك
قال: "أي شئ أقول؟ هذا عمر رضى الله عنه!"
(١) المحلي لابن حزم ١٧١٠٨

فقه البيوع
وبالجملة، فالمسئلة مجتهدٌ فيها، وبما أنّ أغلبيّة الفقهاء على منع العربون، وقصّة نافع
فيها احتمالاتٌ متعدّدة، فالقول بالمنع هو الأحوط. ولكنّ اختلاف الفقهاء يُورث
تخفيفاً عند الحاجة إلى مثل هذا التّعامل، ولاسيّما إن صدر بذلك قانونٌ من ولىّ
الأمر، فإنّ حُكمَ الحاكم رافعٌ للخلاف، والله سبحانه أعلم. وقد أخذ مجمع الفقه
الإسلاميّ برأي الإمام أحمد رحمه الله في قراره رقم: ٧٦/ ٣/ ٨٥ في دورة مؤتمره
الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي دار السلام، ونصّه مايلي:
١" - المراد ببيع العربون بيعُ السّلعة مع دفع المشتري مبلغاً من المال إلى
البائع، على أنّه إن أخذ السّلعة احتُسب المبلغ من الثّمن وإن تركها فالمبلغ
للبائع.
٢- ويجرى مجرى البيع الإجارةُ، لأَنّها بيعُ المنافع. ويُستثنى من البيوع كلّ
ما يشترط لصحّته قبضُ أحد البدلين في مجلس العقد (السّلم) أوقبض
البدلين (مبادلة الأموال الربويّة والصّرف) ولا يجرى فى المرابحة للآمر
بالشراء فى مرحلة المواعدة، ولكن يجرى فى مرحلة البيع التّالية للمواعدة.
٣- يجوز بيعُ العربون إذا قُيّدت فترةُ الانتظار بزمن محدود. ويُحتسب
العربون جزءاً من الثّمن إذا تمّ الشّراء، ويكون من حقّ البائع إذا عدل
المشترى عن الشّراء."(١)
أمّا جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة الّذين لا يجوّزون بيع العربون،
(١) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العددالثامن، المجلد الأول، ص ٧٩١

المبحث الأول
فإنّ مبلغ العربون عندهم جزءً من الثّمن فى جميع الأحوال مع خيار الشّرط
للمشترى. فإن نفّذ المشترى البيعَ، وجب عليه ما بقيَ من الثّمن. وإن فسخ البيعَ
بممارسة الخيار، وجب على البائع أن يُرُدّ إليه مبلغَ العربون.
٣٨ -هامش الجدية
ويجب التّفريقُ ههنا بين العربون، وما يُسمّى فى عُرفنا المعاصر "هامشَ
الجدية "(Earmest Money) فإنّ أحكام العربون إنّما تتأتى في البيع المعقود
المنجّز. فالبيعُ فى العربون تامّ، غيرَ أنّ المشتري اشترط الخيارَ لنفسه. أمّا إذا لم يكن
البيعُ معقوداً، والمتبايعان فى مرحلة الوعد فقط، فلا يجرى فيه أحكام العربون، حتىّ
عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وقد جرت العادةُ فى بعض المعاملات اليوم أنّ أحد طرفي العقد يطالبُ الآخرَ بدفع
بعض المال عند الوعد بالبيع قبل إنجاز العقد، وذلك للتّأكّد من جدّيّته في التّعامل.
وهذا كما يشترطُ طالبُ العُروض فى المناقصات (Tenders) أن يقدّم صاحبُ
العَرض مبلغاً يُثبت جدّيّته في التّعامل؛ وكما جرت العادةُ فى بعض البلاد أنّ
المشتريَ يقدّم مبلغاً من الثّمن إلى البائع قبل إنجاز البيع، وذلك لتأكيد وعده
بالشّراء. ويُسمّى فى العرف "هامش الجدّية"، أو "ضمان الجدّيّة" (وإن لم يكن
ضماناً بالمعنى الفقهيّ) فهذه الدُّفعات ليست عربوناً، وإنّما هى أمانةٌ بيد البائع،
تجرى عليه أحكامُ الأمانات. ولا يجوز لآخذها أن يتموّلها لنفسه، ولا يجوز
استثمارُها إلاّ بإذن مالكها، بشرط أن يكونَ الرّيحُ له، وكذلك يجب ردُّ هذا المبلغ
إليه إن لم يتمَّ إنجازُ العقد معه. فلا يجوز للآخذ أن يُمسكها فى هذه الحالة، حتّى فى